|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث عشر منذ حين وورقة الاستدعاء تتكئ على الطاولة كمرابية عجوز، تعرف أن الجميع مرغم على الاهتمام بها لدرجة الضنى. ـ ما الذي يحدث بالضبط؟! تساءلت الزوجة، وهي تنظر بارتياب إلى الورقة، ومن ثم إلى زوجها. ـ لا شيء يدعو للقلق. بذلك أجاب الكولونيل، ونهض ليتناول الورقة، ويخرج. كان بديع يتململ خلف المقود بانتظاره. وما أن صفق الكولونيل الباب الخلفي، حتى انطلقت السيارة، دون أن يتساءل بديع: "إلى أين يا سيدي؟" كأنهما على موعد مع الطريق المليئة بالريبة والحذر، والتي باتت مألوفة لديهما، وباتا مألوفين لديها، إلى أن بلغا الحاجز المعروف، حيث سُمح لهما بتجاوزه ليتوقفا قريباً من مدخل البناء الغامض ذاته المنطوي على نفسه وتفرّده. فترَّجل الكولونيل ليجد رجلاً حليق الرأس ينتظره، ومضى معه عبر الأروقة ذاتها، والتي تبيّن فيها الكولونيل تشعبّات جديدة لم يسبق أن اكتشفها. وكانت الأصوات المبهمة كعادتها تنسحق وتنزّ من الجدران ذاتها وتراءى للكولونيل أن ثمة هياكل بشرية مصلوبة هنا وهناك، وبشكل مقلوب. وإنّ جثة أحدهم المتورمة تختلج وتصدر أنّات مشروخة.. ـ اسكت يا بن القحبة. قال أحدهم ذلك، وهو يلكم الهيكل بقبضة متمرّسة، فشهقت العينان، وسقط الرأس متدلياً، وسكت "ابن القحبة". ـ هل ترى ما أراه؟ تساءل الكولونيل. ـ فأجاب حليق الرأس: لا أرى شيئاً يا سيدي. وشعر الكولونيل بالغثيان. ـ قُدني إلى أقرب مرحاض. ـ دونك.. إلى اليمين يا سيدي. في الداخل كاد الكولونيل أن يتقيأ أمعاءه، وراح يتلوّى من ألم غامض وعام. لكن مخاوفه من أن يتركه حليق الرأس وحيداً، أو أن يغلق عليه وإلى الأبد باب المرحاض، دفعه لأن يلملم نفسه، ويندفع كخارج من قبر، ليسير بضع خطوات مرتبكة في غبش الممر الملتوي، والمغلق بستارة حديدية كتيمة. ـ من هنا يا سيدي. ـ أنا لا أراك يا هذا. دارى حليق الرأس ابتسامته وقال: هات يدك يا سيدي. ـ لماذا الإضاءة سيئة؟ تساءل الكولونيل باستياء. ـ الإضاءة كافية يا سيدي. ـ لعلك تقودني في الطريق الخطأ.. أين شاهين؟ ـ السيد شاهين ينتظرك يا سيدي. ـ لم تقل لي ما اسمك. ـ نسيت أمي أن تعطيني اسماً يا سيدي. قال ذلك وضحك. فأحسّ الولونيل بأن لحليق الرأس ضحكة كالوحل، وبأن لـه أكثر من يدين، وأكثر من رأس. وأن لـه مجسّات وأطرافاً إضافية تمكنه من التقاط فريسته عن بعد. فتلكأ بعض الشيء في سيره، إلا أنه عجّل ثانية خشية ألا يصل أبداً. إلى أن بهرت الإضاءة عينيه، ووجد نفسه أمام المكتب الفخم ذاته فتقدم بوجل، وتوقف مستطلعاً. لم يكن ثمة أحد. ـ تستطيع الانتظار يا سيدي بعض الوقت. قال حليق الرأس ذلك، وضغط على أحد الأزرار، فأطلّ رأس صغير بعينين باردتين قائلاً: أمر سيدي؟ ـ احرص على راحة الكولونيل. بذلك أجاب حليق الرأس، وغاب: تاركاً الكولونيل يضغط بأصابعه على صدغيه، ويمسح حبات العرق الباردة عن وجهه. أكثر من مرة قدّم صغير الرأس القهوة للكولونيل، ومن ثم تشاغل بتقليب صفحات مجلة فنيّة مصورّة. ـ ما اسمك يا هذا؟ تلفّت صغير الرأس حوله بحذر، وأجاب: لا اسم لي يا سيدي. وساد المكان صمت دبق، اشتدّ خلاله الصّداع، وراح يخز صدغّي الكولونيل بقسوة، وينتشر. ومن ثم راحت تنتشر معه نتف من الذكريات المختلطة، ومن صور أجساد مهترئة، بدأت تتراءى وتتراقص أمام عينيه، إلى أن رأى بوضوح توافد ديدان بيضاء صغيرة، لتلغ بصديد دم متجمد على وجوه يابسة بلا هوية، بل راح يرى الكثير من أصدقائه الأحياء منهم والأموات، وهم يعبرون به، ويسقطون في فراغ مظلم وعميق. مخلفين أصواتاً أشبه بالعواء، بقيت تلوب بين الجدران الصّماء، وتضغط على أعصاب الكولونيل. بل إن استطالات ذلك العواء بدأت تلتفّ على عنقه، وتجفف حلقه، حتى الجدران بدأت تعوي.. الأبواب الموصدة.. الأموات.. الأحياء الذين لم يعد يعرف عنهم شيئاً.. ألـ.. ألـ.. .. إلى أن عوت سيارة الإسعاف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |