مملكة الغبار ـــ غسّان حنا

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع:

المشهد الأوّل

تمهيد : كابوس آخر يعانيه الملك في نومه ...‏

تداهم ليله مجموعتان من الأصوات...‏

المجموعة الأولى أصوات البائسين المقهورين‏

المجموعة الثانية أصوات الظالمين بمراتبهم المختلفة من مسؤول إلى سجّان .. تسبق هذه الأصوات موسيقى تعبيريّة‏

1ـ أصوات المجموعة الأولى: البائسين المقهورين‏

صوت1 : لم نؤذ أحداً.. ولم ندنسْ حرمة‏

صوت2 : لم نشتمْ إلهاً أو شيطاناً‏

صوت3 : لم نتعّرض للملك ولا لأركان الدولة..‏

وإنّما طالبنا بحقوقنا‏

صوت4 : طالبْنا بتخفيض الضرائب، ورفع الغرامات الظالمة‏

صوت5 : طالبْنا بأجور عمل مناسبة لأتعابنا الشاقَّة‏

صوت6 : كلُّ ما قلناه: نحنُ فقراء ومظلومون‏

صوت7 : كل ما نبتغيه أن ننال حقّنا الطبيعي في الحريّة‏

صوت8 : ارحموا أطفالنا‏

صوت9 : لا تنسوا عقاب الله..‏

تنويه : تسكت هذه الأصوات التي يختلج لها الملك بقوة ثُمَّ يتهادى غناء الفتاة دون موسيقى للمقطع الثاني من أغنيتها الثانية أمام الملك:‏

صوت الفتاة الغنائي:‏

مَنْ تُرَى.. لو نزح العدلُ عن الأرض‏

يغنّي؟‏

مَنْ تُرَى لو صُلِب الحبُّ على الحقد‏

يغنّي؟‏

مَنْ تُرَى لو حَشَدَ الفقر ضحاياه‏

يغنّي؟‏

يا حبيبي..‏

جْئتُ أدعوك لِعِشْقٍ‏

يخلقُ الأرضَ جمالاً وسلاماً‏

فاحتضنّي‏

تنويه : يهدأ الملك لسماعه صوت الفتاة لتبدأ أصوات المجموعة الثانية.‏

أصوات الظالمين المستغلِّين‏

صوت1 : أنتمْ منافقون ومتآمرون‏

صوت2 : تتظاهرون بالبراءة.. وقلوبكم مقيّحة بالحقد‏

صوت3 : تنجبون كالكلاب حتّى تمتصّوا الخزينة بأولادكم.‏

صوت4 : تبيعون نساءكم.. وتقتلون باسم الشرف‏

صوت5 : تهتفون للملك ولأعيان الدولة، وتدعون عليهم بالموت.‏

صوت6 : منكم القتلة، والسارقون، والخارجون على القانون‏

صوت7 : كلّما جاء حاكم صفّقتم له، ثُمَّ انقلبتم عليه‏

صوت8 : لا تختلفون عن البهائم..‏

صوت9 : أوغاد.. أوغاد.. أوغاد‏

(ينهض الملك من كابوسه كأنّه على وشك الاختناق ويأخذ يردّد بصوت مجهد مضطرب)‏

الملك : هذا غير معقول .. الاستمرار على هذا النحو بات مستحيلاً.. كأنّهم دخلوا جميعاً إلى رأسي..‏

أيُّها الوزير .. أيُّها المهرّج.. أيُّها الضابط الشاب أين أنتم الآن..؟ أعرف أنكّم نائمون بهناء.. اطمئنّوا .. أصبحتُ ملك الكوابيس‏

أيُّها الحاجب اللعين.. أيُّها الحاجب. أرجوك تعال إليَّ..‏

(ينهض الحاجب من نومه ويدخل على الملك مضطرباً..)‏

الحاجب : أنا هنا يا مولاي‏

الملك : أبقيَ من هذا الليل الكثير..؟‏

الحاجب : مسافة أن يصل السائر من القصر إلى حافة النهرّ..‏

الملك : أتستطيع أنْ تعجّل هذا السائر أم تقصّر المسافة؟‏

الحاجب : لا هذا ولا ذاك يا سيّدي...‏

الملك : إذاً اجلسْ إلى جانبي حدّثْني عن طفولتك حتّى تنقشع هذه الظلمة اللعينة.‏

ملاحظة : اعتمدت في حديث الحاجب عن طفولته على القصَّ الصامت التعبيري.. ورمزت إلى مرور الوقت على هذا الحديث وقدوم الصباح بالإضاءة التدريجيّة للمسرح.. مع الإشارة إلى ركون الملك إلى ذكريات حاجبه واسترداد قدرته على النوم.. وبقاء الحاجب قرب سريره وحين ينهض ليدع الملك في نومه يفاجأ بدخول الضابط الشاب عليه)‏

الضابط : لابُدَّ أيُّها الحاجب من إيقاظ الملك‏

الحاجب : لقد استدعاني ليلاً على كابوسٍ مرهق أصابه ورجاني أنْ أقصَّ له ذكريات طفولتي حتّى يرقد قليلاً.. فأرجوك أن ترحم روحه لبعض الوقت....‏

الضابط : القضيّة خطيرة أيُّها الحاجب‏

الحاجب : من الأفضل أن يرتاح مولاي في نومه حتّى يتمكّن من معالجة خطورتها‏

الضابط : ما أرَقَّ قلبك... وأعمقَ فطنتكَ أيُّها الحاجب الأمين.. وما أتعس قدر هذا الملك..‏

الحاجب : أرجو من الله ألا يكون الكابوس حقيقيّاً هذه المرّة..‏

الضابط : لنطلب من الله أن يستيقظ من تلقاء نفسه حتّى لا نلوم أنفسنا على إيقاظه ..‏

(يتقلّب الملك في فراشه .. ثمَّ يفتح عينيه قليلاً فيرى على غير ما يتوقّعه الضابط .. تسيطر عليه وبسرعة علائم الارتياب المخيف لقدومه)‏

الملك : أفتح عينيَّ فأراك أمامي دون طلب منّي أو منك.. أرجو من الله ألا يكون الكابوس حقيقياً هذه المرّة..‏

(يُفاجأ الحاجب أنَّ سيّده ردّد عبارته ذاتها)‏

الحاجب : هذا ما سبقُتكَ إليه حرفيّاً يا مولاي‏

الملك : أيُّها الضابط إنّ الأرض تهتزُّ تحتي .. وعيناي تكادان تضيِّعَان ملامحك لما غَشِيَهما‏

الضابط : لن تخونني شجاعتي في وجودك يا مولاي لأنَّك مصدر هذه الشجاعة..‏

الملك : لعلَّ حضور الحاجب يمنعك من الاعتراف بما تحمله في صدرك..‏

الحاجب : أعتذرُ يا موالي عن نسياني واجب الخروج (ينسحب)..‏

الضابط : إنَّ الأحداث تطاردنا بضراوة كي تمنعنا من التقاط أنفاسنا‏

الملك : قُلْ لي بحقّ السماء ما الذي جرى‏

الضابط : لقد اغتالوا فتاة المهرّج يا مولاي‏

الملك : (شعر أنَّ جبلاً وقع على رأسه)..‏

ما الذي تقوله أيُّها الأحمق...إنَّ ألف مجنون معاً ليسوا قادرين على قول ما ذكرت..أو كأنّي لم أسمع جيّداً..‏

الضابط : كانت خارجة من أسوار المدينة حينما اعترضوا سبيلها فرموها بعدّة سهام قاتلة..‏

الملك : لو رأيتها بعيَّني لما صدّقت .. قالت لي: إنها ستبتعد قليلاً لكنّها ستعود.. أعرفها جيداً وفيّة .. وعنيدة..‏

الضابط : يا مولاي.. لقد حملت جسدها المنطفئ على يديَّ وسجّيتُها في منزلي.. ريثما تأمر بإيداعها الثرى..‏

الملك : (يصرخ باكياً).. لا ..قل لي بحقّ السماء إنّك تكذب .. أو أنَّك تفضّل ابتعادها فتعتبره موتاً.. وعليَّ أنْ أتَعوّد عليه.. تراجعْ عمّا قلت.. قبل أن يُصبحَ موتها حقيقة‏

الضابط : ليتني أكذب..‏

ليتني ربّاً خالقاً لأُعيدها إلى الحياة كرامة لك لكنّني عاجزُ إلاّ عن مؤاساتك ودعمك حتّى لا يستغلَّ الخصوم فجيعتك‏

الملك : ليتني ما عشت إلى هذا اليوم الذي قُتلتْ فيه ملهمتي الحبيبة.. ليتني ما عرفتها..‏

(يدور على المسرح ملتاعاً وهو يردّد)‏

ماذا فعلت لك أيَّها القدر.. عندما كنت عابثاً أهملتني .. وحين أصبحت نادماً متعقّلاً رميتني بالمصائب..‏

الضابط : إنَّ الأعداء في الخارج يا مولاي يدرسون تأثير الصدمة علينا.. ليحدّدوا ضربتهم التالية‏

الملك : دعني من فلسفتك التي لم تستطع إنقاذ فتاة عزلاء .. فأنَّى لك إنقاذ المملكة...‏

الضابط : لقد حرّكت رجالي عندما شعرت بالخطر عليها لكنّهم لم يجدوها في مكان إقامتها .. حتّى ساورتني شكوك في أنْ تكون إلى جانبك‏

الملك : نعم.. لم يجدوها في مكان إقامتها.. لأنّني منحتها حريّة التنقّل أو المغادرة .. هذه كانت رغبتها .. وهاهي تدفع حياتها ثمناً لرغبتها وتساهلي..‏

الضابط : سأغادرك مؤقّتاً حتى تُفرِّغ شحنة الحزن هذه .. آملاً ألا تطول لنستعدَّ للمواجهة الأعتى.. وفيها قد ندفع حياتنا أيضاً‏

(يخرج فيبقى الملك وحيداً تتعالى بهدوء موسيقى تصويرية تكون صدىً لمأساة الملك الذي يعيش حالة من التخاطر الروحي مع محبوبته الشهيدة عبر المونولوج الداخلي الآتي)‏

الملك : أخبريني.. لِمَ فعلتِ ذلك.. إصرارك على البعاد لم يكن طبيّعياً.. قلتِ لي: لن أستقلَّ إلاّ عربتك الأرجوانيّة .. حيث الحصانان الأبيضان لا يتوقّفان إلاّ حينما يكملان الدوران حول الأرض ... يبدو أنّهما لم يتوقّفا أبداً.. وأنَّ الأرض تدور حولهما ..(يتوقّف قليلاً ليصعّد أنفاساً ملتهبة من صدره المكتوي)..‏

قلتِ أيضاً: سأنتظرك إذا تأخّرْتَ عن انتظاري وحين نلتقي سأُعلنُ حبّي لك إلى الأبد .. (يبكي..)...‏

لن نلتقي أبداً أيّتها الحبيبة الطاهرة.. وسيبقى حُبّك محجوباً عنّي إلى أنْ.. أتمرّد على هذا الجسد المترع بالأحزان..‏

فلتسقط يا كأس الجسد المحاصر حتَّى تتبخّر روحي الشقيّة..‏

(يسقط على ركبتيه ويحني رأسه حتى يلامس الأرض.. وتقوم الأضواء والموسيقى بدور التعبير عن غربته الكيانيّة)‏

المشهد الثاني‏

ملامح المشهد.. ـ هو مشهد إيمائيُّ بحت .. يرمز إلى انفجار الصراع بين الملك وأعوانه يقودهم الضابط الشاب من جهة والوزير وقائد الجيش وأعوانهما من جهة أخرى..‏

ـ أضواء المسرح باهته..‏

ـ الإيماء والرمز يعبّران عن كثافة المواجهات بين الفريقين‏

ـ مظاهر هذه المواجهات تتعاقب وفق الصور الآتية:‏

1ـ صورة مبارزة بين مجموعتين وسقوط قتلى من الجانبين‏

2ـ حَمَلَةُ أعلام متباينة يمرّون مسرعين‏

3 ـ مجموعة من النساء والأطفال الهاربين‏

4 ـ جريح يحاول تجاوز المكان.. لكنّه يخرُّ صريعاً‏

5 ـ رجلان يعْتقلان أحد الخصوم‏

6 ـ خلوّ الساحة .. وارتفاع دخان الحرائق..‏

وأصوات متداخلة مخنوقة لمتألّمين ومنتحبين‏

7ـ صمت لمدة دقيقتين وظهور الضابط الشاب واثقاً .. يقف وسط المسرح ويوزع رجاله في كلَّ الاتجاهات .. ثمَّ خروجه ...‏

المشهد الأخير‏

ملامح المشهد المسرح مقسوم إلى ثلاثة مقاطع:‏

في المقطع الأول: الملك والفتاة في ثوبين أبيضين كأنّهما ملاكان غارقان في فضاء العشق‏

في المقطع الثاني:‏

الوزير وقائد الجيش يضمّدان جروحهما..‏

محاطان بحرّاس ملثّمين يرتدون ثياباً سوداً‏

في المقطع الثالث:‏

القائد الشاب بين رجاله الأشدّاء المخلصين يشدّ على أيديهم واحداً واحداً.. ويجلسون على منضدة دائرية لمواجهة المرحلة القادمة‏

في هذه اللحظات يظهر شخص المهرّج على المسرح متنقّلاً بين المقاطع الثلاثة..‏

يتوقّف قليلاً في مواجهة الوزير وقائد الجيش فيهزُّ رأسه ثمَّ ينظر إلى السماء‏

ينتقل إلى مواجهة القائد (الضابط) الشاب فتبدو عليه أمارات الحيرة والاستغراب.. ثمَّ يخرج ورقة وقلماً يدوّن شيئاً .. ويمضي أخيراً إلى مقطع الملك والفتاة وهما في حالة انخطافٍ روحيّ.. ما أنْ يراهما حتّى تتغيّر أحواله ويصاب بهيجان مفاجئ ويدور على نفسه مرتين قبل أنْ يستلَّ خنجراً من خَصّره .. يرفعه ويتقدم من الملك والفتاة محاولاً طعنهما .. وهما غير منتبهين لـه.. يستحيل عليه التقدّم.. يحرّك الخنجر في الجو مرّات متعدّدة .. ثمَّ يهوى به على صدره فيخرُّ مضرّجاً بدمائه..‏

حينئذ يقف القائد الشاب في وسط المسرح وقد خيّم الظلُّ على المقطعين الآخرين ويقول لرجاله بصوت هادئ واثق:‏

القائد الشاب: يا رجال المملكة المخلصين .. ما جرى في الساعات الأخيرة بات واضحاً.. انقضّوا على الملك في مراسيم تشييع الفتاة.. دافع عن كرامته بشجاعة الأبطال.. وقتل.. /لم نمهلْهُمْ حتّى يكملوا مجزرتهم الرهيبة/ ألحقنا بهم الهزيمة.. وفرَّ الوزير وجنراله فرار الجبناء اللصوص..‏

ربحنا معركةً.. لكنَّ النصر لم يكتمل..‏

لن يستسلموا بهذه السهولة..‏

يعرف كُلُّ منكم واجبه على خير ما يرام ..‏

(يدخل خادم الملك وقد استبقاه القائد الشاب لإخلاصه وفطنته)‏

الحاجب : وفود شعبيّة في الخارج تهتف بحياتكم يا سيّدي .. وهم يتظاهرون لكي تُطلَّ عليهم...‏

القائد : أيُّها الرجال..هؤلاء الناس في الخارج طيّبون .. انفعاليّون .. لكنْ ينقصهم روح الجد والانضباط يجب أنْ يتعلّموا كيف يواجهون التضليل والفساد./ كيف ينالون حقوقهم.. ويقومون بواجباتهم..‏

الملك وضع لنا اللبنة الأُولى .. وعلينا أن نكمل... لا تغتسلوا من الخارج.. بل من الداخل.. لا تغيّروا طلاء الجدران .. بل اهدموا الجدران نفسها واشرعوا في بناء جديد..‏

أيّها الرجال .. لنعملْ معاً حتّى لا تُنْحَرَ الحقيقة على أيدينا..‏

لنخرجْ إلى الناس حتّى نستمدَّ شرعيّتنا من ثقتهم بنا.. ورضاهم عن سلوكنا..‏

الزمن لا يرحم ..‏

ومَنْ لعنه التاريخ ... سيبقى ملعوناً..‏

(يهمَّ بالخروج متجاوباً مع رغبة المتظاهرين لكنّه يقوم بحركة مسرحيّة يتواصل فيها مع جمهور القاعة .. إذْ يلتفت إليهم قائلاً)‏

لماذا نخرج إلى الناس .. وأنتم هنا الناس‏

أنتم في الخارج والداخل..‏

لأجلكم كان كلُّ شيء..‏

وبكم سنضمن المستقبل المشرق..‏

(يلتفت إلى رجاله قائلاً)‏

فلنصفّق لهم أيُّها الرجال...‏

(يصفّقون ويتجاوب جمهور الصالة مع تصفيقهم)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244