قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع

قُبيل الزواج لم تُبحث مراسيم العرس. فقط تم تحديد الموعد. والكولونيل لم يدعُ أحداً، لكن زوجته أصرّت على دعوة الكثيرين، إضافة لأبي نادر وزوجته من الريف، وبواسطة بطاقات أنيقة.‏

أم نادر رفضت الدعوة، بل اعتبرتها مهينة. في حين أصرّ أبو نادر على الحضور قائلاً: الواجب واجب يا امرأة.‏

وفكر باستغلال الفرصة للبحث في مشكلة نادر، وكيفية تحريك قضيّته مع الحكومة.‏

الكولونيل فوجئ بكثرة ونوعية المدعوّين، مع ذلك كتم غيظة، واستسلم لترتيبات زوجته مع ذوي العريس. حيث التقوا جميعاً في مطعم الواحة الخضراء المحجوز سلفاً.‏

وهناك ضاعت الطّاسة، فصخب الموسيقا، وإغراء الطعام، ونشوة الشراب، وجنون الرقص، وصدى الضِحكات الثملة، طغت على شجون من اعتقلتهم الشجون، وغيّبتْ دكنة نظرات الكولونيل، التي راحت تلاحق صهره سومر بامتعاض، وهو يستعرض فروسيّته أمام جوقات الشباب والشابات المتشابهين جدّاً، والغارقين حتى الجنون في تلاوين الرقص الشرقي والغربي.‏

أخيراً كادت الخمرة أن تخرج الكولونيل عن طوره، عندما اقترب سومر وقد تعتعه السكر، ليخاصر عروسه، طالباً منها مرافقته، لكأنه يسرقها وإلى الأبد، وسط قهقهات مجّانية ثملة تصخب من حوله. لكن وجه وفاء الحيادي أوحى إليه أنها باتت أشبه بجرم سماويّ صغير اختار أن يدور على هواه في مدار ما، وفق سنن طبيعية، قد لا تكون لـه علاقة بها. فكبح نفسه.‏

وحين ودّع العروسين، حاول أن يودّع معهما كآبة بدت غير مبررة في حينها. وتحرّك كقطعة صخر جبليّة، متقدّماً زوجته وآخاه نحو البيجو.‏

وفور وصوله ارتمى على المقعد كجنديّ أنهكته معركة طارئة.‏

واتكأ بيديه ورأسه على المقود، إلى أن أغلقت زوجته باب السيارة، وسألته بحذر: مالك؟!‏

وحدها البجعة أجابت بزنخرة محركها، منطلقة بركابها الثلاثة عائدة إلى المنزل.‏

في حين كان أبو نادر يشتم أخاه في سرّه، ويشتم هكذا مصاهرة، ويلعن زمن المخنثين.‏

في اليوم التالي حاول أبو نادر عبثاً أن يفهم كيف سيتصرّف إزاء قضيّة الأرض المشتركة، ومن ثم اقترح عدّة اقتراحات لم تلقَ إلا الإهمال. مما اضطره للانكفاء، منتظراً الفرصة المناسبة لطرح قضيّة نادر.‏

وعندما قطع زيارته مغتاظاً، وركب أول سيارة في طريقه إلى القرية، لم يصدّق أن أخاه الكولونيل بالطول والعرض لا يستطيع أن يفعل شيئاً لنادر، وراح يردّد بخيبة ومرارة مقولةَ زوجته: ((لو كان عند الكولونيل دم لتحرّك دون أن ينخسه أحد.))‏

أم نادر لم تفاجأ بالعودة السريعة لزوجها، ولا بخيبته.‏

ولم تسأل عن عرس ((.. الدلّوعة التي خرّبها الدلال.))‏

فقط سألت زوجها إن كان جائعاً، لتقديرها بأنهم أهملوه هناك ولا شك. بل راحت تعدّ الطعام دون أن تنتظر إجابته، لاعنة المدنية وأهلها في سريرتها. مع ذلك كانت تنتظر أن يحدّثها زوجها بشيء ما عن نادر. وراحت تبربر محدّثة نفسها بغيظ واضح: ((.. المائعة.. الحمقاء.. أية عمياء قلب هي؟! حذاء ولدي أفضل منها.. مع ذلك جرحته اللئيمة.. جرح القلب لا يندمل حتى لو جرحته كلبة.. من لا يعرف هذا؟!...))‏

ـ بم تبربرين؟!‏

ـ لا شيء.. ذهابك لم يكن ضروريّاً.‏

ـ ذهبت، وعدت، وها أنذا. فعلام كل هذه الثرثرة؟!‏

ـ ثرثرة؟! يحتقروننا ونتمسح بهم!!‏

ـ اخرسي يا امرأة.‏

مسحت أم نادر أنفها وعينيها بحركة نزقة، ثم سألت بصوت مشروخ وحنون: ألم تعرف شيئاً عن نادر؟‏

احتقن وجه الزوج، فرمى اللقمة من يده، ونهض خارجاً.‏

تمنّت لو تقول له: عُد .. عُد أرجوك.. اعذرني فأنا أم.‏

لكنها بقيت صامتة وواجمة.‏

وجاءت ((الدلّوعة)) لتفرض نفسها على دماغ أم نادر.‏

جاءت جنباً إلى جنب مع نادر. زيارات.. مشاوير .. صور مشتركة.. ضحكات من القلب..‏

((.. اللعينة ما أجملها! مع ذلك شيء ما فيها لا يريحني.. أليست مستهترة يا ابني؟ ثم لماذا كل هذا الغرور؟! أنا لا أحبها؟! أعوذ بالله.. من أجلك يمكنني أن أحب أيّ شيء..))‏

((.. إعقلوا.. إعقلوا.. الناس تلوككم.. مجنون ومجنونة، والقرية صغيرة، ثم لماذا كل هذه الخلوات؟! ألا تستحون؟!‏

تزوجتُ أباك دون أن ينفرد بي ولو مرة واحدة.. أتسخرون مني؟ اضحكوا.. اضحكوا.. ليسعدكم الله..))‏

((.. وفاء، لماذا يريد أبوك بيع الأرض؟ الأرض لا تباع يا وفاء.. قولي لـه ذلك. أبوك لا يعرف قيمة الأرض.. عندما تزوروننا الكل ينظر إليكم على أنكم أولاد الضيّعة.. دون أرض ستبدون غرباء.. صدقيني يا وفاء.. والحياة ما دامت حتى لأبي زيد الهلالي.. بكره يتقاعد أبوك، تعالوا عمّروا هنا.. سنفرح بكم.. لا تحبون القرية؟! أفسدتكم المدينة .. أعرف)).‏

وتجّهم وجه أم نادر. ((فالدلوعة تحوّلت إلى شيطان.. إلى شخص كريه وبشع.. رفست نادر، ومضت كخنزيرة بريّة.. ككلبة تحنّ إلى قطيع الكلاب الضالة.. تفه.. علام تحزن يا نادر؟! إنها ليست أكثر من جيفة..‏

ما رأيك بمريم؟ خديجة؟ يا ربي كم تحبك نهاد!‏

طيب.. ثناء ابنة أوادم ومتعلمة..‏

أنت عنيد.. عنيد ابن عنيد.. لا تعرف مصلحتك.. أنت حر.))‏

جرحته اللعينة.. قلبي لم يطمئن لها أبداً.. ليفجعها الله بقلبها.. وليجعل عرسها مأتماً.)).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244