قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن

((..بول السماء الضحل هذا لن يروي أرضاً. يا رب. أستغفرك.. لمن تخبئ أمطارك؟!))‏

ذلك ما غمغم به أبو نادر بقلق، وهو يحسب توزع الأمطار ونسبة هطولها طوال ما مضى من فصل الشتاء ويحدّق بالغيوم القليلة المسرعة إلى مكان ما، ويرقب السنابل الصغيرة العجفاء، وهي تتطلع مثله إلى سماء أكثر رحمة.‏

وبلحظة غضب، تأمّل قطعة الأرض المعروضة للبيع منذ فترة، بأحجارها وأشواكها، بقفرها المخيف، ودمدم: يستطيع الإنسان أن يبيع أمّه إذا كانت عاقراً.))‏

ثم يتذكر أنها لم تكن كذلك: ((.. كان والدي الحاج إبراهيم ـ رحمه الله ـ يهدهدها كامرأة، يروح ويجيء دون كلل، يزرعها عرقاً وتعباً، فتفور بالقمح والقطن والخضار. يسوقنا أمامه، يوزّعنا فيها، نعطيها أجسادنا الصغيرة، أكفّنا الغضّة، وجوهنا الطفلة، وتعطينا خبزاً وأحلاماً.‏

عماد، طوال حياته لم يكن قانعاً بذلك. بل لم يقتنع يوماً بأننا نعيش كالبشر، خلال دراستنا الثانوية قال لي: ما الفرق بيننا وبين أحصنة الجرّ؟!‏

وقال: المدينة حياة أخر.‏

أنا بدوري أحببت الحياة الأخرى. لكنني أخفقت في ركوبها، فعدتُ إلى القرية لأعمل مع أبي، نبيع الموسم، نشتري حاجاتنا مرة واحدة، ونحمد الله.‏

عماد لم يحمد الله، وأصرّ على الهرب إلى المدينة ليصبح ضابطاً. في البدء قلق الحاج إبراهيم، ثم أصبح فخوراً بنجوم ابنه التي "تضيء كتفيه"، ومن ثم "تضيء القرية" كلما أتى، على حدّ قوله.‏

كان يتأبط ذراع "النجوم" ويزور برفقتها أغلب بيوت القرية. أنا أيضاً بهرني. ومن ثم بت أزداد قناعة، خاصة حين يعمّ الجفاف، بحكمة عماد، الذي لم يعد معنيّاً بالجفاف كما قدّرت. إلى أن جاءني وعيناه تلمعان. قال: إننا نفكر بكم.‏

قلت: من أنتم؟‏

ضحك عالياً، وقال: المسؤولون.‏

((.. الله الله يا عماد! طوال عمرك جاد وطموح.. أأصبح لك ضلع في المسؤولية؟!))‏

تساءلت بفرح غامض: كيف؟‏

فأجاب: سنخلّصكم من الجفاف.‏

لم أكن أفهم علاقة الجفاف والخصب بالمسؤولين.‏

كانت العلاقة الوحيدة الواضحة بالنسبة لي، هي علاقة الأرض بالسماء وحسب.‏

لكنه أكد لي أن قناة من الفرات يمكن أن تصنع جنّة على الأرض.‏

باعتزاز طاغ رحت أوزّع الخبر على الفلاحين، وأمل مجنون أنعشنا جميعاً.‏

تاركاً الوجوه اليابسة تورق إلى حين.‏

((.. فكرة القناة عُرضت للدراسة.))‏

((.. فكرة القناة دُرست جيّداً.))‏

((.. كثر عدد المقتنعين بجدواها الاقتصادية.))‏

((.. القناة لم تعد مجرد فكرة.. نزلت على الورق.. دخلت دائرة التخطيط.))‏

((.. هناك بحث جديد معمّق حول القناة.))‏

((.. ثمة دراسات فنيّة وماليّة للقناة.))‏

((.. أبشروا.. التنفيذ قارب قوسين أو أدنى.))‏

والفلاحون، والأرض العطشى يدعون الله أن يوفّق المسؤولين، ويلهمهم سرعة الإنجاز.‏

وانفجر حزيران..‏

قتل أجمل أحلامنا.‏

وعدنا نتطلّع إلى السماء. وبدا كل شيء أسودَ أسود.. حتى السماء!‏

وجئتَ يا عماد، جئت منكّس الرأس كامرأة زانية.‏

التفّ الجميع حولك بعيون مذبوحة. كانوا بحاجة إلى رجل حكيم، يقول لهم شيئاً، يعدهم بمعجزة.‏

لم يكن لديك إلا شتائم بذيئة للرجعية والصهيونية والإمبريالية.‏

الفلاحون لم يكن لديهم إلا ألسنة أتعبها الدعاء.‏

شاركوك الشتائم بعض الوقت، ثم انسحبوا واحداً إثر الآخر إلى أرض لا تُروى بالشتائم.‏

بعدئذ لم يطل بك الوقت لتسألني: كيف الحياة في القرية؟‏

قلتُ لك: ليست بخير.‏

قلت: أليست ممكنة؟‏

((ها؟! أتفكر بالانسحاب إلى القرية يا عماد؟!))‏

لم أقل شيئاً. يومئذ كنت أستعين بقطعة أرضك. لم أقل لك إن القطعتين لا تسدّان عوزي.‏

بعد سنوات قليلة أتيت خصيصاً كي تسألني ذات السؤال!‏

فتشجّعت وقلت: مستحيل.. لكنك تستطيع بيع أرضك إن شئت.‏

قلتَ وأنت تبتسم بمرارة: لا أفكر بذلك. وغادرتني مسرعاً إلى المدينة.‏

لن أظلمك .. طوال عمرك لم تكن سيئاً. الآن .. لا أعرف ماذا أقول.. أنت تدرك أن مشكلة نادر تنغّص حياتي.‏

وأمّه .. هل رأيتها وهي تقوقئ كالدجاجة من حولي؟ هل رأيتها وهي تبكي بصمت يجرح القلب؟ وهي تحدّث نفسها كالمجنونة؟‏

ثم .. ألم تساهم بتربيته؟ ألست أنت الذي اخترت لـه اسمه؟‏

ألا تذكر؟ أرادت أمه أن تسميه أحمد، واقترحت أنت أن نسمّيه نادر، فوافقنا إكراماً لك.‏

فيما بعد، أنجبت وفاء، ورغم مشاغلك الكثيرة. اتّسع وقتك لمداعبة الطفل نادر قائلاً له: خلّفتُ لك عروساً يا عكروت.‏

قد لا يحق لي الاعتراض على زواج وفاء، فهي حرّة، برغم اعتقادي أنها مخطئة وأنت.. لم أسألك عن موقفك. ولن أسألك.‏

عموماً هذا أمر انتهى. فها هي وفاء تُزفّ إلى أهبل.‏

لكن ليحرمني الله نور عينيّ إن كنت قد فهمت شيئاً عن سبب انكماشك خلال حفلتكم اللعينة تلك.‏

إذا كنتَ مستاءً، أو لا أدري ماذا أقول، فعلام توافق على مصاهرته أصلاً؟‏

ألم تجد غير ذلك التافه بديلاً لنادر؟!‏

أم هي أمّها، المغرمة بالحفلات والموديلات والبهرجة؟‏

على كل حال.. لم تطلبوا نصحي، وأنتم أعلم بأموركم.‏

لكن اعذرني إذا قلت لك: أنت تغيّرت، وأنا لم أعد أفهمك يا عماد.‏

حتى ابتساماتك باتت تثير حنقي أو إشفاقي. خاصة وأنها لم تعد تمتّ بصلة لضحكاتك القديمة المليئة، تلك التي لا تزال رائحتها عالقة بالأرض.))‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244