|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع عشر عندما رنّ جرس الباب الخارجي، تساءلت أمّ وفاء عمّن يكون. حيث أن كلاً من أفراد الأسرة يملك مفتاحاً، مثلما يملك مفاتيح حياته الخاصة. ومضت تفتح الباب لتفاجأ برؤية الكولونيل مستنداً على بديع، لكأنه منبوش من قبر. فتساءلت بدهشة وقلق: ـ ما الأمر؟! فأجاب الكولونيل بصوت متعب: ـ لا شيء. وما أن ساعدته على الولوج إلى المنزل. حتى انسحب بديع نافضاً يديه من مهمة بدت مرهقة له. ـ ما بك؟ ـ لا شيء.. مجرد وعكة صحية عابرة. ـ وعكة.. وعكة.. قل لي ما بك. ـ هذا تقرير الطبيب. وناولها التقرير من جيب سترته. تفحصّت أم وفاء التقرير، ثم قذفت به إلى الأرض قائلة: ـ لا أثق حتى بأطبائهم، لنذهب إلى طبيبنا الخاص. ـ لا داعي لذلك.. أريد أن أنام. وأسلم نفسه لها، لتساعده في خلع ثيابه وارتداء منامته، ولتجلس قربه تتأمل وجهه المرهق والمستسلم إلى أن غفا، وهي لا تكاد تصدق أن هذا هو كولونيلها، مع ذلك شعرت أن حاجته إليها تعيد لها شيئاً من حضورها المهمل، وشيئاً من إحساسها بالمسؤولية، كزوجة لا تعرف كيف تثبت هذا الحضور. ".. كل الحق عليك يا عماد." غمغمت بذلك لنفسها، ثم عدلت إلى أن "... الظلم حرام." وأنها هي نفسها لا تعرف كيف أصبحت الأمور على ما هي عليه. ".. الدنيا ترتّب نفسها بنفسها.. لا أدري كيف." واستسلمت لنوع من الشعور بالخيبة، الذي كان ولا يزال يتسلل إليها، والذي يجعلها تلوم نفسها حيناً، وتلوم الآخرين أحياناً، إلى أن تحتمي بشيء من القدريّة، الذي يعيد إليها الشعور بالتوازن والاستقرار. تاركة الذاكرة المهملة تستيقظ أحياناً لتلهو وتلعب مع صور باهتة لكل الأيام الخوالي، حيث كانت ليلى تخاف من تحديد مستقبلها، الذي لم يكن أقل تشوّشاً من أفكارها وتصوراتها عنه. ".. ـ الحمد لله.. سترة وكمال. ذلك ما قاله والدها معقبّاً على تخرّجها من الثانوية العامة. خاتماً بذلك سيرتها الدراسيّة. لم يكن آنذاك لدى ليلى اعتراض جدّي على الارتهان للمنزل. فخارجه ثمة حياة تبدو لها معقدّة. بل وشائكة أحياناً. للوهلة الأولى تلمستْها بفضول. حملت تعليمات أمّها الصارمة، ونظرات أبيها الحذرة. وجسدها الذي بدأ يتفتّح باكراً تحت ثياب محتشمة ولائقة، وذهبت إلى الثانوية. لم تستطع يومئذٍ أن تستوعب كل تلك التناقضات التي تمور من حولها، ولا أن تنخرط فيها. وما أن تمسّها حتى تجفل، وتبتعد، محتميةً بجدار كبير من الخوف والقلق والحيرة. الثانوية نفسها لم تكن آمنة، وخزتها حتى في شخصها. ".. جاءت الراهبة." تقول إحدى الطالبات، وتكركر مع زميلاتها بضحك مؤذٍ أوجع ليلى، لدرجة اشتهاء البكاء. لم تدر ما يجب فعله لئلا تبدو كراهبة. طويلاً وقفت أمام المرآة تفتش نفسها. ترى ما لم يره الآخرون. بل تبدو خجلة من كل هذا الوضوح، المؤطر بأحاسيس فاضحة ومعيبة، فتدير ظهرها للمرآة، وتتلفّت حولها خشية أن يكون للمرآة عيون أخرى. هل رأى ابن جارها "جودت" ما رأته هي؟ أم أن جرأته البالغة إلى حدّ الوقاحة هي التي دفعته لحصارها؟ لم تستطع ليلى التحديد. وبالرغم من أنها كانت تحفظ عن ظهر قلب كل تحرشاته الجريئة، وتنتظر باستمرار أن يرفد ذاكرتها بالمزيد، إلا أنها كانت تخبئ ردود فعلها كاملة لفراشها الذي يتحوّل إلى عالم آخر. يضجّ بحركة وحياة أكثر يسراً ومتعة. من يصدّق أنها بكت عندما تزوّج ذاك الـ "جودت"؟! أحسّت أنه خانها. وأنها مغدورة بلا رحمة، وبأن عليها أن تدفن عالمها السرّي إلى الأبد، ودون مؤاساة. "ـ استعدي لمواجهة ناس أوادم." لم تفهم جيداً في البدء ما قالته أمُّها. لكن التفاصيل لم تأت واضحة فحسب، بل ومربكة أيضاً. ".. ارتدي هذا الفستان. إنه أجمل.. صفّفي شعرك جيداً.. قدّمي القهوة مع ابتسامة محتشمة.." كل هذا وذاك جعلها تشعر بالحرج، لدرجة الإحساس بأن أمها تتواطأ مع الآخرين لدفعها إلى فعل شنيع ومفضوح!! ".. ـ مالك؟! لم تعودي صغيرة!..." هي تعرف أكثر من أمها أنها لم تعد صغيرة. أمّا أن تقدّمها أمُّها بطريقة معيّنة وبلحظة معيّنة، ولإنسان معيّن، فهذا ما لم تستطع استيعابه. خاصة وأن هذه الأم بالذات هي من حشت رأسها ولسنوات طوال، بأقاويل وحكايات تجعل من الرجل لعنةً على أقل تقدير! مع ذلك تصرّفتْ تماماً كما أرادت أمّها كان اختباراً أقسى مما قدّرتْ. بل كان ورطةً أفقدتها كل تصميمها على النجاح. حتى نظراتُ أمّها التي راحت تستحثّ شجاعتها، بدتْ تستفزّ شعورها بأن الجميع اتفقوا فجأة على تعريتها تمهيداً لهتكها! فاضطربت بشكل مخزٍ، مما خلّف انطباعاً بأنها مريضة أكثر من كونها محتشمة. ".. إذا بقيت تتصرّفين هكذا كالحمير.. لن تجدي عريساً أبداً." ذلك ما قالته أمّها بنزق، بعد أن ذهب "الأوادم" مرة إثر أخرى دون رجعة. كانت ثمة ثورة قد بدأت تعتمل في داخلها ضد "الأوادم" وضدّ أمها. لكنها وكالعادة، دفنتها في أعماقها، لتضيف إحساساً جديداً بالعجز والغبن والخيبة. "..فنجان القهوة وحده يقرّر النتيجة!" بغيظٍ قالت ليلى ذلك لنفسها، وهي تعدّ القهوة للوافد الجديد، وشتمت الخادمة لغيابها السخيف. ثم غمغمت بما يشبه البكاء، وهي ترى القهوة تنسفح على النار، وتلّوث فستانها: "أية لعبة مقيتة ومغشوشة هذه؟ أف!!. وقررت رفض اللعب. لكن الحاج عدنان، والمعروف بسوء طويته تجاه الرجال، هو ذاته أصرّ عليها لتحضر كشيء إجرائي وضروري للسهرة على ما يبدو! إذ قال: ".. عماد واحد من البيت يا ليلى." وابتسامته العريضة تجرّها من عينيها، ليقدّمها للضابط الشاب على أنها ابنته المدلّلة. لم تستطع ليلى الصمود طويلاً أمام النظرات الجريئة، وهي تخترقها، وتبلبل حركاتها ومشاعرها. فاقتنصت أول فرصة، وهربتْ تتلمّس آثار عينيه على روحها وجسدها، وتغصّ بشعور شبه يقيني، بأنها خسرت اليوم كما في أيام سابقة حتى فرصة تأكيد ذاتها. إلا أن عماد، الذي لم يأت مع حاشية، كما هي العادة مع الناس "الأوادم" عاد ثانية وثالثة و.. خلافاً لمن سبقه، تاركاً لها، لا فرصاً جديدة للتجريب وحسب، بل وفرصة للحلم أيضاً. شيء واحد كان يُنغّصها. إنها رائحة التواطؤ المكشوف، وهي تنثّ من العينين العجوزتين للحاج، مما كان يستفزّها ويحرّضها على رفض دعواته. وفي كل مرة كانت ترجئ رفضها، إلا أن وجدت نفسها أخيراً، تستبق الأمر، وتتعلّق بعينيّ الحاج، لكأنها تقول له، وكلما حضر عماد: "خذني معك". وتضغط أصابع ليلى بلذّة على الوجه الغافي، فيغمغم عماد بكلمات مبهمة ومُتعبة، فتجفل أم وفاء، وتنسحب مع ذاكرتها خشية أن يستيقظ الكولونيل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |