|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث أيام عدّة مضت على حركة دائبة لأم وفاء، ومساع توفيقية باءت كلها بالفشل. خاصة وأنّ سومر غير متحمّس لمصالحة وفاء، بل يبدو توّاقاً لنفض يديه نهائياً منها. وأبو سومر لا يتحدّث إلا عن تسوية ماليّة. مما جعل أمّ وفاء، ورغم عزمها على ضبط نفسها، تثور أكثر من مرة. لتعودَ بعدها إلى لغة المساومة والمصالحة، دون أن يعيرها أحد الاهتمام اللازم. ولما صرّحت لسومر بأن ابنتها حامل. قال لها وبفجاجة: لتطرحه.. لسنا بحاجة إليه. آنئذ، وتحت ضغط شعورها بالإهانة، راحت تهدّد سومر وأباه بشكل غامض، على طريقة زوجات الكولونيلات. لكنّ أبا سومر لم يكتفِ بالسخرية منها ومن كولونيلها فحسب، بل هددهما صراحة إن لم يعرفا حدودهما. مما تركها مذهولة ومصعوقة. عندها فكرت جدّياً بتحريض الكولونيل على فعل شيء ما. لكنها غصّت بإحساس غامض أوحى لها بأن الدنيا لم تعد هي الدنيا. فمضت إلى منزل أبيها في حيّ التجارة. وهناك، أفرغت كل قهرها بسيل من الشتائم. ثم استسلمت لنوبة من البكاء الحاد. حاول أبوها عبثاً إفهامها أنها رومانسية أكثر من اللازم، وأنّ الدنيا أكبر من قضيّة زواج وطلاق، وأن دموعها كلها زائدة، ونصحها بعدم إثارة ضجّة لا معنى لها. إذ قد تُلحق ضرراً غير محسوب. وتعهّد بأن يثير مع أبي سومر مسألة تسويةٍ سترضيها بكل تأكيد. في حين بدت أم وفاء نهب شعور غامض بأن جدار كبريائها العالي بدأ يتصدّع، وبأن والدها الحاج عدنان ذا الحول والطول يخذلها. وبأنه حريص كل الحرص على سلامة علاقاته بمن كانت تسميه اليهودي الخسيس "أبو سومر" ذاك الذي كان من قبل يتمسّح بأحذية من هم أقل شأناً من زوجها، ليساعدوه على اقتناص تعهّد تجاريّ ما. بينما لا يتردّد اليوم بإهانتها، بل وإهانة زوجها الكولونيل نفسه! أخيراً بدت عاجزة عن فهم كل ما يجري حولها. فلملمت إحساسها بالمرارة، وغادرت إلى منزلها، متجاهلة نداء الحاج عدنان، ورجاءَ أمّها بأن تستريح وتهدأ، دون أن تدري ما الذي يمكن أن تفعله بمشاعرها عامة، أو بمشاعرها كأم ـ خاصةً ـ والتي لا يهتمّ بها أحد، بما في ذلك ابنتها الوحيدة وفاء. فصبّت اللعنات كيفما كان. ثم راحت تلعن قلبها الذي لم يسمح لها بإنجاب المزيد من الأولاد. ثم تذكرت أنها لن تستطيع تحمل المزيد من المتاعب. بل أصبحت تميل للاعتقاد بأنها وحيدة. بل وأنها زائدة، ولا حاجة لها البتة. فانزوت في غرفتها لتتناول دواءها، وتستسلم لمزيد من الشعور بالعزلة. أما الكولونيل الذي كان بمنأى عن حركة ومتاعب زوجته، فقد كان يعتقد أن القضيّة يمكن أن تسوّى على الهاتف، وأنّ القرار قرارُ وفاء بالدرجة الأولى. لكنه فهم متأخراً ما سبق أن فهمته زوجته. مع ذلك لم يُدهش كثيراً، واعتبر أن الأمر انتهى إلى ما يجب أن ينتهي إليه. خاصة وهو يدرك أن أبا سومر لم يعد ذلك المتعهّد الصغير، وأنه ـ هو عماد ـ لم يعد ذلك الكولونيل الذي كان الجميع يحسب حسابه، فقرر أن يضغط على وفاء للتنازل والقبول بالأمر الواقع، وأن يترك للحاج عدنان أمر تسوية مسألة الطلاق مع أبي سومر كيفما كان الحال، وبطريقة ودّية ما أمكن ذلك. ومضى من فوره إلى ابنته. وبأعصاب باردة مثقلة بنزيز ذكريات حادّة ومختلطة، راح يتحدّث إلى وفاء، يفضي إليها بما يجب أن يكون، ثم نصحها بالإجهاض. في حين كان وجهها يتعثّر بانفعالاتها، وبدكنة صمتها. أخيراً ودون أن يترك الكولونيل مجالاً للنقاش خرج يجرجر جسده الخمسيني، ويتنفّس بملء رئتيه. وهناك بجوار الشرفة تسمرت نظراته على البناء المقابل، وبدأت أسنانه تقضم أطراف شاربه الأيمن، دون أن يدري متى تناهى إلى سمعه نشيج وفاء المكبوح والمختلط بنتف من كلمات الأم المتعثرة. فلمع الموت أمام عيني الكولونيل كفكرة معقولة، لكنه سرعان ما أسقطها، وراح يمسح حبّات العرق الباردة عن جبينه، متذكراً وفاء الطفلة الناعمة وهي تثغو وتزحف نحوه، دون أن يجد الوقت الكافي لاحتضانها ومداعبتها. وخرج من المنزل حانقاً على كل الدنيا، وعلى نفسه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |