قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني عشر

زاد من بشاعة حادث السير كون عيد الفطر على الأبواب. مما يعني أن الكولونيل لن يستطيع الذهاب كعادته إلى القرية، ولن يزور قبر والده.‏

ـ وفاء.. نادى بصوت مرتفع.‏

فأقبلت وفاء مسرعة، وبعينين مترقبتين، اتسعتا لالتقاط صدى النداء المباغت.‏

ـ مارأيك بالسفر إلى القرية"‏

تحركتْ العينان السوداوان في محجريهما، دون أن تعيا معنى ذلك.‏

ـ ألا تستطيعين حمل باقة ورد إلى أبي نيابة عني؟‏

اتسعت عينا وفاء للحظة ".. زيارة الأموات؟ ... ليكن، " ثم هزت برأسها موافقة.‏

ـ أريد أكبر وأجمل باقة ورد لدى الباعة، ثم ألا تحفظين الفاتحة؟‏

ـ بلى.‏

ـ أرجوك أن تقرأي الفاتحة على قبر المرحوم.. وضعي الورد قرب رأسه، وقولي له: هذه هدية أبي. اعذره، أنت تعرف أنه لا يستطيع الحضور هذا العيد.‏

تملّك وفاء نوع من الخوف المبهم، وهي تهز برأسها موافقة.‏

لاشك أنها ستفي بوعدها. وستخاطب الأموات كما طلب والدها. وارتعشت. في مناسبة أخرى كان يمكن لها أن تضحك ساخرة، حيث أن مخاطبة الأموات بالنسبة لها لا تثير إلا الضحك. أما الآن فلا... أهو جلال الموت؟ أم جلال ذكرى الجدّ الذي لم يطل به العمر لتراه؟‏

أم جلال الوفاء الذي جعل من أبيها المهيب شبيه طفل. يرجوها صراحة أن تؤدي نيابة عنه طقسه هذا؟؟ـ وانثري للصبية الفقراء قبضة من النقود الصغيرة على القبر وحوله. أومأت وفاء برأسها ثانية كالمسحورة، وهي تستعيد ذكرى تلك الطقوس التي سبق أن شاهدتها أكثر من مرة. حيث يتقافز الأطفال الفقراء لالتقاط النقود، مع الدعاء للميت بالذهاب إلى الجنة.‏

ولا يندر أن يدعو بعضهم لـه بطول العمر! مما يجعل أهل الميت يوارون قهقهاتهم، ويقاومونها بشيء من العذاب والشعور بالإثم.‏

القرية كلها ستفتقد الكولونيل في العيد. لكأن وجوده أمر ضروري للأحياء والأموات. ففي الأعياد تستيقظ كل حواس القرية.‏

تلملم ماضيها وحاضرها. تتزيّن حتى بكهولها. وتدفع الأطفال والصبايا إلى واجهة العيد كمرآة لأحلامها المبهمة، والتي يجب أن تكون جميلة جميلة، وقادرة على تعويض خواء الأيام المألوفة والمكرورة.‏

ومنذ أن أصبح للقرية كولونيلاً من صلبها، وهي دائمة الحرص على دفعه إلى واجهة الواجهة، ليزيّن تطلعاتها ورؤاها بتلك القامة الممشوقة، الملأى بالرتب والنياشين كعلامة فارقة لهذه القرية، التي تكاد الحياة أن تتناساها وترميها إلى الخلف، دون أن تحسب حسابا ًلقدرتها على إنجاب حتى الكولونيلات، الذين يستطيعون أن يرغموا الحياة على الاستقامة والاعتراف بوجودهم.‏

".. يا رب..."‏

ويتسلم الرب مئات الرسائل المستعجلة، من تلك القرية الممتدة كشبح مبهم قرب تلّ أثري مغفل.‏

حتى الشباب والصبايا يبعثون برسائلهم الحارة والعاجلة "يا رب.." وتتعالى صلوات العيد بشيء من البهجة والرجاء. مع يقين الأغلبية بأن الرب في العيد هو غيره في الأيام الأخرى! ففي العيد يبدو ـ تعالى ـ على مقربة من الجميع، ومستعدّاً للتلبية الفورية بغض النظر عن حجم ذنوب البشر!‏

وهم إذ يرفعون أصواتهم، لا ليسمعهم جيداً فحسب، بل وليدرك مدى حاجتهم الملّحة إليه بعد كل تلك الخيبات، التي لا يودّون تعدادها الآن، لئلا يعكروا صفو العيد وبركته، وليروا أحلامهم البيضاء الجميلة والخيّرة تتلبّس كل ما يصدر عنهم من قول أو فعل أو حركة. وتتبختر أمامهم بكل جلالها، راسمةً على شفاه الجميع ابتسامة الواثق من تصيّد أحلامه كتصيّد زوجته الغافية في الفراش.‏

ويبتسمون برضى وتسامح طاغيين. لدرجة أن الأطفال يعجبون من كون الآباء في العيد هم غيرهم في الأيام الأخرى!‏

فينتهزون الفرصة ليتشيطنوا على هواهم.‏

العشاق بدورهم ينتظرون العيد بفارغ الصبر. ذلك أن الآباء والأمهات يصرّون على تحديد يوم العيد كتاريخ للخطبة أو الزفاف، أو كليهما معاً، مع همهمات العارف أو الحكيم، الذي يستغرب كيف أن أولئك الحمقى لا يدركون معنى أن يتزوجوا في العيد.‏

كل القلوب تنفتح على مصاريعها، تتأهّب لكل ما هو خيّر.‏

ومن ثم ينطلقون ليلتقوا في الساحة العامة. حيث الشيخ زيدان ينتظرهم مع مزماره.‏

لا أحد يدري كيف ولماذا سُميَّ بالشيخ، مع أنه لم يُشاهد مرة في صلاة جماعيّة.‏

لعله شيخ في مهنته، حيث أن نغماته ترقّص الإنس والجن، الكل يؤكّد ذلك، والكل يعرف أن ثمة عرساً عاجلاً ينتظر العيد، مثلما ينتظر الشيخ زيدان، مع سيل الصبايا والشباب المكبوحين طوال العام، على أمل أن يُطلقوا كل عفاريتهم، ويزيّنوا هذا العرس الذي طال انتظاره.‏

".. اللعنة على كل سيارات العالم، وعلى كل حوادث المرور. واللعنة على هذه الرضوض، التي حالت دون ذهابي إلى القرية."‏

ذلك ما غمغم به الكولونيل. ومن ثم راح يكرر لابنته وصاياه، التي سبق أن سمعتها، ومشى في وداعها حتى الباب الخارجي، لكأنه في طريقه إلى القرية بعيدها وطقوسها. حيث يؤدي الصلاة مع أهلها، وسط تهليل وتكبير يطمسان كل ما سبقهما من وعظ وخطابات.‏

ويبتسم لنفسه المتمادية رغم شعوره بأنه لم يعد ذلك الفتى المفتون بالمناسبات الخاصة والاستثنائية، وحيث لم تعد لديه تلك الشحنات الكثيفة، حبيسة الأعراف، التي تنتظر الانطلاق بكل عفويتها وصدقها، وأمام حراس الأعراف من الآباء والأمهات، الذين لا يغضون الطرف فحسب، بل ويبتسمون برضى واعتزاز لشيطنات أبنائهم وبناتهم، وهم يسكرون من الفرح والرقص، ولأيام ثلاثة، يعودون بعدها إلى حدود الرشد والعقل الجماعي، الذي لا يتسامح أحد بتجاوزه.‏

الشباب والشابات، وإثر الكسر المؤقت للقيود، يعرفون بفطرتهم كل طرائق الجنون المشتهاة. وبالتالي يعرفون كيف يستسلمون لنكهة سحر وقداسة مشاعرهم. التي لا يستطيعون البوح بها إلا في العيد. فيخرجون من جلودهم. وأرواحُهم الجائعة للحياة تلوب وتطفو بجلاء على كل معالمهم، وتنخرط أجسادهم في رقص عنيف، تتماهى فيه أحاسيسهم، وتنسرب عبر الأيدي المتماسكة بقوة وحميمية، وعبر الأجساد المتراصة في دائرة الفرح. والتي تتمايل وتهتز بكل طاقاتها، لتلامس أحلامها التي يندر الاعتراف بها. طوال اليوم بدت عينا الكولونيل طافحتين بمراسم وطقوس العيد، وراحتا تتوهجان أمام ذكريات لا تحمل إلا نبض العيد وذاكرة العيد.‏

".. ارقص يا بن الكلب!" قالها الحاج إبراهيم بهمس ملحاح، وهو يدفع ابنه، وبكثير من الزهو والفرح، إلى حلبة الرقص. دافعاً معه الكثير الكثير من ذكريات رجل ريفي عجوز. فكان ذلك إيذاناً للآخرين بالتجرؤ وسحب عماد من يده، ولو رغماً عنه، إلى حيث يجب أن يكون.‏

ـ لكأننا أمام طقس وثني!‏

قال إمام المسجد ذلك متأففاً، وانصرف غاضباً، خاصة وقد هاله لا مبالاة الكبارالمهينة، أولئك الذين راحوا يبتسمون بتسامح، دون أن يفصحوا عن دهشتهم إزاء سوء فهم هذا الإمام لأرواحهم التي تجدّدها الأعياد والأعراس.‏

يومئذ لا يدري الكولونيل كيف خرج من جلده، كيف تجاوز تحفظّه ورهبةَ رتبته ونياشينه.‏

انخرط بادئ ذي بدء بالرقص كملازم أول، بحركات وجلة، أربكتها النظرات المسدّدة تجاهه لترى كيف يرقص الضباط.‏

ثم أربكته أكثر الحركات اللجوجة لشباب وصبايا انغمسوا جميعاً في طقوس الرقص. التي لا تعترف بأية طقوس سواها، خاصةً تلك التي يمكن أن تعرقل انسيابها وعفويتها وجنونها اللذيذ.‏

وزاد الطين بلّة أن أمسكتْ ريمه بيده.‏

يدها ذاتها التي سبق للكولونيل أن احتواها بيديه أيام زمان، وأقسم لها على الحب.‏

يومئذ كان على استعداد لأن يُقسم، ومن كل قلبه، لأية فتاة، حالما توفّر لـه فرصة للحب. وكان صادقاً صدق المراهقين في نيّة القسم والوفاء, حيث كانت روحه تختلج بعنف كلما لمح نظرة حالمة في عيني أية فتاة أو امرأة.‏

وكان جسده الفتيّ يعذّبه، يتمرّد عليه، ويدفعه لارتكاب ولو حماقة ما مع امرأة ما.‏

وجاءت ريمة. طفلة كبرت على حين غرة. وغدا ثدياها ينفران من صدرها بوقاحة مخجلة.‏

ضبطته وهو ينظر إليها بشغف، فابتسمت تلك الابتسامة الماكرة التي طفحت مع حمرة شديدة على وجهها. مما أربكه لدرجة أضحكتها.‏

كانت ضحكتها تلك. والتي عبقت بالشقاوة والشهوة فاضحةً، بقدر ما كانت ملاذاً تحتمي بها من طغيان خجلها العذريّ.‏

وهربت تاركةً صدى تلك الضحكة تغزو روحه وجسده، وتدفعه لملاحقتها، إلى أن تركته يصطادها سرّاً، برغم انخلاع قلبها الخائف، لتتأوّه بين ساعديه، مع فيض إحساسها الحارق بأنوثتها، ولتحذِّره كعادة أغلب الفتيات، من أنها ستشكوه لأبيها ولكل الدنيا. في حين أن يديها الخدرتين لم تدفعا جدّياً وجهه العنيد، الذي أصّر على الاختلاط بوجهها، ومن ثم تقبيلها، مع سيل من الكلمات الهامسة، الراغبة والحنونة والمحبة. لماذا أصرّت ريمة على الإمساك بيده؟‏

هي نفسها لا تعرف.‏

اليد الدافئة اللذيذة ذاتها، والتي باتت تحمل خاتم الزواج، تصرّ على احتواء يده، ومن ثم احتواء تلك اللحظة الهاربة من عمرها، لكأنها تقول له: تعال لنستعيدها!‏

"..كنت يومها صادقاً.‏

..أعرف.‏

.. وكنتُ أحبكِ.‏

.. أعرف.‏

.. وأنتِ؟‏

.. أفّ!!‏

من قبل أحسّ بروحها وهي تتمسح بروحه برغم كل محاولاتها الكاذبة للإفلات من جسده وهو يتلبس جسدها.‏

والآن يقبض عماد على كامل اللحظة وكامل اليد. ويتحرك بخفة ورشاقة ضاغطاً بشغف على تلك الروح المشاغبة، التي طفرت إلى الأصابع النائمة في يده، وإلى العينين العسليتين، اللتين فاضتا بأحاسيس دقيقة ومبهمة و.. "..ولكنك الآن امرأة وزوجة!‏

.. ولو.‏

.. ما معنى ذلك؟‏

.. لا تفسد الأمر بالثرثرة.‏

.. أيّ أمر؟!‏

.. أفّ!!!"‏

بعد انتهاء الرقص مباشرة عادت ريمة زوجةً لها كل صفات الاتزّان والجدّية و.. وشعر عماد بعرق بارد يتسلل إلى ظهره. وعيناه المذنبتان تستميحان ريمة العذر. فقالت عيناها:‏

".. عم تعتذر؟!"‏

ودّت عيناه لو تقولان: "إنها نزوة كافرة.. وأنا مجنون.. يحق لك حتى أن ..."‏

لكن عينيها اللتين استعادتا صفاءهما الريفي تململتا في محجريهما بحنق‏

وكان تعبير "أفّ!!" يفور منهما، ويعيدهما كليهما إلى حيث كانا، بعيداً جدّاً عن اللحظة التي اندغمت في الماضي، وإلى غير رجعة.‏

آه يا ريم.. كنت تحملين روح القرية، شغفها بالحياة، تمردَّها في لحظة الجنون، لحظة انفتاح القلب والعقل على المستحيل، على المطلق.‏

كنا جميعاً نتقافز وندور هرباً من إحساسنا بالجفاف والخوف والممنوعات. أجسادنا وأرواحنا تنفلت دون رادع. والكبار يرمشون بأعينهم الكليلة، غاضّين الطرف عن أولادهم المسحورين، مع إدراكهم بأن كل شيء سيعود إلى نصابه. وأن إراداتهم التي ورثوها عن إرادات آبائهم ستلغي كل الاحتمالات المشاكسة فور انطفاء السحر، مع انطفاء أنغام المزمار. الذي استمرأ اللعب بأحاسيس أبناء الأرض، منذ أن وُجدت الأرض. لكأن الفرح مجرد مزحة طريفة، ما وُجد إلا كتلوين عابر ومبهج في حياة ثابتة، استقرتْ على اللون المنضبط ذاته والمحفور في ذاكرة الكبار وجلودهم!‏

كيف اختلطت ليلى بريم؟!‏

عماد نفسه لا يعرف. ثديا ريم بالذات نفرا من صدر ليلى!‏

وذات العينين الواسعتين، اللتين لا تعرفان كيف تتصرّفان بعبق الروح المتحفزّة للطيران و..‏

ـ أين كنت؟‏

ـ آ؟؟ أتذكّرُ ليلةَ عرسنا. بذلك أجاب وبعفويّة تفوح منها رائحة صدق شفاف ومُلتبس، فاجأه هو قبل سواه. دون أن يدري لمن قالها. ألزوجته؟ أم لامرأة ما تزوّجها في زوجته؟ أم...؟‏

فابتسمت ليلى دون أن تقول له: "ليتني أستطيع تصديقك."‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244