مملكة الغبار ـــ غسّان حنا

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث:

المشهد الأوّل

تمهيد : الملك يتمشّى تحت نور باهت.. كأنَّ رأسه نقطة التقاءٍ لأفكارٍ وتأمّلات متباينة يردّد عقله الباطنيّ أصواتاً وأصداء بعيدة وقريبة وفق التواتر الآتي:‏

صوت الأعمى: في الحرب تأخذون شبابنا إلى الموت والهلاك وإذا انتهت الحرب تهملونهم‏

صوت الولد : مَنْ يعيد أبي المشلول إلى حالته الطبيعيّة‏

صوت زائر : الحالة تسوء.. والضرائب تزداد‏

صوت زائر2: هناك أشباح تحصي أنفاسنا.. وتفتّش أحلامنا في النوم‏

صوت زائر3: قالوا لنا: إنَّ الملك متكبّر.. ويحتقر الناس‏

صوت الأعمى: يداك ناعمتان.. كأنَّك لم تعمل في الأرض أبداً‏

صوت امرأة: الملك لم يتزوّج لأنّه يعتبر أنَّ كل النساء تحت تصرّفه‏

(بعد هذه الأصوات التي يبدو الملك عصبيّاً بسماعها يتهادى المقطع الأخير من أغنية الفتاة)‏

يا حبيبي والهوى قَدَرٌ‏

من سرابٍ والمنى سَفَرُ‏

ندخل الدنيا على عَجَلٍ‏

تذهب الدنيا.. وننتظرُ‏

(ما إن يسمع هذه الجملة المعبّرة حتّى تهدأ حركاته ويتحرّك ببطء حتّى يجلس على كرسيّه فيقرعُ الباب ويدخل الحاجب)‏

الحاجب : ضابط شاب يريد مقابلتك يا مولاي‏

الملك : وهل وصل الأمر بقائد الجيش إلى حدّ إرسال ضابط ينوب عنه.. إنّها لوقاحة غير مسبوقة‏

الحاجب : عفو مولاي.. لقد أبلغني أنه جاء بصفته الشخصيّة‏

الملك : ومتى كان الجيش بهذه الفوضى وتجاوز الصلاحيات؟‏

الحاجب : أأصرفه يا مولاي..؟‏

الملك : (متريّثاً قليلاً) دَعْنا نتدبّرْ أمره.. أدخلْه‏

(يدخل الضابط فيؤدّي التحيّة اللائقة لكنَّ الملك يبادره منفعلاً)‏

الضابط : الولاء والاحترام لسيّدي الملك‏

الملك : كيف تجرّأت على طلب مقابلتي فرديّاً أيُّها الضابط..؟‏

الضابط : صوت الواجب دفعني إلى هذا يا مولاي‏

الملك : واجبك أن تعود لقيادتك في كلّ ما يشغلك‏

الضابط : وإذا كانت قيادتي بعيدة عن قلوبنا وضمائرنا.. منشغلة بتأليب الناس على الملك‏

الملك : (متفكّراً).. لقد قال أحد أفراد الوفد الشعبيّ ما يشبه هذا الكلام..‏

الضابط : لكنَّ مجموعة من الضباط الشرفاء وأعوانهم من الشباب تَصدّوا لهم.. ومنعوهم من شراء الضمائر وتشكيلِ وفدٍ ممسوخٍ.. لا يمثّل الشعب‏

الملك : إذاً أنتَ مَنْ أشاروا إليه أيضاً‏

الضابط : أنا وسواي يا مولاي.. فالأحرار الشرفاء في كل مكان‏

الملك : أنا لا أفهم كيف تدافعون عن الملك وهو رأس السلطة الغاشمة التي تحكمكم..؟‏

الضابط : عندما يوجّه الفسادُ سهامه إلى جهة ما فهذا يعني أنَّ هذه الجهة تتحدّاه بالحقيقة‏

الملك : وما أدراك أن يكون الأمر مجرّد صراع على السلطة‏

الضابط : إنَّ ما رشح من القصر في الآونة الأخيرة.. وما يذيعه أفراد الوفد الشعبيّ.. يضعُ الأمور في نصابها‏

الملك : وهل هذا دليل كافٍ للانحياز إليّ أيّها الضابط المتحمّس‏

الضابط : لو أنّك أصلح منهم بمثقال ذرّة لانحزْتُ إليك فكيف والفارق بينكم يتّسع يوماً بعد يوم‏

الملك : لا أنكر أنَّ ملامح شخصيّتك تدعم إلى حدّ كبير نبرة صوتك.. لكنَّ دخولك المفاجئ عليَّ يرسم علامة استفهامٍ مكتوبةٍ بحبر الشكّ‏

الضابط : لا بُدَّ من وضع حدّ للشك حين تكون الحقائق واضحة.. قد لا تنتظرنا الشمس طويلاً‏

الملك : ما الذي يدور في رأسك..؟‏

الضابط : أوّلاً أضع سيفي وسيوف رفاقي تحت تصرفك لرفع المظالم عن الشعب.. وتأمين العدالة.. وتحقيق الحريّة الكفيلة باسترداد المواطن كرامته‏

الملك : كأنّني أسمع شروطاً تُملى عليَّ..‏

الضابط : وهل أصدّق أنَّ مولانا الملك يقبل أن يكون متسامحاً مع الذين يضربون بسلطانه حقوق الناس..؟‏

الملك : أمورٌ كثيرة تحدث من وراء ظهري في هذه البلاد... ما أدراني أن تكون واحداً ممّنْ يسعون إلى تقويض أساسات المملكة...‏

الضابط : كان بإمكاني يا سيّدي أنْ أتحرّكَ دون الرجوع إليك.. كما يفعل الآخرون‏

الملك : مَنْ تعني..؟‏

الضابط : الذين تعنيهم أنت يا سيّدي...‏

الملك : ومتى كان العسكريّون يهتمّون بما هو أبعد من شأن السلاح والتدريب والمعارك..؟‏

الضابط : المعارك الكبرى لا تبدأ بالقتال.. ولا يقرّرها العسكريّون يا مولاي‏

الملك : هذا الكلام أكبر منك أيُّها الضابط الشاب‏

الضابط : يسعدني أن أرتفع في حضرتكم إلى مستواه‏

الملك : إنَّ فيك لرائحة ملكٍ‏

الضابط : رائحتكم يا مولاي تفوحُ في كلّ مكان‏

الملك : وفيك لوثة شاعر أيضاً‏

الضابط : كلُّ عاشقٍ شاعر يا سيّدي‏

الملك : لم يزلْ سؤالي بلا جواب.. ما الذي يدور في رأسك..؟‏

الضابط : أن نضرب أيدي العابثين.. أنْ نسقط رموز الفساد في الدولة.. أن نحرّر الناس من الخوف.. أن نؤمّن لهم لقمة العيش الكريمة‏

الملك : لعلك مصاب بمرض الأحلام الكبيرة أيُّها الضابط المثاليّ.. كان عليك أن تتأنّى قبل طرح أفكارك‏

الضابط : إنَّ كلَّ عملٍ يا مولاي كان فكرةً أو حُلْماً... ولو أنَّ كل بحار كان يخشى من امتداد البحر وعمقه لما ضربَ في الموج مجدافاً واحداً‏

الملك : إذا افترضنا أنَّ كلَّ الاعتراضات على رؤياك قد سقطت.. ماذا ينبغي علينا الآن أنْ نتصرّف..‏

الضابط : ما بدأته مع أفراد الشعب من صلاتٍ يجب أنْ يتعمّق، ويجب أنْ يقتنع الناس بأنَّ ما حدث في الماضي كان خارجاً عن إرادتك..‏

الملك : والجيش.. وكبار المسؤولين في الدولة..؟!‏

الضابط : ما تزال فئات كثيرة من الجيش موالية لكم يا مولاي.. أو على الأقل متأهّبة لإعلان الولاء حينما تجد الظروف مؤاتية..‏

الملك : أأنت واثق من ضرورة استخدام الجيش لسحق أولئك العابثين..؟‏

الضابط : لا أميل يا مولاي إلى تلويث الجيش بالسياسات الصغيرة إذا كانت الأحوال تحت السيطرة‏

الملك : إذاً أدعو إلى اجتماع طارئ لأقطاب المملكة.. وأمنحهم فرصة أخيرة لتنظيف عقولهم وضمائرهم ممّا يتمرّغون فيه.. وبعدئذ يبدأ الحساب العسير‏

الضابط : لا نختلف بهذا الطرح يا مولاي عمّن يعطي المجرم فرصة ليهرب أو ينقضَّ عليه‏

الملك : هل أنت واثق من أنَّك تفكّر جيّداً..؟‏

الضابط : للطعام أوانُ نضجٍ إذا زاد احترق وإن نقص مجّته الأذواق..‏

الملك : كأنَّك تُورِدُ الشيء ونقيضه.. وتعيدني إلى نقطة الصفر.. ضاق صدري بك.. وليس مستبعداً طردُكَ..‏

الضابط : إذا كنت ضيفاً ثقيلاً عليك يا سيّدي فاللياقة تدفعني إلى الاعتذار الشديد، والاستئذان بالانصراف‏

الملك : إذا كان دخولك سهلاً فإن خروجك ليس بهذه السهولة على الإطلاق.. إنَّ معرفتك أسرار المملكة على هذا النحو المعقّد ليجعلني أخشاك أكثر من الذين تخشاهم..‏

الضابط : إنَّك تزيد الأمور تعقيداً يا مولاي حين تضعني في موضع الشكّ.. أقسم لك بكلّ المقدّسات أنّني وفيٌّ لك.. واضع عقلي وسيفي في خدمتك‏

الملك : إذاً قل شيئاً يفيد المؤمنين.‏

الضابط : الهدف الأوّل تمزيق صفّهم.. فهم ليسوا متّفقين إلاّ على الكيد لك وإضعافك حتّى تصبح ثمرة ناضجة يسهل أكلها‏

الملك : أنستميل بعضهم إلينا تحت هذا العنوان..؟‏

الضابط : هذا ما كنت أريده بالضبط‏

الملك : الحلقة الأضعف بهذا الخصوص هو كبير الأعيان‏

الضابط : إنَّ عقلك يعمل على نحو رائع يا سيّدي‏

الملك : إنَّ منصب الوزير يناجيه منذ وقت طويل وقائد الجيش..؟..‏

الضابط : لاعب بارز.. إذا لم نقل: أبرز اللاعبين فالقوة التي بين يديه تجعله يرفع الثمن في كلّ ما يُساوِمُ عليه..‏

الملك : وإذا سحبنا بساط الجيش من تحته..؟‏

الضابط : لا يختلف عن لاعب السيرك الذي يهوي من أعلى عروضه الخطرة إلى أرض الواقع الصلبة فيتحطّم..‏

الملك : وإذا أخفقنا..؟‏

الضابط : نتبادل الأدوار..‏

الملك : (تنتابه موجة من السخرية والضحك إلى أن يتوقّف عن ذلك فجأة ويقول:)‏

والمهرّج..؟!‏

الضابط : أيُّ مهرّج هذا الذي يُبكي أكثر ممّا يُضحك.. يجبُ أنْ يبقى تحت المراقبة هو وفتاته حتّى نستوضح شأنهما‏

الملك : لا أخفيك إعجابي به (يصمت قليلاً) وبفتاته أيضاً‏

الضابط : يجب ألاّ يتحوّل الإعجاب إلى رمادٍ في العيون أو طلاء للحقيقة‏

الملك : لستُ ناكراً الجميل إلى هذا الحدّ‏

الضابط : هذا كلام قلبك فقط يا مولاي.. ونحن في هذه المواجهة الشرسة أحوج إلى برودة العقل والمنطق من لهيب العواطف وسعيرها‏

الملك : بدأت تتدخّل فيما لا يعنيك..‏

الضابط : لا حيلة لي في ذلك يا مولاي فأنت رأس المواجهة.. والقرارات الحاسمة ستصدر عنك‏

الملك : (يبتعد عن الضابط إلى ركن جانبيّ ويغوص في حالة وجدانيّة يتصارع العقل فيها مع القلب ثمَّ يعود ليقول بصوتٍ مؤثّر)‏

سأقوم بما أقوى عليه.. لمصلحة الشعب والمملكة أمّا الآن..‏

(يقاطعه دخول الحاجب بصورة مضطربة قائلاً:)‏

الحاجب : الوزير على الباب يا مولاي يطلب الإذن بالدخول وهو في حالة من التوتّر الشديد‏

الملك : كفانا الله الشرَّ.. ألم يفصح لك عمّا يريد‏

الحاجب : كلّ ما قاله: أريد مقابلة الملك على وجه الخطورة والسرعة..‏

الملك : وهل عرف مَنْ لديَّ الآن..‏

الحاجب : لم يُشر إلى ذلك..‏

الملك : حسناً.. أدخله بعد دقيقتين.‏

(يخرج الحاجب ويشير الملك على الضابط بالاختباء وراء حاجبٍ خشبيّ ليستمع إلى ما يدور من حديث..)‏

الوزير : السلام على مولاي‏

الملك : وعليك السلام أيُّها الوزير.. إنَّ وجهك يُنبئُ بكارثة‏

الوزير : لم أكن أرغب في حمل خبر يُزعج مولاي لكنّكم مرجعنا في كلّ الأمور..‏

الملك : تكلّمْ قبل أن تأتي على ما تبقّى من أعصابي‏

الوزير : لقد قتلوا كبير الأعيان..‏

الملك : ماذا تقول.. الرجل الوقور العاقل.. قتلوه! مَنْ هؤلاء الأوغاد..‏

الوزير : هذا ما نُحاول عبر الضباب الكثيف معرفته‏

الملك : ومتى وقعت هذه الجريمة النكراء..؟‏

الوزير : في منتصف هذه الليلة يا سيّدي.. حين كان‏

عائـداً إلى منزلـه من سهرة عند أحد المقرّبين.. أردوه بثلاث طعنات نفذت إحداها في القلب‏

الملك : يا للقتلة المجرمين.. ما الإجراءات التي اتخذتموها بالتنسيق مع قيادة الجيش..‏

الوزير : أحطنا بيت المغدور بالحراسة المشدّدة.. و..‏

الملك : (يقاطعه) أتخافون أن يقتلوه مرّة ثانية أهذا هو المهم..؟‏

الوزير : إنّه واحد من الإجراءات الكثيرة التي اتخذناها‏

الملك : لا بُدَّ أنْ يعرف القتلة بأسرع وقت حتّى لا يتّخذ المجرمون فشلنا ذريعة لارتكاب جرائم أخرى قد تطال الجميع‏

الوزير : سنكون عند حسن الظنّ يا مولاي.. وسيكونون عبرة لمن اعتبر‏

الملك : امضِ أيُّها الوزير إلى هذه الغاية ولتطلعْني على كل ما يجري مرحلة بمرحلة..‏

(ينصرف الوزير.. ويسند الملك رأسه إلى كرسيه وكأنّه نسيَ وجود الضابط خلف الحاجب الخشبي)‏

الضابط : (يخرج من خلف الحاجب ويتقدّم نحو الملك بخطواتٍ وئيدة.. فيفاجأ الملك به.. ثمَّ يستدرك وعيه بوجوده)..‏

لعلَّ هول الصدمة أنساك وجودي يا مولاي‏

الملك : نعم يا بنيّ نعم.. بل يكاد يُنسيني وجودي، ما الذي يجري بحق السماء..؟‏

الضابط : لقد بدأت المعركة يا مولاي..‏

الملك : لا تقلْ هذا.. لسنا مستعدّين بعد...‏

الضابط : إنَّ مَنْ بدأها قد اغتنم هذه الحالة التي تشكو منها.. فضرب الضربة الأولى المربكة..‏

الملك : لماذا كبير الأعيان..؟ دون غيره..‏

الضابط : لأنّه الأكثر اعتدالاً.. والأكثر استعداداً لتعديل مواقفه‏

الملك : منظر الوزير.. لا يدلُّ على تورّطه في الجريمة‏

الضابط : ومنظر الوزير قد يكون الدليل على تورّطه في الجريمة..‏

الملك : هل تسمح لي بتناول كأسٍ من الخمرة..؟‏

الضابط : بل هل تسمح لي بكأسٍ نتساوى فيه أمام الخمرة فقط..‏

(يشربان الكأسين دون كلام.. ثمَّ ينهض الضابط قائلاً:‏

ليبق قدومي إليك يا مولاي أمراً مستوراً..‏

ليكن حاجبك وحرّاسك يقظين...‏

لا تدع هذا الحدث ينعكس على مظهرك وتعاطيك مع الآخرين... ينتظرنا عمل كثير يا مولاي.. ليكن الله إلى جانبنا‏

(ينصرف.. ويبقى الملك غارقاً في تأمّلاته)‏

المشهد الثاني‏

تمهيد : في مكان ما من المدينة الوزير وقائد الجيش يتداولان بقضيّة مقتل كبير الأعيان وينتظران قدوم المهرّج وقد طلباه للتقرّب منه وتوضّح بعض الأمور بحكم قربه من الملك‏

الحاجب : سيّدي الوزير.. المهرّج قد وصل‏

الوزير : ليدخل مُكرَّماً‏

المهرّج : عليكما السلام أيُّها السيّدان‏

الوزير : وعليك السلام أيُّها الضيف الكريم‏

قائد الجيش : ننتظر قدومك بفارغ الصبر‏

المهرّج : لا أُخفي أيُّها السيّدان مفاجأتي بدعوة القدوم إليكما..‏

الوزير : إنَّها بادرة طيّبة لفتح صفحة جديدة بيننا‏

قائد الجيش : كُنَّا نفضّل أن تكون حسناؤك الجميلة إلى جانبك‏

المهرّج : عرضت عليها الدعوة ففضّلت الاعتذار لشعورها بالتعب‏

قائد الجيش : كم كان صوتها الساحر سيغمرنا بالسعادة والنشوة.. لكنَّ الأيام الحلوة آتية...‏

المهرّج : قد تُقلع عن الغناء إذا بقيت على هذه الحالة الكئيبة‏

الوزير : كانت تبدو في احتفال الملك بالوفد الشعبيّ سعيدة مشرقة‏

قائد الجيش : كدت أنسى رتبتي القيادية وأندفع إليها وأقبّلها‏

المهرّج : شكراً لله أنَّك أمسكْتَ نفسك عن فعل ذلك.. لأنَّ النمر الراقد في أعماق وداعتها وجمالها كان سيُنشِبُ مخالبه وأنيابه في صدرك‏

قائد الجيش : يا لها من امرأةٍ متناقضة تُخفي غير ما تُظهر‏

المهرّج : يظنُّ كلّ رجلٍ أنَّها قريبة منه بل تُناديه دون غيره من الرجال.. وحين يُسوّغ لنفسه‏

أمراً ما تُصدّه بعنف‏

الوزير : إلاّ أنت.. فقيادها في يدك على ما أعتقد‏

المهرّج : ليس كما تتصوّر أيُّها الوزير‏

قائد الجيش : لعلّها لا تتودّد إلاّ للملوك‏

المهرّج : إنَّ درجة حرارة الكلام ترتفع أيُّها السادة أخشى ألاّ نتحمّلها بعد قليل..‏

الوزير : ستنخفض حتماً إذا ساعدتنا في التعرّف إلى ما يدور حول الملك..‏

المهرّج : ما مكانتي حتّى ألعبَ هذا الدور.‏

الوزير : أنت الوحيد الذي أنعش قلبه وضميره‏

المهرّج : وأنا الوحيد الذي لن يتمكّن من تكرار ذلك‏

قائد الجيش : اعترفْ أنّك لا تريد القيام بذلك‏

(يقول هذا بغضب)‏

المهرّج : إنّي أرفض هذه اللهجة الغاضبة أيُّها الجنرال.. لست واحداً من عسكرك‏

الوزير : أيُّها القائد دَعْ عنفوانك للمعارك المقبلة وليكن لسانك كسيفك مطمئنّاً في غمده‏

قائد الجيش : أرجو ألاّ تتجاوز صلاحيّاتك أيها الوزير.. ألم نتّفق على موقف واحد..؟‏

الوزير : موقف واحد بأسلوبٍ راقٍ.. فهذا الرجل ليس مهرّجاً بالمعنى الكوميديّ المعروف.. له مواقفه ونظراته من الحياة‏

قائد الجيش : أشعر أيُّها الوزير أنَّ سيفي لم يعد مطمئناً في غمده كما كان قبل قليل‏

الوزير : (منفعلاً) إذا اعتقدت أنّني سياسيّ أحني رأسي للعواصف دائمـاً.. فأنت على خطأ..‏

المهرّج : أيُّها السيّدان.. أدُعيتُ لأكون حكماً في مبارزة أم حكيماً في فضّ نزاع..؟‏

قائد الجيش : الأمر متروك لهذا الوزير‏

الوزير : هذا الوزير يقول لك: إنَّ دماء كبير الأعيان لم تجفّ بعد‏

قائد الجيش : هل أفهم من إشارتك اتّهاماً ضمنيّاً لي.. أو تهديداً مُبطَّناً‏

الوزير : ولماذا ذهب عقلك في هذا الاتّجاه..؟‏

قائد الجيش : لأنَّ هواجسك ليست غريبة عليَّ..‏

الوزير : لقد فوّتَ علينا بانفعالك الغاية التي دعونا هذا السيّد لأجلها: استرداد ثقة الملك بنا من جهة.. وتكوين رؤية عن مقتل كبير الأعيان من جهة أخرى..‏

قائد الجيش : أنا معنيٌّ باسترداد هذه الثقة مثلك أو ربَّما أكثر منك ومقتل صديقنا المرحوم كسر ظهري بالحزن والهمّ‏

الوزير : إذاً لندع الرجل مرتاحاً حتّى يبسط لنا وجهة نظره فيما يخصُّ الأمرين‏

المهرّج : أيُّها السيّدان إنّكما تحمّلانني فوق ما أتحمّله بأضعاف لكأنّني كنت على موعد مع المشاكل والهموم بقدومي إلى هذه المملكة.. وها إني بين المطرقة والسندان.. أُمنّي النفس برحيل قريب‏

الوزير : وهل وافق الملك على رحيلك؟‏

المهرّج : لم يوافق حتّى الآن.. لكنّه وعدني بذلك‏

قائد الجيش : أشكُّ بالإفراج عنك وعن فتاتك‏

المهرّج : لسنا معتقلين أيّها الجنرال..‏

قائد الجيش : السجون متعدّدة الألوان والأشكال.. قد أكون على خطأ.. لكنَّ المستقبل سيكشف لك صواب نظرتي‏

الوزير : ما يضيرك لو أسند الملك إليك منصباً هامّاً على ما رشح من بعض الجهات المقرّبة منه؟‏

قائد الجيش : ويكون بذلك قد كافأك على هديّة الفتاة له‏

المهرّج : هذه الفتاة ليست ملكاً لأحد.. لديها من الكبرياء والقوة ما يكفيان لكي تعيش سعيدة في بريّة منعزلة..‏

قائد الجيش : هذه الفتاة لن تكون إلاّ لجلالة الملك.. فحاوِلْ ألا تكون عائقاً بينهما كيلا تخسر حياتك‏

المهرّج : ما الذي أسمعه بحقِّ السماء؟ أهكذا تدير معاركك أيُّها الجنرال..؟‏

الوزير : أيُّها السيّد.. لتعد بذاكرتك إلى الوراء قليلاً يوم وافقنا على إقامة عروضك طلبتَ إمهالك أسبوعين لإجراء جولة في هذه المملكة.. ما كان هدفك من ذلك؟‏

المهرّج : (يتريّث قبل الجواب).. دع النصل في ظهر المصاب إذا تعوّد عليه.. فانتزاعه سينكأ جراحه من جديد‏

الوزير : وراء هذا المثل معاني بليغة يختزنها صدرك سأكون ممتنّاً لك.. وداعماً رغبتك بالرحيل إذا أطلعتني على أجوائها...‏

المهرّج : إنَّ ظهر المصاب لا يحتمل طعنتين أيُّها الوزير يكفي هذه المملكة ما تعانيه..‏

قائد الجيش : من عرضك الأوّل تيقّنتُ أنَّك تمثّل لغزاً خطيراً.. وها كلامك الآن يؤكّد لي هذا الأمر‏

الوزير : سأكون سعيداً إذا شاركتك بعض الهموم‏

المهرّج : هموم كلٍّ منا تكفيه يا سيّدي‏

(في هذه اللحظة يدخل حاجب الوزير يحمل في يده رسالة إلى قائد الجيش من نائبه)‏

الحاجب : معذرة يا سادتي على دخولي المفاجئ.. فلديَّ رسالة مستعجلة إلى سيّدي قائد الجيش من رسولٍ ينتظر في الخارج..‏

(يشعر الجميع بالقلق ممّا قد تحتويه الرسالة)‏

قائد الجيش : (يقرأ الرسالة بصمت لكنَّ مضمونها يصعقه) لا... هذا غير معقول.. المجرمون القتلة‏

الوزير : (بعصبيّة).. ما الذي جرى.. أخبر‏

قائد الجيش : لقد اغتيل أخلص ضبّاطنا هذا الصباح أثناء عودته من بيته الريفيّ‏

المهرّج : تُعْرَفُ العاصفة القادمة من شكل الغيوم.. ولون السماء.. وحركة البهائم على سطح الأرض‏

قائد الجيش : أخشى أن تكون هذه الجريمة أيضاً بعضاً من ظلال لغزك المشؤوم.. (يلتفت إلى الوزير) أيُّها الوزير.. عودتي إلى القيادة باتت محتومة.. إلى اللقاء (يخرج مستعجلاً)...‏

الوزير : لا تقل لي: إنَّك لا تستطيع الإفصاح بعدما جرى اليوم..؟‏

المهرّج : الإفصاح الذي تعنيه قد يزيد الأزمة تعقيداً‏

الوزير : (أكثر حزماً).. أيُّها المهرّج.. لقد ذهب قائد الجيش.. ونحن الآن وحدنا.. بإمكاني أن أصارحك بما يعتمل في داخلي منذ فترة دون لبس أو إيهام.. أيُّها المهرّج... أنت لست مهرّجاً.. أنت لاعب هام في هذه الأزمة التي نمرُّ بها... وقد كنت ماهراً في أدائك حتّى الآن.. صارحني حتّى نقرّر ما يجب فعله‏

المهرّج : لقد كان عقلي حرّاً يوم كانت عاطفتي فضاءً وكان لساني مرناً يوم كان حلقي رطباً‏

الوزير : أترانا عدنا إلى الألغاز والتعابير الغائمة في وقت أصبح السيف يضرب في كلّ الاتِّجاهات‏

المهرّج : برّدْ أعصابك أيُّها الوزير.. عربة التفاهم ما بيننا تسير في الاتجاه الصحيح.. وأنا مستعدٌّ...‏

(في هذه اللحظة يدخل الحاجب مرّة ثانية قائلاً)‏

الحاجب : سيّدي الوزير.. مولانا الملك أرسل في طلب المهرّج على جناح البرق.. وليس التأخير في مصلحة أحد..‏

المهرّج : ألم أقلْ لك: إنَّ قدري محسوب بالقرون.. ومضبوطٌ بالثواني.. كنت أتمنّى أنْ يبقى نصفي معك للوصول بالحديث إلى مبتغاه.. لكنْ لا بُدَّ أنْ نلتقي عمّا قريب.. وداعاً‏

(ينصرف فيستشيط الوزير غيظاً)‏

الوزير : يا للمهرّج الدنيء.. لقد نصب لنا الفخّ فوقعنا فيه جميعاً.. أنا.. والملك.. وقائد الجيش.. وكبير الأعيان.. كان سيخبرني عن حقيقته لو لم يرسل هذا الملك المجنون في طلبه...‏

استدعيته لأعرف شيئاً فزادني إبهاماً ولكن.. قال: سنلتقي.. نعم سنلتقي ولكلّ حادث حديث...‏

المشهد الثالث‏

تمهيد : الملك يشعر بحاجةٍ روحيّة للقاء الفتاة فيرسل في طلبها دون المهرّج... تنفتح الستارة فيبدو قلقاً متبرّماً بتأخرها.‏

الملك : (منفرداً قبل وصول الفتاة)‏

ليس من عادة مَنْ أستدعيهم أنْ يتأخّروا لكنَّ هذه الحسناء الملهمة تختلف عنهم.. قد تتمنّع أو تختار وقتها في القدوم لأنَّها شعرت بضعفي نحوها.. لماذا لم أشعر بهذا الضعف نحو أيّة امرأةٍ أخرى.. (يتحرّك في كلّ الاتجاهات مضطرباً) لو رآني الناس على هذه الحالة لسخروا منّي... أين هذا الحاجب اللعين..؟ (يتأهب لمناداته) يا.. (تطلُّ الحسناء في هذه اللحظة)...‏

يا ملاكي.. لست مستعدّاً أن أتقبّل غيابك بعد الآن..‏

الفتاة : ينبغي أنْ تتعوّد عليه يا مولاي‏

الملك : هل يستطيع الإنسان أن يتعوّد على غياب الهواء عن رئتيه.. أو غياب الدماء من عروقه..؟‏

الفتاة : يبدو يا مولاي أنَّك أتقنت أسلوب الكلام الملكيّ في كل المواقف: المبالغة والتمجيد‏

الملك : الأسلوب الذي تتكلّمين عنه بات أصداء متلاشية لملك قديم مهجور.. إنّني أبحث الآن عن مفردات جديدة تفوح برائحة امتزاج التراب بالضياء.. فساعديني على استيحائها من بهائك الأبيّ‏

الفتاة : لا تحوّلني إلى تمثالٍ أو أيقونة/ لا يسرّني أنْ تضاء الشموع حولي.. وأن يزكمني بخور الأدعية والابتهالات/ هذه البراري التي تغويني ليست في الخارج بل في داخلي الحائر‏

الملك : ومن قال لكِ: إنَّ هذا القصر سيبقى في مكانه أو سيبقى كما هو..؟ سأحرّر هذه الأحجار من جدرانها.. سأسرّح الحرّاس.. وألغي الأبواب.. عذوبة براريك تُناديني.. وجهك الطالع من نزق الأزهار يصيب صولجاني وتيجاني بالخجل.. لن أنسى عنفوانك الطاهر: أنا لست الفتاة التي تعنيها يا مولاي...‏

الفتاة : إلامَ تدعوني في هذا الزمن العصيب يا مولاي! كلّ ما في هذه المملكة يدعو إلى الانقباض.. الرجل يدعو المرأة إلى السعادة.. إذا كانت لديه غاليةً... وأنت تتلهّفُ لوضعي في مركز دائرة النار... أتنقذني منك أم من قلبك..؟‏

الملك : دعيني أعترفْ لك قبل تقرير مصيرنا: أنّني أحببتُكِ كأنَّني عُدْتُ يافعاً.. خفق قلبي كدولاب هواءٍ في يد طفل.. لم يعرف غايته إلى أن هبّت الريح.. الطيور لا تخطئ فصل رحيلها.. والسنابل تشمُّ رائحة الحصّاد والخريف ينثر أوراقه الصفراء فوق أعتابنا ويمضي...‏

الفتاة : ساعدني كي لا أحبّك.. الذي تسمّونه مُهرِّجاً يصمت طويلاً وهو يُحدِّق إليّ.. ليتني أقرأ ما برأسه.. بتُّ أقربَ إليك.. وبات أحنى عليّ على أنّني أقربُ إلى الرحيل معه.. والابتعاد عنك.. شعورٌ غامض أجهل حتّى الآن مصدره‏

الملك : ما يزال سلطاني قادراً على فعل أيّ شيء في هذه المملكة.. لكنَّني سأتورّع عن استخدامه معكِ.. لكِ أنْ تتندّري بحبّي لك.. أن تطالبي أيّ عاشقٍ جديد بما هو فوق الملك.. ما دمتِ قد تجاوزت قلب الملك..‏

الفتاة : سأكون وفيّةً لملكٍ أحبّني بكلّ كيانه.. لن أخون فضاءه مع أيّ عاشق آخر.. لأنّني سأحبّه في ابتعادي عنه كما أحبَّني في اقترابي منه.. نادِراً ما يحبُّ الملوك كالأنبياء‏

الملك : ونادراً ما تُدير العاشقات ظهورهنَّ للآلهات تُبشّرين بالزلزال وتُغادرين الأرض التي سيحدث فيها.. الآن عرفْتُ ماهيّة هذا المهرّج.. الآن أُلامس سرَّ الاحتفاظ بك بعد رحيلك..‏

الفتاة : إذاً لن أُودّعكَ حين أُقرّر الرحيل ولن أستقلَّ غير عربتك الأرجوانيّة حيث الحصانان الأبيضان لا يتوقّفان إلاّ حينما يُكملان الدوران حول الأرض.. سأنتظرك حينئذٍ إذا تأخّرت عن انتظاري وسنعود وقد سارت الطبيعة والبشر في موكبنا.. وسأعلن حبّي لكَ إلى الأبد..‏

الملك : إنّي أسمع غناءً عجيباً‏

كلماته وألحانه من عبق واحد.‏

إيقاعاته وأصداؤه يتناهيان‏

أكاد لا أعرف من يصوغ ذاتي‏

وهو يُدمّرها‏

ها إنَّ زمناً بلا زمنٍ يبدأ‏

ها إنْ حبيبتي تضع إشارة بالزيت المقدّس‏

على جبيني‏

ها إنّني أقف على قبة قصري لأقفز‏

إلى السماء...‏

الفتاة : إنّي أنتظر الرياح لأرفع أشرعتي‏

الملك : لا تطمئنّي للبحر.. لا تنامي على وعود الرياح‏

الفتاة : أنا حرّة بفضلك منذ هذه اللحظة.. ومع حريّتي قد أرى ما لم أره حتّى الآن..‏

الملك : (يقترب منها.. يتأمّلها.. يأخذ كفَّها بيده ويقبلها بحنانٍ عميق.. تسحب كفّها شيئاً فشيئاً وتبتعد بطيئة ملتفتةً إليه وما زالت يده مرفوعة في الهواء.. وتغيب عن ناظريه وهو مسمَّرٌ في مكانه‏

المشهد الرابع‏

تمهيد : الستارة المفتوحة لكنَّ نوراً ضئيلاً يجلّل المسرح يتقدّم شخص المهرّج وئيداً كأنّه يتسلّل إلى مكان ما في هذه اللحظة ينقضُّ عليه شخصُ يريد اغتياله .. يتعاركان قليلاً .. لكنَّ ظهور الضابط الشاب في اللحظة المناسبة ينقذه فيهرب المهاجم المتخفّي ويبقى المهرّج والضابط الشاب معاً ويُضاء المسرح‏

المهرّج : لولاك لكنت الآن جثّة هامدة‏

الضابط : كنت أنتظر مرور واحدٍ من اثنين أو هروبهما .. وها أنتَ أحدهما...‏

المهرّج : لا يهمُّ من أكون أو مَنْ تكون .. المهمُّ أنَّ حياتي ما تزال في جسدي. وإنّني مدين لك بإنقاذها‏

الضابط : وأنا مدين لك بمعرفة مستوى الأخطار التي باتت تهدّد الملك والمملكة .. ولكنْ كيف تتجرّأ على الخروج بهذا الليل وأنت تدرك وجود مَنْ يعكر صفو الأمن.؟‏

المهرّج : عندما يضيق صدر الإنسان يهربُ من ليله الداخليّ إلى أيّ ليلٍ آخرَ ولو تعرّض إلى الأخطار‏

الضابط : أتضحك على عقلي بهذه البساطة؟‏

المهرّج : أنا أتكلّم الحقيقة أيُّها الرجل المجهول..‏

الضابط : إنّك رجل محظيٌّ على ما أعتقد تلقى التكريم، من الملك وأركان الدولة .. فممّن يضيق صدرك؟‏

المهرّج : إذا كان هذا الليل قد ضمّنا نحن الاثنين ... فلم تزيدهُ ظلاماً بهذه الأسئلة؟‏

الضابط : لا تنس أننّي أنقدْتُ حياتك‏

المهرّج : لا تجعلْني أندم على ذلك..‏

الضابط : ألسْتَ المهرّج على كلّ حال..؟‏

المهرّج : لعلّك تعرفني جيداً.. وأنت مجهول لديَّ..‏

أَأُسّميك حارس الظلام أم شبحهُ..؟‏

الضابط : لنُقلْ: إنّي هاربٌ مثلك.. فهل نترافق بقية هذا الليل..حتّى نستقبل معاً ذلك الصباح..؟‏

المهرّج : قد لا يكون ليلنا واحداً أيُّها الغريب..؟‏

ومن اللائق أنْ أعرفَ من أنت حتَّى أعرف لماذا أُنقِذَتْ حياتي.‏

الضابط : أعتذر عن تأخّري في إخبارك.. أنا المسؤول عن حراسة ليل الملك ونهار المملكة..‏

المهرّج : لسنا من طرفين متصارعين إذاً‏

الضابط : لكنّنا نبحث عن الحقيقة بأسلوبين مختلفين‏

المهرّج : ألهذا السبب أنقذت حياتي..؟‏

الضابط : كنت أتوقّع عملاً إجراميّاً هذه الليلة .. أشباح كثيرة تدور حول القصر.. وثمة شخصيات مستهدفة..‏

المهرّج : هل تشتبه بجهة ما .. تقف وراء هذه الجرائم..؟‏

الضابط : لولا معرفتي ذاتي لشككت بها ..‏

المهرّج : أحياة الملك في خطر..؟‏

الضابط : مستقبل الناس.. ووحدة الشعب في خطر‏

المهرّج : ما أدراني أنْ تكون مصدر لعبة مدروسة : تُرسِلُ المهاجمين وتتدخل في اللحظة المتّفق عليها لإيهام المهاجَم بإنقاذ حياته.. فيصبح رهينة بين يديك..‏

الضابط : إذا افترضنا صحّة ما تقول فإنَّ حياتك ما تزال بين يديّ.. وتنقلاتك مكشوفة لديّ وتسللّك في هذا يُثير الاستغراب.. وبعبارة أدقّ.. ماذا بحثت مع الوزير..؟‏

المهرّج : (يتأكد من خطورة شأن هذا الرجل المجهول لديه) إنّني صديق الجميع.. نتكلّم بما يتشاور حوله الأصدقاء .. وليس هناك ما يستحقّ أن تعترض سبيلي في هذا الليل من أجله..‏

الضابط : ما علاقتك بالضابط المقتول..؟ مَنْ قتله برأيك؟ مَنْ أنت..؟‏

المهرّج : أتُراك لا تريد للصباح أن يشرق..!‏

إنّها لصدمةٌ عميقة أن ترميني بهذا السؤال مَنْ أنت..‏

الضابط : إنّي أشكُّ بكلّ المهرّجين أصلاً.. لأنَّهم يدخلون قلوب الناس بسهولة.. ولا أحد يدري بعدئذٍ ما يفعلون بها.‏

المهرّج : مَنْ يتأمّلْ طويلاً في النار يصبحْ أحد المحترقين بها.. هكذا أجد نفسي الآن شخصيّة مسرحيّة فرضها المخرج.. وليس لها ذكرُ في النصّ‏

الضابط : والفتاة.. لا أراها كثيراً إلى جانبك في الفترة الأخيرة.... حتى عروضكم توقّفتْ‏

المهرّج : حين تُرمْىَ بركةٌ بحجر.. يتطاير الماء في كلّ الاتجاهات .. ولابُدَّ أنْ تُتركَ حتّى تعود إلى هدوئها السابق‏

الضابط : يُقال: إن الفتاة التي صنَعتها تمرّدَتْ عليك‏

المهرّج : إذا كان هذا حقاً.. فإنّي سأحترم تمرّدها‏

الضابط : ويُقال: إنَّ القصر ليس بعيداً عن هذا التمرّد‏

المهرّج : من أجل سعادة الملك يهونُ أيُّ شيءٍ‏

الضابط : ويقالُ: إنّك وجدت في الوزير حليفاً مناسباً للانتقام من زعماء التمرّد‏

المهرّج : إذا كنت تطرح السؤال وتستنتج منه الجواب فما حاجُتك إلى حضوري.. دعني لهذه الظلمة حتّى نهايتها ( يحاول الانسحاب لكنَّ الضابط يمسكه من زنده قائلاً)‏

الضابط : حياتك في خطر أيّها الرجل.. وأنت دون أنْ تدري تشكّل خطراً على حياة الفتاة ..سأضعك تحت الحماية..وقد أرسلت في استدعاء الفتاة لتكون إلى جانبك..‏

لن يتأخّر رجالي بالعودة بها..‏

المهرّج : لن يرضى مولاي الملك عن هذا التصرّف وإذا كنت كما ذكرت من أنصاره فلتؤجّل إجراءك حتّى الصباح حتى نستوضح موقفه‏

(في هذه اللحظة يعود رجال الضابط من مهمتهم دون الفتاة)‏

الضابط : لم تنم خارج هذا المكان منذ أن قدمت إلى المدينة ...لعلّها ..(يلتفت إلى المهرّج دون أن يكمل كأنَّه يشير ضمنيّاً إلى مبيتها في القصر)‏

المهرّج : أخشى من إصابتها بسوء‏

الضابط : سنتبيّن حقيقة الأمر عند الصباح.. أيُّها الرجال.. رافقوا هذا السيّد إلى منزله.. وليبق تحت نظركم دون مضايقة حتّى لا يمسّه سوء..‏

(ينصرف الضابط الشاب، ويمضي رجاله بالمهرّج إلى مكان إقامته)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244