قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع عشر

لم يصدّق الحاج عدنان أذنيه. مع ذلك طار بسيارته كالملدوغ.‏

ـ أهلاً بك يا حاج.. وصلتَ قبل فوات الأوان. قال أحدهم. فعقّب آخر مع ابتسامة صريحة: دائماً يصل الحاج قبل فوات الأوان.‏

كان الحاج أشبه بتمثال شمعّي قرّحته الشمس.‏

تساءل وعيناه تفتّشان المكان بقلق: أين وفاء؟‏

ـ ثمة استجواب لا بد منه.‏

ـ عمَّ الاستجواب؟‏

ـ عن أوكار الجنس والحشيش والسياسة.‏

جاءت الصفعة قوية مع ذلك تماسك الحاج.. ابتلع ريقه وفكر:‏

".. مجرّد أوراق للمساومة.. لا حول ولا قوة إلا بالله.."‏

عموماً، الحاج لا يحسن المساومة، إما أن يدير ظهره.. أو يومئ برأسه موافقاً. لكن ظهره كان مسمّراً على المقعد، لكأن شيئاً من شلل مفاجئ إصابه.‏

ـ أين وفاء؟‏

ثانية سأل، وذقنه ترتعش، مغفلاً ما سبق أن سمعه، لكأنه يوقّع على شيك مفتوح لأناس بلا أسماء وبلا هويّات والمسدس مصوّب إلى دماغه.‏

ـ هاتِها يا ولد..‏

ـ لكننا يا سيدي لم نستكمل الـ...‏

ـ أقول هاتِها‏

لحظات، وجاءت وفاء بوجه يقطر رعباً، وبقدمين نصف مشلولتين. وما إن رأت جدّها حتى فغرت بالبكاء. فقال الحاج بصوت مشروخ، مغالباً أثقال اللحظة: لا عليك.. اذهبي إلى السيارة.‏

حاولت وفاء أن تجرّ قدميها العاجزتين. فوقف أحدهم يسدّ طريقها.‏

ـ دعها يا ولد.‏

وفاء تكاد لا تصدق أنها تستطيع الإفلات من قبضة الكابوس، فتحركت بتوجّس جارّة قدميها تجاه السيارة الفارهة التي لم تتنازل لحظة عن كبريائها وألقها.‏

ثم تبعها الحاج‏

بصمت ثقيل أدار المحرّك، وانطلق دون أن يتبادل مع حفيدته أيّة كلمة.‏

".. لا حاجة لأي سؤال أو استفسار.. كل شيء معروف وواضح.. وزمننا يحتمل كل شيء.."‏

ذلك ما فكر به الحاج، وأصابعه المتوتّرة تضغط بعصبيّة على المقود.‏

أما غضبه فقد وجد من الكولونيل مشجباً يتعلق به.. ".. كولونيل آخر زمن.. لا يستطيع أن يحمي حتى ابنته.. بل حتى نفسه! .. أية لعنة جمعتني به؟!" الكولونيل بدوره تلقى اتصالاً هاتفياً يطمئنه بأن ابنته عوملت معاملة خاصة، وأنها في طريقها إليه، مع ا لتذكير بأن على الآباء أن يتحملوا مسؤولية كونهم آباء على الأقل.‏

.. لا أحد اليوم أو غداً يريد أن يتذكر تلك الحادثة. الكل تعامل معها كتعاملهم مع حلم مزعج ذهب إلى غير رجعة، باستثناء سومر، الذي بقي يلوّح بها كلما أراد تنغيص حياة وفاء، معتبراً أن هذه "العائلة البغيضة" تشكل خطراً عليه وعلى مصالحه.‏

وحده الطلاق أعاد لتلك الحادثة حضوراً مهيباً وبهيّاً في إطار النسيج الحيّ لذكريات كثيفة الحضور والترابط.‏

".. التاريخ ليس مجرد حكايات وذكريات.. ومشاعرنا كبشر ليست ترفاً ولا زوائد تقتاتها ديدان الحياة اليومية.."‏

ذلك ما أحست وفكرت به وفاء، وهي تحزم أمتعتها، أمام فيض شعورها بأن الطريق إلى القرية أصبح معبّداً لدرجة مُرضية, وأنها منه وإليه قد تطير بأية لحظة، لكأنها على موعد مع نادر، ذاك الذي بات يشكل لها عمقاً روحيَّاً، هي بأمس الحاجة إليه.‏

لكن وعيها الممض بأن ثمة فراغاً، فجوة، تنخر ذلك الطريق، راح ينغّصها، تاركاً ما يشبه الصقيع، يتسلل رويداً رويداً إلى أحاسيسها الدافئة والملتبسة. مما يحملها على الارتياب بكل ما يراودها، ومن ثم الانكفاء على شعور قاس بالخواء، يَضمر معه شعورها بالذنب.‏

" هل أنا مجنونة حقَّاً؟ وأية رغبات هذه التي تلحّ علي لأقيم جسوراً خلفية مع.. مع من؟!"‏

مع ذلك، كان ثمة إصرار مبهم وعميق على ركوب موجة الجنون إلى حيث لا تدري.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244