قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الحادي عشر

جسد الكولونيل كله. وحواسّه كلها، كانت غارقة في صراع وهمّي لا متكافئ مع خصوم لا مرئيين عندما وقع حادث السير.‏

وبالتالي كان يصعب عليه أن يتبيّن للوهلة الأولى السبب الحقيقي لارتطامه وتكوّمه أمام المقعد الخلفي لسيارته.‏

وحدها الحركة اليقظة والماهرة للسائق بديع جعلت الموقف أقلّ إيلاماً بل ومضحكاً بعض الشيء، حيث الكولونيل يخفي وجهه بيديه كمن تلقى لكمة مفاجئة، وبديع فاغر الفم، جاحظ العينين، ويداه المرتعشتان تتسمّران على المقود دون حراك.‏

وكلّ منهما لم يعِ بعد أن اللحظة الفاصلة والحاسمة قد انتهت، وأن الخاصرة اليمنى للبجعة، ومؤخرتها، قد تشوهتا.‏

ـ أيّ ابن عاهرة هذا؟! كذلك تساءل الكولونيل وقد استعاد رشده.‏

ـ سيارة رسميّة مجنونة يا سيدي.‏

ـ رسميّة أو غير رسميّة.. ما معنى هذا؟! عقّب الكولونيل بلهجة أقلّ حدّة من قبل.‏

فاستدرك بديع، وكأنه يستعيد تفاصيل الحادث لنفسه، غير مصدّق أن ما وقع قد وقع: تجاوزت الإشارة الحمراء برعونة.. وعواؤها العنيد والصاخب يسابقها.. فعلتْها ومضت.. وكأن شيئاً لم يكن!‏

كان يمكن أن...)) وهزّ رأسه نافضاً فكرة سوداء.‏

ـ هل أنتما بخير؟ تساءل أحد شرطة المرور، وهو يحملق فيهما عبر النافذة المكسورة.‏

التفت كلّ منهما إلى نفسه، ومن ثم إلى الآخر بحثاً عن جواب واقعيّ لسؤال كان غائباً عنهما.‏

ثم تململا، وترجّلا من الجهة اليسرى.‏

كانت ثمة كدمة واضحة على جبين الكولونيل، إضافة إلى بعض الرضوض التي راح يتحسسها بامتعاض. في حين بدأ الشرطي باستخفاف ينظم ضبطاً بالحادث، ويومئ برأسه موافقاً على ملاحظات الكولونيل، والتي هي أقرب إلى التأفف.‏

ثم انتبه الكولونيل إلى اللغط القائم على مقربة منه مع عواء سيارة الإسعاف. ورأى ما رآه الجميع.. جثة أحد المشاة وهي ممدّدة ومهروسة بشكل مرعب، فأغمض عينيه.‏

ـ كيف؟! سؤال مرّ خدش حلقه الجاف.‏

ـ السيارة نفسها. أجاب شرطي المرور، وهو يشير بيده إشارة عامة، لكأن الجميع يعرف أمثال هذه السيارة، ويعرف أن ما يحدث أمرٌ حتميّ ومكتوب على جبين الشارع منذ أن وُجد الشارع!‏

أخيراً تمّ تدوين ضبط بالحادث، وتم سحب السيارة إلى ورشة الإصلاح، في حين انطلق الكولونيل كمن تخلّص من كابوس، مستقلاًّ سيارة إجرة.‏

لم يشأ الذهاب لتناول طعام الغداء في منزل الحاج عدنان كما سبق ووعد.‏

وحيث سبقته زوجته وابنته إلى هناك.‏

قدّر أن هيئته ووضعه النفسيّ الآن لا يسمحان بذلك. فمضى إلى منزله، واكتفى بالاعتذار عبر الهاتف، مبرراً العدول عن تلبية دعوة الحاج، بأعمال طارئة، ومن ثم أعدّ لنفسه وجبة خفيفة، وحاول الاستسلام للنوم.‏

تمدّد، وأغمض عينيه، تدغدغه فكرة أنه وحيد، وأنه بحاجة إلى هذه الوحدة، والتي كانت تزعجه فيما سبق، حيث كان يُعدّ شخصاً اجتماعياً مرموقاً، يطيب لـه الاستغراق في الحياة الاجتماعية والعامة أيّاً كان لونها. ودائماً يجد الدور المناسب له، والذي يضفي عليه قبولاً اجتماعياً حسناً.‏

((.. هل انتهت تلك المرحلة؟))‏

سؤال ممضّ وخزه، فتململ.‏

آلمه جنبه بعض الشيء، فامتعض، وشتم مهازل السير والتجاوزات، بينما كانت صور الحادث الطريّ تتوارد، وتجثم في رأسه.‏

((.. آه كم هي مرعبة تلك الجثة، الممدّدة هناك دون أية هويّة واضحة، إلاّ هوية الموت! وأيّ موت؟!))‏

واقشعر بدنه. ثم تذكر أن الموت موجود باستمرار، في كل زمان ومكان، والكل يعرفه، أو تعرّف عليه بما فيه الكفاية.‏

واستغرب كيف أن ذلك لم يدُر بخلده من قبل.‏

((.. قد لا يكون ثمة وقت لننتبه، دائماً ثمة مهام يجب إنجازها.‏

العجزة وحدهم لديهم المزيد من الوقت ليفكروا طويلاً بالموت أو ما شابهه وحتى أولئك، ورغم أنهم متعبون من الحياة، لا ينفكون يشتكون من أنهم لم يعيشوا بما فيه الكفاية، وأن لديهم في هذه المرحلة بالذات ما يفعلونه ويفكرون به، مما يبرر ولأقصى الحدود استمرار وجودهم!))‏

وعبرت شفتيه ابتسامة صغيرة، سرعان ما أطفأتها فكرة الموت الشنيع هناك في الشارع، أو على الرصيف، في البحر أو الصحراء، أو في مكان مفقر. ذلك الموت الخاطف والقاسي، الذي يسرق الإنسان فجأة دون أن يدع لـه مجالاً لتصفية أموره.‏

ثم استقرّ رأيه على أن أمور الحياة لا يمكن تصفيتها إطلاقاً.‏

وخطر لـه أن الميت يدهشنا دائماً، لكأن الموت ليس هو نفسه! أو لكأن لكلٍّ موته الخاص!!‏

حاول أن يطرد بيده فكرة الموت هذه، ولكن عبثاً، فهي لاتزال ماثلة بشكلها القبيح. ذاك الذي يقطع، ودون سابق إنذار. كلّ ارتباط بالحياة، ويلقي الإنسان هكذا. وحيداً وعارياً من أيّ غلاف أو هوية اجتماعية، بل لا يترك لك مجالاً ولو لرؤية الأسف في عيون الآخرين، ولربما تتفسّخ جثتك قبل أن يمكن التعرّف إليها.‏

ثم لا يدري كيف امتزجت فكرة الموت تلك بهيكل سيارة ما، وشخصيّة ما؟! سيارة قوية وجميلة وقاتلة، وشخصية غامضة، يتدحرجان سوية في الشوارع والأزقة، وحتى في الغرف السريّة المغلقة، ويهرسان كل شيء.‏

ثم تختلط الصور،السيارات والشخصيات، الأرقام والعلامات الفارقة، ويمتلئ جو الغرفة برائحة الموت. فينقبض وجه الكولونيل وينهض حانقاً. يعدّ فنجان قهوة سادة، يدخّن أكثر من سيجارة، يتشاغل.‏

ثم يتوقف أمام صورته الشابة المؤطرة بأناقة، يتأملها وهي تستند بكل حيوية إلى صدر الجدار، ويبتسم.‏

ها شيء من الشعور بالارتياح يبدأ بالتسرب إليه، ممتزجاً برائحة قوية لماضٍ يمثل الآن حيَّاً ودافقاً كما كان.‏

".. كم هي مدهشة وخادعة هذه المسافة الفاصلة! فبالأمس القريب حتى الالتصاق، طلّقتُ القرية.. آه كم كانت ضيّقة ومضجرة!‏

منذ لقائنا الأول سحرتني المدينة، ويوماً إثر يوم رحت اكتشف أن فضاءنا الريفيّ ميت، مما جعلني أثور لأتفه الأسباب. وأمتعض من كل جوانب حياتنا هناك. وذاك بدوره جعل الحاج إبراهيم ـ رحمه الله ـ يوبخني مراراً، ويلعن الساعة التي أرسلني فيها إلى مدارس المدينة.‏

وتجذبني عيناه اللتان لم تفهما سبباً لاستيائي. أُدهش لكل ذاك الرضا والسكينة (من أين أتيا؟!) فالتعب والعرق والكفّان المتشققتان، وثياب العمل هي هي لا تفارقه!‏

والزمن بكل اتساعه تراه يضيق ما بين حلوق الديكة وحركة الشمس والظلال.‏

يحسّه الحاج بدقّة كبيرة. فيتحرك دائماً كمن سيفوته القطار! إلى أن رقد واستراح. ليرحمك الله يا أبي.‏

وتلك الأم، التي تحمل كل حنان الأرض وكل صلابتها: تعرك روث الحيوانات برجليها وتبتسم! تحرق أصابعها على تنّور الخبز وتبتسم! تركض طوال النهار في المنزل، وفي الحقل، وتبتسم!‏

المدينة كلها لا تملك، ولا تستطيع أن تمنح ابتسامة كتلك.‏

من أين جاءت بكل تلك الابتسامة؟!‏

آه كم كنت حانقاً عليها وعلى ابتسامتها تلك!‏

كنت أشكّ أنهم يعيشون. ببساطة يفرحون وببساطة يحزنون:‏

حساسية كبيرة للفرح وللحزن مزروعة فيهم. لكأن عليهم أن يكونوا كذلك فكانوا، دون أية خيارات أخرى.‏

وبحثت بعناد عن الخيارات الأخرى، حاملاً معي مشروع عملية تجميليّة لعالم بشع إلى أن... مالي ولهذا؟ عموماً كنّا ما كنّا عليه، بل كنا ما استطعنا أن نكون... قد لا يكفي ذلك، لكننا جميعاً ندرك متأخرين أن مسارات الحياة أكبر منّا ومن عنادنا.."‏

وأتكأ الكولونيل المتعب مع ذاكرته، مغمضاً عينيه على شريط طويل طويل من الذكريات الخاصة والعامة إلى أن غفا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244