مملكة الغبار ـــ غسّان حنا

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني:

المشهد الأوّل

تمهيد : اشترط المهرّج أن تضمَّ الحفلة الترفيهيّة الأولى إضافة إلى الملك الوزير وكبير الأعيان وقائد الجيش وحاجبي الملك ووزيره‏

تنويه : اعتمدت في هذا المشهد على وسيلة فنيّة مسرحيّة سمّيتها "التنحية" أي عزل الشخصيات وهي على خشبة المسرح لإضاءة ما يدور في عقلها الباطن.. وكأنَّ لكلّ منها زمنه الخاصُّ ينفصل فيه عن أزمنة الآخرين الثابتين كتماثيل مؤقتة ريثما تُدْلي الشخصيّة المعزولة باعترافاتها الداخلية..‏

مدخل المشهد ( التنحية)‏

الوزير : لم أفهم حتّى الآن إصرار المهرّج على وجودي إلى جانب الملك في الترفيه عنه‏

كبير الأعيان: إنَّ معظم حياتنا قائمة على التهريج..‏

فما الحاجة إلينا في هذا المكان..‏

قائد الجيش: ما بين الملك والوزير أصبحنا كعصا الأعمى يضعها في أيّ مكان.. ليتلمّس طريقه‏

حاجب الملك: يا ليتهم يعرفون ما أعرف عنهم‏

حاجب الوزير: ليس المهم أنْ أحبَّ الوزير.. المهم أن أطيع أمره فأحافظ على منصبي‏

الملك : لا أدري لماذا رضخْتُ لهذا المهرّج.. فجمْعتُ له هؤلاء الأوغاد ( يتّجه إلى الحاجب) لماذا تأخّر هذا المهرّج اللعين.. ؟ أحضرهُ في الحال‏

(ما إن يهمُّ الحاجب بالخروج حتّى يطل المهرّج)‏

المهرّج : لملك بلادنا الولاء والمجد ( ينحني بين يديه)‏

(ثم يستدعي ولدين نبيهين يعتمد عليهما في بعض الفقرات البهلوانيّة وبعض التعليقات العفوية)‏

أيها الولدان العجيبان تفَّرسا في وجوه هؤلاء القوم وانتظرا منّي بعض الأسئلة..‏

(يدور الولدان متأمّلين الوجوه دون تهيّب ويكون الصمت والوجوم مطبقين ثم يقفان إلى جانبي المهرّج)‏

الملك : هل جئت بالأطفال ليعبثوا بنا أيُّها المهرّج‏

المهرّج : تذكرْ أنَّك كنت طفلاً يا مولاي..‏

ورُبما تتمنّى أنْ تعود طفلاً‏

الملك : ( لم تكن روح العبارة الأخيرة بعيدة عنه)‏

ماذا .. أتمنّى أن أعودَ طفلاً.. أكملْ عرضك‏

المهرّج : هذان الولدان يا مولاي لهما قدرة عجيبة على معرفة ما يدور في نفوسنا (ينادي أحدهما) يا منير.. ماذا يفكّر مولانا الملك الآن‏

(يقترب منير من الملك ويتفرّس في ملامحه)‏

منير : هذا الملك يتمنّى لو كُنّا أولادَهُ‏

المهرّج : أيُّها الملك الصادق.. هل يقول الصدق هذا الولد..؟‏

الملك : (يصمت قليلاً ثم يقول):‏

نعم إنّه يقول الصدق...‏

المهرّج : (ينادي الولد الثاني).. يا فجر.. جاء دور الوزير .. أعرفْتَ ما يدور في رأسه‏

فجر : الأمر بسيط يا سيّدي .. هذا الوزير يتمنّى أنْ يُصبحَ ملكاً‏

(يصاب الوزير بإحراج وغضبٍ شديدين ويحاول الدفاع عن نفسه وكأنه متهم)‏

الوزير : لقد كذب هذا الولد يا مولاي .. فأنت ملكنا إلى الأبد ( يتجه إلى المهرّج حانقاً).. أيُّها المهرّج.. قدومُك نذير شؤم لنا .. خُذ شياطينك .. وامشِ..‏

الملك : أما تجاوزْتَ صلاحياتك أيُّها الوزير..‍!؟‏

بقاؤه أم رحيله يعنيني وحدي‏

الوزير : ولكنْ.. (يقاطعه الملك)‏

الملك : دافعْ عن نفسك يا غلام..‏

فجر : مَنْ منّا لا يرغبُ أنْ يُصبح ملكاً يا مولاي.. أنا .. أو سيّدي المهرّج.. أو منير..‏

أو هذا الرجل (يشير إلى قائد الجيش)‏

قائد الجيش: أعوذُ بالله من هذا الصبّي الوقح .أقصى ما كنت أطمح إليه حققه لي مولاي بقيادة جيشه (يتدخّل المهرّج)‏

المهرّج : منير.. فجر.. جاء دوري .. قفا جانباً.. مولاي .. ما رأيك بفاصلٍ فكاهيّ سريع..؟‏

الملك : ما من شيء يمنع ذلك..‏

المهرج : إذاً...فليلق كلٌّ من الموجودين هنا نكتة عابرة‏

الملك : أفكارك غريبة أيُها الرجل ولكنْ.. لا بأس من يبدأ..؟‏

(ينظر كلٌّ حواليه مستغرباً)‏

المهرّج : أنا أبدأ يا مولاي.. كان هناك رجلٌ لكي يتنعّم تزوّج امرأتين .. فقضى معظم حياته للمصالحة بينهما .. وحينما تصالحتا .. لم يعد قادراً على فعل شيء..‏

(تنفرج شفتا الملك عن ابتسامة ويهزُّ رأسه متفرساً في أعيان مملكته فيجارونه بابتسامة مفتعلة)‏

الملك : وأنت أيُّها الوزير ما عندك ..؟‏

الوزير : (يتفاجأ).. نعم يا سيّدي .. لديّ نكتة ... كتب رجلٌ على باب بيته العبارة التالية: جاري كريم جداً.. فأرجوكم أن تدقّوا بابه.‏

الملك : يا لخفّة دمك أيُّها الوزير.. لكنّي أعتقد أن دماء قائد الجيش كالهواء الطائر لخفّتها..‏

قائد الجيش: سأحاول يا مولاي... سأحاول ..‏

يُروى أنَّ الشياطين اختلفوا على رجل..‏

فاستعانوا بالله للتغلّب عليه..‏

(تصدر قهقهة عالية من حاجب الملك)‏

(تتبعها قهقهة مماثلة من حاجب الوزير)‏

الملك : إنّها المرّة الأولى التي أسمع فيها قهقهتك أيُّها الحاجب‏

حاجب الملك: أعتذر عن هذه الغلطة يا مولاي‏

الملك : لن تمحو هذه الغلطة إلاّ نكتةٌ تضحكنا جميعاً‏

حاجب الملك: تضحككم جميعاً ! ومن القادر على ذلك.‏

الملك : أنتَ أيُّها الخادم الأمين..‏

حاجب الملك: وإذا لم أتمكّن من ذلك ..‏

الملك : يركب على ظهرك حاجب الوزير كما يشاء‏

حاجب الملك: (ينفعل قائلاً) هذا الأمر إنْ حصل يكون علامة شؤمٍ يا مولاي‏

الملك : كيف ذلك أيّها الرجل..؟‏

حاجب الملك: هناك مثل في قريتي يقول: مَنْ يركبْ حمار جاره فسيركب ظهر جاره..‏

الملك : (مندهشاً) ماذا قلت أيُّها الحاجب..‏

مَنْ .. ير...كب...( ويغرق في قهقهة يجاريه فيها الجميع.. ممّا يدلّ ضمناً أنَّ خادمه ربح الرهان وأضحك الجميع .. وأبطل مفعول المثل)‏

المهرّج : (ملغزاً) لقد نجوت يا مولاي بفضل ذكاء حاجبك‏

(يقع هذا الكلام في عقل الوزير والحاشية موقعاً مريباً)‏

حاجب الوزير: لا قدرة لي يا مولاي على ركوب حمارٍ خشبّي سواء ربح حاجبك الشرط أم خسرهُ.‏

الملك : كأنّك تذكّر بنفسك أيها الحاجب.. (يلتفت إلى المهرّج).. أيُّها المهرّج .. كيف ترى إلى هذا الحاجب؟‏

المهرّج : لعلَّ( فجراً) يُريحني من مشقّة الجواب..‏

انظر إليه مليّاً يا فجر.. وقل ما تراه ..‏

فجر : (يقترب من الحاجب ويدور حوله .. وحول الوزير ويجلس جانباً وظهره للجميع)..‏

المهرّج : ما أصابك يا صبيّ .. مولانا ينتظر..‏

فجر : رأيْتُ شيئاً لا أستطيع قوله ..‏

الملك : لا تخشَ أحداً أيُّها الصبيّ.. قلْ ما تريد‏

فجر : هذا الرجل يشبه عمّي الذي قتله جنودك‏

الملك : جنودي قتلوا عمّكَ... ولمَ قتلوه.. ؟‏

فجر : دخلوا كرمه ليسرقوهُ.. ولّما وقف في وجههم طعنه أحدهم برمحه‏

الملك : (مستهجناً) جنودي .. يسرقون الناس ويعتدون على حياتهم .. أيُها الوزير ما صحة هذا الكلام..؟‏

الوزير : ما يرتكبه الجنود يسأل عنه قائد الجيش يا سيّدي‏

قائد الجيش: جنودي لا يتحرّكون إلاّ بأمر مولاي.. ومشورة معالي الوزير‏

الملك : لعلَّ مسؤوليّة ما حصل ستنتهي بعد قليل في رأس مربّي الخيول.. حقّقوا في هذه الجريمة .. واكشفوا مرتكبها بسرعة قصوى ..(يتوجّه إلى فجر بصوتٍ حانٍ)‏

هَلُمَّ يا بنيّ إلى جواري .. أُعزّيك بفقد عمّك وأعدك بمعاقبة المذنب.. ومساعدة تلك العائلة المفجوعة‏

المهرّج : لن نسمح يا مولاي أن يسيطر الحزنُ على جَوِّ هذا المرح الذي بدأنا به.. الأحزان كثيرة..والأفراح نادرة .. لقد جاء دور الغناء العذب... الغناءُ وحده كفيلٌ بتطهير النفوس من همومها وعذاباتها ..‏

(يصفّق بإيقاع محدد فتدخل مغنيّة جميلة الوجه مشيقة القوام وتشرع في الغناء دون إذن ملكي)‏

حبيبي .. ليس لي قَدَرُ‏

سواكَ اليوم أنتظرُ‏

وأرض الحبُّ قد عطِشَتْ‏

وأنتَ الغيمُ والمطرُ‏

حبيبي .. كُلُّنا يشكو‏

وفي شكواهُ أسرارُ‏

كأنّا دون أن ندري‏

وقودٌ.. والهوى نارُ‏

حبيبي كلّما زادَتْ‏

بنا الأيّام تنحسِرُ‏

أما قال الورى شِعْراً:‏

ألا ليت الفتى حَجَرُ‏

حبيبي كلُّ ما أخشى‏

بأن الحبَّ أحلامُ‏

فيا عشّاقُ كي تصحوا‏

على أحلامكمْ... نامُوا‏

(يتوقف الغناء والرقص إنْ كان هناك رقص مواكب.. يصفّق الجميع.. وينشرح صدر الملك وحين تهمُّ الفتاة بالخروج يناديها..)‏

الملك : إلى أين أيُّها الملاك الساحر..؟‏

الفتاة : أستعدُّ لوصلة رقصٍ يا مولاي‏

الملك : لا حاجة بنا للرقص بعد الغناء.. لقد أرقصت عقولنا وقلوبنا‏

الفتاة : أشكر مولاي على إعجابه.. لكنّي مضطرة للخروج‏

الملك : (منفعلاً) أتُعاندين الملك في قصره أيّتُها الفتاة‏

الفتاة : أنا.. لست الفتاة التي تعنيها يا مولاي‏

الملك : أيّة فتاةٍ تقصدين‏

الفتاة : الفتاة التي تفعل ما يرغب به الآخرون‏

الملك : (مخاطباً المهرّج) أجِئْتَ بهذه الحسناء الجميلة لتعطينا دروساً في الكبرياء..؟؟‏

المهرّج : هي لم تقصد ذلك يا مولاي.. لكنَّها اشترطت للقبول بعملها ألاّ تُرْغَمَ على فعل شيء‏

الملك : أستغربُ كيفَ يجتمع الرقص والغناء والكرامة العالية في جسد فتاة رقيقة..؟‏

الفتاة : ومَنْ أقنعكَ أنْ كلَّ الفتيات يرقصن ويغنّين بلا كرامة‏

الوزير : هذه وقاحة لم تكن بالحسبان..‏

قائد الجيش: دعني أتصرفْ بما يردُّ عن مولاي الإهانة‏

كبير الأعيان: لولا معرفتي العميقة بمعالي الوزير لعاتبته على السماح لهذا المهرّج وفتاته بارتقاء هذا القصر.‏

المهرّج : (محرجاً).. أعطوني الفرصة حتّى أسوّي الأمور يا مولاي..‏

الفتاة : (بقرف).. هذا المكان لم يعد المكان المناسب لإقامتي فيه.. سأنسحب ولو دفعْتُ حياتي ثمناً لهذا الموقف (تخرج يحاول قائد الجيش اعتراضها.. وربما الإجهاز عليها لكن الملك يتدخل في الوقت المناسب)‏

الملك : عليكم بضبط انفعالاتكم قبل ارتكاب حماقةٍ تندمون عليها.. ليعد كلٌّ إلى عمله.. أمّا أنت أيُها المهرج.. فتدبّرْ غضب فتاتك قبل أن تندما على اليوم الذي ولدتما فيه‏

(يخرج الجميع)‏

المشهد الثاني‏

تمهيد : تنفتح الستارة على غرفة نوم الملك /الأضواء واهية/ الملك نائم ووجهه باتّجاه الجمهور لرصد الانفعالات التي ترتسم عليه/ يبدأ بالاختلاج وتبدأ أصوات غريبة مبهمة بالتصاعد مقدّمة لكابوس جديد /الموسيقى الإيحائية تتوالى /أشباح تتسلّل إلى الغرفة تحمل خناجر وسيوفاً تلّوح بها.. وترفعها فوق سرير الملك الهاجع تنسحب الأشباح.. ويبدأ اللاوعي بالتداعي عبر أصواتٍ متعدّدة منها صوت الملك نفسه.‏

صوت الملك: كلُّهم ينامون هانئين.. وأنا الوحيد الأرق المعذّب يا للقرف.. يا للعار.. لقد فقد كلُّ شيء طعمه كأنّي أنهش لحم ميت.. أو أشرب سمَّ الأفاعي‏

صوت الفتاة: هذا المكان ليس المكان المناسب لإقامتي فيه.. سأنسحبُ ولو دفعْتَ حياتي ثمناً لهذا الموقف‏

صوت الوزير: هذا المهرّج وفتاته من الشياطين.. فليطردا من هذه المملكة قبل أنْ تسقط السماء على رؤوسنا‏

صوت قائد الجيش: إنَّ سيفي متعطّش لدماء هذه الفتاة ولكنْ.. ليس قبل أنْ أروي غريزتي من جسدها‏

صوت المهرّج: أنقذ هذه الفتاة من أنيابهم أيها الملك ألم يعد هناك من يدافع عن كرامة الأبرياء؟‏

صوت كبير الأعيان: أيُّ ملكٍ غاشم... هذا الذي يسلمنا إلى نفرٍ من المهرّجين الأوغاد..؟‏

صوت حاجب الملك: يا للأندال.. لقد فرّوا أمام أعدائهم كالأرانب وهاهم يتمرجلون على فتاة ضعيفة...‏

صوت حاجب الوزير: لا يهمّني إلا أن أبقى خادماً للوزير.. وليفعلوا بها وبأنفسهم ما يريدون..‏

صوت الفتاة : كنْتُ أمنّي النفس بالغناء والرقص أمام ملوك حقيقيّين وليس أمام ملوك مزيّفين‏

صوت الملك : لا ترحلي أيّتها الحسناء الأبيّة.. لقد أيقظ صوتك أعماق وجداني وضميري.. لن أدعهم يمّسونك بأيّ أذىً...‏

صوت الفتاة : لو لم تكن مثلهم.. لما نصّبوك ملكاً. عليهم‏

صوت الملك : أقسم لكِ أنّني أُحاوِل الخروج منهم‏

صوت الفتاة : لقد تعوّدْتَ على مكرهم وطاعتهم‏

صوت الملك : سأحاول التغلّب عليهم بكلّ ما لدي من قوّة..‏

صوت الفتاة : قوّتك غير كافية‏

صوت الملك : امنحيني قوّتك إذاً...‏

صوت الفتاة : لا أثق بك..‏

صوت الملك : أرجوك لا ترحلي.‏

أتوسل إليك أنْ تبقي إلى جانبي‏

صوت الفتاة : لا أستطيع..‏

صوت الملك : بلى.. تستطيعين..‏

لا.. لا... (يعلو الصوت فيفيقُ مذعوراً.. وهو يصرّخ)‏

أيَّها الحاجب.. أيها اللعين.. أين أنت.. أمّتمْ جميعاً..؟‏

الحاجب : نفسي فداؤك يا مولاي..‏

الملك : دعني أستندْ عليك وأخرج إلى الهواء الطلق.. قبل أنْ ينفجر صدري من هذه الكوابيس المرعبة.‏

(يخرجان)‏

المشهد الثالث‏

المكان : مقرّ الوزير‏

تمهيد : اجتماع يضمُّ الوزير /قائد الجيش/ كبير الأعيان.. الهدف منه محاولة الاتفاق على مواجهة التحوّل الهام الذي طرأ على عقليّة الملك في الآونة الأخيرة.. وازدياد هذا التحوّل بقدوم المهرّج وفتاته وخادميه الصغيرين‏

يدور الحوار الآتي:‏

الوزير : لعلّكم تّتفقون معي على أنَّ الملك يمرُّ بحالة حرجة مرشحة للتفاقم إذا لم نستدرك الأمور..‏

قائد الجيش: لقد أخطأت يا معالي الوزير باستقبال هذا المهرّج وإدخاله على الملك..‏

الوزير : دَعْني أعترفْ لكما أنّني أردته مخدّراً لـه فانقلب إلى منبّه.. وهي مفاجأة صدمتنا جميعاً... وتستحق العلاج السريع‏

كبير الأعيان: كنتُ أظنُّ أنَّ موقفه من تلك الفتاة الشرسة سيكون حازماً فيأمر بقتلها أو نفيها‏

الوزير : لقد انحاز إلى جانبها.. وأرسل المهرّج لاسترضائها.. وكنّا على قاب قوسين من الطرد‏

قائد الجيش: الحالة لم تعد تطاق.. ولا بُدَّ من التحرّك‏

الوزير : لهذا السبب دعوتكما لهذا الاجتماع الطارئ المستقبل ينذر بأوخم العواقب.. والخطر يتهدّدنا جميعاً‏

كبير الأعيان: لكنَّ للجدران عيوناً وآذاناً أيُّها الوزير.. وقد تتحوّل كلماتنا هذه إلى مشانق لنا.. أو حرابٍ تمّزق صدورنا‏

الوزير : بل أذهبُ في الحذر أبعد من ذلك فأعلن خشيتي من أن يتحوّل أحدنا –نحن الثلاثة –إلى تلك المشانق أو الحراب‏

قائد الجيش: فلنقسم يمين الوفاء الأبديّ بعهودنا..‏

ولتكنْ صدورنا صناديق محكمة الإغلاق‏

الوزير : باستطاعتنا الآن أن نتحدّث بحريّة ووضوح عما يجول في عقولنا من حلول..‏

كبير الأعيان: علينا أنْ نصارح الملك بالفتور الذي يُعاملنا به في الآونة الأخيرة.. داعمين هذه المصارحة بمناشدته إبعاد المهرّج والفتاة.. للإهانة التي لحقت به.. والمكر المدسوس في أساليبهما‏

قائد الجيش: إنْ لم يشعر هذا الملك بقوّتنا فلن يأبه لأيّة مصارحةٍ أو رغبةٍ أو توصيةٍ تصدر عنا‏

الوزير : هل تعني استخدام الجيش ورقة ضغط عليه؟‏

قائد الجيش: هذا ما أعنيه بالضبط..‏

الوزير : ومَنْ يضمن عدم انقسام الجيش حول قرارٍ بهذه الخطورة..؟‏

قائد الجيش: أتباعنا يشغلون المراكز الأساسيّة فيه‏

الوزير : أتباعنا.. أتباعهم.. أتباع الشيطان في النهاية كلٌّ يعمل لمصلحته الخاصّة‏

كبير الأعيان: وإذا اتفقَتْ هذه المصالح توَّحدَ الجيش‏

الوزير : لعلّكم تتجاهلون أو تجهلون ولاء بعض الضباط للملك..‏

قائد الجيش: إنّه ولاء بالإمكان استيعابه أو تجاوزه عند الضرورة‏

الوزير : كثيراً ما خسرنا معارك توقّعنا الانتصار فيها سهلاً.. إنّنا نواجه ملكاً أفاق من غيبوبة الماضي.. وأصبح يُمارس التحديق والتفكير في الصغيرة والكبيرة.. قد ينقضُّ علينا في اجتماعنا هذا...‏

كبير الأعيان: إنّك لتخيفني أيها الوزير ماذا لو وصلت هذه المداولات إليه..؟‏

قائد الجيش: تكون أنتَ مَنْ أوصلها‏

كبير الأعيان: إنَّ مَنْ يتّهم الأوفياء لإنسان فاسد العقل والضمير..‏

الوزير : يبدو أنّنا اختلفنا قبل أنْ نتّفق.. ألم نقسم يمين الوفاء والوفاق حتّى الأبد‏

كبير الأعيان: لكنَّ قائد الجيش طعن هذا القسم بشكوكه الجائرة‏

قائد الجيش: إنَّ ما قلتُهُ اختبار صيغَ بأسلوب الشكّ‏

الوزير : لننس هذه الانفعالات العابرة.. ولنضع إصبعنا على مكمن الداء..‏

قائد الجيش: لعلّك تشير إلى الملك بسهمٍ خفيّ‏

الوزير : ملوحة البحر لا تحتاج إلى دليل‏

كبير الأعيان: إذا لم يكنْ من جدوى في الضغط عليه كما اقترحْتُ قبل قليل.. فليس لنا خيارٌ إلا أنْ.. (يلتفت حواليه ولا يكمل)‏

الوزير : ما عوّدتَنا على الكلام الناقص أيُّها الوجيه إنّها ساعةُ الحقيقة.. فلتُعْلَنْ دون انتقاص‏

قائد الجيش: ومن سيكون البديل في حال تخلّصنا منه؟‏

كبير الأعيان: لنبدأ بمرشّحك أنت‏

قائد الجيش: أرشّح معالي الوزير دون تحفّظ.. وأنت من تقترحه ملكاً جديداً..؟‏

كبير الأعيان: أرى أنَّ تنصيب أيٍّ منّا ملكاً سيقدّم دليلاً قاطعاً على توّرطنا في المؤامرة‏

الوزير : إنّه استنتاج منطقيّ... إلا إذا قرّرنا المواجهة المكشوفة والصراع العلنيّ حتّى النهاية الحاسمة‏

كبير الأعيان: غير المضمونة طبعاً في الظروف الحالية.. ثمّة حقائق لم تنضجْ بعد.. وقد يكون الملك قد سبقنا إلى الضربة الأولى‏

قائد الجيش: كأنّي أتلقّى إهانة غير مباشرة.. حول إمساكي بزمام الجيش.. ونواصي ضبّاطه‏

الوزير : قد نربح المعركة العسكرية ونخسر تعاطف الشعب‏

قائد الجيش: ومتى كانت عواطف الناس تُؤْخذ بعين الاعتبار في إعلان الحروب والنزاعات أو إخمادها‏

الوزير : نشكر حماستك العالية أيُّها القائد... لكنْ ليس إلى حدّ السقوط في تجربةٍ خائبة..‏

قائد الجيش: ما العمل إذاً‏

الوزير : إبقاء الاجتماعات مفتوحة.. لمراقبة التطوّرات، وجمع الحقائق.. وتجنّب إثارة الشبهات حولنا والشروع بحملة مركّزة لتشويه صورة الملك بين مناصريه وطبقات الشعب عامّة‏

(في هذه اللحظات يُقَرع الباب بعصبية فيسقط في روع المجتمعين أنَّ نواياهم افتُضحِتْ ويجتاحهم قلقٌ وخوف شديدان)..‏

كبير الأعيان: لعلَّ الخطر الذي تخوّفنا منه يقرع علينا الأبواب‏

قائد الجيش: ليس من دليل على توّرطي بأيّة شائنةٍ ضد مولاي الملك.. وما زال سيفي رهن طاعته‏

الوزير : إمّا أن ننجو معاً أو نواجه مصيرنا المحتوم معاً.. لا يتهربَّنَ أحدٌ من مسؤوليّته‏

(القرعات تتوالى)..‏

الوزير : هدّئ روعك أيُّها القارعُ العصبيُّ.. مَنْ أنت على كلِّ حال..؟‏

(الجميع في وضع عصبيّ مكهرب)‏

القارع : أنا حاجب الملك.. معالي الوزير.‏

الوزير : (مضطرباً) معالي الحاجب.. ملك الوزير.. عفواً.. حاجب الملك.. ماذا تريد..؟..‏

(يفتح لـه الباب) أخفتنا أيُّها الرجل ما وراءك..؟‏

حاجب الملك: لا ورائي ولا أمامي يا سيّدي حتّى تخافوا منّي فأنا مجرد خادمٍ ينفّذ الإرادة الملكيّة‏

كبير الأعيان: وماذا حمّلتك الإرادة الملكيّة في مثل هذا الوقت‏

حاجب الملك: لو كان مولاي يبوح لي بأسراره لكنْتُ الآن أحدكم.. ومصاباً بالخوف الذي أصابكم‏

ملاحظة: لجأت في مقطع الحوار الآتي إلى عنصر (التنحية) الفني الذي عرّفتُهُ قبل حين.. يبوح شخص بهواجسه الداخليّة وتُنَحّى الشخصيات الأخرى.‏

-انتهت الملاحظة -‏

الوزير : أقسم بالملائكة والشياطين أنَّ هذا الحاجب الخبيث يعرف شيئاً عن اجتماعنا‏

كبير الأعيان: لقد تسّرعْتُ بقبولي الاجتماعَ معهما. أيُّ قدر مجهول ينتظرنا..؟‏

قائد الجيش: يجب أنْ أسبقهما إلى مولاي الملك أجدّد لـه ولائي المطلق.. وإلاّ صرْتُ ضحيّة هذا الاجتماع المشؤوم..‏

حاجب الملك: ما بالهم مذهولين أو مسطولين...؟‏

لقد حوّلهم قدومي المفاجئ إلى أرانب مذعورة كأنّهم كانوا يخطّطون لأمرٍ خطير‏

ملاحظة: ينتهي مقطع التنحية الفنية ويعود الحوار إلى حالته الطبيعيّة..‏

الوزير : لم تقُلْ لنا أيُّها الحاجب النبيه ماذا يريد جلالته منّا.. أو منّي بالتحديد....‏

الحاجب : جلالته يطلب أنْ يجتمع بكلٍّ منكم على انفراد.. بدءاً من سيّدي قائد الجيش‏

ملاحظة: تطبيق عنصر التنحية الفنيّة مرّة أخرى لاستبطان أعماق الشخصيّات.‏

الوزير : لقد وقع ما كنّا نخشاه.. وشرع الملك يهاجمنا واحداً واحداً لإضعافنا.. وبثّ روح الفرقة ما بيننا‏

قائد الجيش: لعلّها فرصتي الوحيدة أن أكون أوّل المدعوين إلى مقابلة الملك.. سأطلق كلَّ سهامي الصائبة لأنجو بجلدي.. وليذهبا إلى الجحيم..‏

كبير الأعيان: لن يتمكّنا من الإيقاع بي مهما فعلا فرصيدي لدى الملك ما يزال عالياً.. وسوف لن يقسو على شيخوختي مهما تطرَّفَ في أحكامه‏

حاجب الملك: سأخبر مولاي بكل ما أراه على وجوه هؤلاء الناس فهو أقدر منّي على فهم هذه الملامح المضطربة وتفسيرها..‏

(ينصرف الحاجب ويبقى الثلاثة واجمين كأنّهم تماثيل حجرية)‏

المشهد الرابع‏

تمهيد : يتجاوز الملك تصرُّفَ الفتاة في المشهد الذي خرجت فيه غاضبة معّبراً بذلك عن إعجاب ضمنيٍّ بشخصيتها الأبية ونظافة سلوكها الفنّي..‏

ويبدي رغبة في الاستماع إليها من جديد بحضور أركان الدولة.. تنفتح الستارة على جوّ ملكيّ تتخلّله أحاديث ثنائية يجلس فيها المهرّج إلى جانب الملك.. ثمَّ يستأذن منه للبدء بالفقرة الغنائية..‏

المهرّج : مولاي الملك.. أيُّها السادة أركان الدولة إنَّ الغناء صوت السماء على الأرض.. وينبوع الفرح الدافق.. ولقد رضي جلالة الملك عن حسنائنا الساحرة.. وهاهي مُقْبلةٌ لترفعَ أسمى آيات الشكر لجلالته على رضاه إنمّا بصوتها المتسلسل من قيثارة الملائكة‏

(تعزف الموسيقى... وتدخل الفتاة منحنية قليلاً للملك ثمَّ تأخذ بالغناء)‏

أنا باسم الأرض والإنسان‏

أهوى وأغنّي‏

أنا باسم الحبِّ والأطفال‏

أنساب بلحني‏

ليس يثنيني العناءُ‏

والتجافي والشقاءُ‏

تهدمُ الأحقادُ آمالي. وأبني‏

كلُّ مَنْ ضّحَّى فداء الحقِّ والعَدْلِ‏

صديقي‏

وطريقُ الواهبين العُمْرَ للخير‏

طريقي‏

شجراً صار غنائي‏

وسرى في الصَّخْرِ مائي‏

بانتصار الحبِّ أحلامي أُمنّي‏

يا حبيبي.. لا تلُمْ قلبي‏

إذا فاضَتْ دموعي‏

يا حبيبي.. لا تُجافيني‏

إذا عَزَّ رجوعي‏

فاغترابي بات عمري‏

حَطبُ الأحزان جمري‏

أنتَ في الظُلْمةِ قيثاري.. أضِئْني‏

مَنْ تُرَى.. لو نزح العدل عن الأرضِ‏

يُغنّي‏

مَنْ تُرَى.. لو صُلِبَ الحبُّ على الحقدِ‏

يغنّي‏

مَنْ ترى.. لو حَشَدَ الفقر ضحاياه‏

يغنّي‏

جئْتُ ناراً فاحتمِلْني‏

جِئْتُ نوراً فاستزدْني‏

جئت أدعوكَ لعشقٍ‏

يخلق الأرضَ سلاماً وجمالاً‏

فاحتضنّي‏

فأُغنّي.. وأُغنّي.. وأُغنّي‏

تنويه : يقع هذا الغناء من قلب الملك وضميره موقعاً ساحراً آسراً فيُصفّق بحرارة ممّا يستدعي تصفيق الجميع ولو بحركة خارجية مصطنعة... وتأخذ الملك حالة ابتهاج داخلية يترك كرسيّه للتعبير عنها بأسلوب مسرحيٍّ مشرق....‏

الملك : مَنْ قادك إلى هذه المملكة أيَّتها الحسناءُ العجيبة..؟‏

مَنْ رماكِ بضميري يا صرخة الأزل الصادحة؟‏

هَدَمْتِ الأسوار التي حالت بيني وبين الشمس..‏

سرَّحْتِ الهواء النقيَّ إلى رئتيَّ..‏

أعدتِ إلى دمائي ملامح الجبال والوديان‏

أريتني بشراً تفيض وجوهُهُمْ بالصدق والعفوية‏

ألا تشاطرونني الرأي أيُّها الأعيان...؟‏

تنويه : يتأكد الجميع أنَّ الملك يعيش حالة ذاتية وإنسانية جديدة ومختلفة.. بل يشعرون أنَّه وقع أسير هذه الفتاة ومدير أعمالها المهرّج.. يغالبون احتقانهم ويتظاهرون بمشاطرة الملك مشاعره..‏

(انتهى التنويه)‏

الوزير : إنَّ ما يُطربك يطربنا حتّى ولو كانت مشاعرنا دون مشاعرِكَ عمقاً وتأثّراً‏

كبير الأعيان: لقد فاجأتنا هذه الصبيّة الفتّانة بغناءٍ مختلفٍ عمّا ألفناهُ.. ومع ذلك و صلت إلى عواطفنا بقوّة‏

قائد الجيش: لا شكَّ أنَّ مولاي كان بحاجةٍ إلى هذه الأجواء الدافئة لتنتعش روحه العليّة من همومها‏

الملك : إذاً دعوني إليها أرجوكم.. لست مستعدّاً بعد الآن أن أفرّط بأيّة نسمة من أنفاسها أو إشعاعٍ من ضياء عينيها‏

المهرّج : أيعني ذلك يا مولاي خروجنا جميعاً..؟‏

الملك : نعم أيُّها المهرّج.. لم يعد هذا المكان قادراً على احتوائنا جميعاً... بهذا همسَتْ لي جدرانه العابقة‏

(يقع الجميع ـ بما فيهم المهرّج ـ باستغراب حائر)‏

الوزير : الطلب واضحٌ أيُّها السادة.. انسحابنا أضحى ضروريّاً.. (يخرج فيلحقه الآخرون)‏

الملك : (وقد خيّم الصمت دقيقتين ما بين استغراقه فيها وحيائها ممّا لم تكن تتوقّعه)‏

اجلسي أيتها الزنبقة البهيّة.. وقوفُك فترة طويلة أرهقني‏

الفتاة : بل اهتمام مولاي بشخصي البسيط أرهقني‏

الملك : وسأزداد إرهاقاً إذا أصررْتِ على مناداتي (مولاي)‏

الفتاة : الملك هو الملك يا مولاي‏

الملك : ثمَّة التباس شديد في أشخاص الملوك وصفاتهم فمعظم الملوك الحقيقيّين غائبون عن عروشهم وأنبل الأميرات يتوهّجْنَ خارج القصور‏

الفتاة : لا تظلم نفسك يا مولاي‏

الملك : ولا تتجاهلي سموّك في قلبي‏

الفتاة : ارحم ضعفي يا سيّدي..‏

الملك : ما أقوى ضعفك يا أميرتي‏

الفتاة : (بحياء وحرج) ربّما كان عليَّ أنْ أكون البادئة بالانسحاب كما فعلتُ في المرّة السابقة‏

الملك : أتحدّاك إذا كنت قادرة على تكرار هذه الفعلة مرّة أخرى‏

الفتاة : علّمني أن.. أهرب منك يا ملك الآلام الغامضة واسمح لي أنْ أعترف لك أن تسامحك معي كان كالفأس التي ارتدّت من جذع الشجرة إلى رأس الحطّاب‏

الملك : لا أستبعد أنَّ شاعرةً ستقدّم لي أوراق اعتمادها بعد قليل‏

الفتاة : وهي تستوحي قصائدها من تقاسيم كمانٍ ملكيّة.. دَعْني يا مولاي غزالة البراري الجامحة التي لا تُساوم على حريّتها.. أنا ابنة الرياح العاتية والزنبق الذي ينتحر قبل أن تلمسه الأيدي‏

الملك : كيف لي أنْ أتخلّى عن رسولة السماء إليّ عن أنثى تحمل وعْدَ التجدّد لحياتي‏

الفتاة : نساء كثيرات يلتمسْنَ الحظوة لديك يا سيّدي ونساء كثيرات عبرْنَ في حياتك.. فما الفائدة من فتاةٍ تحمل قدرها في صوتها وترحل..؟‏

الملك : ليست العبرة في كثرة الرجال أو النساء.. فليس لأيِّ رجلٍ إلاّ امرأة واحدة.. هكذا يُنبِئني قدري ويُنبئنِي أنَّ هذه المرأة هي أنت...‏

الفتاة : هذا كثير عليَّ يا مولاي.. وثمّة رجل له عليَّ الفضل الوفير.. ولولاه لما كنْتُ هنا الآن ولا بُدَّ أن يكون له رأيٌ في حياتي‏

الملك : تقصدين المهرّج طبعاً.. سأسمح لنفسي بالاستفسار عن علاقتِكِ بهذا الرجل.. فليس من اللائق أنْ يتنافس ملك ومهرّج على قلب فتاة...‏

الفتاة : كنت أتمنّى ألا تفترض هذه المنافسة أصلاً فقد تنعم امرأة بالسعادة بين يدي رجل بسيط شهم أضعاف ما تنعم به في قصرٍ ملكيّ عامر...‏

الملك : أعتذر عن غيرةٍ دفعتني إلى التسرّع في تقدير الأمور.. لكنَّ سؤالي ما زال بلا جواب‏

الفتاة : هذا الرجل قد فُتِنَ بي.. ورغب أنْ يتّخذني عشيقةً قبل أن يعجب بشخصيَّتي.. وقد سهر عليَّ وعلّمني منتظراً أن ينال موافقتي على الزواج منه‏

الملك : وهل هذه الموافقة جاهزة حتّى أبلّغه إياها بنفسي‏

الفتاة : (تهزُّ رأسها.. وتنهض نحو ركن في البهو وتغرق في صمتٍ بليغ.. لكنَّ الملك يقترب منها ببطء وحذر ويضع كفّه على كتفها)‏

الملك : لعلّي جرحْتُ شعورك دون أنْ أدري..‏

الفتاة : أنا الآن أتطلّع أبعد من هذا الشعور.. أتطلّع إلى هذه الشمس التي تقترب من المغيب.. وأسأل روحي ماذا بعد الظلام..؟‏

الملك : بعد الظلام فجرنا القادم..‏

الفتاة : أتمنى ذلك يا مولاي.. سُفُنٌ تبحر في اتجاهاتٍ مختلفة.. رياحٌ متعاكسة.. ثمة من يصحو بعد أنْ ضيَّع كلَّ شيء.. كان الأَوْلى ألا يصحو.. حتى يسقط دون وعيٍ وألم..‏

الملك : أرى نور شمعتك يرتجف.. وأنا ذلك الظلّ الذي يرتجف به.. (يبتعد عنها قليلاً)‏

لا.. لن أمنعك من الرحيل متى شئت لن أرغمَ غزالة البراري الجامحة على رعي أعشاب الكآبة.. حُرّيتك ملك إرادتك.. ولكنْ إذا أردتِ أنْ ترحلي.. فارحلي فوراً...‏

(يقول هذا وينسحب مسرعاً وتبقى هي مسمّرة في مكانها.. وينتهي المشهد)‏

المشهد الرابع‏

تمهيد : المهرّج يريد مقابلة الملك لأمر ملحّ‏

الحاجب : المهرّج يلتمس لقاءك يا مولاي‏

الملك : مَنْ المهرّج..؟.. دعه يدخل‏

المهرّج : المجد والاحترام لمولاي الملك‏

الملك : ولك التحيّة الطيّبة.. لا تبدو على ما يرام أيُّها الرجل.. فوجهك ليس منبسط الأسارير‏

المهرّج : أنت قادر دوماً يا مولاي على كشف المشاعر ومساندة الباحثين عن سلام و أمان..‏

الملك : وأنت ما شأنك بالسلام والأمان إذا كنت تحت رعايتي. وليس لأحد عليك مشيئة‏

المهرّج : لولاك يا سيدي لما بقيت في هذه المدينة ليلة واحدة.. لكنَّ شخصك ليس كلَّ المملكة.. وتنفيذ أوامرك مرهون بقربه بها أو بعدها عن القصر‏

الملك : ومَنْ أوحى لك بهذا الافتراض المفتقد للأدلّة؟‏

المهرّج : إنّها أدلّة يا سيّدي تستغني عن الافتراض‏

الملك : هات دليلاً منها.‏

المهرّج : الإشاعات تملأ الأحياء والساحات عن اضطراب عقل الملك... ودخوله مرحلة الغرابة والشعوذة حتّى بات يستقدم السحرة والمهرّجين للترفيه عنه‏

الملك : أهذه إشاعة سمعتها.. أم إشاعة تحاول ترويجها‏

المهرّج : معاذ الله يا مولاي.. فمقامكم مقدّس لديَّ وبعضهم يتّهمني بالانحياز إليك‏

الملك : وما شأنُك أنت بالواقع السياسيّ للمملكة؟‏

المهرّج : أتريدني يا مولاي مهرّجاً أبله؟‏

الملك : بل أريدك مهرّجاً فقط.‏

المهرّج : والمهرّج يشعر أنَّ جدران القصر تهتزّ‏

الملك : وجدران روحك أيضاً‏

المهرّج : يشرّفني يا سيّدي أن أكون رجلاً موصول الحياة والمشاعر بالناس.. ما يهزّهم يهزّني‏

الملك : لقد فهمْتَ كلامي كما يحلو لك أن تفهمه متجاهلاً هدفه الحقيقيّ‏

المهرّج : ربّما غابت عنّي الحقيقية فأطلعْني عليها يا مولاي‏

الملك : سأتجاهل تجاهلك وأصارحك بالذي كان يجب أن تعترف به: إنّك ممتعضٌ لتقربي من فتاتك‏

المهرّج : لا أنكر يا مولاي مكانتها في نفسي وحاجتي إلى مواهبها.. لكنّي لست سجناً لها ولها نفس أبيّة تنفر من أيّ استعباد...‏

الملك : إذاً ما الغاية من مقابلتي..؟‏

المهرّج : أنْ تأذن لنا بالرحيل...‏

الملك : (يشعر أن خنجراً دخل صدره).. لن ترحلا أبداً.. بل لن ترحلا ما دمتُ بحاجة إليكما‏

المهرّج : لا أعتقد يا مولاي أنّك محتاج إلى اثنين يسكن الخوف نفسيهما... وطبيعة عملهما تفترض التنقّل الدائم (يعود الملك إلى ذاته فيشعربقسوته على المهرّج)‏

الملك : لا بأس أيُّها المهرّج.. لا بأس.. حين نكتفي من عروضك سنأذن لكما بالرحيل.. لكنّني أتساءل.. لماذا غابت فتاتك عن هذا اللقاء؟‏

المهرّج : إنَّ كآبتها في هذه الأيّام تُقلقني تميل إلى العزلة.. تحتضن رأسها.. وتغوص في تأمّل طويل‏

الملك : أين دورك في التخفيف عنها؟‏

المهرّج : تسمعني وتهزّ رأسها.. وتنظر في جهة أخرى‏

الملك : لعلَّ بعدها عن الناس جعلها تشعر بالوحدة.. لا بُدَّ أنْ نستقدم الناس لها حتَّى تتجدّد حيويّتها‏

المهرّج : لا أعتقد ذلك يا سيّدي.. سبق لها أنْ قالت لي: الناسُ في القصور لا يختلفون عن أحجارها أو أوانيها الفاخرة..‏

الملك : (منزعجاً) ألم تقل لك أيضاً: إنَّ المهرّجين أمثالك يدّعون المعرفة بكل شيء.. ويتجاوزون حدودهم في كثير من الأحيان..؟‏

المهرّج : إنَّك تقسو عليَّ يا مولاي‏

الملك : بل أنت من يقسو على نفسه‏

المهرّج : حرّرني إذاً حتّى أرحم نفسي وأُريحَكَ‏

الملك : الحقيقة أنَّك مضطرب التفكير تحتاج إلى راحةٍ كافية قبل أنْ تشاركني في استقبال وفدٍ يمثّل أهل المملكة البسطاء المهمّشين..‏

(ينهض منادياً حاجبه)‏

أيُّها الحاجب هلُمّ إليّ..‏

الحاجب : أمر مولاي‏

الملك : ليُسمَحْ لهذا الرجل أنْ يتنزّه خارج القصر وحده.. ولتُلَبّ كلُّ رغباته‏

المهرّج : ليس هذا ما.. (يقاطعه الملك)‏

الملك : أقلعْ عن الكلام حين الحلول تحتاج إلى عمل.. أيها الحاجب... رافِقْه إلى حيث يريد.. واستدع لي الوزير على عجل‏

الحاجب : (يشير إلى المهرّج بالخروج أمامه)..‏

تفضّل أيُّها السيّد...‏

(يبقى الملك وحده منتظراً الوزير، مردّداً)‏

الملك : ما يُوجع هذا المهرّج ليس بعيداً عنّي.. كلانا يقتسم نصف المعاناة.. ولا أدري ما ردُّ فعله لو كان الملك.. وأنا المهرّج.. يا للفتاة الساحرة نستأهل ما يحدث لنا بسببها‏

الوزير : (ينتظر قليلاً في الدخول حين يسمع الملك)‏

مولاي.. أنا تحت الخدمة..‏

الملك : أيُّها الوزير.. لن يبقى هذا القصر موحشاً بنا منطوياً على كآباتنا المريرة‏

الوزير : لعلَّ فرحاً قريباً يقترب من أعتابنا‏

الملك : ما تقصد أيُّها الوزير..؟‏

الوزير : أقصد الفرح العظيم الذي نعد أرواحنا به منذ زمن طويل...‏

الملك : ما زال الأمر ملتبساً عليَّ‏

الوزير : سيكون فرحاً عارماً لن يستثني أحداً‏

الملك : لقد ذهبت بعيداً أيُّها الوزير إذا عنيت زواجي‏

الوزير : كم أرجو ألاّ أكون قد تجاوزت هذا الأمر‏

الملك : الحقيقة أنّني قرّرت تخصيص يوم في الشهر لاستقبال عامة الناس.. من سكان القرى والجبال.‏

الوزير : (مستغرباً) لن يكون بمقدوركم يا مولاي احتمالهم.. الفجاجة.. الأصوات الانفعاليّة الصاخبة.. قذارة اللباس والشكل.. الروائح الكريهة..‏

الملك : لعلّنا نشبههم.. إنّما من الداخل.. أيُّها الوزير.. سمعت رأيك.. إنّما قراري لا عودة عنه.. بلغوا أولئك الناس رغبتي وليكن الوفد الذي يمثّلهم ماثلاً أمامي بعد ثلاثة أيّام.. وليكن يوماً مختلفاً من حياتنا جميعاً‏

الوزير : لا خيار لنا في تنفيذ أوامركم..‏

الملك : لا تنسوا أن تكونوا إلى جانبي في هذا اليوم المشهود..‏

الوزير : هذا أمرٌ بدهيٌّ يا مولاي.. أتأذن لي بالانصراف.. حتّى نعدَّ الأمور إعداداً حسناً..‏

الملك : موعدنا بعد ثلاثة أيام‏

(ينتهي المشهد).‏

المشهد الخامس‏

تمهيد: الوزير وكبير الأعيان وقائد الجيش والمهرّج يجلسون في الصالون الملكيّ منتظرين قدوم الملك أوّلاً ثمَّ الوفد الشعبيّ‏

حاجب الملك: (يعلن قدوم الملك) مولانا الملك يُشرّفنا بقدومه.. (يدخل الملك ويجلس في مكانه)‏

الملك : ليدخل الوفد أيُّها الحاجب‏

حاجب الملك: السمع والطاعة (يتجه نحو الباب ويطلب من أعضاء الوفد الدخول مع ملاحظاتٍ فكاهيّة يعلّق بها على القادمين)‏

ادخلوا بالترتيب.. لا تزحموا الفتيات الجميلات..‏

أنتَ.. لماذا لم تترك نصفك في الخارج (يخاطب فتاة حافية) لن تخرجي دون حذاء مناسب.. التدخين ممنوع.. وكذلك إصدار الروائح الكريهة...‏

(يدخل أعمى في عداد الوفد) مَنْ جاء بهذا الأعمى‏

الأعمى : أريد أنْ أرى الملك يا بنيّ..‏

حاجب : أتريد أن تراه بأذنيك أم بأنفك؟‏

الأعمى : بأذنيَّ وقلبي..‏

الملك : كنْ لطيفاً أيها الحاجب.. وقرّبْه منّي‏

الأعمى : دَعْني ألمسْ كفَّ مولاي (يقترب فيلمسها أخيراً لمسْتُ شيئاً يخصُّ الملك‏

الملك : كيف وجدتها..؟‏

الأعمى : ناعمة يا سيّدي.. ناعمة.. كأنّك لم تعمل في الأرض أبداً‏

الملك : الأرض التي تتكلّم عنها لا توجد في القصور‏

الأعمى : وهل بُنيَ القصر على صخرة واسعة‏

الملك : نعم أيها الأعمى البصير.. القصور دائماً تُبْنَى على الصخور.. وتسكن فيها الصخور‏

الأعمى : أما من بنّاء فحل.. يقتلع بعضاً منها؟‏

الملك : البنّاء الذي يستطيع ذلك لم يأتِ بعد‏

الأعمى : في قريتنا أكثر من فحل.. أين عمَّار..؟‏

عَمار : أنا هنا يا عمّاهُ...‏

الأعمى : صخور مولانا تحتاج إلى زنديك‏

عمار : وكفّاي حاضرتان لصخور مولانا‏

الملك : هَوِّنْ عليك أيُّها الشيخ الجليل واجلس قريباً منّي.. لأتعرّف إلى ضيوفي الطيّبين‏

المهرّج : أتسمح لي بالتدخّل يا مولاي‏

الملك : وجودك بيننا يفترض ذلك‏

المهرّج : كيف وجدتم مولانا وأنتم في ضيافته‏

قادم1 : وجدناهُ طيّباً.. أنيس الوجه‏

المهرّج : هل كنتم تتوقّعون ذلك‏

قادم2 : كلاّ يا سيّدي.. لقد صوّروه لنا قاسياً شرس الطباع‏

قادم3 : وقالوا: إنّه متكبر يحتقر الناس‏

امرأة1 : وإنّه لم يتزوّج حتّى يتنعّم بنساء كثيراتٍ‏

(الملك يستمع بهدوء وابتسامة خفيفة)‏

المهرّج : ومَنْ هم وراء هذه الأقوال بحقّ الملك..؟‏

قادم4 : رجال كانوا يتردّدون علينا باستمرار.. ويحملون إلينا بعض الهدايا والنقود..‏

المهرّج : وهل ترون في هذا المكان أحداً منهم؟‏

امرأة2 : حاشى أنْ يكون في مجلس مولانا بعضٌ منهم‏

المهرّج : وإذا كانوا قد فعلوا ما فعلوهُ.. فكيف تنكرون فضل هداياهم ونقودهم..؟‏

قادم1 : لأنَّهم لم يريدوا لنا ـ نحن الموجودين هنا ـ أن نشكّل هذا الوفد‏

الملك : وكيف وصلتم إلى قصري؟‏

قادم2 : لأنَّ رجالاً آخرين وقفوا في وجههم وفعلوا المستحيل لإفشال خطّتهم‏

الملك : ماذا أسمع.. رجال ورجال آخرون يتحرّكون بين الناس يزرعون الإشاعات والدعايات المغرضة.. ونحن غافلون..‏

الملك : كيف ترى إلى ما يقوله هؤلاء الناس أيُّها الوزير..‏

الوزير : لا بُدَّ أن نتأكّد من كلامهم.. ربّما يُبالغون لإظهار محبّتهم لك‏

قائد الجيش: الجيش سيتحرّك في الوقت المناسب يا مولاي‏

الملك : (يلتفت إلى ولد كان بين الزائرين) وأنت أيُّها الولد البريء.. ما أتى بك إلينا..؟‏

الولد : لقد جئتُ بدلاً عن والدي المشلول حتّى أخبرك عن سبب شلله..‏

الملك : أخبرْ يا بنيّ أخبرْ‏

الولد : ضربه جنودك على رأسه لأنّه قال لهم: أنتم وملككم تأكلون أتعابنا وأرزاقنا ونحن نموت من الجوع‏

الملك : لماذا لم يخبرني أحدٌ بما حدث‏

الولد : نزلت والدتي إلى القصر لتشتكي لكنَّهم طردوها‏

الملك : تطردون صاحب الحقّ أيُّها الوزير..؟‏

الوزير : كانت تولول وهي تشتمك يا مولاي‏

الملك : وماذا تريد من امرأةٍ أنْ تقول وقد غدا زوجها بين يديها جثّة حيّة..؟‏

(يهزُّ رأسه وهو يسير بضع خطوات قائلاً) ما الذي منعني من التقرّب من الناس وهمومهم طوال هذه السنوات.. (يلتفت إلى كبير الأعيان) وأنت يا وجيه القوم.. أين سهرك على مصالح الناس وحقوقهم..؟‏

كبير الأعيان: هذا موضوع لم يكن مطروحاً من قبل بهذه الحدّة يا مولاي.. لم يسبق أنْ كلّفتني بمهمّة تخصُّ هذا الأمر..‏

الملك : صدقْتَ أيها الوجيه البليغ.. صدقت.. كل قضيّة تبدأ من الملك وتنتهي به (يلتفت إلى قادم يحمل سلّة) كأنَّك نسيت سلّتك بيدك حين قدومك إلينا..‏

القادم : بل تعمّدت الإتيان بها لإطعام مولاي شيئاً من ثمار أرضنا وخضارها (يمدّ يده فيها ويقدّم للملك ثمرة تين ناضجة يضعها في فمه بلا تردّد مشيداً بمذاقها اللذيذ)‏

الملك : يا لها من ثمرة طيّبة.. لأنّها من يدٍ شريفة ومن أرض صالحة.. ما قيمة الطعام والشراب إذا لم يشعر الإنسان بقيمة الجوع والعطش ألا يوجد بينكم راعٍ‏

قادم2 : أنا هو يا مولاي‏

الملك : أرجو ألاّ تكون قد نسيتَ مزمارك‏

قادم2 : وهل ينسى الجنديُّ في المعركة سلاحه؟‏

الملك : أسمعنا رائحة الأرض وتنفّس المراعي... أرجع إليَّ طفولتي الهانئة‏

قادم2 : (يأخذ مزماره ويخاطبه) أما سمعت يا مزماري العزيز رغبة مولانا الملك.. لا عذر لك إن لم تقم بواجبك‏

(يقسّم على مزماره ألحاناً عذبة تأخذ بألباب الملك وضيوفه مع انقباضٍ مستتر للوزير وكبير الأعيان وقائد الجيش)‏

الملك : (بعد انتهاء العزف يصفّق طرباً وعاطفة ويتبعه الجميع بالتصفيق) كم هي سعيدة أغنامك برعايتك لها... على أنّني أريد أن أعرف ما يدور في خلد الصبايا‏

امرأة1 : أخشى إنْ تكلَّمتُ يا مولاي أنْ أثير غضبك.. لقد علّمونا أنَّ الملك سريع الغضب‏

الملك : حتّى هذا الأمر علّموه... تكلّمْنَ ولا تخشين شيئاً..‏

امرأة1 : لمَ لم تتزوّج حتّى الآن يا مولاي.. الملوك يتزوّجون كثيراً‏

الوزير : لا تتدخلي في شؤون الملك الخاصة‏

الملك لا أسرار في هذا اللقاء.. ولا حرجَ من أيّ سؤال يُطرَحُ أو حقيقة تُقال...‏

كبير الأعيان: لكنَّ للملوك حرمات ينبغي ألاّ تدوسها ألسنة العامة..‏

قادم3 : هذا الوجيه يهيننا في مجلسِكَ يا مولاي إذ يشبّه ألسنتنا بالأقدام والأحذية‏

الملك : هناك مَنْ هم أكثر حرصاً وغيرة على الملك من الملك ذاته..‏

المهرّج : هذه الصبيّة الجميلة تنتظر جوابك يا سيّدي‏

الملك : ولها أقول: في أوّل الشباب كنت لاهياً.. وفي وسطه لا مبالياً.. وها إنّي الآن أعيش في قلق وحزن‏

امرأة : أيْ أنَّ الأمر لم يعد وارداً‏

الملك : بل إذا وجدت الفتاة القادرة على إضاءة روحي المعذّبة.. فقد أضرب العجينة بالحائط‏

قادم : يا مولاي.. أكاد أختنق بكلماتي وأنتم مشغولون عني‏

الملك : أنسقيك ماء لتبتلعها أم تقولها على الناشف؟‏

قادم : من عاداتنا المقدّسة يا مولاي أنْ يحمل الإنسان في أيّ دعوة توجّه إليه هدية‏

الملك : وما هديّتك إلينا‏

قادم : ديك يا مولاي.. ديك بَطَلٌ حرمْتُ دجاجاتي منه كي يكون من نصيبك‏

الملك : وكيف تقدم على هذه الفعلة الشنيعة..؟ دجاجاتك أولى بهذا الديك منّي‏

قادم : سامحني يا مولاي فأنا لم أقصد في كلامي أمراً معيباً‏

الملك : ولا ا لديك قصد ذلك‏

قادم : سوف تدعو لك الدجاجات بطول العمر يا مولاي‏

الملك : مَنْ في حلقه كلمات تكاد تخنقه أيضاً؟‏

الأعمى : هناك كلمات لا تخنقني بل تكاد تزيدني عمى‏

الملك : دَعْ مثل هذه الكلمات للشباب أيها الشيخ‏

الأعمى : الخوف من الاعتقال والتنكيل جعلني أضعهم خلفي.. فحياتي فداء لما يتهدّدهم‏

الملك : بوركت أيُّها الشيخ البصير.. يا ليتنا نحظى بشرف عماك.. حياتك وحياتهم في مأمنٍ طالما أنا على قيد الحياة..‏

الأعمى : يا مولاي.. في الحرب تأخذون شبابنا إلى الموت والهلاك وفي السلم تهملونهم.. أين العدل والرعاية؟.. وإذا احتجَّ أحدهم تُنزِلون به أشدَّ العقوبات‏

الوزير : (ممتعضاً): إنَّهم يتجاوزون الحقيقة كثيراً يا سيّدي‏

قائد الجيش: وهل ندافع عن حدود المملكة بجنود مرتزقة؟‏

الأعمى : هذه الردودُ الانفعاليّة ليست جديدة علينا يا مولاي إنَّهم يحتمون بالعدوّ الخارجي حتّى يفعلوا في الداخل ما يشاؤون.‏

قادم1 : الحالة تسوء والضرائب تزداد‏

قادم2 : وهناك أشباح تحصي أنفاسنا.. وتفتّش أحلامنا في النوم.‏

ولد : وأبي.. مَنْ يعيده إلينا؟‏

الوزير : إذا افترضنا أنَّ بعض ما يقولونه صحيح.. فهل وحدنا نتحمّل المسؤوليّة..؟‏

الملك : كنْ مطمئنّاً أيُّها الوزير.. فأنا أعتبر نفسي أوّل المتّهمين.. أنا وهذا المهرّج..‏

المهرّج : (وقد صعقه كلام الملك).. ماذا أسمع يا مولاي..؟.. لعلَّ الملائكة الذين عصوا الله تلقّوا أوامرهم منّي.. أو ربّما كنت ممّن يسيرون في نومهم.. ويرتكبون الجنايات.. ويعودون دون أن يدري بهم أحد. ولا هُمْ يدرون‏

الملك : (يتلقّى كلام المهرّج بطرافة وابتسامة عريضة)‏

أمامك حلٌّ وحيد لإثبات براءتك..‏

المهرّج : ألتمسك أنْ ترحم أعصابي بالإفصاح عنه‏

الملك : هؤلاء القادمون من الجبال العالية والمراعي والسهول وقد حملوا إلينا هداياهم.. وأغلاها الحقيقة.. ألا يستحقّون شيئاً من ردّ الجميل والإكرام..؟‏

المهرّج : بكلّ تأكيد أيُّها الملك الجليل‏

الملك : إذاً أين حسناؤنا الساحرة تفوح بهذا الواجب النبيل..؟‏

المهرّج : إنّها تمشّط سحرها على مرايا الفتنة يا مولاي‏

الملك : أخشى من أن نصبح جميعاً شعراء بسببها‏

المهرّج : (يقف في الوسط ليعلن عن قدوم الفتاة بأسلوب احتفاليّ لائق)‏

مولاي الملك.. السادة أعيان الدولة.. أعضاء الوفد الشعبيّ.. فلنرحّب جميعاً بسموّ الحسناء الساحرة..‏

(يصفّق الجميع.. تدخل مرتدية ثوباً جميلاً تواكبها الموسيقى.. ترقص قليلاً ثمَّ تبدأ بالغناء)‏

زارنا الأحبابُ وانتشروا‏

في حنايا القلبِ وانهمروا‏

مطراً يهمي على عطشٍ‏

فارتوى في عمرنا الشَجَرُ‏

مالنا نبكي على فرحٍ‏

وبنا الأفراح تنكسِرُ‏

فإذا ما النايُ أسعَدَنَا‏

ناح في أحزاننا الوترُ‏

هذه الدنيا.. أما خجلَتْ‏

حَجَرٌ يبقى.. ونرتحلُ‏

وهو لو أصغى إلى شَجَنٍ‏

ذَابَ في إشفاقِهِ الحجرُ.‏

يا مُدامَ الروح هل سكِرَتْ‏

أم جفا أحلامنا السكرُ‏

وقع الكأسُ على صَحْونا‏

فأريقَ العِشْقُ والسَّهَرُ‏

يا حبيبي.. والهوى قَدَرٌ‏

من سرابٍ.. والمنى سَفَرُ‏

نشتهي الدنيا على عَجَلٍ‏

تذهبُ الدنيا وننتظرُ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244