رجلٌ وامرأة في حوض السمك ـــ وليد فاضل

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تأملات الدجاج قبل الذبح

((المسرح بشكل قفص كبير، أعدّ خصّيصاً لحجز الدجاج، ويمكن أن تكون جدران المسرح الثلاثة بيضاء اللون، وفيها نوافذ تفتح وقت اختيار الدجاجة المناسبة، ومن تلك النوافذ تمتدُّ أيدٍ آلية بشكل كماشة كبيرة، تقبض كل يد آلية على دجاجة، وتسحبها خارج منصة المسرح، الدجاج يمثل هنا بشكل دمىً على هيئة الدجاج. يستعاض عن بائع الدجاج والمشترين بأصواتهم فقط.‏

إن لون البياض المشكّل لألواح القفص سيتحوّل إلى لون أحمر مع استمرار المشهد، وسيصبح أحمر قانياً في نهاية المشهد.‏

أمّا أحلام الدجاجتين وتداعياتهما، فتمثل بشكل ممثلتين جميلتين، ترتدي كلُّ واحدة جاكيتاً من فروٍ أبيض، وقبعة توحي برأس الدجاجة.‏

أما الشباب الذين سيعاكسون الفتاتين، فقبعاتهم بشكل عرف الديك.‏

منصة المسرح مقسومة قسمين، في العمق حيث يمثل القفص وفيه الدمى بشكل دجاجات، وهناك صوت نقيقٍ مستمر للدجاج، ومقدمة المسرح حيث تمثل شارعاً مضاءً بأنوار برتقالية في المدينة.‏

مقدمة المسرح تمثل أحلام الدجاجتين التي تتجسد بشكل فتاتين أما عمق المسرح فهو قفص الدجاج.‏

الإنارة مسلطة على عمق المسرح))‏

الدجاجة الأولى: آه، أخواتنا، لا تكفّ عن النقيق.‏

الدجاجة الثانية: هذا يحدث في أرقى العائلات.‏

الأولى : أرقى العائلات؟!‏

الثانية : أجل، يقال إنّ العائلات من بني الإنسان فيها نقيق.‏

الأولى : لكنّهم يتكلمون.‏

الثانية : لكن أحياناً تنقّ الزوجة على الزوج.‏

الأولى : تصدر أصواتاً مثلنا؟‏

الثانية : لا، لكنّه شيءٌ يشبه هذه الحالة.‏

الأولى : الحالة لم تعد تطاق.‏

الثانية : لقد حشرونا حشراً في هذا القفص، كأننا بشرٌ.‏

الأولى : تجمّلي بالصبر يا أختي، الخلاص قريب، فالمشرف على هذا القفص كائنٌ رحيم، مثقف، وخجول، تصوّري أنّه لا يتذوّق طعم الدجاج، رغم أنّه بائع دجاج.‏

الثانية : لعلّه أحبّ ذات يومٍ دجاجة، وفّرت من يديه، اقتنصها ديكٌ شديد، فأعلن الحداد عليها طوال العمر.‏

الأولى : حالات بني الإنسان مع دجاجاتهم أمر غريب، وعجيب.‏

الثانية : بعكسنا نحن الدجاجات، فالديكة لدينا جميعهم متشابهون. وأيهم ينقرنا بمنقاره لا فرق، المهم هو ولادة دجاجة جميلة مثلنا، تحفظ نسلنا الراقي.‏

الأولى : تصوّري يا أختي الحياة بدون دجاج.‏

الثانية : لن يكون للحياة أيَّ هدفٍ أو معنى.‏

الأولى : أجل، الدجاج هو الغاية النهائية للحياة، ومعنى الحياة لن يكتمل بدون دجاج.‏

الثانية : تصوّري أنّه ذات يومٍ، ألقينا أحجيةً لجنس الإنسان، وإلى الآن، رغم تطوره لم يحلّها.‏

الأولى : من الذي سبق الآخر، البيضة أم الدجاجة.‏

الثانية : إلى الآن يحكّون ريشهم حين يفكّرون في إيجاد حلٍّ لهذه الأحجية، وإلى الآن، لم يتوصلوا لحلٍّ.‏

الأولى : انتبهي، أحد القتلة آتٍ.‏

الثانية : إنها امرأة.‏

الأولى : كيف عرفت؟‏

الثانية : صوتها يشبه نقيقنا، إنّه رخوٌ ومائع.‏

صوت امرأة: أريد يا أخي دجاجةً سمينة.‏

صوت البائع: كم الوزن؟‏

صوت المرأة: أكثر من 2 كغ.‏

((تفتح نافذة، تبرز منها يدٌ من حديد، تمسك بالدجاجة الأولى وتسحبها خارج القفص))‏

الثانية : أختي، حبيبتي.‏

صوت البائع: الوزن كغ و900 غ.‏

صوت المرأة: إنها لا تكفي زوجي بمفرده.‏

البائع : حسناً.‏

((تفتح النافذة، وتلقي الدمية التي تمثّل الدجاجة الأولى))‏

الأولى : الحمد لله، لقد نجوت، وزني الخفيف أنقذني.‏

الثانية : منذ اليوم، سأمتنع عن تناول الطعام، سأمارس ريجيماً قاسياً، حتى يصبح وزني كغ و700غ.‏

الأولى : هل افتقدتني؟‏

الثانية : كنت سأجنّ لو ذبحت.‏

((تفتح النافذة، تمتدّ اليد الآلية تأخذ دجاجة))‏

صوت البائع: 2كغ و200غ.‏

صوت المرأة: تكفي لي ولزوجي.‏

صوت البائع: اذبحها يا ولد، وضعها في الماء الساخن، ثم ضعها في نتّافة الريش.‏

الأولى : إنهم لا يستحون، جنس البشر لا يستحي، يعرّينا من ثيابنا. ويضعنا عراة على موائده، ينظرون إلينا بشهوة، ثم يلتهموننا بكل شبق.‏

الثانية : حتى أطفالهم، أكثر قلّة حياء منهم، لو ترين كم يسرّون حين يرون دجاجة قد تعرّت من ثيابها، وبان جسدها عارياً، لا يشعرون بالخجل، فيغضّون من أبصارهم.‏

الأولى : أتذكرين حين كنّا نسير في شارع الحب.‏

الثانية : أي شارع؟‏

الأولى : رقم خمسة، المخصّص للدجاجات المجنونات فقط.‏

الثانية : أذكر.‏

((ينار القسم الأمامي من المسرح، ويظلم القسم الخلفي، حيث تبرز فتاتان، تلبسان ثياباً متماثلة. جاكيت موشّى بالريش، وتحته فانيلا داخلية، بنطال جينز مقصوص بشكل عشوائي إلى ما فوق الركبة، تضع كل واحدة قبعة بشكل رأس دجاجة، تتمايلان بإغراء)).‏

الفتاة الأولى: نحن الدجاجات، المجنونات، فأين الديكة المجانين؟‏

الفتاة الثانية: سيأتون.‏

الفتاة الأولى: من تلقاء أنفسهم؟‏

الفتاة الثانية: الدجاجة الجميلة، تسعى إليها الديكة، ولو كانت في بئر مهجورة هكذا حدثتني جدتي.‏

الفتاة الثانية: وهل كانت جدتك جميلة.؟‏

الفتاة الثانية: بل قبيحة جداً، لذلك كانت دائمة التجوال في الشوارع، لكن لم يلتفت إليها أيُّ ديك.‏

الفتاة الأولى: دعينا من حكمتها، لا بدّ أن نبذل جهداً خاصاً.‏

الفتاة الثانية: جهداً خاصاً؟‏

الأولى : شيئاً يوقظ تلك الديكة الخاملة من نومها، لا تنسي أنّ الوقت صار بعد منتصف الليل. وفي مثل هذا الوقت كل الدجاجات يأوين إلى نومهن.‏

الثانية : إلاّ نحن، الدجاجات المجنونات.‏

الأولى : لسنا المجنونات، بل المغرمات بالصرعات الفنيّة والإثارة. إثارة الركود الاجتماعي، والفكري، في مجتمع الدجاج الوديع المسالم.‏

الثانية : حقاً يا أختي، لا يوجد سوانا يتجول في هذا الشارع الطويل، أخشى أن تأتي دورية، وتلقي القبض علينا، فدورياتهم تطارد الدجاجات، وتتجاهل الديكة، مع أن الشرّ كله، من الديكة القياصرة.‏

الأولى : إذن لنعد إلى بيوتنا، الساعة صارت متأخرة، والقمر يرقبنا من السماء، حين يكون القمر بدراً، تستيقظ الذئاب من رقادها.‏

الثانية : أشعر أنّ ذئباً من نار، يستيقظ داخل صدري.‏

الأولى : وأنا أيضاً، تلك اليقظة الذئبية، تجتاحني كلما صار القمر بدراً.‏

الثانية : غريب أمر القمر، لا يكف عن التحرش بنا.‏

الأولى : إنه لا يتحرش، بل يعرّفنا بحقيقتنا الدجاجية.‏

الثانية : آه، لا بدّ أن نفعل شيئاً، إن بقينا نتجول في هذا الشارع فلن يأتي ديك واحد، ولو كان في قمّة الجنون.‏

الأولى : ماذا تقترحين؟‏

الثانية : نغني، لعلنا نجذب تلك الديكة الخاملة الكسولة.‏

الأولى : أصوتك جميل؟‏

الثانية : ليس أقل سوءاً من صوت القطط، حين تغني القطط تنشدّ أبصار الهوارين، وحتى البشر، ترين أعينهم مسمّرة على شاشات الأجهزة، حين تظهر تلك القطط وهي تموء، يطربون، على الأقل نحن لا نموء، بل ننق، نغني بأسلوب حديث، أسلوب حر، كالشعر الحر، والموسيقا الحرّة الحديثة، حتى ثيابنا كما ترين هي حرّة، فانيلا، بنطال جينز ما فوق الركبة، وجاكيت رسمي.‏

الأولى : غني يا أختي.‏

الثانية : بل نغنّي معاً.‏

((يدخل ثلاثة رجال، بأيدهم صائدات فراش، يضعون على رؤوسهم قبعات كوبوي، وعلى عيونهم نظّارات سوداء)).‏

الأول : من تريد؟‏

الثاني : الشقراء.‏

الأول : أمّا أنا، فأريد السمراء، إنها أكثر إثارة، لم أر كبياض هذا الريش من قبل.‏

الثالث : ورئيس الدورية.؟‏

الأول : نحن بعدك يا سيدي.‏

الثالث : حسناً، لا تنسيا أننا نصطادهن باسم القانون. هيّا، آتوا بهنَّ.‏

((يطاردهن الرجال الثلاثة، حيث يتمكنون من أسرهن بالشباك، ثم يخرج رجال الدورية الفتاتين من الشباك)).‏

رئيس الدورية: البطاقة الشخصية.‏

الأولى : نسيتها في البيت.‏

رئيس الدورية: وأنتِ؟‏

الثانية : أسكن مع أختي.‏

رئيس الدورية: وماذا تعملان في الساعة الواحدة ليلاً في شارع الحب رقم خمسة.‏

الأولى : نسير في ضوء القمر.‏

رئيس الدورية: تحبّان القمر؟‏

الثانية : والشعر.‏

الأولى : والموسيقا.‏

الثانية : وساعة الفجر..‏

الأولى : حين تستفيق الديكة، هذه المدينة لا يوجد بها إلا ديكة نائمة حتى الفجر.‏

رئيس الدورية: أمعكم شهادة تثبت أنكم من عشاق القمر.؟‏

الثانية : معي شهادة تثبت أننا من عشاق الليل.‏

رئيس الدورية: أية وثيقة رسمية تكفي.‏

الثانية : هذه هي ((تقدم له وثيقة))‏

رئيس الدورية: وأنتِ؟‏

الأولى : وأنا معي وثيقة أيضاً ((تقدم له وثيقة))‏

رئيس الدورية: أنتما تعملان في نادٍ ليلي.‏

الأولى : نادي عشاق الليل. ألست عاشقاً للّيل.‏

رئيس الدورية: أنا؟!‏

الأولى : نعم.‏

رئيس الدورية: لا، أنا رئيس الدورية، أمّا هذان الأحمقان، فربما كانا من عشاق الليل.‏

الثانية : المعذرة يا أخي، نحن لا يمكن أن نقبل في نادينا إلاّ الديكة، فنادينا مخصّص للديكة، للأعضاء المشتركين، والاشتراك محصورٌ بالديكة فقط.‏

رئيس الدورية: نحن هنا سيدتي، للمحافظة على سلامتكن، من أية مشاكسة أو مناكدة، أتريدان خدمة منّا.‏

الأولى : أمنكم سيدي من يجيد تقليد صوت الديك.‏

رئيس الدورية: هذا، مختصٌ في تقليد أصوات الطيور. إنّه ((الدجاجة الثانية مقاطعةً)).‏

الثانية : أرجوك، قلّد لنا صوت الديك، وارفع صوتك حتى تسمعه ديكة المدينة كلها، فلعل الدمّ يتحرك في شرايينها المجمّدة.‏

الأول : حاضر ((يصدر صوت ديك))‏

الأولى : أعلى.‏

الأوّل : ((يرفع صوته أكثر))‏

الثانية : أكثر حتى سَمع الطرشان.‏

الأوّل : ((يرفع صوته عالياً جداً، فتتجاوب مع صوته أصوات ديكة من كل مكان))‏

الأولى : رائع، لقد أيقظنا الديكة من غفلتها، وبلادتها، الآن سيزدهر شارعنا بالرقص والغناء، سنسجّل أروع فيديو كليب هذه الليلة.‏

((يمتلئ المسرح بفتيات وفتيان، الفتيات تلبس ثياباً مشابهة للفتاتين لكن بألوان زاهية مختلفة، أما الشباب فيرتدون ثياباً سوداء، وكل واحد يضع على رأسه عرف ديك أحمر))‏

الأولى : أين الديكة؟‏

الثانية : هنا، الشارع يغصّ بهم، آه، الحياة بدأت تسري في حجارة الطريق، أحسّ بالجمر يتصاعد من الحجارة، والهواء، ذاته صار أشواكاً نارية تلسع دون استئذان.‏

الأولى : تلسع ماذا أيتها الحمقاء؟ أين الديكة.‏

الثانية : إنهم هنا.‏

الأولى : أيتها الأخت الساذجة، فتّشي عن ديك واحد، لا يتأبط ذراع دجاجة.‏

الثانية : سأفتش، آه، عجيب، حقيقة لا يوجد ديكٌ واحدٌ فارغ، كل ديكٍ يراقص دجاجته.‏

الأولى : أيقظنا ديكة أسرى، ونحن نريد ديكة أحراراً، ديكة بلا دجاجات مسبقة الصنع.‏

الثانية : لقد انهار حلمنا يا أختي.‏

الأولى : ديكٌ واحد، ديك واحد بلا دجاجة حمقاء غبية يرافقها. ديك ولو كان هرماً، آه، إنّه يبدو من بعيد.‏

الثانية : مَنْ.؟‏

الأولى : الديك الحرّ، الديك الذي يسير وحيداً، بلا دجاجة تسير جانبه.‏

الثانية : قد تكون سائرة خلفه.‏

الأولى : ولا خلفه، لكنه يبدو هرماً.‏

الثانية : لذلك هو وحيد.‏

الأولى : المهم أنّه وحيد.‏

الثانية : قد يكون شاباً يتخفّى بزي الهرم، يحدث هذا أحياناً في الأفلام.‏

الأولى : لا، إنّه هرم، ظهره المحني ينبئ عن ذلك.‏

الثانية : ثم؟‏

الأولى : مشيته المتّئدة، والمتّزنة.‏

الثانية : ثم.‏

الأولى : إنّه دائم الإطراق في الأرض، ساهم، شارد، مسترسل مع نفسه، يمرّ من قرب الدجاجات، مرور الشبح من الأجساد حدسي ينبئني أنّه شابٌّ متنكر بثياب الكهولة.‏

الأولى : وكيف سنتأكد.‏

الثانية : سنختبره.‏

الأولى : أيّ اختيار؟‏

الثانية : الاختبار رقم 3 فهو الاختبار الخاصّ باكتشاف الكهولة.‏

الأولى : لكن نحتاج لإذنٍ بذلك من الدّيك الأكبر.‏

الثانية : سأحصل عليه، ابق هنا، وحافظي على ديكنا الجميل، وسأعود بعد قليل.‏

الأولى : لا تطيلي غيابك، فقد يهرب من أيدينا.‏

الثانية : لمح البصر، وأعود.‏

((صوت هرير حيواني هائل، يفرّ على إثره الجميع من الشارع.‏

إظلام على مقدّمة المسرح‏

إضاءة على المكان الذي يمثّل القفص.‏

الدجاجة الأولى: ماذا حدث يا أختي؟‏

الدجاجة الثانية: اخفضي صوتك ورأسك، فقد يسمعك البائع أو يراك، فتقادين للميزان، ومن هناك للذبح.‏

الدجاجة الأولى: لكن ماذا حدث؟‏

الدجاجة الثانية: مجزرة، مجزرة يا أختي، ثلاث من أخواتنا ضرّجن بدمهنَّ.‏

الأولى : أرى آثار الدماء تلطّخ جدران القفص، لكن كيف حدث هذا؟‏

الثانية : اسكتي، إنّه يكلّمه، إنّه السبب، صاحب الحمار، بائع الحليب.‏

الأولى : ذلك المجرم العنيد؟‏

الثانية : أجل، أتى منذ قليل، اسمعي.‏

صوت بائع الدجاج: ثلاث دجاجات، السعر ثلاثمئة وستون ليرة.‏

صوت بائع الحليب: لحم أبيض جميل.‏

بائع الدجاج: إنّه طازج.‏

بائع الحليب: إذن أعطني دجاجتين لي.‏

بائع الدجاج: ولمن هذه الدجاجات الثلاث؟‏

بائع الحليب: لحماري.‏

بائع الدجاج: حمارك؟!‏

بائع الحليب: الذي يقف على زاوية الطريق، ويراقبنا بهدوء.‏

بائع الدجاج: حمار أنيس.‏

بائع الحليب: الحمد لله. هذه نعمة. بعض الأولاد شرسين.‏

بائع الدجاج: لكن يقال، حين أطعموا الأبقار لحماً حيوانياً، أصيبت بالجنون، جنون البقر.‏

بائع الحليب: هذا في بلاد الأجانب، أما عندنا فاطمئن، فلن يحدث عندنا جنون الحمير.‏

بائع الدجاج: لم؟‏

بائع الحليب: لأنها محصّنة.‏

بائع الدجاج: محصّنة.‏

بائع الحليب: لن يحدث مع حماري جنون إن أكل ثلاث دجاجات، بل إنّه يزداد حكمة.‏

بائع الدجاج: وأيهما تختار؟‏

الدجاجة الأولى: إنّه ينظر إليّ.‏

الدجاجة الثانية: لعلّه معجبٌ بك.‏

الدجاجة الأولى: دعينا من المزاح، إنها لحظة مصيرية.‏

بائع الحليب: أريد تلك.‏

الدجاجة الأولى: لقد أشار عليّ.‏

((تمتد اليد الآلية وتخرج الدجاجة الأولى))‏

صوت بائع الدجاج: كيلو غرام و700غ، غريب، منذ يومين كانت كغ و900غ.‏

بائع الحليب: لعلّها تتّبع ريجيماً قاسياً.‏

((يضحك بوحشية))‏

بائع الدجاج: أتريدها؟‏

بائع الحليب: إنها جميلة، وتروق لي، لكن ماذا أفعل بها، إنّها ضعيفة كعارضات الأزياء، وأنا أميل أن تكون ممتلئة، إنني رجلٌّ شغّيل، ويجب أن أشبع بشكل جيد.‏

((تعاد الدجاجة الأولى للقفص))‏

الدجاجة الأولى: الحمد لله، الرجيم القاسي قد أنقذني.‏

الدجاجة الثانية: ألم أقل لك يا أختي، نجاتنا نحن الدجاج بالجوع.‏

بائع الدجاج: ما رأيك بأختها.‏

(تمتدّ اليد الآلية، وتأخذ الدجاجة الثانية))‏

صوت بائع الدجاج: غريب، الأخرى كغ و600 غ.‏

بائع الحليب: عليك أن تحقق بالأمر، لعل هناك مؤامرة.‏

بائع الدجاج: مؤامرة.!!‏

بائع الحليب: عصيان، إضراب عن الطعام.‏

بائع الدجاج: أعتقد السبب تلك الفضائيات، إنها تمنعهنّ عن تناول الطعام.‏

بائع الحليب: أحسد حماري، فهو لا يهتمّ بكلّ تلك الفضائيات، إنّه مستغرق في عمله، وطعامه، ووقع العصا على جنبه، هيا أعطني دجاجتين سمينتين، المرأة في انتظاري.‏

((تعاد الدجاجة الثانية للقفص، تمتد اليد تتناول دجاجتين على دفعتين)).‏

بائع الدجاج: 4كغ و400 غ الثمن 250 ل.س.‏

بائع الحليب: هذا هو الثمن، ويجب أن تدرس أوضاع دجاجاتك، وإلاّ لن يقف أحدٌ عندك، لو أصيبت دجاجاتك بعدوى هاتين الأختين، يجب أن يأكلوا، ليسمنوا، ويذبحوا.‏

بائع الدجاج: سأصبر يومين، وإن لم تسمنا، سأعزلهما جانباً، أو أجد لهما حلاً سريعاً.‏

الدجاجة الأولى: لقد ذهب.‏

الدجاجة الثانية: نجونا هذه المرّة، لكن في المرّة القادمة لن ننجو.‏

الأولى : ذاك الخنزير، نبّه صاحب المحل لوضعنا، لقد كشف أمرنا يا أختي، وصرنا تحت الأضواء، هذا يعني أننا في خطر.‏

الثانية : نعم، سيحقق صاحب المحلّ في الأمر، وحين يعلم أننا أضربنا عن تناول الطعام، لن يدعنا بخير، قد يهبنا لأيّ فقير.‏

الأولى : التجّار لا يهبون، بل يقبضون.‏

الثانية : وهل سيقبض علينا.‏

الأولى : وأين نحن الآن؟ ألسنا نحن في قبضته الفولاذية.‏

الثانية : إيه، ما أحلى أيام الشباب، إنها المرحلة الرومانسية الزرقاء.‏

الأولى : الزرقاء أم البنفسجية.‏

الثانية : بل الزهرية، حين كنت أرتدي فستاناً من الشيفون الزهري يظهر ملامح جسدي كاملة، وأسير بين سرب الديكة بخيلاء، فتحنّ مناقيرهم لاهثة لفستاني الشفّاف. ومن العجب أنهم دائماً ينزعون عني فستاني الشيفون الشفّاف، ويجرون به بعيداً، متروكة على رصيف الشارع، وحيدة مع غضبي وقهري.‏

الأولى : جيل مائع، تافه، يفضّل الشيفون الشفّاف على الجسد البديع.‏

الثانية : إنها يا أختي الفضائيات، الفضائيات الملوّنة، منذ أن أصبح الدجاج يهبط من الفضاء الخارجي، مالت عيون الديكة عنّا، نحن الدجاج الأرضي، ابن البيئة المحليّة.‏

الأولى : هذا هو يا أختي جنس الديكة، دائماً عينه على الفضاء. والآن ماذا نعمل؟‏

الثانية : لنعد لذكرياتنا، وتأملاتنا، فلا ندري متى نذبح.‏

الأولى : لنعد إلى شارع الحبّ رقم خمسة.‏

الثانية : أجل لنعدْ، فتلك التأملات قبل الذبح، هي تعزيتنا الأخيرة. قبل أن نعرف طعم المقصلة، لنواجه حدّ المقصلة بريح التأمل، وهل تقدر المقصلة أن تعدم الهواء.؟‏

الأولى : الهواء نورنا الداخلي.‏

الثانية : فلسفة دجاجية، تليق بنا نحن الدجاج فقط.‏

((إطفاء عمق المسرح.‏

إضاءة على مقدمة المسرح. حيث شارع الحبّ رقم خمسة الشارع يعجّ ثانية بالشباب والفتيات، أغانٍ راقصة تصدح من جديد، الجميع في حالة رقص، ضحكاتهم وصخبهم يعلو المكان. بعض ركّاب الدراجات النارية يدخلون بدرّاجاتهم إلى المسرح. وهم يرتدون ثياباً بوهيميّة حديثة، يقف راكب درّاجة قرب الفتاة الأولى))‏

الراكب : هل أنت راكبة أم مترجلة؟‏

الفتاة الأولى: أنا واقفة.‏

الراكب : ماذا لو تركبين.‏

الفتاة الأولى: أين؟‏

الراكب : خلفي، على درّاجتي النارية.‏

الأولى : لم لا أركب أمامك.‏

الراكب : أمامي، وكيف سنعرف لذّة المغامرة، والمخاطرة، تركبين خلفي، تتمسكين بخصري، أطير في الهواء، فتسقطين على الأرض.‏

((يضحك هو وزملاؤه بشكل صاخب))‏

الأولى : أنتظر صديقي.‏

الراكب : صديقك؟‏

الأولى : أجل. آه: هاهو قد أتى.‏

((يدخل الرجل الهرم))‏

الراكب : أهذا صديقك؟‏

الأولى : أجل.‏

الراكب : صديق ماما؟‏

الأولى : صديقي.‏

الراكب : أنا أكثر فائدة منه.‏

((يغرق هو وأصدقاؤه في ضحك منحطٍّ سافل))‏

الشخص : أيها السيد المحترم، أنت تهين هذه السيّدة المحترمة.‏

الراكب : وهل معك بطاقة احترام لهذه السيدة.‏

الشخص : أجل، وهذه هي. ((يخرج بطاقة يقدّمها للراكب. الذي يأخذ البطاقة ويقرؤها))‏

الراكب : المعذرة، حقاً يبدو أنها سيدة محترمة، فالبطاقة تشير إلى ذلك، المعذرة سيدتي، إنّك سيدة محترمة، أنا أعتذر وإن رغبت، سمحت لك باستعارة دراجتي النارية.‏

الأولى : لا أستطيع. إنّه صديقي.‏

الراكب : المعذرة أيها الديك العظيم، المعذرة.‏

((تغادر الدراجات النارية المسرح))‏

الأولى : شكراً لك يا جدّي، لقد أنقذت الموقف.‏

الشخص : هذا واجبنا نحن الجيل القديم، أن ننقذ الفتيات الصغيرات وأمثالهن، من براثن الحثالة الجديدة، هذا واجبنا، نحن الديكة القدماء.‏

الأولى : لكن تلك التي تسمّيها حثالة، رائعة، حيوية، وفيها شيءٌ مثير.‏

الشخص : إنه وهمٌ، هل أدعوك لفنجان شاي، في مكان هادئ، ونستمع لموسيقا هادئة.‏

الأولى : لكنني لست بهادئة، وإن كنت أرغب أن أصبح هادئة.‏

أن يغدو وضعي كذلك.‏

الشخص : لتهدئتك، أنصحك بالموسيقا الهادئة، فهي خير علاج لتهدئة الاضطرابات أو الانفعالات الهرمونية، هكذا دستور الديكة يقول.‏

الأولى : كما تريد سيدي‏

الشخص : أعرف كافتريا محترمة، لا يدخل إليها إلاّ المحترمون ممن بلغوا في السنّ عتيّاً، ما رأيك بفنجان شاي هناك؟‏

الأولى : عندي صديقة، ذهبت لتأتي.. وتعود.‏

الشخص : أهي جميلة مثلك.‏

الأولى : بل أكثر جمالاً.‏

الشخص : إذن ستعرف مكاننا لا محالة، هكذا حكمة الديكة تقول، كن ديكاً حقيقياً تتبعك الدجاجات الجميلات، ولو اختبأت في قفص الموت.‏

الأولى : إنني مستسلمة لك، أعني لحكمتك، فأنت الوحيد الذي يسير بلا دجاجة،... إذن لا غنى عنك، آه، ها قد أتت صديقتي‏

تدخل الفتاة الثانية‏

الفتاة الثانية: هل أمسكت به؟‏

الأولى : كما ترين، أنا أتأبط ذراعه، هل أحضرت الإذن‏

الثانية : أجل، وهو مصدّق بشكل قانوني.‏

الأولى : إذن نستطيع أن نذهب الآن.‏

الثانية : سنتأبطه معاً، أنا وأنتِ، ديكنا الحكيم.‏

الشخص : إلى أين أيتها الجميلتان.‏

الثانية : إلى الاختبار يا جداه.‏

الشخص : اختبار ماذا؟‏

الثانية : اختبار فصيلة الدمّ‏

الشخص : "يبتسم بمكر" فصيلة دمي، باردٌ من الفئة الأولى.‏

"إطفاء على مقدمة المسرح إنارةٌ في عمق المسرح"‏

الدجاجة الأولى: أسمع جلبة في الخارج.‏

الدجاجة الثانية: إنه العيد غداً...‏

الدجاجة الأولى: أي عيد‏

الدجاجة الثانية: عيد صعود الدولار وجلوسه على عرش البورصة العالمية‏

الأولى : وماذا يعني هذا؟‏

الثانية : كل الدجاج الذي هنا سيذبح.‏

الأولى : لماذا‏

الثانية : من أجل العيد.‏

الأولى : وهل سيأكل العيد كل هذه الدجاجات؟‏

الثانية : وأكثر.‏

الأولى : آه، ما العمل إذن؟‏

الثانية : لنحلم حلمنا الأخير، قبل المشهد الأخير.‏

الأولى : أي مشهد.‏

الثانية : مشهد الذبح.‏

الأولى : لا تحيلي الموقف لتراجيديا‏

الثانية : حسناً، سنجعلها كوميديا سوداء، فهي أقلّ كآبة.‏

الأولى : كالاختبار الذي أجريناه على ديكنا العظيم.‏

الثانية : أتذكرين؟‏

الأولى : وهل مثل ذاك الاختبار ينسى.؟‏

الثانية : "إطفاء الأضواء في عمق المسرح، إنارة على مقدمة المسرح حيث كافتريا ضخمة، بعاملين أنيقين ومهذبين جداً.‏

الفتاة الأولى والثانية مع الشخص يجلسون حول طاولة"‏

الثانية : أيها الديك المحترم شمّر عن ساعدك.‏

الشخص : لمَ؟‏

الثانية : سنجري اختباراً على زمرة دمك، وهو الاختبار الأول.‏

الشخص : زمرة دمي معروفة، دمٌ باردٌ من الدرجة الأولى.‏

الثانية : أعتقد أنك شابٌ متخفٍّ بثياب عجوز.‏

الشخص : أتمنى أن أكون شاباً، هذه أمنيتي.‏

"يشمر عن ساعده، تغرز الثانية بيده إبرة، تسحب قطرة دمّ، تضعها على ورقة بيضاء خاصة"‏

الثانية : غريب، حقاً إنّه دمٌّ بارد، فئة أولى، خسارة، لا يصلح‏

الشخص : أصلح لماذا؟‏

الأولى : للغناء، نريد ديكاً من فئة الدمّ الحار، ليعزف لنا، ونعزف له‏

الشخص : ما رأيك بهذه الموسيقا الهادئة. برقصة هادئة.‏

الثانية : رقصة هادئة! إننا من الدجاجات المجنونات، وشعارنا تدمير ثبات العالم الهادئ، وبعث رماد الجنون من الجذور، وتدعونا للهدوء‏

"تنهض الثانية صائحة" يا دجاجات العالم اتحدن، لبعث نشيد الجنون من هاوية البلادة والاحتضار.‏

"يبدأ عدد كبير من الشباب والشابات بالتدفق على الكافتريا، موسيقا بوب صاخبة تعمّ المكان. الجميع في حالة رقص عنيف وانفعالي زائد"‏

الأولى : هيّا يا جداه إلى حلبة الرقص، انفض الجليد عن جسدك.‏

"يتقدم الشخص مع الأولى والثانية إلى حلبة الرقص، الفتاتان تهتزان بعنف، بينما يرقص هو بشكل حالم.‏

ومتزن وهادئ، كأنه شبحٌ لا جسد له، تتوقف الأولى والثانية عن الرقص، حين تشاهداه يرقص بهذه الطريقة التي لا تبدو منسجمة مع إيقاع الموسيقا‏

الثانية : انظري كيف يرقص‏

"تغرقان في الضحك، لكن رغم ضحكهما لا يزال يرقص في وقاره وسط غيمة الجنون السائدة"‏

الأولى : هذا يكفي، إنّ رقصك كوميديا سوداء.‏

"يعودون للطاولة، فيقفر المكان من الشباب والشابات الذين كانوا في حلبة الرقص، تعود الموسيقا الهادئة من جديد"‏

"يتقدّم الكرسون من الطاولة، ويسألهم بتهذيب كامل"‏

الكرسون : ماذا تشربون؟‏

الأولى : شاي ساخن‏

الثانية : وأنا مثل أختي، شاي ساخن‏

الشخص : أما أنا فشاي هادئة.‏

الكرسون : باردة أم حارّة؟‏

الشخص : لا يهمّ إن كانت باردة أم حارة، المهمّ أن تكون هادئة.‏

الكرسون : سنفتش في الدليل عن معنى شاي هادئة (يبتعد)‏

الثانية : والآن نأتي إلى المرحلة الثانية من الامتحان. أتسمعنا صوتك؟‏

الشخص : بكل سرور، فأنا أفتخر بصوتي.‏

"يصدر صوتاً محشرجاً، وخافتاً"‏

الثانية : للأسف، حتى في امتحان الصوت فشلت، والآن إلى الامتحان الثالث والأخير، وهو الأهم، إنه امتحان شدّة المنقار، إن نجحت، ضممت إلى نادينا، نادي عشاق الليل. وإن فشلت، كانت النهاية.‏

هل أنت جاهز؟‏

الشخص : إنني جاهز..‏

الثانية : أيمكن أن تنقر لنا هذه الطاولة، لنعلم مدى قساوة منقارك.‏

الشخص : حاضر "ينقر الطاولة، يضع يده على فمه وهو يتألم"‏

آه، أسناني، لقد كسرت أسناني‏

الأولى : الحظ التعيس يطاردنا منذ ولدنا.‏

الثانية : ويبدو أنّه سيظلّ يطاردنا حتى موتنا.‏

الأولى : شيءٌ غير معقول.‏

الثانية : إذا تراكبت الأمور، فتراكبها أقوى من حكمة الدجاج وميولها.‏

الأولى : إذن لا بدّ أن نعود.‏

الشخص : إلى أين؟‏

الأولى : نبحث عن ديك‏

الثانية : ينقر طاولة الخشب ويفتتّها أجزاء بنقرة واحدة.‏

الأولى : حتى الحجر يقسمه قسمين بنقرة.‏

الثانية : وإن غرّد كسر صوته زجاج نوافذ المدينة كلها.‏

الشخص : يا عزيزتي، عالم الديكة ولىَّ وأتى الآن عالم الأزياء.‏

الثانية : عالم الأزياء؟‏

الشخص : والصرعات، والأقنعة، والتمويه والخداع، ثم تريدين ديكاً فذّاً عبقرياً، يهبك الحب والسعادة، والصحة والعافية، هذا ما يريده أصحاب المداجن والمستهلكون على حدٍّ سواء، وهذا أقصر طريقٍ للذبح، وتقديم أجسادكن عارية على موائد رأس المال، والبورصة العالمية التي صارت تدار من غرف النوم، وحتى غرف الحمّام.‏

الأولى : ماذا تريد أن تقول؟‏

الشخص : يا جميلتي، كلما ارتفع صوتك صار قطع لسانك أقرب، وكلما ارتفع رأسك صار قطع رأسك أسهل، وكلما بدت ملامح الرفاهية عليك صرت للذبح أقرب، هكذا قانون أصحاب المداجن والمتعاملين في البورصة يقول‏

وهكذا حكمة الديوك تقول، فهل تكذّبين قانون البورصة وحكمة الديوك.‏

الثانية : وما جدوى حياة دجاجة بلا ديك نقّار، هل تغني الحكمة عن نقر المنقار.‏

الشخص : لا تغني، لكنه زمن الخراب، سيطرة أصحاب المداجن على المزارع، العالم كله يتحوّل لأن يصير قفصاً كبيراً، قفصاً واحداً، تحشر فيه دجاجات العالم أجمع، وعندئذ يكون يوم الحشر، وهو يوم الجمع الكبير، جمع دجاجات العالم وديوكها في قفص واحد. ترعاه سكين جزار واحدة. لا يستثنى منها أحداً، حتى ولا ديك واحدٌ هرم.‏

الأولى : حتّى ولا أنت.‏

الشخص : ألست ديكاً من جملة الديوك. وهل تغني الحكمة عن الذبح.‏

الثانية : وما تقترح يا سيدي العجوز.؟‏

الشخص : إن كانت نهايتنا الذبح، فلنذبح دجاجاتٍ وديكةً هزيلةً، لا تشبع بطون أصحاب البورصة الشرهة عندئذ، نضمن موتهم جوعاً في مدةٍ أقرب، سيلتهموننا بمدة أقصر، و سيكون موتهم جوعاً بمدة أقصر أيضاً.‏

الأولى : إنك مجنونٌ قاتل.‏

الثانية : بل عبقري فذ، إنني سعيدة بك، ودعْ منقاري ينقر منقارك.‏

الشخص : للأسف، لا نملك مثل البشر شفاهاً، بل مناقير قاسية، أتمنى لو أعرف معنى التماسّ بين الشفاه، أعتقد أنّه أجمل، ربما يعادل تناول الخسّ، أو الملفوف، أو حتى اللفت، إنّه شيءٌ طريٌ تمسَّهُ.‏

الثانية : يا سيدي، حتى يصير للدجاج والديكة شفاه، دعنا نتناقر.‏

الشخص : كما تريدين، وإن كانت هذه هي المرّة الأولى التي ينقر بها منقاري منقار دجاجة، فأنا عادة، لا أؤمن بالنقر، بل بالتأمل.‏

الثانية : كفاك كلاماً، واصمت، وإلاّ لن أستطيع نقرك.‏

الشخص : حاضر.‏

"تقبّله الثانية بعنف، كأنها تنزع شيئاً ما من فمه، وحين تبعد فمها عن فمه هناك شيءٌ ما تمسكه بأسنانها، سرعان ما تمسك به بسعادة، وتضعه في حقيبة يدها بسرور‏

الشخص : ما هذا‏

الثانية : منقارك، سأحتفظ به تذكاراً منك‏

"يضع الشخص يده على فمه"‏

الشخص : صرت الديك الذي يشدو بلا منقار؟‏

الثانية : وستكون الديك الوحيد كذلك. وهذا يجعلني أتعرف عليك، من خلال جيوش الديكة، إلى اللقاء يا عزيزي‏

الأولى : الوداع أيها الديك الصالح‏

"تخرجان، لا يزال الشخص يخفي فمه بيده لشعوره بالحرج والعار"‏

الشخص : ديكٌ بلا منقار كفراش بلا جناح، فلأهرب قبل أن يطلع الصباح.‏

"يغادر المقهى متسللاً يأتي الكرسون حاملاً صينيّة الشاي فيجد الطاولة فارغة"‏

الكرسون : غريب، أين ذهب العشاق الثلاثة، هكذا العشاق دائماً، أمرهم غريب، عجيب.‏

"تطفأ الإضاءة في مقدّمة المسرح، تضاء في عمق المسرح"‏

الدجاجة الأولى: هل أنتِ نائمة يا أختي.‏

الدجاجة الثانية: لقد انتهت تأملاتنا، فلنذهب للنوّم.‏

الأولى : والذبح؟‏

الثانية : الذبح هو انتهاء الحلم، وحلمنا انتهى، فهذا هو ذبحنا الحقيقيّ.‏

الأولى : فلسفة الديك الذي يشدو بلا منقار تجتاحك.‏

الثانية : كان أروع شخصية في حياتي.‏

"فجأةً تتساقط عشرات الدجاجات والديكة فوقهما"‏

الأولى : ما هذا، إيه، هدوء، أيتها الأخوات لا تزعجونا، من أنتم.‏

دجاجة : بل من أنت؟‏

الثانية : هدوء، فجمعينا أبناء المقصلة.‏

"يسود الهدوء"‏

الأولى : أختي، استيقظي.‏

الثانية : ما الأمر؟‏

الأولى : إنّه هنا.‏

الثانية : من؟‏

الأولى : الديك الذي لا منقار له.‏

الثانية : غير معقول. أين‏

الأولى : هناك. يحتمي بالظلّ. عسى ألا نراه.‏

الثانية : لنقتربْ منه‏

"تقتربان"‏

الثانية : مرحباً يا سيدي، ألم تعرفني.‏

الديك الذي لا منقار لـه: لا‏

الثانية : أنا التي نزعت منقارك‏

الديك : منقاري في فمي، ولست أعرفك.‏

الثانية : أبعد جناحك عن فمك‏

"يبعد الديك جناحه"‏

آه. إنّه أنت، فلا ديك بلا منقار إلاّ أنت، هل أنت حزين، آه أنت تبكي، الديكة تبتسم. ولا تبكي.‏

الديك : أنا آخر ديك خارج القفص، أعني كنت، أمّا الآن، فكلّ الديكة صارت داخل القفص، مصفوفةً في طابور الذبح، لقد نالوا مني أخيراً. الجوع والعزلة والتخفّي لم تنفعني، عيونهم مبثوثة في كلّ مكان، وتراقب كل شيء، من محور القطب، لمحور القطب، ومن خطّ العرض صفر، لخطّ العرض صفر، لم أستطع النجاة منهم يا سيدتي، لم أستطع.‏

الثانية : لا تهتم، لقد طبّقنا قاعدتك الذهبية، فنجونا من الذبح مرتين، لقد اتخذّنا الجوع طريقاً، فعافنا الجزّارون ومضاربو البورصة، وقالوا تلك تجارةٌ خاسرة، أجل نجاتنا أن نغدو تجارة خاسرة لهم.‏

الديك : إنّه يا جميلتي يوم الحشر الأكبر، وستتلوه المجزرة الشاملة وبعدها، لن تبقى دجاجة واحدة ولا ديكٌ واحد على سطح الأرض.‏

الثانية : وبعد ذلك تكون بداية نهايتهم‏

الديك : بالضبط.‏

الثانية : لمَ أنت حزين إذن، لنحتفل، أجل لنحتفل بقرب موعد المذبحة، وبقرب فناء الذابح، وتحوّله لذبيحة.‏

الديك : أنا سعيد، وحزين، لأنني التقيت بدجاجة ذكية مثلك، متأخراً أنت تجعلينني أشعر بالفخر لأنني أنتمي لجنس الطيور من الديكة، حتى لو كنت ديكاً بلا منقار، فأنا سعيد حقاً.‏

"تبرز فجأة من النوافذ ملاقط حديدية، ضخمة، تبدأ في تناول الدجاج بسرعة، وشبق، يزداد لون الجدران دموية."‏

الثانية : هيّا تشجعن أيتها الأخوات، فأنتن تصنعن، الفجر الجديد للكون، فجر الخراب الجديد، والشامل‏

الأولى : إنّه حزّ سكين، ويعقبه الصمت والهدوء.‏

الديك : والهدوء بداية الضجيج الأكبر، الذي سينسف المدن العملاقة نسفاً، وتغدو ألواح البورصة، بقايا رمادٍ تلهو به الريح.‏

الأولى : وينتصب ديكٌ يصيح على أنقاض المدن الآلية، في البداية كان الفراغ، وفي النهاية سيكون الفراغ.‏

الثانية : وتصدح الخرائب بأغنية الزوال، ترثي الطغاة، وتحيّي الرماد المنبعث زهوراً بيضاء.‏

الديك : كم بقي في القفص؟‏

الثانية : نحن الثلاثة.‏

الديك : لننظر بعضنا إلى بعض نظرة الوداع، ولنحفظ هذه النظرة، حتى بعد أن نلقى في أتون الصهر والحرق والسلخ والشيّ، فهذه النظرة ستجعلنا نتعارف، بعد أن نصبح ذراتٍ من رماد، نبضة قلب لا تموت، ولا تعرف الذوبان.‏

"الكلاّبات الحديدية تسحب الثلاثة دفعة واحدة"‏

نهاية المشهد‏

حمص 30 /12/ 2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244