|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس عشر وفاء اعترفت لنفسها بصوتٍ عالٍ " أن حياتها لا تحتمل التحديد." وقررتْ فرملةَ علاقتها بنادر. خاصّة وأن إحساساً غامضاً كان قد بدأ يكبر في أعماقها، موحياً بأن من السهل الإعجاب بمثل نادر، في حين أن من الصعب الارتباط به. مع ذلك بقيت مجمل علاقتهما تطفو في الذاكرة، تلفح العينين والقلب، فتشعر بالأسى ".. لماذا لا يكون مثل الآخرين؟! وأية حكمة مبكرة هذه التي يريد أن يكبّلني بها؟!.." ".. دعني من مثالياتك بالله عليك.. أنا لا أريد العيش بين ملائكته.. هؤلاء بشر وهذا يكفيني." ويتخاصمان. تضع يديها على خصرها وتقول بحنق: حرّيتي أثمن منك ومن كل العالم. ويذهب حديثهما عن الحرية والمساواة أدراج اتساع زاوية الخلاف. نادر بدوره أحسّ أن لا مستقبل لعلاقتهما. بات يشعر أنه يدافع عن الماضي فحسب، عن تاريخ العلاقة، عن وفاء التي صاغها في ذهنه، والتي بدأت تهرب إلى عالمها الخاص، وأنّ وفاء اليوم ليست أكثر من رغبات وأهواء وأمزجة مجنونة منفلتة، مغرقة بذاتيتها. وثمة بذاءات وتهتك، وتوق شبقيّ مجنون مستهتر. ".. لا تريد فهم أن الحياة أكثر من ذلك!" ويكرّر محاولاته. يحاصرها بفلسفته عن الحياة، وتحاصره بجسدها. ".. أي جسد مجنون لها؟! يغريك بالموت شهوة! ثم ماذا؟؟ الغواية في دمها، إنها علامتها الفارقة، والغيرة تنهشني.. عليّ أن أضع حدّاً لكل ذلك." ".. من فضلك، أنا لا أطيق الوصاية.. أكره أبي لمجرد كونه سلطة.. هل تفهم؟!" في البداية كان يكفي أن تبتسم ليغفر لها. ".. لا أستطيع إلا أن أغفر لها. وجسدها الذي يرشح شهوة يضمّني ويقول: اسكت.. فأسكت.. إثر كل خصام كنت أبتعد، أهجرها، أقسم أنني لن أعود، ثم أحنث بقسمي، وأعود.. تندفع إليّ كطفل آثم.. تدفن رأسها في صدري، فأدفن كل تحفظاتي.. أما الآن: "أف..." كانت علاقتهما تسير إلى التأزم بثبات "..أنت تريد تغيير العالم.. لا أدري كيف ولماذا.. أنا لا يهمّني عالمك.. هذا العالم يتّسع لي، وهو جميل بما فيه الكفاية." ".. العالم ليس بين أفخاذنا." ".. أنتَ قذر!" ".. وأنتِ سخيفة." ".. لا تستطيع أن تكون إنساناً حضاريَّاً.. أنت فلاح ابن فلاح." فصفعها، كان يبصقها وهو يصرخ بكبرياء مجروح: وأنتِ برجوازية تافهة. .. خلال ذلك. كانت قد اتخذت قرارها. ومن ثم وافقت على عرض "سومر" بالزواج. إثر خطوبتها. أحسّت أن ارتباطها بـ سومر مجرد مزحة طريفة، مزحةٌ أفرزتها الحفلات الصاخبة. مع ذلك راحت الطقوس الاجتماعية تضفي عليها الكثير من الجدّية. وحين أرسلت بطاقات الدعوة للصديقات والأصدقاء والأقارب، لم تنسَ أن ترسل بطاقة إلى نادر، برغم إدراكها أنه لن يستجيب لدعوتها، إذ ربما سيشعر بشعور الزوج المدعو لحفلة خيانة زوجته! مع ذلك غاظها تغيبّه، وراحت تشتم جدّيته وعناده. فيما بعد شعرت أن غيابه الكلّي من حياتها، شيء سخيف وثقيل وغير مبرر بل رأت دون تردد كبير أن تمضي إليه، لتشدّه من أذنه كعادتها إثر كل خصام. كان وحيداً أكثر من أيّ وقتٍ مضى.. وكان مصرّاً على تجاهل وجودها. لم يدْعُها حتى للجلوس وهيمن صمتٌ مربك. وجهه جديد، متحفّظ وغريب، بركانّي الملمس، قلق القسمات، غائم، و.. ولأول مرة، يخونها صوتها. تتلعثم وهي تقول: لنكن أصدقاء على الأقل. .. وحدها كانت تتحدّث في بوادي الروح الخالية، ووحده كان يهدم العالم حجراً حجراً، دون أية فكرة مسبقة عن إعادة بنائه، ورائحةٌ حرّيفة لموت مهين، تسبح بين روحها وعينيه نصف المغمضتين. لا تدري يومها كيف انفصل جسدها عنها، كيف راح يبتعد كشيء لا يخصّها ونظرات نادر الأخيرة والمضطربة تثقبها من الخلف. فاختلجت. وغصّت بمشاعرَ حادّة ومتناقضة طردت الدم من شفتيها ووجهها. فارتعشت. أحسّت أنها تسقط في فراغ دبق هلاميّ، وطنينٌ أسود ينزّ من رأسها الثقيل. كاد أن يصرخ: انتظري. بل لعله سمع صوته المتحشرج، وهو يسقط متكسّراً في حلقه الجاف. ".. تستدير كطفلة مُربكة.. تتعثّر كلماتُها.. ووجهها المحتقن المذنب يرتفع قبالة وجهه.. تنفرج الشفتان الحلوتان عن نداء سرّي إلى روحه الوديعة المسالمة.. وتبرق العينان العسليتان بوميض يعرفه جيداً.. يغسله.. يطهره.. يصوغه من جديد.. يستسلم للشرارات وهي تخفق راعشة في أقصى أقاصي القلب.. تدفن رأسها كطير مبلول في صدره.. تشهق.. ينفتح القلب على مصراعيه.. تلجُه.. تتسرّب أنوثتها الطاغية إلى نبضه.. وشفتاه الراعشتان تشربانها قطرة قطرة..." ويخزه جفاف موجع في حلقه. من زمن موغل في البعد رحلت وفاء! لتبرز غرفته بكل عريها كندبة في سماء فارغة. ـ الأموات لا يعودون إلاّ بحسناتهم. تمتم بذلك، مهدّئاً روحه المتوترة، ومسح عن عينيه صورة وفاء التي تيقّن من موتها يوم خطوبتها. في مساء ذلك اليوم الثقيل، بقي ينتظرها حتى الفجر. ".. رآها وهي تهرب خلسة، تركض في الشوارع والأزقة، غير عابئة بنظرات الفضوليين، تبتسم لنفسها حيث ستراه يشهق مصعوقاً من المفاجأة.. لكنها تشهق وهي تجده قد أعدّ القهوة السادة لكليهما، وجلس ينتظرها بثقة.. تطير إليه.. تخلع عنها كل ما لـه علاقة بالخطوبة، وتركن في حضنه كقطة أليفة، وعيناها المشاغبتان تخبئان فرحهما الطاغي، وتلمعان قبالة عينيه، مليئتان بالرضى والرغبة.. وعلى الفور يقرران زواجاً حاسماً وسريعاً.." .. إثر ليل طويل طويل، وعند حدود الصباح، رشف نادر ما تبقى من القهوة السادة الباردة.. أحرق آخر سيجارة.. دفن وفاء.. وتمدّد في محاولة يائسة للنوم. .. بقيت وفاء تصرّ بعناد على تمديد فترة خطوبتها، تخاتل أحاسيسها المبهمة، وتبوح لنفسها من حين لآخر أن الزواج الواضح المحدّد يقلقها.. ونادر، الغائب الحاضر، يحاصرها باستمرار، مسبباً لها الكثير من الارباكات. ".. تتلقّفه، تصوغه على هواها، ينفلت منها بعناد، يقف بعيداً، ويومئ: أن تعالي. ترجوه أن يأتي، أن يقترب، تشكو لـه صداعها المفاجئ، أرقها، فيدير لها ظهره ويمضي.. ينبثق ثانية من حيث لا تدري، يجلس قربها بوجه أسيان، تغسله بابتسامتها، تمد يدها كمراهقة، لتتلمّس يده.. لكنه ينطفئ ليبرز خاتم الخطبة فجّاً، كبيراً، وثقيلاً..." بسرعة ونزق خلعته، وارتبكت ذاكرتها.. "لم يدعُها حتى للجلوس! لم يستطع إلا إهانتها. يومها سقطت اللغة الحميمة في مستنقع بارد، لأول مرة تذوقت طعم البكاء المر.. دفنت رأسها في الوسادة، ونشجت كالأطفال. مع ذلك أصرّت على ركوب رأسها. ".. لا يمكنني الاستغناء عن ذلك المجنون!" ومضت تلسعها ألف رغبة ورغبة. سأقول لـه: إنني أحبك.. ألا تفهم؟! تعال لنتزوج.. الآن.. ودون أية طقوس أو مراسيم.. وهنا.. على سريرك العتيق نفسه." وقررتْ ألا تترك الثرثرة تفسد الأمر. ارتدتْ وعلى عجل بلوزتها الزهرية التي يحبها، والبنطال المخملي الذي أهداها إياه في عيد ميلادها، وأرسلت شعرها كما اشتهى دائماً، وانطلقت كمراهقة تشدها رائحة مغامرتها الأولى. لكن نادر كان قد حمل غموضه وقلقه، واختفى، تاركاً الخواء، ورائحة شجارهما، وذلك السرير الرخيص، كقبرٍ طريّ لذكريات بعيدة وجميلة. وكانت ثمة أشباح، وقشعريرة باردة، تكمن في الغرفة ذاتها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |