|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس عشر لئن ألقى مرض الكولونيل ظلّاً ثقيلاً على وفاء، التي بدت أكثر ضيقاً ونزقاً، فقد ترك أمّها في موجة من القلق اللذيذ، منذ أن شعرت بالكولونيل يحتاج لأن يتكئ عليها، ولأن يسلم نفسه لها كطفل، لتبدّل ثيابه، ولتهدهده، محيطةً إياه بمشاعر طيبة. كانت تبدو في أكثر من مناسبة، مجرّد زوائد لا لزوم لها. مما جعلها أكثر حياة وحيوّية، لدرجة أنها لم تعد تعرف ما يجب فعله بالتحديد. مراراً استدعت الطبيب، جسّت نبض زوجها، تحسست حرارته، مسحتْ حبات العرق عن جبينه وعنقه، فتحت النافذة من أجل تهوية جيدة، ثم أغلقتها خشية أن يُصاب بنزلة برد. ثم استقر رأيها على فتحها لاعتدال الجو وضرورة المزيد من الأوكسجين. طلبت من وفاء ألا ترفع صوت المذياع، ورجتها ألا تشغل التلفزيون، مما جعل وفاء، وبرغم كل ضيقها تبتسم ابتسامة خبيثة أشعلت وجه الأم بحمرة ألهبت أذنيها. فانسحبت تتعثر بدفق من أحاسيس حادة ومربكة، وتغص بشيء من الشعور بالحنق على نفسها وعلى الكولونيل، وتتعمّد أن تجلس على مبعدة من زوجها، وعلى مقربة من ماض، يبدو وكأنه لا يخصّها. في حين بدأ شكّ بارد يتسلل إلى ذاكرتها، ويشوش ذهنها. لم تعد واثقة من أنها أحبت الكولونيل. أو أحبّها. بل لم تعد واثقة من أنها عرفت الحب أصلاً. وتلوح نتف من وجوه عتيقة عارية من شخوصها. ثم يلوح وجه "جودت" الجريء. وتتذكر أن ليس ثمة علاقة البتة، شأنه شأن الآخرين. شاركته بصمتها وأحلامها، التي كانت تفتش عن شخص ما، أيّ شخص. " كان مشاكساً جيداً فحسب". مع ذلك لا تدري كيف ارتدى آنذاك كل شوقها للحب، لتجد نفسها بعد حين مخدوعة بلا رحمة، ودون أن تتمكن حتى من البوح بذلك. مما جعلها تؤكد لنفسها وسط خيبتها ودموعها التي لم يدر بها أحد، أن الحب نفسه شيء غير واقعي، مجرد وهم جميل بقدر ما هو كاذب. ويخزها مرأى زوجها الراقد أمامها، تختلط عليها الأمور، الأحلام.. الوقائع.. الذكريات. لا تستطيع أن تفصل على وجه اليقين بين هذه وتلك، ثم تعود لتلوم نفسها كامرأة لا تعرف كيف تتصرّف حتى بمشاعرها. ومن ثم تجزم لنفسها بأن عماد بالذات، هو وحده الذي عرف كيف يفتنها ويصوغ لها أحلامها. وتتذكر بإصرار كيف أنها لم تستأ يوم اكتشفت أنه لم يدخل بيتهم عاشقاً ولا خاطباً، مؤكدّة لنفسها أن ذلك بالذات جعلها تبدو أكثر حريّة وقدرة على الحلم والحب، وكما تريد هي. مما دفعها آنذاك وبمحض إرادتها لتقبع قرب والدها، متجاوزة دمدمات أمّها الحانقة، لا لتشارك في السهرة حيث يكون عماد فحسب، بل ولتقف صراحة إلى جانبه إذا ما اختلف في الرأي مع والدها، تلك الخلافات التي لم تكن واضحة أو مفهومة تماماً بالنسبة إليها، كأن يتحدّث عماد عن السيادة وضبط الاستيراد والتصنيع "كهموم وطنية" كما يقول، فيحدّثه الحاج عن مميزات القطاع الخاص وضرورة الانفتاح الاقتصادي. وإذ يحتدّ الخلاف، تتدخل ليلى لتجزم بقولها: إذا لم يصحّ الانفتاح والتصنيع معاً، فالتصنيع أفضل." وبرغم أن كليهما يضحكان لقولها، فهي لم تشعر أن أيّاً منهما يتعمدّ إهانتها، بل ينظران إليّها وإلى أقوالها كصّمام أمان ضروري ومحبب. مما يشجعها على المزيد من التدّخل، بل وعلى المزيد من الانحياز. لدرجة أنها لم تعد تخفي حنقها على أبيها إن بالغ في إثارة حنق عماد. كما فعل يوم راح عماد يحدّثهم بزهو عن زيارته لكوبا مع وفد عسكري رفيع المستوى، وعن مقابلة كاسترو لهم. كان عماد مفتوناً بكاسترو ".. إنه عملاق.. على العالم الثالث أن يفخر بكاسترو.." تُغفل ليلى الاستياء الواضح على وجه والدها. وتتابع بلذّة عينيّ عماد اللامعتين خلال وصفه لـ ".. روح كاسترو الكفاحية، وأثرها الإيجابي على معنويات الشعوب الصغيرة.." وتومئ لـه بعينيها ورأسها أن: نعم.. نعم.. في حين كان والدها يتحيّن الفرصة ليقول شيئاً ما. وكان عماد متوجهاً بكلّيته إلى ليلى، التي أحست بعينيه العسليتين تغرقانها بنظرة شاملة وطويلة ولذيذة. يريد أن يشملها باهتمامه. ".. تصوّري كيف وقف أمامنا كإله إغريقي، مشيراً بعصاه إلى الشمال الأمريكي، على خارطة واسعة، ليقول بحزن وغضب: من همومهم غزو الفضاء، ومن همومنا نحن في العالم التابع أن نثبت أقدامنا على أراضي أوطاننا، ونتمنى أن يرسلوا لنا التكنولوجيا والخبز بدل الرصاص والجواسيس.." "ـ إذا مرّ كاسترو فأعطه الكثير من الخبز يا أم تيسير." قال الحاج بصوت عال للخادمة التي دخلت لتوّها، حاملة طبق الفاكهة. " ـ كاسترو من يا سيدي؟" " ـ واحد شيوعي يا أم تيسير." أجاب الحاج وهو يقهقه قهقهة صاخبة، احتقن معها وجه عماد، وبدا كأنه يهم بصفع والدها. فصرخت ليلى كالمدوغة: "ـ اخرسي واخرجي يا أم تيسير." لكأنها تصرخ بوجه والدها، الذي عرف كيف يخبئ امتعاضه. وعادت لترشق عماد بنظرة رجاء وبابتسامة حب، وهي تقول: " ـ لقد جعلتني أحبّ هذا الـ كاسترو يا عماد" وعيناها تتلمّسان وجهه، وتبذلان من نفسها كل ما يمكن أن يعيد لهذا الوجه صفاءه وهدوءه. " آه يا خبيثة كم بدوت رائعة آنذاك!" قال لها عماد وهو يعترف بأنها نجحت يومئذٍ في امتصاص ثورته إلى حد كبير، كما دفعته لا لأن يرجع عن نيّته بعدم العودة فحسب، بل ولأن يصرَّ على العودة، ومن أجلها فقط هذه المرة. ضحكتْ بسعادة طفل لاعترافه هذا، عضّت شفتيه، وهي تغمم: اسكت.. اسكت.. لقد سحرتني يومذاك." فافترشها دون أن يترك لها مجالاً للدفاع الكاذب عن ذاتها الراغبة. ".. لو متُّ يومئذ لما كنتُ آسفة البتة." ذلك ما فكرت به أم وفاء بحب، وهي تنظر بعتاب إلى الوجه الغافي للكولونيل، وتتذكر كيف أن شهر عسلهما لم يَطُل. ثم تعتقد بغيظ أن لوالدها ضلعاً في الأمر، وأنها ضحية علاقة ملتبسة لا تستطيع فهمها. ".. ما الذي شدّ أحدهما للآخر برغم كل ذلك التناقض؟!" ".. ولماذا كان عماد يصرّ على تهميز القاف أمام والدي؟!" ".. أبي لم يشتم عماد ولو مرة واحدة، لكنه كثيراً ما شتم "ذوي الرؤوس الحامية".. وعماد لم يشتم والدي، ولكنه وباستمرار يشتم " أمثال والدي. إلى أن قال ذات مرة وهو يرى صورة والدي على شاشات التلفزيون ضمن وفد كبير يستقبل نيكسون: سيدمرون كل شيء. فسألته بسذاجة: كيف؟ وأنا أتابع صورة والدي بقلق لكأنني بصدد إخفائها عن عيني عماد. فأجاب: بالانفتاح.. بالإنغلاق.. بمحاولة رهن الوطن للاحتكارات. فتساءلتُ وأنا أتذكر حواراته القديمة والساخنة مع والدي: وماذا عن السيادة والتصنيع؟. وكلّي استعداد للانحياز ثانية إلى صفّه وتهدئته. "ـ سنرى." قالها من بين أسنانه، وخرج متحفزّاً و مستنفراً حتى العظم. "كانت وفاء الطفلة، تلثغ بكلمات مبهمة ولذيذة، غير عابئة بكل ما يجري، ففعلتُ مثلها، رحت ألثغ على طريقتها، فتضحك، وأضحك، في غفلة عن الانفتاح، الذي بدأ يتسلل حتى إلى حياتنا الخاصة" والذي لم يترك للكولونيل سوى أن يلملم تاريخه، ويضعه على الرّف، مع بعض الخردوات المهملة، وبعض النياشين التي اكتسبها في زمن السلم الرديء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |