فرسان الله والأرض أو سيف الله ـــ محمد أبو العلا السلاموني

دراما تاريخية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(تمهيد)

(المدينة المنورة في عهد خلافة عمر بن الخطاب.‏

الوقت : عند الغروب.‏

المنظر : داخل مسجد النبي بالمدينة.‏

الباب إلى جهة اليسار ـ عدة نوافذ واسعة تبدو منها قمم الجبال وكثبان الرمال مكللة بأضواء شفق المساء.‏

يبدأ المنظر عقب صلاة المغرب، حيث بدأ المصلون يغادرون المسجد فجأة يتراجع الناس عند الخروج حينما يظهر خالد بن الوليد مرتدياً دروعه وقلنسوته ومتوشحاً سيفه كأنه على أهبة معركة.‏

تعلو موسيقى تكبيرة العيد على شكل كورال، بينما تتصاعد الهمهمات.‏

***‏

شخص : يا إلهي.. إنه خالد بن الوليد..‏

شخص : إنه هو حقاً..‏

شخص : لماذا جاء الآن..؟‏

شخص : لقد عزله عمر..‏

شخص : والله إنها الفتنة..‏

شخص : حقاً.. ويا لها من فتنة..‏

(يتقدم خالد وهو يشق صفوف الناس في ثبات ويقترب من أمام المسجد الذي كان لا يزال جالساً)‏

خالد : هاأنذا يا عمر..‏

الإمام : (ناهضاً) من..؟ خالد.. ها قد جئت أخيراً أيها الصديق‏

خالد : أين عمر..؟‏

الإمام : ماذا تريد من عمر..؟ (خالد ينكس رأسه) لماذا لا تجيب..؟ انظر إلى وجهي يا خالد..‏

خالد : (يرفع إليه رأسه في هدوء)؟؟‏

الإمام : هل أنت غاضب من عمر..؟‏

خالد : (ينكس رأسه ثانية)؟؟‏

الإمام : (بسرعة) لماذا جئت..؟‏

خالد : (وهو يسل سيفه) لأسلمه سيف قيادتي..‏

الإمام : أغمد سيفك يا ابن الوليد..‏

خالد : (يغمده)؟؟‏

الإمام : خالد.. أصدقني القول.. هل ثرت..؟‏

خالد : لماذا..؟‏

الإمام : لقد عزلت..‏

خالد : أعلم..‏

الإمام : وجردت من نصف ما تملك..‏

خالد : نعم..‏

الإمام : ولم تثر..؟‏

خالد : إنما أنا قائد الخليفة.. وقد نفذت ما أمرت به..‏

الإمام : مقتنعاً..؟‏

خالد : إنه أمر إلى جندي..‏

الإمام : لست مقتنعاً إذن..؟‏

خالد : وما جدوى اقتناعي..؟‏

الإمام : هكذا من غير أن ترى سبباً..؟‏

خالد : الأمر في الجندية يحمل سببه يا سيدي..‏

الإمام : دعني أسألك ثانية يا ابن الوليد.. لماذا جئت..؟‏

خالد : (يحاول أن يسل سيفه ثانية)؟؟‏

الإمام : قلت أغمد سيفك يا ابن الوليد.. (لحظة) اسمع يا خالد.. هل جئت تعاتب عمراً..؟‏

خالد : (يطرق برأسه)؟؟‏

الإمام : دعني أر حجتك..؟‏

خالد : يؤسفني يا سيدي أنني لا أملك حجة قط..‏

الإمام : لقد جئت وفي هذا ما يكفي.. لم لا تتكلم يا خالد.. أرفع رأسك ودعني أر عينيك.. ماذا بك..؟ عيناك لا تلمعان كما عهدتهما دائماً..‏

خالد : (وهو ينظر إليه) بل هما عيناك يا سيدي..‏

الإمام : أحقاً.. طالما رأيت قلبك في عينيك يا خالد..‏

خالد : أما ترى الآن يا قلبي..‏

الإمام : لا.. لا يا خالد.. إنهما معتمتان تماماً..‏

خالد : ماذا عيناي..؟‏

الإمام : (لحظة) هل كان عمر مخطئاً..؟‏

خالد : ما كان لأمير المؤمنين أن يخطئ..‏

الإمام : لقد عزلك من غير أن يرى قلبك.. والآن وددت أن أرى فإذا بالطريق مظلم كليل الصحراء.. أتذكر ليل الصحراء يابن الوليد..؟‏

خالد : أجل يا سيدي..‏

الإمام : متى تعود يا خالد..‏

خالد : الآن يا سيدي..‏

الإمام : الآن..؟ وفيم جئت إذن..؟ ما زالت الصحراء تستهويك يا ابن الوليد..‏

خالد : قررت أخيراً أن أسكن الحضر يا سيدي..‏

الإمام : حقاً.. أين..؟‏

خالد : في حمص..‏

الإمام : إذن ستهجرنا إلى الأبد..؟‏

خالد : تلك آخر رحلة إلى الصحراء يا سيدي..‏

الإمام : كم أود لو تبقى هنا.. معنا.. (لحظة) هل فكرت في عمر يا خالد..؟ هل كنت تذكره..؟‏

خالد : دائماً كان معي..‏

الإمام : تعني كان يتعقبك..؟‏

خالد : كنت أذكره كلما نظرت إلى وجهي..‏

الإمام : لم يكن عبثاً أنكما متشابهان..‏

خالد : نعم‏

الإمام : ومع ذلك ما زالت المعضله قائمة..‏

خالد : أية معضلة..؟‏

الإمام : إقرار العداله..‏

خالد : ولكن عمراً قد أقرها..‏

الإمام : أجل.. ولكن أنت..؟‏

خالد : ما شأني..‏

الإمام : هل تقره على ما فعل..؟‏

خالد : إنما أنا أطيعه..‏

الإمام : دعني أر عينيك ثانية.. بدأ الصفاء يعود إليهما..‏

خالد : وهل ترى الآن قلبي..؟‏

الإمام : إنك لا تقره على ما فعل..‏

خالد : أيقول قلبي هذا..؟‏

الإمام : لا أدري..‏

خالد : إنما نحن متشابهان يا سيدي..‏

الإمام : وأيضاً لستما على وفاق..‏

خالد : (يتحرك خطوة إلى الوراء) هل تأذن لي يا سيدي.‏

الإمام : إلى أين يا ابن الوليد..؟‏

خالد : سأعود إلى حمص..‏

الإمام : من غير أن نسمع دفاعك عن نفسك..‏

خالد : وهل ما زال عمر يتهمني..؟‏

الإمام : حتماً‏

خالد : وبعد أن نفذ العقوبة..؟‏

الإمام : ولكنك لم تعترف بعد..‏

خالد : ولماذا أعترف..‏

الإمام : لتقر بالعدل..‏

خالد : وما جدوى إقراري ما دام عمر يرى أن ذلك العدل..‏

الإمام : تلك قضيتك يا خالد..‏

خالد : (محتداً) لا أعترف بها..‏

الإمام : إذاً فهذا رأيك..؟‏

خالد : كان يعرفه عمر..‏

الإمام : أجل.. أجل يا ابن الوليد..‏

خالد : لقد ظلمني..‏

الإمام : كلا يا خالد.. إنما كان يتوخى العدل..‏

خالد : إذن فقد ظلمني بعدله..‏

الإمام : لا.. ما كان لعمر أن يظلم أحداً..‏

خالد : ولكني لم أذنب..‏

الإمام : بل أذنبت يا خالد..‏

خالد : إنه هو الذي يرى ذلك.. هو وحده..‏

الإمام : والجميع..‏

خالد : ما أدانني أحد..‏

الإمام : لأنك لم تدن نفسك..‏

خالد : ما كان لي أن أدين نفسي وأنا بريء..‏

الإمام : ها أنتذا الذي ترى ذلك.. أنت وحدك..‏

خالد : تلك هي الحقيقة..‏

الإمام : ألا ترى أن ثمة أخطاء قد حدثت..‏

خالد : ليست أخطائي..‏

الإمام : أخطاء من إذن..؟‏

خالد : ليس هذا من شأني..‏

الإمام : (محتداً) كفى جاهلية يا خالد..‏

خالد : دائماً كان يتهمني بالجاهلية..‏

الإمام : لأنك لا تفكر كما ينبغي..‏

خالد : حسبي أنني أقول الصدق..‏

الإمام : أي صدق تعني.. إنك تخدع نفسك..‏

خالد : لا تثرني يا سيدي..‏

الإمام : فلتثر حقاً إن كنت صادقاً..‏

(يتحرك خالد محاولاً الخروج فيستوقفه قابضاً على كتفه)‏

لا تنسحب يا ابن الوليد..‏

خالد : دعني أذهب يا سيدي..‏

الإمام : لم نعهد فيك الانسحاب قط..‏

خالد : دعني أذهب..‏

الإمام : سوى مرة واحدة.. هل تذكر يوم مؤته..؟‏

خالد : إذن فقد عاد عمر إلى اتهامه القديم..‏

الإمام : لقد انتزعت النصر من قمة الهزيمة..‏

خالد : تعني أُحد..؟‏

الإمام : أقول لك يوم مؤته يا صاحبي..‏

خالد : بل تعني أحد.. نعم.. إنه لا يريد أن ينسى ذلك اليوم ومع ذلك لا يهمني أن يقول في الجاهلية ما يشاء.. ليقل ما شاء عن أحد والخندق والحديبية.. أما مؤتة واليمامة والعراق والشام فهذا ما أرفضه..‏

الإمام : إنه لا يحاسبك الآن يا خالد..‏

خالد : ولن يحاسبني بعد الآن.. لقد عزلني وقد كان عمله.. أما الآن فلا شأن لـه بي..‏

الإمام : لا يا خالد..‏

خالد : لماذا يصر على مطاردتي..؟‏

الإمام : ما عاد بإمكانه مطاردتك يا صاحبي..‏

خالد : هل لـه إذن أن يدعني وشأني..‏

الإمام : كيف يدعك وقد جئته دون أن يطلبك.. لقد جئت أنت تحاسبه وليس هو..‏

خالد : لن أحاسبه ولن يحاسبني..‏

الإمام : لقد حاسبك منذ زمن.. والآن جاء دورك.. هيا إذن..‏

خالد : إذا كنت تريد في أن أبرر عدالته.. فثق أنني لن أفعل.. مطلقاً..‏

الإمام : لم تعد تفهم عمراً يا خالد.. لم تعد كما كنت دائماً..‏

خالد : إذن فلنفترق يا سيدي..‏

الإمام : لا.. لا تقل هذا بربك..‏

خالد : لنفترق.. فهذا خير لكلينا..‏

الإمام : كم أنت قاس يا صاحبي..‏

خالد : أنا..؟ أنا القاسي يا سيدي..؟‏

الإمام : أتذكر صراعكما في الصغر.. أتذكر كم كنت قاسياً..‏

خالد : لم أكن متعمداً كسر ساقه وأنت تعلم هذا..‏

الإمام : ها قد عدنا للمعضلة يا ابن الوليد..‏

خالد : ماذا تعني..؟‏

الإمام : يعتقد بعض الناس أنه يحمل لك حقداً منذ ذلك اليوم..‏

خالد : إذن لقتلني منذ زمن..‏

الإمام : ويحك يا ابن الوليد.. لا أحد يدري حتى الآن إن كنت متعمداً أم..‏

خالد : سأفض المعضلة إذن.. ليس لدي ما يمنع من أن أقول إنني تعمدت ذلك..‏

الإمام : إذن فأنت تعترف..‏

خالد : قلت لك قل ما شئت في الجاهلية..‏

الإمام : عدت ثانية يا ابن الوليد.. كم أنت محارب قدير.. علمتك الحرب كيف تختار مكان المعركة..‏

خالد : هو الذي أختار..‏

الإمام : ومع ذلك فأنت المنتصر دائماً.. كنت تصر دائماً على النصر ولا تقبل الهزيمة مطلقاً.. آه يا ابن الوليد.. كم كانت جاهليتك رهيبة حقاً.. و‏

خالد : ألم تكن هي جاهليتنا جميعاً..؟‏

الإمام : ولكن ما زال فيك منها يا خالد..‏

خالد : ارجمني إذن.. إن كان هذا يرضي عمرَ..‏

الإمام : ليس هذا يا خالد..‏

خالد : أفصح إذن..‏

الإمام : أصدقني القول يا خالد.. أتريد أن تفهم عمر حقاً..؟‏

خالد : لو لم أكن أريد ذلك حقاً لأعلنتها حرباً عليه..‏

الإمام : ومع ذلك فأنا واثق من أنك تدرك كل شيء.. فقد كنت أذكى رجل حرب أنجبته صحراء العرب..‏

خالد : ليعلم عمر إذن أنني فقدت ذكائي..‏

الإمام : فقط أنت لا تريد أن تفهم يا خالد..‏

خالد : إذن دعني أفهم.. (متوتراً) دعني أستعد ذكائي يا سيدي‏

الإمام : لا تصرخ يا ابن الوليد.. إن كنت تريد أن ترفع علينا سيفاً فافعل.. فقط لا نريد أن نرى في عينيك ما كنا نراه دائماً قبل أن تسلم.. تلك النظرة الموحشة التي بعثتها فيك حمية الجاهلية.. (لحظة) أنت تذكر بلا شك.. تذكر كل شيء.. ومع ذلك سأحاول أن أذكرك ما دمت تصر على ذلك.. وسنبدأ منذ ذلك اليوم.. يوم أن كنت في رحلة صيد في الصحراء خارج مكة.. يوم من أيام جاهليتنا الكبرى يا ابن الوليد.. هل تذكر ذلك اليوم..؟ هل تذكره يا صاحبي..‏

(أثناء الحوار الأخير تخفت الإضاءة تدريجياً إلى أن يظلم المسرح تماماً، وعندئذ تبدأ عدة مشاهد تذكارية في جزئين).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244