قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس

ـ كم الساعة الآن؟ تساءلت وفاء.‏

ـ الثامنة. أجاب نادر.‏

ـ استعد لسهرة جميلة.‏

ـ أين؟‏

ـ ما بين السماء والأرض.‏

ـ لنسهر هنا يا مجنونة.‏

ـ بل سنسهر بمكان يليق بحبّنا.‏

ـ الحب هو الذي يضفي القيمة على المكان وليس العكس.‏

ـ اترك فلسفتك في البيت، واترك لي حرية التصرف اليوم.‏

ـ كما تريدين.‏

في الثامنة والنصف مساء، استقلاّ سيارة إجرة في طريقهما إلى الكازينو، الذي كان رواده باستمرار يملكون فائضاً من الوقت والمال والرغبة، وحيث كانت الغوايات الصغيرة والكبيرة، السريّة والفاضحة، تتناسل هنا وهناك، مشكّلة مع الموسيقا الهادئة والأضواء الخافتة والديكورات الباهرة، متكأ للمشاعر المستثارة على الدوام.‏

ـ لا أحب مثل هذه الأمكنة.‏

ـ ستحبّها. أكدت وفاء بثقة. وتأبّطت ذراع نادر في طريقهما إلى الداخل.‏

.. فور دخولـه، أحسّ نادر أنه يقفز في الفراغ. خمّن أن العيون المصوّبة تجاههما تسأله وحده إن كان قد قدم إلى هنا عن طريق الخطأ. حيث أن ثيابه التي أتعبتها العناية المزمنة، والتي تجاوزتها الموديلات الحديثة، لا تستطيع إقناع أحد بأن صاحبها من روّاد الكازينوهات، بل وقد تنفذ العيون البصيرة لتكتشف خواء جيوبه، ومن ثم تخمّن على وجه التقريب خواء غرفته، وصولاً إلى أنه من قرية اطمأنت إلى بؤسها، بعد أن عايشته طويلاً، وبشعور عال بالقدريّة والاستسلام. وأحس بالانقباض.‏

ـ مالك؟‍!‏

ـ لا شيء. بذلك أجاب وهو يجهد لضبط انفعالاته، وللتظاهر بالحياد تجاه كل مظاهر هذه النعمة، التي لا يدري كيف تبادره العداء!‏

".. من لا يحب الرفاه؟!" ذلك ما فكر به بحنق، وهو يخمّن أن ثمة وجبة واحدة في مثل هذا المكان يمكن أن تبتلع كامل مصروفه الشهري.‏

ـ طلباتكم يا سادة؟‏

ـ قهوة..‏

ـ بل وجبة خفيفة مع الشمبانيا إن سمحت. قالت وفاء مقاطعة، وهي توزّع ابتسامة واثقة ما بين النادل ونادر.‏

ابتسم النادل ابتسامة وظيفيّة، ومضى مدفوعاً بإيماءة من رأس وفاء، ليعود بطبق غنيّ وشهي إضافة للمشروب.‏

ـ قهوة؟! همست وفاء مستنكرة.‏

ـ لم لا؟! أجاب نادر بنبرة احتجاجية مرتبكة، شاعراً بالغيظ من ألف وخزة ووخزة، لم تفصح عن نفسها، ولا يدري من أين ولا كيف تأتي!‏

ـ بصحّتك. ورشفت نخبه.‏

عبّ كأسه دفعة واحدة في محاولة لتعويم نفسه.‏

أعادت وفاء ملء كأسه، وقالت محذّرة وممازحة: إذا سكرتَ سأفرك أذنك.‏

".. مع العرق أعرِف متى يجب التوقّف.. أما هذه اللعنة".‏

عندما كان يسمع بأسماء المشروبات الروحيّة المستوردة والباهظة الثمن، وهي تُلفظ بتفخيم، كان يدرك أنه ليس معنيّاً سوى بدفع ضريبة استيرادها.‏

هنا الوضع مختلف، فالشمبانيا الفخمة تأتي بنفسها لتستفزّه عن قرب.‏

جاءت محمولة على نقود وفاء.‏

مراراً تحدّث عن المساواة بين المرأة والرجل، مثلما تحدّث عن ضرورة إسقاط هيبة النقود وسلطتها، لكنه الآن يبدو متشككاً بما يقوله هو ذاته عن المساواة. وآلمه أن تدفع وفاء فاتورة الحساب هكذا علناً.‏

ووخزه إحساس مرّ بأن ثمة عقداً غير معلن يزيحه إلى الخلف، فقط لأنه طفران.‏

قالت لـه وفاء ذات مرة، وقد اغتاظت من حساسيّته المفرطة تًجاه محاولاتها لتدفع عنه ولو ثمن تذكرة نقل داخلي: ألا تدرك أن إصرارك على لعب دور الذكر يهينني؟!‏

أربكته يومها. وجعلته يعتذر، ويصرّ على أن المسألة ليست كذلك. مع اعترافه الضمنيّ بأن أيّاً كان لا يستطيع أن يكون دائماً كما يحب أن يكون، وأن تحت جلده الكثير من الفطور التاريخيّة، التي لا يمكن التخلّص منها بالحكّ النظريّ وحده..‏

لكزته وفاء فانتبه. كانت المطربة الشابة شبه الثملة تدنو منهما بعينين نصف مغمضتين، فاردة ذراعيها العاريتين. إلى أن توقفت قبالتهما، فقرصت أنف نادر، وابتسمت لوفاء وهي تغنّي:‏

قليلاً من الخمر.. وقليلاً من شفتّي.. وتسكر أيّها الشقيّ.. تعال.. تعال لنجعل الحياة حلوة.. تعال.. تعال.. تعال.))‏

ومضت تترنّح.‏

ـ إنها تدعوك. قالت وفاء بخبث. وابتسمت وهي تلمح سومر يحييّها عن بعد بإيماءة لم تغب عن انتباه نادر.‏

ـ هي لا تدعو أحداً.. إنها تؤدّي وظيفة مأجورة.‏

بذلك عقّب نادر مناكداً. فقالت وفاء:‏

ـ كيفما كان الأمر.. غناؤها جميل وممتع.‏

ـ ربما.‏

وقدّرت وفاء أنها ربما أخطأت باصطحابه. حيث أن هذا ((الأرثوذكسي)) لا يستطيع الخروج من جلده. في حين كان نادر يجزم في دخيلته بأنه وُجد هنا عن طريق الخطأ فعلاً.‏

والتفتا كلاهما. فثمة صوت ثمل قد علا فجأة شادّاً انتباه الكثيرين:‏

ـ عندك حليب يا...‏

وكانت المغنية الشابة تنسحب متعثرة، وهي تجيب بصوت بدا وكأنه غير صوتها: عندي حليب ينسيك حليب أمك.‏

فزعق الثمل متلعثماً: بحياة أمك اسقيني.‏

ضحك البعض، والبعض صفّق بحرارة، كاسرين رومانسيّة المكان.‏

ـ ما هذا؟! تساءل نادر باستياء. فأجابت وفاء:‏

ـ نشازات تحدث من حين لآخر.‏

ـ كيف؟‏

ـ ناس أكبر من السؤال.‏

لاحظ أنها تتحدّث بلغة العارف والمتفهّم لكل ما يمكن أن يجري.‏

وكانت دماؤه الحارّة تقفز إلى صدغيه.‏

((.. سومر قال: هذه أمور طبيعية يمكن التكيّف معها.))‏

وصدّقتْ سومر.‏

((.. أمّا نادر فهو يريد الحياة خطاً مستقيماً وأخلاقياً‍! ما يتحدث عنه نادر أكثر جمالاً ورومانسية.. وما يتحدّث عنه سومر أكثر واقعية.. سومر يتفهّم الحياة كما تجري أمام أعيننا، ويتصيّدها بمهارة..‏

نادر لا يريد إلا حياة واحدة لم تكشف لنا عن وجهها بعد، ويرفض التصيّد.. نادر لا يعرف بوجود غير مباشر لشخص ثالث.. الأفضل ألا يعرف.. غيرته ريفيّة محضة. سومر لا يغار.‏

يقولون: الغيرة دليل الحب.‏

أحبُّ غيرة نادر.. تثير في كل أحاسيسي الأنثوية، لكنها غيرة معذّبة.‏

سومر سلس كالشيطان.. دونجوان حقيقي.. يحب دون فلسفة.. دائماً على استعداد للغرق في الحب.. أيّ حب.‏

نادر لا يحب إلا على كيفه.. يتحدث عن نظافة الإنسان، ونظافة المشاعر و.. الخ من فلسفته التي أستثقلها أحياناً، بقدر ما تسحرني أحياناً أخرى.‏

سومر فنّان بإيقاظ غرائز المرأة..‏

ونادر فنّان بإيقاظ روح المرأة..‏

لماذا لا يختلط سومر بنادر؟‏

لماذا لا يحق للمرأة أن تتزوّج من اثنين معاً؟))‏

ـ لستِ معي. قالت عينا نادر بعتاب.‏

ـ لا تتركَني وحيدة. قالت عينا وفاء، وهي تبتسم بحياء، وتقدّر أن فيلسوفها الصغير هذا يمكنه النفاذ إلى أعماقها.‏

كان سومر قد برز منذ حين إلى حلبة الرقص، مخاصراً الواحدة تلو الأخرى. تعرّفت وفاء على بعضهن حيث سلمى ويسرى و.. و.. ووضعت يدها على قلبها. فها هو وبخطوات بارعة ورشيقة ينسلّ ويتوقف أمامها هي، ينحني نصف انحناءة، ويمدّ لها يداً أرستقراطيّة مليئة بالحلم والوعد والجنون اللذيذ. فخفق قلبها بعنف.‏

والتفتت إلى نادر، الذي كان يشملهما بنظرة باردة، ذلك البرود القاسي، الذي فهمته وفاء جيّداً، فاعتذرت لسومر بلباقة مترفّعة، وهي تغالب إحساسها بالضعف.‏

وقرعت كأسها بكأس نادر، وتشاغلت قائلة:‏

ـ قلت لأبي أننا ذاهبان إلى السينما.‏

ـ لو سألني لقلت: بل ذهبنا إلى الكازينو.‏

ـ لماذا؟‏

ـ ما مبرر الكذب؟‍‍!‏

ـ الحمد لله أنه يثق بي ولن يسألك.‏

ـ أنا لا أثق بك بنفس المقدار.‏

ـ حقاً؟!‏

ـ وحياتك.‏

حالماً أقسم بحياتها غفرت له. ((.. لا نستطيع إلا أن نحبّ من يحبّنا بصدق)). بذلك همست بارتياح، وابتسمت بحب لجديّته وغيرته، وبدا لها كما تشتهي أن يكون.‏

وامتلأت عيناها بذلك الوميض النداء الذي يعرفه جيداً، والذي يغفر لها كل حماقاتها، والذي يحيله إلى مجرد عاشق لا يستطيع سوى الاستسلام لألق هاتين العينين. فأغمض عينيه على رؤى دافئة، تاركاً أصابعه تلملم يدها، لتقول لها ما لا يمكن قوله.‏

وارتعشت اليدان. وكان ثمة قلبان يخفقان برضى، ويقرران أن للسهرة بقيّة، وأنّ غرفة نادر هي أفضل مكان لحبيبين في عزّ الحب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244