|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأول دسَّ الكولونيل ورقة الاستدعاء الرسمية في جيب سترته وسأل زوجته أن تناوله جزمته العالية ومعطفه الواقي من المطر. فتساءلت الزوجة: لماذا؟ ـ إنها تمطر. ـ لكنك لن تذهب سيراً على قدميك! ابتلع الكولونيل امتعاضه، وخرج دون المعطف والجزمة. فدمدمت الزوجة قائلة بنزق: أيُّ لعبٍ صبيانيّ هذا؟! في حين اتجه زوجها نحو سيارة البيجو الراقدة أمام منزله، حيث كان السائق ينتظره خلف المقود. فدلف إليها وارتمى على المقعد الخلفيّ رادّاً بآلية محضة على تحية السائق. ـ إلى أين يا سيدي؟ ـ إلى جهنم. فتحرّكت السيارة، لكأن السائق يعرف طريق جهنّم جيّداً. لكنه ما لبث أن قال بحذر: لكن اليومَ عطلة رسمية يا سيّدي. ـ أعرف. قالها الكولونيل بهدوء ثقيل بعد أن كاد يزجره بقوله "وما شأنك أنت؟!". لكنه آثر الصمت، مع التأكّد ثانية من صحة التاريخ. ثم ابتسم لنفسه ساخراً، وهو يتذكر أن بعض المؤسسات لا تحتمل العطالة أبداً. وهناك أمام بناء كبير ومنعزل نسبياً، توقّفت السيارة، وترجّل الكولونيل. مراراً أبرز هويته، ومراراً ردّ على التحيات السريعة للحرس بحركات مقتضبة من يده. وعند المدخل الرئيسي أبرز ورقة الاستدعاء، ودخل برفقة أحدهم عبر ممرات متداخلة وملتوية وضعيفة الإضاءة، ليسمع كما سمع في المرات السابقة فحيح استغاثات مكتومة، وحشرجات مبهمة، تنزّ واهيةً عبر الجدران الصمّاء. البعض قال أن البناء مسكونٌ، والعياذ بالله. والبعض قال أنها مجرد أوهام. لم يشعر الكولونيل بالحاجة للإقياء كما حدث في مرة سابقة. لكنه شعر بوهن عام، وبصداع خفيف يضغط على صدغيه. أخيراً استأذن، ودخل المكتب المألوف لديه، باتساعه وبأثاثه الفخم، ليرى شاهين منكبّاً على مراجعة بعض الملفّات. لحظاتٌ ثقيلة مرّت على الكولونيل الذي لم يتعوّد الانتظار، وهو ينتظر إذناً مُذلاً بالجلوس. ـ كولونيل عماد؟! تساءل شاهين بدهشة مفتعلة، وقد رفع نظره ونهض مرحباً بالكولونيل. ثم عقّب: تفضّل يا كولونيل. ـ وهذه؟ تساءل الكولونيل، وهو يبسط ورقة الاستدعاء ـ آه.. لا عليك.. تجاهلها يا كولونيل، واجلس. وضغط شاهين على زر الأنترفون. فأطلّ حاجب فتيّ ضئيل الجسد متسائلاً: أمرك سيدي؟ ـ هات كأسين من النبيذ الفرنسي. بسرعة أحضر النبيذ، وبسرعة أكبر عبّ الكولونيل كأسه، مبتلعاً مع النبيذ الكثير من الهواجس والأفكار السوداء. ثم قال: هل أستطيع الانصراف؟ ـ طبعاً تستطيع يا كولونيل.. أنت مجرّد ضيف محترم.. وتستطيع أن تأتي أو تنصرف متى شئت.. برغم أنني أرحّب ببقائك.. بل ويطيب لي أن أسمع ما يسرني عن أخبارك و.. ثم إننا منذ زمن لم نتبادل الرأي، ولا حتى الأنخاب. ـ هل هناك شيء محدد تود سماعه؟ ـ أودّ سماع ما تودّ قوله. ـ أنت تعرف أن ليس لديّ ما أقوله. ـ حقيقة ما عدتُ أعرف شيئاً، خاصة عن معارفنا أيام زمان، ويسعدني أن نظلّ على صلة ما. بل ونستطيع أن نتعاون في أمور كثيرة، عامة وخاصة إن أحببت. كاد الكولونيل أن يقول: "شاهين لا تراوغ..". لكنه قال: لا تعوّل علي.. حيث لا أنتظر سوى التقاعد. ـ وماذا عن أحلامنا الكبيرة والجميلة؟! ـ لكل مرحلة أحلامها.. والآن لا أحلم إلا بمزرعة ريفيّة بسيطة، وبموت هادئ. ـ لا يا رجل! أنت تتحدث كعجوز! ـ ربما.. خاصة والصداع يضايقني. ـ صداع؟! أأستدعي لك الطبيب؟ ـ لا ضرورة لذلك.. في البيت أتدبّر أمري إن سمحت. ـ حسنٌ.. مع السلامة يا كولونيل. فانصرف الكولونيل، بعد أن شدّ شاهين على يده مودِّعاً، ليرى سائقه مسنداً رأسه على المقود، وغارقاً في انتظاره. وحين شعر هذا باقتراب سيّده اعتدل، وأدار المحرّك. ـ إلى أين يا سيّدي؟ ـ إلى المنزل. وما أن أقلعت السيّارة حتى شخرت وتوقّفتْ. فقال السائق باستياء: حرنت اللعينة. وراح يعتذر لسيده. فقال الكولونيل: لا عليك.. تدبّر أمرك معها. وترجّل ليستقل سيارة أجرة. لم يكن يودّ الذهاب مباشرة إلى البيت، متمنياً لو أن البيجو أو "البجعة" كما باتوا يسمونها بخير، ليمضي ويمضي إلى لا مكان. ".. اللعينة.. رغم كل الإصلاحات تظل تحرن وتحرن.." وتذكّر أنه ورثها عن سلفه بعد أن أفنت شبابها في مطاردة الأرانب البريّة وبقايا الغزلان المنقرضة، إلى أن رموها في مستودع الآليات، كعجوز خربة، ليعاد إصلاحها وطلاؤها، ومن ثم لتخصّص لـه مع سائقها، الذي قدَّم لـه نفسه بتهذيب مشكوك فيه، على أنه الجندي بديع، والذي بدا حريصاً على ملازمة سيده. "..حسناً يا هذا.. لا أستطيع أن أقدّم لك ياقتي باستمرار. وأقول لك: تشبّث جيداً يا بديع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |