رجلٌ وامرأة في حوض السمك ـــ وليد فاضل

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المانيكان

"بوتيك لبيع الملابس الجاهزة النسائية، ديكور المحل، وطريقة الألبسة المعروضة تدّل على أنه حديث في كل شيء. موسيقا هادئة خافتة تعمُّ المكان طيلة المشهد. اعتدال صاحبة المحل خلف الصندوق، إنها امرأة في الخمسين من عمرها، متدفقة بالحيوية والنشاط والاندفاع نحو الحياة والتجارة. كلما فتح باب المحل صدر صوت جرس بيانو ينبئ عن دخول زبون جديد، اعتدال مستغرقة في مراجعة دفتر حساباتٍ أمامها، يرن جرس الباب، تدخل سمر تغلق اعتدال الدفتر، وتهبّ لاستقبالها، الوقت مساءً، سمر فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، ممشوقة القوام، نحيلة "ملامح جمال حزين يغلّفها بمسحة رومانسية"‏

سحر : مساء الخير.‏

اعتدال : مساء الخير أية خدمة؛‏

سمر : أريد "تتوقف عن الكلام"‏

اعتدال : "تحاول تشجيعها" أن ترى محتويات المحلّ؟ البوتيك في خدمتك، عندنا أحدث الصرعات الحديثة، وبأسعار معقولة، هذا شعارنا، واكبْ العصر بأسعار معقولة، هيّا تفضلي، المحلّ في خدمتك. تبدين فتاةً خجولة هيا تشجعي.‏

سمر : سأتشجع.‏

"تبتعد وهي تتأمل محتويات المحل. يدخل عبد القادر من غرفة خلفية.! إنه عامل في المحل، يقترب من اعتدال وقد لاحظ وجود سمر، يهمس في أذن اعتدال"‏

عبد القادر: مدام هناك مشكلة.‏

اعتدال : ما هي.؟‏

عبد القادر: المانيكان.‏

اعتدال : ما بها؟‏

عبد القادر: رجلها مكسورة، ولا يمكن أن تقف على رجلٍ واحدة.‏

اعتدال : ما العمل؟‏

عبد القادر: لا أدري، نحتاج لمانيكان جديدة، أو نستعير رِجْلاً كاملة.‏

اعتدال : تصرّفْ‏

عبد القادر: كيف؟‏

اعتدال : انظرْ جارنا، السيد عزمي، لدينا موديل جديد، ويجب أن نسبق السوق في عرضه، سنحقق ضربة.‏

عبد القادر: أشك أنه سيعيرنا سلاحاً سنحاربه به.‏

اعتدال : لا تشكّ يا عبد القادر، بل اعملْ.‏

عبد القادر: سأعمل، وسأرى إن كان عزمي سيعيرنا رِجْلَ مانيكان أم لا.‏

"يخرج عبد القادر من باب المحل"‏

اعتدال : "تلاحظ حيرة سمر واضطرابها" هل وجدت حاجتك يا آنسة؟‏

سمر : سمر، اسمي سمر.‏

اعتدال : اسم جميل مثلك.‏

سمر : شكراً.‏

اعتدال : "تتأمل سمر" أرى أن بنطالاً أبيض ضيّقاً عند الخصر، وكنزة بلا أكمام زهرية أو سوداء، مناسب لك.‏

"تبدأ في إخراج الحاجيات من الرفوف، ترتب لها بنطال أبيض مع كنزة زهرية اللون وأخرى سوداء" تليق بك، كيف وجدت ذوقي؟.‏

سمر : رائع، في منتهى الروعة.‏

اعتدال : نقول مبروك، سأراعيك بالسعر، البنطال وكنزة بثلاثة آلاف، ومع كنزتين بثلاثة آلاف وخمسمئة فقط، وهذا لأجل قمر جميلٍ مثلك، أتعلمين، تملكين جسماً مثالياً لعارضة أزياء، مقاييس جسمك نموذج كامل لعارضة أزياء كتفٌ أنيق، خصر لين كالماء النقي، أيمكن أن تسيري خطوات أمامي "تسير سمر" مشية شامخة.‏

اهتزاز أرداف مدروس بعناية، هذا يعني أنك تجيدين سلب أنظار المشاهدين، وجلّهم من الرجال، المسلوبي العقول مقدماً، ما رأيك؟‏

سمر : بم؟‏

اعتدال : بسعر الكنزة والبنطال.‏

سمر : آه! إنه فعلاً مناسب.‏

اعتدال : نقول مبروك.‏

سمر : مبروك كلمة جميلة، لكن ليس الآن.‏

اعتدال : آه! أنت زبونة صعبة، لكن أعلم لغة الفتيات الجميلات في مثل سنّك، كم تبلغين من العمر؟‏

سمر : ثمانية عشر عاماً.‏

اعتدال : إنّه السنّ المناسب.‏

سمر : السنّ المناسب.؟!‏

اعتدال : أعني سن الورود بالنسبة للفتاة، بعدئذ تبدأ بالذبول، لكن وردة متفتحة مثلك، سألبسها تويجات من الحرير، المثير، ولغة هذا العصر الإثارة، والوضوح، فيزون قطني مطاطي، إلى الركبة، وكنزة فوق السرّة بعشر سنتمر، "تتجه نحو الرفوف، تحضر الفيزون والكنزة بحماس، وتعرضهما على سمر بفخر" ما رأيك، الاثنان بأربعة آلاف من أجلك، أربعة آلاف فقط، إنها فرصة مناسبة أو نادرة، هل نقول مبروك؟‏

سمر : ليس بعد، يجب أن نتأنّى قليلاً، في التأنّي السلامة، وفي العجلة الندامة.‏

اعتدال : آه! إرضاؤك صعب، لكن مهمّتي إرضاء الزبائن، ما رأيك يا صغيرتي أن تجربي هذا الفيزون وهذه الكنزة.‏

سمر : أجربهما!.‏

اعتدال : أعني أن تلبسيهما، وأنا متأكدة، أنك حين ترين جمالهما على جسدك، لن تنزعينهما أبداً، وستدفعين لي أربعة آلاف. بكل سرور وطيبة خاطر.‏

سمر : لكن.‏

اعتدال : هيا، اللبس بالمجّان.‏

سمر : أكيد؟‏

اعتدال : حتماً.‏

سمر : إذن، سألبسهما.‏

اعتدال : غرفة الملابس هي تلك "تشير اعتدال إلى مكان"‏

سمر : شكراً.‏

"تتجه سمر إلى مكانٍ جانبي، حيث أشارت اعتدال، تخرج إلى الكواليس"‏

"يدخل عبد القادر وعلامات اليأس تبدو عليه"‏

اعتدال : ماذا جرى؟‏

عبد القادر: لقد رفض عزمي أن يعيرنا رِجْلَ المانيكان، ادّعى أنه لا يملك مانيكان احتياطية، إنّه يكذب.‏

اعتدال : وما العمل يا عبد القادر، يجب أن أحقق ضربة في السوق، لم يسبقني إليها أحد، والسَبْقُ لمن سَبَقُ.‏

عبد القادر: لا أدري، لكن من سيشتري فيزون أسود فاضح.‏

اعتدال : فاضح؟!‏

عبد القادر: المعذرة، عقلي لا يزال تقليدياً، أعني فيزون صريح بعض الشيء.‏

اعتدال : وما بها الصراحة، ألا يجب أن نعوّد الجمهور على الصراحة، وهكذا تصبح حياتنا أسهل.‏

عبد القادر: حتماً، ستصبح حياتنا أسهل وألين.‏

اعتدال : إذن يجب أن تجد لي رِجْلَ مانيكان. وإلاّ سأفقد أعصابي إن سبقنا بوتيك آخر، وعرض الموديل ذاته قبلنا.‏

"تدخل سمر وقد لبست الموديل الجديد، الفيزون يظهر تقاطيع جسدها بوضوح تام، والكنزة تكشف معظم بطنها، عبد القادر مذهولاً مما يرى"‏

عبد القادر: يا سبحان الله، ما هذا الجمال، ماذا ما أرى!‏

اعتدال : هل أعجبك الموديل؟‏

عبد القادر: إنه مذهل، إنه صرعة، إنه ضربة، بل خبطة تحطم الرأس بل أعني الرؤوس، إيه، حقاً، وضع الخالق سره في المرأة.‏

اعتدال : بدأت تنطق بالفلسفة.‏

عبد القادر: لأنني أرى كتاب فلسفة مفتوح.‏

اعتدال : "تلتفت إلى سمر مزهوة" هل أعجبك الموديل يا جميلتي؟‏

سمر : إنه جميل، جميل جداً، يسلب العقل.‏

اعتدال : بل أنت التي تسلبين العقل، والآن.‏

سمر : سيدة؟‏

اعتدال : مدام اعتدال.‏

سمر : مدام اعتدال، أتسمحين لي أن أتكلم معك بصراحة.‏

اعتدال : تكلمي يا صغيرتي.‏

سمر : إنني في الحقيقة "تصمت مضطربة"‏

اعتدال : ماذا؟‏

سمر : لقد أتيت، لعلّي أجد عندك عملاً هنا في المحلّ.‏

اعتدال : أتحتاجين للعمل؟‏

سمر : نعم، أنا طالبة، يجب أن أتمّ دراستي، ووضع أسرتي صفر، بل ما دون خط الصفر.‏

اعتدال : آه! وماذا ستعملين عندي في هذا البوتيك؟‏

سمر : بائعة.‏

اعتدال : المحل لا يحتمل اثنين، عبد القادر يساعدني بالبيع وهو على أبواب زواج. ويساعد أسرته، أتودين أن تحلّي مكانه.‏

سمر : لا، لن أحلّ مكان إنسان في مثل وضعي، سأنزع الثياب، وأفتش عن عملٍ، في بوتيك آخر.‏

"تسير سمر باتجاه غرفة الملابس"‏

عبد القادر: "مخاطباً اعتدال" إنها المانيكان.‏

اعتدال : المانيكان.؟!‏

عبد القادر: مانيكان حيّة، جميلة، ماذا تريدين أفضل من ذلك.‏

اعتدال : "وقد راقت لها الفكرة، تخاطب سمر" انتظري يا سمر، "تتوقف سمر وتلتفت إلى اعتدال" تعالي "تتقدم نحوها" إنني يا عزيزتي قد نظرت بحالك، أنا دائماً أميل لمساعدة الآخرين خاصة الفقراء والضعفاء منهم، فعل الخير خصلةٌ ثابتةٌ في طبيعتي، هكذا خلقت.‏

سمر : "بفرح" سأعمل عندك.؟!‏

اعتدال : نعم، لكن شروط العمل تبدو قاسية بعض الشيء.‏

سمر : أقبل، أقبل بأية شروط قاسية، أو سهلة، المهم أن أعمل.‏

اعتدال : حسناً، ما رأيك أن تعملي مانيكان؟‏

سمر : "باستغراب مانيكان" مانيكان؟!‏

اعتدال : أجل، عندنا مانيكان برجلٍ واحدة، ولا يمكن أن نضعها في واجهة البوتيك، وكنا سنلبسها الثياب ذاتها، التي تريدينها الآن، ما رأيك أن تقفي عوضاً عنها في واجهة المحل، ساعةً في المساء وساعةً في الصباح، وتأخذين أجراً، لا بأس، ألف ليرة في الأسبوع.‏

سمر : موافقة.‏

اعتدال : موافقة!!‏

سمر : نعم.‏

اعتدال : قد يكون في الأمر حرجٌ لك.‏

سمر : الحرج أن أبقى وأسرتي في الفقر والعوز الذي نحن فيه.‏

اعتدال : حسناً، لكن تذكّري، أنك متى دخلت واجهة العرض، صرتِ مانيكان، أي تمثالاً بلاستيكياً، لم تعودي كائناً حيَّاً.‏

سمر : وكذلك سأكون، متى دخلتُ واجهة المحل، صرت كائناً بلاستيكياً جامداً، شيئاً جميلاً فاقداً للحياة.‏

اعتدال : وتسري عليك شروط الشيء؟!‏

سمر : وتسري عليّ شروط الشيء.‏

اعتدال : ألن تندمي، أو تتراجعي عن قرارك؟.‏

سمر : لا، إنها أربعة آلافٍ في الشهر.‏

اعتدال : حسناً، سيد عبد القادر، غطِّ الواجهة من الخارج بقماشٍ أبيض، وضعْ سمر في الواجهة، أعطها وضعية المانيكان، وبعد ذلك انزع الستارة وتعالْ.‏

عبد القادر: حاضر، تفضّلي آنسة سمر.‏

سمر : "مخاطبة اعتدال" لكن آمل أن تعيّري الوقت بشكلٍ دقيق، ساعةً أيْ ساعة بالضبط.‏

اعتدال : "تنظر لساعتها" الساعة الآن السابعة، في تمام الساعة الثامنة وخمس دقائق، ستغادرين الواجهة.‏

سمر : شكراً سيدتي، لقد أنقذت حياتي وأسرتي.‏

"تتوجه نحو الواجهة، قرب الباب، حيث يبدأ عبد القادر عمله بوضع غطاءٍ أبيض كبير على الواجهة" تدخل سيدة، تلبس فستاناً أسود طويلاً، نظارات سوداء على عينيها، قبعة كبيرة نسائية خمرية اللون تزيّن رأسها، كلبٌ صغير أبيض يسير أمامها، مربوطٌ بسلسالٍ جلدي مذهّبٍ أنيق، تفاجأ اعتدال من دخولها فتقف لها باحترام وخشوع".‏

اعتدال : أهلاً مدام نوال.‏

نوال : أتعرفين اسمي؟.‏

اعتدال : وهل يخفى القمر.‏

نوال : شكراً.‏

اعتدال : وكيف حال زوجك، السيد أكرم.‏

نوال : تركته في باريس.‏

اعتدال : أتيت بمفردك؟‏

نوال : تقريباً.‏

اعتدال : تقريباً!.‏

نوال : أعني معي كلبي.‏

اعتدال : آه.‏

نوال : آه، كلبٌ جميل، جميلٌ جداً.‏

نوال : تعبتُ كثيراً في تربيته، لكن التربية مع الكلب لا تضيع، يبقى وفياً لك، بعكس الرجل.‏

"تفك السلسلة الجلدية المذهبة عن عنق الكلب، تقبله بشغف" هيا يا حبيبي، هيّا يا توتو.‏

اعتدال : ما شاء الله، المحروس اسمه توتو.؟‏

نوال : نعم.‏

اعتدال : اسم جميل.‏

نوال : دفعت ألف دولار حتى حصلت عليه.‏

اعتدال : الكلب!.‏

نوال : بل الاسم.‏

اعتدال : غير معقول.‏

نوال : أجل، أعلنت عن مسابقة لانتقاء أجمل اسمٍ، لكلبٍ صغير، أبيض الشعر، ساحر النظرات.‏

رفيع الذوق، والجائزة ألف دولار، تصوري جاءتني أكثر من ثلاثة آلاف رسالة، من ثلاثة آلاف متسابقٍ، من أجل ألف دولار فقط، وراقني اسم توتو، إنه جميل ككلبي، هيّا يا عزيزي، اخترْ لي الموديل المناسب لي، "يتبختر الكلب في أرجاء البوتيك برقّةٍ وشموخ"‏

اعتدال : "مذهولة" توتو هو الذي؟‏

نوال : "تقاطعها باستهجان" توتو!!‏

اعتدال : المعذرة، أعني السيد توتو هو الذي سيختار الموديل المناسب لك.؟!‏

نوال : بالطبع، ذوقه رفيعٌ، ورفيعٌ جداً، وأنا أثق به ثقةً عمياء، وسترين النتائج بعد قليل.‏

"يقف الكلب أمام مختلف الرفوف يتأملها ثم يتابع سيره بلا اهتمام"‏

لم يعجبه شيءٌ إلى الآن، هذا يعني أن محلّكم متخلّفٌ، لا توجد به صرعةٌ حديثة.‏

اعتدال : عندي أحدث الموديلات والصرعات.‏

نوال : سنرى.‏

اعتدال : "بحشرية" لكن مدام نوال، كيف تعرفين أن السيد توتو، قد راق له موديل ما؟‏

نوال : أَوْ.. أَوْ.‏

اعتدال : أوْ، أوْ‏

نوال : يعني عَوْعَوْ، باللغة الشعبية الدارجة.‏

((يعود الكلب يقف قرب قدمي نوال))‏

للأسف. لم يعجبه شيء.‏

اعتدال : كيف عرفت؟‏

نوال : أولاً إنه صامت، ثم انظري كيف يحرك ذنبه، راقبي الموقف بدقة.‏

اعتدال : لكنّه ذنب، أعني كل الكلاب تحرك ذنبها.‏

نوال : ذنب توتو أمرٌ آخر، إنه لغةٌ، لغة خاصة.‏

اعتدال : آه المعذرة.‏

((يدخل عبد القادر وقد انتهى من وضع سمر في الواجهة))‏

عبد القادر: لقد انتهينا مدام.‏

((يرى اعتدال وارتباكها، يشاهد نوال والكلب، فيفهم الوضع بسرعة))‏

عبد القادر: كلبٌ جميل، ما شاء الله ما اسمه ((مخاطباً نوال))‏

نوال : ((باقتضاب)) أمرٌ لا يخصّك، يبدو أنّه لا يوجد لنا نصيبٌ في هذا المحل.‏

((تحاول أن تضع السلسلة في رقبة الكلب، تأخذ اعتدال عبد القادر جانباً))‏

عبد القادر: مَنْ هذه؟‏

اعتدال : إنها نوال، زوجةُ عزمي.‏

عبد القادر: عزمي؟ وماذا يعمل وعزمي؟‏

اعتدال : إنه لا يعمل.‏

عبد القادر: لِمَ؟‏

اعتدال : لأنه مليادير‏

((عبد القادر مصعوقاً)) تصرّفْ يا عبد القادر، إنّها ثروةٌ، وستفلت من أيدينا‏

عبد القادر: كيف أتصرف؛؟‏

اعتدال : كلبُها.‏

عبد القادر: ما به؟‏

اعتدال : دَعْهُ يعوي، وتهلُّ الخيرات علينا.‏

عبد القادر: قضية بسيطة.‏

((يتقدم من اعتدال التي تحاول وضع السلسلة)).‏

أتسمحين لي سيدتي، أن أساعدك.‏

نوال : ((بازدراء)) أنت؟!.‏

عبد القادر: أعني أساعد كلبك المحترم النبيل.‏

نوال : آه! تفضّلْ.‏

اعتدال : مدام نوال. تفضلي بالجلوس. ريثما ينتهي عبد القادر.‏

نوال : شكراً ((تجلس على الكرسي قرب آلة الحساب، تتقدم اعتدال قرب عبد القادر)).‏

اعتدال : ماذا تعمل يا عبد القادر‏

عبد القادر: أقرصه بلطفٍ، وبقوة، لكنه لا يعوي، بل ينظر إليّ مبتسماً، بمكر وخبث، حقاً إنه ابن كلب.‏

اعتدال : تصرّفْ يا عبد القادر، إنها ثروة.‏

عبد القادر: وماذا أعمل، أخنقه، سأخنقه.‏

((يحاول خنق الكلب ضاغطاً على رقبته بقوة. لكنّ الكلب ينظر إليه مستهزئاً)).‏

اعتدال : ماذا جرى، إنه لا يعوي!!‏

عبد القادر: ابن كلب، إنه يستهزئ مني، انظري إلى ابتسامته المهذبة هذه، إيه، من أين يأتون بمثل هذه الكلاب.‏

اعتدال : يكفي، مدام نوال أتتْ، لقد خسرنا.‏

نوال : ((تكون قد نهضت من الكرسي، ووقفت جانبهما)) هل أنهيت وضع السلسال يا عبد القادر؟‏

عبد القادر: نعم، تفضلي يا سيدتي.‏

نوال : ميرسي، هيا يا توتو، سنزور محلاً آخر.‏

((يسير الكلب وخلفه نوال باتجاه باب المحل الخارجي)).‏

اعتدال : ((بأسى)) لقد خسرنا مبلغاً كبيراً.‏

عبد القادر: لا تطلبي الخير من كلب.‏

((يكون الكلب قد وصل إلى حيث تقف سمر. فيتوقف عن المسير، ويعوي)).‏

اعتدال : ((بفرح)) إنه يعوي، آه، أخيراً قد أتى الفَرَجْ.‏

((تتقدم اعتدال مسرعةً مع عبد القادر إلى حيث تقف نوال)).‏

نوال : ما هذا؟ ((مشيرة إلى المانيكان)).‏

اعتدال : إنها أحدث موضة، فيزون ضيق ولاصق، وصريح.‏

نوال : هذا واضح، وأنا أحب الصراحة.‏

اعتدال : وفوقه كنزة بنصف بطن.‏

نوال : وكم الثمن؟‏

اعتدال : ستة آلاف ليرة.‏

نوال : كم يعادل بالدولار.‏

اعتدال : مائة وعشرون دولاراً.‏

نوال : سأدفع مئتين، أتقبلين، فأنا عادة لا آخذ تتمة الحساب.‏

اعتدال : بكل تواضع أقبل، عبد القادر هات فيزون وكنزة. مثل هاتين ((يذهب عبد القادر بسرعة ليحضرهما)).‏

حقاً السيد توتو ذوّاقة، لأنه أحسن الاختيار.‏

نوال : إنه كلب حسّاس، حتى محلات بيير كاردان في باريس تتحسس منه، تشعر بالرهبة حين يدخل، فإنه يكشف أدنى غشٍ في العطور أو الموديلات، إن كان الموديل حديثاً، أو من العام الفائت.‏

اعتدال : ما شاء الله، من أين له كل هذه الثقافة الشاملة. أعني الشمولية.‏

نوال : لقد تعبت، تعبت عليه كثيراً، لكنه كان عند حسن ظنيّ.‏

اعتدال : أهنئك على هذا الكلب، إنه مفخرة.‏

((يقترب عبد القادر منهما بيده كيس)).‏

عبد القادر: الفيزون والكنزة هنا. مبروك سيدتي.‏

نوال : شكراً ((تخرج من محفظتها مئتي دولار))‏

تفضلي مدام اعتدال هذه ثمن الثياب.‏

اعتدال : شكراً.‏

نوال : هناك دائماً أزمة بالفراطة. آسف يا عبد القادر، لا يوجد معي مبلغ صغير، سامحني، أيمكن أن تقبل مئة دولار.‏

عبد القادر: ((مصدوماً)) شكراً مولاتي ((ويأخذ المئة دولار)).‏

نوال : مولاتتك. آه، إنه مبلغٌ إنه بسيط، وأنا أحب البسطاء من الناس، هيا يا حبيبي توتو. إنهم ينتظروننا على العشاء. وأنت يا عبد القادر، أحمل هذا الكيس إلى السيارة.‏

عبد القادر: بكل فخر سيدتي.‏

((تسير نوال، لكن الكلب لا يتحرك. يبقى واقفاً في مكانه وهو ينظر إلى سمر. التي بدت ساكنة كالتمثال)).‏

نوال : إيه، ماذا جرى يا حبيبي، لقد اشترينا الثياب حسب ذوقك، هناك أمرٌ آخر.‏

((يعوي الكلب))‏

غريب!!‏

اعتدال : ما الأمر مدام نوال؟‏

نوال : توتو يعوي ثانية، هذا يعني أن هنا فتاة جميلةً، أيوجد سوانا من جنس النساء.‏

اعتدال : لا، أنا وأنت فقط.‏

نوال : غريب، توتو لا يخطئ وهو دقيق في حكمه وتعبيره، هيا يا حبيبي، إنهم في انتظارنا على العشاء.‏

((تحاول أن تسير، يعوي الكلب مرة ثالثة))‏

لا، هذه المرّة يبدو أنها فتاة جميلة جداً، بل خارقة الصفات.‏

اعتدال : المعذرة سيدة نوال، في هذا المكان لا يوجد من جنس النساء سوى أنا وأنت.‏

نوال : وتوتو، إنه لا يخطئ، وخصوصاً مع الفتيات الجميلات إنه يحسّ بهم عن بعد، لعل توتو لا يريد هذه الثياب بل أمراً آخر. أنا في هذه الحالة، مضطرة أن أعيد لكم الثياب.‏

عبد القادر: أية إعادة مدام نوال. أعطْ الكلب فرصته، أعني دعيه يعبّر عن أحاسيسه بحريّة، فقد نعرف ماذا يريد على وجه التحديد.‏

نوال : على وجه التحديد؟!‏

عبد القادر: بالضبط.‏

نوال : ولم لا، ((تفلت نوال الكلب من السلسلة، فيتقدم الكلب من المانيكان، ويهمهم بلطف عند قدميها)) آه، إنها أروع تعابير الحب، أسمعها من حنايا توتو لأول مرّة، توتو يحبّ هذه المانيكان، أعني يريد أن نأخذها معنا. كم ثمنها؟‏

اعتدال : مَنْ؟‏

نوال : المانيكان.‏

اعتدال : إنها ليست للبيع.‏

نوال : لم؟‏

اعتدال : أعني أنها لا يمكن أن تباع، قد يكون في ذلك جريمة.‏

نوال : مدام، بم تهذين، إنها مانيكان من بلاستيك، ويمكن أن تشتري عوضاً عنها، هيّا، أريد هذه المانيكان والثياب التي ترتديها.‏

اعتدال : لا يمكن، هذا مستحيل.‏

نوال : سأدفع ألفي دولار، ثمن هذه المانيكان والثياب التي ترتديها.‏

اعتدال : مستحيل.‏

نوال : ثلاثة آلاف.‏

اعتدال : غير ممكن.‏

نوال : كلمة أخيرة، ستة آلاف دولار.‏

اعتدال : ممكن، مبروك، المانيكان لك.‏

((تخرج نوال من محفظتها رزمة أوراق مالية)).‏

نوال : هذه الرزمة خمسة آلاف دولار، ((تعدّ أوراقاً)) وهذه ألف أخرى. ولك عبد القادر مئة دولار آخر. أحملْ المانيكان وسرْ ((تقدم له مئة دولار)).‏

عبد القادر: أنا في الخدمة حتماً.‏

((يتقدم بهَّمةٍ ونشاط يحمل المانيكان بسهولة، ويتقدم بها نحو نوال)).‏

نوال : ((تتأمل المانيكان)) آه، أين كنت تخبئين هذه الجوهرة الدافئة كشمس تاهيتي، دعني ألمسها. ((يقرّب عبد القادر المانيكان من نوال، التي تتلمس بأناملها جسد المانيكان)) كأنها بشرٌ، لكن للأسف، إنها من بلاستيكٍ بارد.‏

اعتدال : ((إنها مذهولة بشكل مطلق)) المعذرة، أيمكن أن ألمس المانيكان؟.‏

نوال : لِمَ؟‏

اعتدال : كي أتأكد.‏

نوال : مِمَّ؟‏

اعتدال : إنها المانيكان.‏

نوال : بكل سرور.‏

((تتلمس اعتدال جسد المانيكان برعبٍ وخوف)) حقاً إنها مانيكان، جسدٌ من بلاستيكٍ بارد.‏

((يخرج عبد القادر بجسد سمر سائراً خلف الكلب ونوال))‏

اعتدال : غير معقول، كيف يصير الإنسان شيئاً من جمادٍ صامت، تمثالاً من بلاستيك بارد؟!‏

***‏

3/10/2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244