قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

ـ أنتَ مبتل! قالت الزوجة باستنكار.‏

ـ تعطّلت السيارة.‏

ـ هذه السيارة لا تليق حتى بجندي.‏

ـ لن أتأخر كثيراً لأتقاعد وأرميها لهم. قال الكولونيل ذلك، ومضى إلى غرفته، ليغيّر ثيابه ويستلقي، علّه يستريح من آثار الصداع العالقة بصدغيه.‏

وحالما أغمض عينيه رأى نفسه يمتطي طائرة نفّاثة، وينطلق بها بالسرعة القصوى، خارقاً جدار الصوت فوق أبنية كبيرة ومعزولة، إلى أن تمردّت عليه، وراحت تطير وتحلّق على هواها في السموات العالية.‏

".. اعتقدتُ أنني طيار جيّد". قال ذلك لنفسه وهو يحاول استعادة السيطرة عليها، مع شيء من القلق. إلى أن لاحظ أنّ ثمة دخاناً يتسلل إلى جوف الطائرة.‏

"ما هذا بحق الله؟!"‏

ومع تكاثف الدخان بدأ اللهب يمد ألسنته ويتطاول. فراحت يدا الكولونيل تحاولان بضراوة فعل شيء ما. ولكن عبثاً، فالنار التي اندلعت باتت تحاصره، إلى أن بدأ يشم رائحة جلده المحروق.‏

أخيراً لم يدرِ متى وكيف انقذف مع المظلة على تخوم انفجار الطائرة. ليجد نفسه سابحاً في فضاء لا متناه، إلى أن اقترب منه خطّاف ما، ليجرّه من حيث لا يدري، وبألمٍ إلى مشارف بناء كبير ومنعزل، حيث كان شاهين ينتظره مع ابتسامة واثقة.‏

"ـ كدت تقتل نفسك يا رجل!‏

ـ ...‏

ـ في المرة القادمة لا تطر بمفردك.. أو على الأقل تحقّق من جاهزيّة الطائرة.‏

(....)‏

ـ لا تقلق بشأن المسؤولية، لن نطلق النار عليك. بل سنعتبرك بمهمة تدريبيّة. ألا يروق لك ذلك؟‏

ـ ...‏

تبدو مرهقاً يا كولونيل. تعال يا سعيد.. هات المرسديس وأوصل الكولونيل إلى حيث يشاء...".‏

فتح الكولونيل عينيه جزعاً، ورائحة جلده المحروق لا تزال تزكم أنفه، ونهض ليمضي إلى الشرفة، حيث كان المطر لا يزال يهطل، مع شيء من الوحشة، ويتلفّع بشيء من الضباب. فراحت بعض الذكريات القريبة والبعيدة تتوارد وتتداعى، لتلفح ذاكرة الكولونيل، وتترسّب في أعماقه كأشياء طينية دبقة، إلى أن امتلأ بشتائم كبيرة احتار لمن يوجهها، لكنه اكتفى بشتم هذا اليوم الذي سرعان ما تتحوّل أمطاره إلى وحول.‏

وشدّه صوت زوجته: ما الذي تفعله هناك؟! الجوّ بارد!‏

ـ أجل.‏

ـ تعال.. أعددت لك القهوة.‏

كان يشعر فعلاً برعشة باردة تسري في جسده. فعاد إلى غرفته، ارتمى على الأريكة، أزاح هواجسه، وراح يرشف قهوته على مهل.‏

ـ ما الذي يريدونه منك؟‏

كاد أن يجيب: "إنه مجرّد لعب.. لكنه ليس صبيانيّاً البتّة".‏

إلا أنه ابتسم وقال: مجرد دعوة لشرب النبيذ الفرنسي.‏

لن يقول أكثر من ذلك، الزوجة تدرك هذا، مثلما تدرك أنه لا يرغب أبداً في إشراك الآخرين بهمومه ومشاكله. بل ولا يثق بقدرتها على الخوض فيها. فأخفت امتعاضها، وراحت تتحدّث عن همومها هي. وكانت ابنتهما وفاء في قلب تلك الهموم.‏

ـ يبدو أن وفاء لم تتوفّق بزواجها.‏

ـ الأمور نسبيّة.‏

ـ سومر ليس كما توقعناه.‏

كاد يقول لها: "إنه خيارك أولاً. وخيارها ثانياً".‏

لكنه قال: ليس بالضرورة أن يكون كما تتوقعين.‏

ـ حاول أن تحدّثها بالأمر.‏

ـ مشكلة الأزواج لا تسوّى إلا بين الأزواج.‏

ـ هذا إذا كانت المشاكل عادية وبسيطة.‏

ـ هل هناك مشكلة أكثر من عادية؟‏

ـ أسألها.‏

قالت الزوجة ذلك، ونادت وفاء، التي ما لبثت أن جاءت على مضض.‏

فبادرتها أمها القول مازحة: يبدو أن وفاء تعبت من الزواج.‏

فعقّب الكولونيل قائلاً: غريب! رغم أن أمّها لم تتعب طوال ست وعشرين سنة.‏

قالت الزوجة: الفرق أنني أكثر واقعية.‏

فقالت وفاء بنزق: بل الفرق أنني زوجة نذل. وأخفت وجهها الذي شارف حدّ البكاء.‏

أطرق الكولونيل وفكر: "قد تكون على حق.. فالدنيا مليئة بالأنذال".‏

ثم قال: عمرك يتّسع لإعادة النظر بكل شيء.‏

فتساءلت الأم مستنكرة: أتشجّعها على الطلاق؟!‏

فأجاب الكولونيل باستياء: بل أشجعها على اتخاذ قرار.‏

عندها نهضت الأم بما يشبه الاحتجاج، وهي تبربر: سيخرب بيتها.‏

وخرجت وهي تضمر تسوية المشكلة بعيداً عن عماد الذي لا يحسن ـ على حدّ قولها ـ معالجة الأمور العائلية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244