قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل العاشر

((.. المشاكل الخاصّة ما هي إلاّ تفريعات للمشاكل العامة.))‏

مراراً غصّ الكولونيل بهذه المقولة، ونادراً ما تلفّظ بها مرة قالها لأخيه أبي نادر في معرض الحديث عمّا يمكن فعله إزاء مشكلة نادر.‏

أبو نادر الذي لم يفهم تماماً أبعاد هذه المقولة، أو ربما لا يريد أن يفهمها، لم يعقّب آنذاك بشيء، فقط فكّر بأسى أن عماد مجرّد كولونيل عمومي، وانطوى على خيبته، في حين كانت الخيبات تتوالى وتتراكم في حياة الكولونيل الخاصة منها والعامة، دافعة ذاكرته للاصطدام يوماً إثر يوم بأخطر مفاصل تاريخه.‏

((.. لماذا لا أكتب مذكراتي كطلقة أخيرة؟؟))‏

لم تكن الخاطرة جديدة، مراراً راودت الكولونيل، ومراراً أسقطها من حسابه كلعنة جديدة لا يحتاجها.‏

نعم لديه الكثير مما يتذكره، ولديه ملاحظات مدوّنة كثيرة.‏

كم طالعها سرّاً! وكم آلمه استرجاع ملابسات تلك المرحلة المعقّدة المفتوحة على احتمالات لا حصر لها!‏

قد تُدَّقُ عنقُه لو حاول. هو يعرف ذلك جيداً. ولعلّ ذلك من أهم أسباب تأجيله أو مماطلته لمشروع الكتابة.‏

عندما قُرِعَ الباب أجفلَ الكولونيل، لكأنه على وشك أن يُضبط في مشروع الكتابة إياه.‏

لكن امرأة ريفيّة شابة ظهرت هكذا. بكل بساطتها، وبلا استئذان.‏

ومن خلفها بدت أم وفاء، التي أطلّت فقط لترسل ابتسامة ساخرة، ثم مضت، مما جعل الكولونيل يصرّ على حسن الاستقبال، رغم أنه لم يستطع تذكّر اسم هذه المرأة. ((.. خديجة.. علياء.. فاطمة.. أو اسم مِن هذا القبيل..))‏

شابّة بأحلام مجنونة، رفضت أن تبقى مجرّد فلاّحة، تلهث خلف الدّواب والأولاد. يسرقها التعبُ نهاراً ليلقيها شبه جثة ليلاً، مع فحل ريفيّ متواكل، لا يحسن إلا الشتائم واغتصاب زوجته.‏

((..خذني إلى المدينة لنعيش مثل البشر.. الله يخليّك.))‏

ذلك ما قالته لزوجها ذات يوم، وهي ترفع سروالها بعد أن أيقظها ليضاجعها، دون أن يأبه لمشاعرها التي بقيت نائمة في دخيلة جسدٍ موطوء ومهان.‏

هل كانت تحلم بالمدينة عندما أيقظتها حركاتُه الجنسيّة الملحاحة؟‏

وأية مدينة تلك التي كانت تحلم بها؟‏

أم أنها شهوة المغامرة، التي أيقظها العجز والخواء؟‏

هي نفسها لا تدري.‏

يومئذ ضحك زوجها ضحكة ارتواء، غير عابئ بما قالته أو يمكن أن تقوله زوجتُه الجميلة.‏

بل فكر للوهلة الأولى أنها تمزح. دون أن يفطن لأحلامها.‏

لكن المدينة بدأت ترد إلى ذهنه مع الأحلام العنيدة لزوجته.‏

إلى أن رآها ذات يوم متجسّدة بامرأة.‏

ما عاد يتذكّر إن كانت كاملة الأنوثة، لكنه يتذكر جيداً كيف استيقظ خجلاً من سرواله المبلول.‏

فيما بعد صار يتعمّد البحث عن المدينة الأنثى، يُغمض عينيه، ويجهد لاستحضارها، وقبل أن يسرقه الشبق، يغتصب زوجته وهو مغمض العينين.‏

كلمة واحدة من الكولونيل، ونسكن في المدينة. قالت لـه ذلك بنبرة متوسّلة، وهي ترفع سراولها بعد أن شبعت استسلاماً.‏

ـ الكولونيل؟! تساءل كمن ينظر بغرابة إلى شيء غايةً في البعد.‏

ـ نعم الكولونيل.. إنه ابن قريتك.. أنسيت ذلك؟! يستطيع أن يجعل منك أكبر موظف في المدينة لو يشاء.. حاول.. ما الذي ستخسره؟‏

يتذكر الكولونيل جيداً كيف زاره ذلك الريفيّ. كيف لم يتجاسر على الجلوس فوق الكنبة الوثيرة إلاّ بعد رجاء صارم! كيف تأتأ وفأفأ قبل أن يتمكن من الإفصاح عن غرضه! وكيف أيقظ في الكولونيل مرارة الإحساس بالمسؤولية عن كل أولئك الذين فشل في صنع جنّتهم. برغم أنهم أنفسهم لم يصدّقوا يوماً أنهم موضع اهتمام جدّي من قبل أحد.‏

وكانت غاية أحلامهم أن يوفر الله لهم أسياداً طيبين.‏

ـ كلكم تريدون هجر قراكم.‏

قالها الكولونيل بنزق. ثم شعر بعقدة الذنب. وهو يرى ابن قريته يتلعثم بكلمات مرتبكة، بالكاد يفهم منها أن زوجته هي التي ورّطته بذلك، وأنه لم يشتكِ يوماً من الفقر، وأنه لن يغفر لزوجته.‏

مما اضطره لتهدئة روع ضيفه، مع وعد بالبحث عن فرصة عمل له.‏

.. نادراً ما كان يعد بمثل ذلك.‏

((... يجب تحسين ظروف الريف، لا تهجير الفلاحين إلى المدينة.))‏

ذلك ما كان يردده في العادة مع آخرين طواهم الموت أو.. أو..‏

كانت المرأة لا تزال تتيه بحركات عشوائية، غير عارفة من أين وكيف تبدأ حديثها.‏

أصابعها لم تهدأ أبداً، ونظراتها تروغ في رحلة شاقّة ما بين الأثاث والصور الجداريّة. فأومأ لها الكولونيل مشجّعاً.‏

ـ عمي عماد.. أنا خجلانة منك.‏

ـ لا تخجلي يا ابنتي.. قولي ما تريدين.‏

ـ من قبل تفضّلت علينا بتوظيف زوجي.. لكن .. أرجوك.. أجبره الآن على العودة إلى الضيعة.‏

حدّق الكولونيل في العينين الريفيتين الواسعتين. رآهما الآن أكثر جرأة وحرية. لم تطرقا. بقيتا رحبتين كبيادر الضيعة. فابتسم مشجعاً.‏

وعيناه تتأملان بإعجاب ((بساطتها المعقّدة)) مما جعل جفونها ترف بسرعة لكأنها تطرد شبح مخاوف طارئة.‏

ـ إلى الضيعة؟! تساءل بدهشة، وهو ينتشل نفسه من دبق نظراتها.‏

ـ الضيعة أحسن. أجابت، وعيناها الممتلئتان بالخيبة تنكسران هذه المرة، مع إطلالة دمعة قاسية مسحتها بسرعة.‏

ولمح آثار كدمة قرب عينها اليسرى.‏

وعاد صوتها المشروخ يتقطع. مع رغبة عارمة ومكبوتة بالبكاء.‏

ـ أنا السبب.. لكن.. زوجي حمار ولا مؤاخذة و.. لا يهمه الأولاد.‏

ولا أنا.. وأمس قال لي: من اليوم اعتبري نفسك مثل أختي.))‏

تصّور يا عمي.. قال أخته قال.. مع ضرب وحرمان و..‏

يقهرني كل يوم، وأمام أولادي المرعوبين!‏

أقول له: عيب.. لا تشمّت الناس فينا.‏

لا يسمع ولا يفهم. أخجل أن أُسمع صوتي للجيران، لكن الأمور زادت عن حدَّها. والمصيبة أنه أحياناً يشرب العرق حتى السكر ويبكي!‏

أنسى قهري، وأشفق عليه.‏

أقول له: يا بن عمي إرجع إلى عقلك وإلى زوجتك وأولادك.‏

فيسبّني ويسبّ أولاده، يسبّ أمه وأباه ((ويسب.. أستغفر الله..))‏

كانت مقتنعة تماماً بقدرة الكولونيل على فرك أذن زوجها، بل وحتى رفسه وطرده إلى القرية بسهولة، أمّا حين ماطلها، فقد شعرت أن العالم صار أكثر ضيقاً، وراحت تواري دموعها بصمت ذليل، كآخر شيء يمكن فعله.‏

مما جعل الكولونيل يمتعض، ويحسّ أن لاستسلامها طعماً مرّاً في حلقه، حيث ذكّرته باستسلامه هو، وبانكساره هو، إلى أن نشبت معركة وهميّة وشرسة بينه وبين زوجها. رماه بكل ما لديه، وبكل الرصاص المخزون في أعماق ذاكرته، ثم راح يعنّف نفسه في دخيلته لاتصاله بالنقيب شاهين لأجله، ذاك الذي قال لـه وبتعالٍ ماكر: دائماً عندما تحتاجني ستجدني بانتظارك.‏

((.. شاهين يستطيع أن يحشر أيّ إنسان في أية مؤسسة، بغضّ النظر عن حاجة المؤسسة، أو إرادة إدارتها.. هل أتصل به ثانية لإعادة هذا الحمار إلى قريته؟؟ لا.. لن أتصل بعد بأيّ كان‏

هذه الاتصالات نفسها ما هي إلا جزء من آليّة المشاكل، لا من آلية الحل..‏

المشاكل تنبت كالفطر على مزبلة هذه الأيام.. لا يمكن حلّها هكذا.. ثم.. ما الذي يدفعني لتوريط نفسي؟ ألا تكفيني مشاكلي؟!..))‏

ـ عمي عماد.. ليس لي غيرك.. وابن الكلب صار بلا شرف.. يريدني أن ..‏

ماذا أقول لك؟ أنت تفهمني يا عمي..‏

ـ إذا كان بهذه النذالة طلَّقيه.‏

ـ والأولاد؟‏

ـ خذي الأولاد وارحلي إلى القرية.‏

ـ وكيف نعيش؟. وأين؟‏

ـ اشتغلي.‏

ـ دبّر لي عمل.. أيّ عمل..‏

شعر أنها تحاصره، وأنها بدورها محاصرة إلى أقصى حد، وأنها على استعداد لدفع أي ثمن مقابل فك حصارها.‏

وعيناها المثقلتان باليأس بدتا لـه كعيني كلبة شريدة، يستطيع أيّ كان التقاطها، وكيفما يشاء، فقط مقابل أن يوفر لها أية فرصة للعيش دون رفس يومي على مؤخرتها أو لكم وجهها.‏

((.. كلنا متشابهون إلى حدّ ما وبمعنى ما يا.. ما اسمها؟؟‏

ما فائدة أن أتذكر اسمها؟ لا أحد يستطيع الآن حماية نفسه بمفرده. حتى القوانين السائدة تتفرّج علينا وعلى مشاكلنا ومعاناتنا، لا بل يعقّدها أحياناً، إلى أن نضيع أو نصبح مجرمين أو.. أو....))‏

ـ سأرى ما يمكن فعله.‏

قال الكولونيل ذلك، وتناول من محفظة يده ورقة من فئة الألف ليرة ودسّها في يد المرأة.‏

تطلعت المرأة إليه وإلى الورقة بحزن، لكأنها أُهينت دون ذنب.‏

فسارع يقول، وبشعور أبويّ حارق: خذيها الآن.. مجرّد دين ستسددينه عندما نؤمن لك عملاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244