قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع

عرس وفاء بقي محور حديث القرية لأيام عديدة.. فالعروس ابنة كولونيل، وبرغم أن كبار السن يعرفون والدها على أنه عماد وحسب، فقد باتوا يشككون في أنهم عرفوه بما فيه الكفاية. ذلك أن عماد الكامن في ذاكرتهم، كان مجرد ولد شقيّ، ينطّ مثل بندول الساعة من مكان لآخر، يتزعّم عصابة من الأطفال، ليسرق المشمس أو العنب أو.. ويهرب بخفّة الشياطين.‏

وكان أبوه ـ الحاج إبراهيم ـ الذي لم يحجّ إلى أي مكان، وبرغم عدم ثبوت الأدلّة ضدّ ابنه، يؤنبّه بقسوة، بل ويصفعه أمام الناس، مهدّداً إياه بالكيّ بالنار إن عاد لشيطناته.‏

وهو قد شبّ مثل الآخرين، لدرجة لا يمكن معها تمييزه عن سواه.‏

وحتى عندما بات يزور القرية ببزّته العسكرية، وبنجومه اللامعة. وبنياشينه التي بهرت الجميع، ليصافح أهل قريته يداً بيد، ويحدّثهم أحاديث عاديّة، يظل يحمل سرّاً ما، لدرجة أحسّ معها بعضهم أنه هبة الله للقرية. وأنه يشكل لها نوعاً من التعويض عن آلامها. وبالتالي، بدؤوا يبثوّنه همومهم وشكاواهم.‏

كان مجرد إصغائه لأحاديثهم يفرحهم، وباتوا يتوقّعون من حين لآخر أن يقوم بما يشبه المعجزة، قالباً القرية رأساً على عقب، ليجعل منها ما يشبه المدينة. خاصة وأن فيها قبر أبيه وجدّه وجدّ جده، وفيها أهله. بل هو نفسه قد يفكر ذات يوم بالعودة إليها، ليعيش فيها بقية أيامه، بعد أن يخلّف من صُلبهِ أكثر من كولونيل.‏

وحين فجّر أبو نادر خبر قناة الريّ من الفرات إلى المنطقة المحيطة بالقرية، اعتقدوا جازمين أن قريتهم بالذات هي المعنيّة الأولى بالقناة، وأن ما سيفيض عن حاجتها فقط يمكن أن يوزّع على بقيّة المنطقة.‏

آنئذٍ لم يعرفوا كيف يعبّرون عن فرحهم، فالفرحة أكبر من قدرتهم على استيعابها وتمثّلها.‏

ورغم أن كلاً منهم وقف على مصدر الخبر، واستمع إلى تفاصيله، إلاّ أن أغلبهم لم يفهم كل التفاصيل المعقّدة لهذه المسألة.‏

هناك شيء واحد فهمه الجميع، وهو أنّ هذه الأرض التي بدأ الجفاف يشقّقها، سترتوي حتى الثمالة، وستصبح كامرأة بضّة.‏

وعندئذ سيطالبونها بأضعاف ما يعطونها من عرقهم ودمائهم، وستعطيهم حتى تتخمهم، وستمتلئ بيوتهم بالغلال، وأمسياتهم بالمواويل والعتابا، وسيكثرون من الأعراس والأفراح بالتأكيد. وكل ذلك سيكون "بفضل الكولونيل أدامه الله".‏

آنئذٍ أجمعت القرية، بما فيها كبار السن، وبرغم كل ما اختزنته ذاكرتهم من صور سابقة وحقيقية لعماد، على أنه ليس رجلاً عادياً على الإطلاق. بل إنّ قابلة القرية، والتي تجهل القراءة والكتابة، أقسمت، وهي موضع ثقةٍ، أنها رأت بمنامها، عماد، وهو يركب حصاناً أبيض، ويعتمر تاجاً فريداً من الذهب ومعادن ثمينة أخرى لا تعرفها، ويقف على أهبة الطيران إلى أمكنة عجيبة. وأقسمت أيضاً أن هناك تفاصيل أخرى مذهلة نسيَتْها، لأن نومها لم يكن ثابتاً.‏

ورغم لوم الكثيرين للقابلة على طبيعة نومها المتقلّب، والتي فوّتت عليهم معرفة الكثير من التفاصيل، إلا أنهم بدوا راضين عما استطاعت تذكّره. حيث لم يكن لديهم حاجة لتفسير الحلم، فهو أوضح من أن يُفسَّر.‏

من كان يدري أن حزيران سيشطب أحلامهم، ويفسد أفراحهم ويلوّث رؤاهم، بتلك الدرجة من القسوة؟!‏

كانوا يعتقدون أن النصر مسألة محسومة، يؤخّرها الروتين اللعين، كما يؤخّر رسالة بسبب تقاعس مؤقّت من هذا الموظف، أو كسلٍ من قبل ذاك. مع اليقين الثابت بوصولها.‏

ورغم قناعتهم بأن الرسالة يمكن أن تضيع أحياناً لصغر حجمها أو تفاهة شأنها، فهم مقتنعون تمام القناعة بأن النصر يستحيل أن يضيع، لأنه ببساطة، أكبر وأجلّ من أن يتعرّض لذلك.‏

في البدء لم يصدّقوا ما قاله المذياع، ثمة خطأ غير مفهوم.‏

خطأ فادح ومؤقت، وسيتبدّد كمزحة سخيفة.‏

وجاء عماد.. بكل عنفوانه جاء. لكنه هذه المرة بدا مُتعَباً مُتعَباً.‏

يومئذ لم يشأ أن يجتمع بأحد، أو أن يتحدّث إلى أحد. بل آثر الصمت والوحدة. في حين اجتمع أهل القرية، وجميعاً انتظروا أن يلتقوا به، وأن يقول لهم شيئاً مهمّاً، لا بل شيئاً خارقاً.‏

وأقبل عماد ليتحدّث مُرغماً.‏

كان أشبه بالمرأة المغتصبة، الموزّعة ما بين قهرها وخجلها.‏

بمرارة أكّد أن الهزيمة واقعة، وبمرارة أكبر، راح يشتم الرجعية والصهيونية والإمبريالية.‏

لم يستطع أكثر أهالي القرية تشخيص أولئك الخصوم، ولا تشخيص ما يجب فعله، فانسحبوا الواحد إثر الآخر وكلّ يحاول أن يفهم كيف أن النصر ضاع كما تضيع الرسالة!‏

ومن ثم هجسوا بأن حزيران قد لا يكتفي بابتلاع قناة أحلامهم، بل ربما يبتلع الفرات نفسه. وأغمضوا عيونهم على ليلة كابوسيّة، وأحلامٍ بلون الأرض المتشققة الموجوعة.‏

ومن ثم عادوا يرتّبون حياتهم من جديد، يوزّعونها ما بين تعبهم المألوف، ورجاء ٍ ذليل بحياة أقلّ إذلالاً.‏

بعد أشهر قليلة من ذلك تزوّج الكولونيل، محاولاً إعادة شيء من التوازن لروحه القلقة.‏

القرية لم تعتبر ذلك الزواج أمراً غير عاديّ. استقبلته كما تستقبل نشرات الأخبار المكرورة.‏

النسوة كن أكثر حماساً للمسألة. فالزواج والطلاق والموت والولادة كلها أمور تستحق بنظرهن التوقّف عندها أيّاً كانت الظروف، لتتفرّع عنها أحاديث لا حصر لها، يملأن بها أمسياتهن الفارغة.‏

تساءلن: من هي العروس؟ كم عمرها؟ ما قدر جمالها؟ ما طولها؟ ما لون عينيها؟ أنحيفة هي أم سمينة؟ ما درجة تعليمها؟ وتوقفن طويلاً عند: ابنة من هي؟‏

وعندما علمن أن أباها من كبار تجّار العاصمة، تساءلن عن نوع تجارته وعن حجم ثروته، وهل طالته يد التأميم أم لا؟‏

ومن ثم رحن يتحدثن عن الدنيا كم هي واسعة وغنيّة وجميلة، مع التحسّر على حظ قريتهن القليل.‏

أما يوم سمعن بولادة وفاء، فهن لم يستطعن إخفاء أسفهن، لولادتها على صورة بنت. مع تمنياتهن بولادات أخرى لصبيان يكبرون بسرعة ويتجاوزون علوّ شأن أبيهم.‏

أما حكاية أن زوجة الكولونيل، ولأسباب مرضيّة، لم تعد تستطيع الإنجاب، فهي غير مقنعة، وغير مقبولة بالنسبة لهن.‏

إذ أن مثله يستطيع الزواج بأكثر من امرأة خصبة وولود.‏

بل إن قريته نفسها على استعداد لترشيح أكثر من عروس له.‏

لكن ومع تتالي رتابة الأيام وقسوتها، تراجع هذا الهم، وسقط مع هموم أخرى صغيرة ولا متناهية، يحلّ بعضها محل بعض، مخلّفاً ثرثرات واجتهادات لا يحتاجها ولا يطلبها أحد.‏

وسرعان ما كبرت وفاء، التي بدأت تأخذ طريقها إلى القرية، ومن ثم إلى أفواه النسوة في أماسيهن الطويلة، بل وإلى أفواه وعيون الشباب أيضاً، المبهورين بذلك الجمال المديني، وهو يغزو القرية من حين لآخر، تارة برفقة الكولونيل وزوجته، وتارة ـ ويا للعجب ـ بمفردها، أو مع ابن عمها نادر. حيث يسيران معاً كعروسين ملء شوارع القرية الفتيات بدورهن حسدنها، لا لجرأتها فحسب، بل ولتسامح الناس معها بكل هذا القدر. إذا لو كان الشأن شأنهن لوجدن الأمهات يمزّقنهن وبأسنان كلبيّة، ناهيك عن الآباء والأخوة والأعمام و.. و..‏

مما يضطرهن عادة لتسريب أغلب مشاعرهن عبر أحلام سرّية مجنونة ومضنية: وبعضها عبر قنوات أكثر سرّية وتعقيداً.‏

مع ذلك فهن جميعاً يتحدّثن عن وفاء كما يتحدثن عن شخص مختلف، لا علاقة لـه بحياتهن وقوانينها، تتفرّد عنهن بكونها ابنة كولونيل، مما يخمد كل التقوّلات المحتملة، وبسرعة.‏

ولئن كان زواجها بحدّ ذاته حدثاً مهماً، فالأهم في نظرهن هو ما قيل عن مجريات العرس، أن المأكولات والمشروبات التي قُدّمت للمدعوّين، والتي لا يعرف أهالي القرية طعمها ولا أسماءها، قد يعادل ثمنها أضعاف ثمن أحسن موسم زراعي في القرية.‏

أما الحليّ التي تنعّمت بها العروس فهي تذكّر بكنوز الملك سليمان، ناهيك عن الثريّات والأرائك والمفروشات و.. و.. التي تحمل كبرياءها الخاص وتستطيع أن تبهر أيّاً كان، والتي نسجت الصبايا حولها الكثير الكثير من الحكايات الشائقة والمثيرة، لكأنهن يتحدّثن عن عوالم ألف ليلة وليلة، التي لم تعد مجرّد أساطير تنام على أوراق عتيقة، تدغدغ المخيلات وتجمح بالأحلام، بل وقائع تسير حتى في الطرقات عبر مساراتها الخاصة وكينونتها الخاصة، بعيداً بعيداً عن متناول العامّة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244