|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثامن عشر على الطريق ذاتها إلى القرية، بدأت الذاكرة تتلمّس الأشياء والحقول، وكانت الشمس التشرينية الناعسة، تذبّ عنها الغيوم الصغيرة المسرعة نحو الشرق الصحراوي الكفيل بابتلاعه. ويشخر الباص، ويتوقف. ـ هوياتكم. بسرعة وبصمت، امتدّت الأيدي بالهويّات الشخصية، ومن ثم تابع الباص سيره لاهثاً تحت ضغط نزق السائق الشاب، المتربّع على مقعده كحجز أصم، في حين استدارت أغلب الوجوه، لتسترق نظرات سريعة نحو الحاجز الأمنّي، الذي راح يبتعد، لكأنها تتوجس إجراءً منسيّاً، قد يتداركه رجال الأمن في اللحظة التالية. لم تجد وفاء ما يبرر كل ذلك القلق المتواري في العيون، أو خلف الكلمات المتبعثرة القليلة، والتي قد لا تعني أكثر من زفرة ارتياح، كأن يقولوا: الجوّ يميل للبرودة.. السفر متعب.. الطريق رديئة.. الخ وعادت الذاكرة تلملم بعض سيرتها الذاتية، وتواكب الطريق نفسه. ".. في الماضي لم يكن ثمة حواجز.. مع ذلك فالهويات هي الهويات لا أكثر.." أمام الحاجز الثاني، تلكأت وفاء بتقديم هويتها، متسائلة: ليش الهوية؟! ـ بدون ليش. أجاب الشرطيّ متأففاً، وانتزع الهوية من يدها. طالعها، ثم رماها لصاحبتها، وتابع مهمته. لكنه عاد كمن نسي شيئاً، وتساءل: لمن هذه الحقيبة؟ ـ لي ـ افتحيها. أحسّت وفاء أن غلطاً غير مفهوم يسكن الشرطي، مع ذلك لامت نفسها على أسئلتها الزائدة، وفتحت حقيبة السفر. فتّشها بطريقة استفزازية، ثم أشار إلى حقيبة يدها، قائلاً بلهجة آمرة : وهذه. انصاعت وفاء للإشارة الصارمة، ابتلعت شعورها بالإهانة، وفتحت حقيبة اليد بلا مبالاة متعمَّدة. ـ (عالم ما بتمشي إلا بالعصا) قالها وهو يقلّب بنزق محتويات الحقيبة. ثم تركها ومضى وسط عاصفة من الصمت، الذي أربك كل الوجوه بما فيها وجهه. ـ الله يرضى عليكِ يا أختي.. العين لا تقابل المخرز.. بذلك همست جارتها وهي تجذبها بصمت: أن اسكتي. بعنف واضح تحرّك الباص، مندفعاً أكثر فأكثر، ساحباً معه وإليه إحساساً مكثفاً بأن السفر لعنة بقدر ما هو ضروري، إلى أن لاحت القرية من بعيد، عجوزاً ريفية طيبة، أقبلت تدبّ بسهولها ووعرها، ببساطتها وإلفتها، وبفيض ذكرياتها، إلى أن استوقفت الباص، ونزلت وفاء. كان ثمة قباب نصف مهدّمة، وجدران مقشّرة، وطريق اسفلتيّ منخور، وأولاد يركضون خلف كتلة قماشية صغيرة تشبه الكرة، يركلونها، يتدافعون خلفها، يسقطون، ينهضون مسرعين، يتابعون الجري والركل بحماس، ودون هدف واضح. وتقف سيارة دوج صفراء صغيرة ليطل منها رأس أشمط بعينين صغيرتين قائلاً: ـ تفضلي يا آنسة لأوصلك ـ شكراً.. وصلت البيت. ـ أي بيت؟ أنا ابن القرية يا آنسة وأعرف.. فقاطعته وفاء بنزق قائلة: ـ هذا بيتنا يا رجل.. الله معك. تحركت السيارة الصفراء مخلفةً بعضَ الغبار، وثلة من الأولاد كانوا قد توافدوا، ووقفوا عن كثب يراقبون ويتهامسون بوجل، إلى أن برز أحدهم ليمسك دون تردد بيد وفاء، لكأنه يعلن امتلاكها دون الآخرين. ـ أهلاً زياد.. أهلا ً حبيبي. في حين تنافس الآخرون على حمل حقيبة سفر "هذه الحلوة" ويلغطون بإجابات متداخلة وصاخبة على أسئلتها، ويستطلعون وجهها الذي راح يوزع عليهم الابتسامات ويصبح أكثر فأكثر قريباً إليهم جميعاً. وعن كثب لاحت أم نادر الواقفة أمام منزلها، وتساءلت وهي تحدّق من خلف كفّها المتصالب مع جبينها: وحدك؟ ـ وحدي. أجابت وفاء مع ابتسامة عريضة وحذرة. ـ خير إنشاء الله؟ ـ زيارة. وضحكت وفاء محاولة كسر تلك الأسئلة التي لم تر ما يبررها. ـ أهلاً وسهلاًَ. وفتحت أم نادر ذراعيها ككل امرأة ريفية. وجاء من يغمض عينيّ وفاء من خلفها. ـ من؟! تساءلت وهي تتلمسّ كفيّن كبيرتين وحانيتين. ـ احزري. واختلجت وفاء، حيث ارتطمت بصوته! ـ مستحيل! قالت ذلك بوهن فاضح، وكمن يحدّث نفسه. وقرقعت ضحكته. وانزلقت يداه إلى يديها. طفرت روحها إلى فمها وهي تستدير لمواجهته. ثم انكمشت للحظة، إلى أن قهقهت بصوت شارف حدّ البكاء، وهي تردد: ـ أنت؟! أنت يا خبيث؟! وتتأمل إلى أيّ حدّ سرق من أخيه ألوان صوته! بسرعة وصخب، جرّها عصام من يدها إلى الداخل، بينما راحت تلوّح بالأخرى للأولاد، الذين بادلوها الابتسامات الودودة، وهزّوا برؤوسهم علامة الصداقة الدائمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |