|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع عشر بسرعة تألف هذا الـ "عصام" جريء لدرجة الوقاحة. سلسلٌ كالماء، مشاكس، أليف، متحفّظ، طريف لدرجة التهتْك. وعندما ناكدته وفاء، لم يتورْع عن صفعها على مؤخّرتها. أربكها تصرّفه الأرعن هذا. مع ذلك استطاع أن يجرّها ببساطة، وعَبْرَ قهقهاته الصاخبة والمتحدّية، إلى مزيد من الشقاوة والخصام والمرح، وكأن شيئاً لم يكن! "..غريب أمره! يستحيل على المرء أن يعرفه تماماً برغم كل هذا الوضوح!" ذلك ما فكرت به وفاء، وهي تستعيد تفاصيل حركاته وكلماته، لاجمةً نفسها عن الضحك، بينما كانت تسير بمحاذاته في طريقهما إلى البستان. كان الفضاء الريفيّ المفتوح، وكل هذه الشمس الواضحة والصريحة، يهبان وفاء شيئاً من الإحساس بالحرية والثقة بالنفس والشجاعة. وراحت تتحدّث بحميمية عن نادر، وعن الكلمات الكبيرة التي تليق به. وحاولت أن تتذكر المزيد من تعابيره الثورية التي كانت تمجّها من قبل، شاعرة من خلالها أنها أقرب إليه من أي وقت مضى. بل راودها إحساس طاغ بأنها تزوجته إلى حدّ ما، مما جعلها تنسى لا مبالاة عصام، إلى أن كشّر هذا عن ابتسامة ممتعضة، وقال: ـ عمّ تتحدّثين؟!أنت مجنونة، نادر وقع وثيقة اعتذار وإدانة لماضيه، وقد يخرج قريباً، واعداً أن يعود إلى القرية.. من المؤكّد أنه لن يفكر بقيادة ثورة حمراء من هنا على طريقة "ماو" أليس كذلك؟؟ أقصى ما يستطيعه هو أن يتزوّج ريفية بسيطة، قادرة على الإنجاب، وقادرة على العمل في الأرض، وقادرة على البكاء عندما تضيق بها الدنيا. أجفلت وفاء لسماع ذلك، وقالت كمن أهين، وبصوت راعش: ـ عصام.. أنت كذّاب.. أنت غشّاش، ثم من قال لك أن نادر سيدفن نفسه هنا؟! لن أسمح له.. سأنقله إلى العاصمة فور إطلاق سراحه. ـ لا أنصحك بالمحاولة. ثم غمغم كمن يحدّث نفسه: مسكين أخي.. خُلق فقط ليكون مدرّساً جيداً.. أو صوفيّاً رديئاً.. بوسعه أن يقاتل حتى الموت دفاعاً عن حلم ملموس، أما الأحلام غير الملموسة، فقد جرّبها، وسقط معها. ـ من أين لك كل هذا اليأس؟! ـ العبودية الطويلة علمتني أن التاريخ ابن كلب.. ويجب احترامه. ـ أأنت تتحدّث هكذا؟!مع أنه كما يقال كنت.. ـ أنا لم أكن شيئاً.. كنت أقرأ متأثّراً بنادر.. وأتعلّم الاحتجاج على كل شيء.. ابتداءً من اللهاث خلف الدواب، وصولاً إلى اللهاث خلف الثورة.. وأية ثورة ؟! ـ بالنسبة لي ثمة مسائل شخصية أيضاً. ـ أخي آخر من يُعتدّ به في المسائل الشخصية. ـ تتعمّد إخافتي؟! ـ بل أتعمّد تنظيف رأسك من الأوهام. ـ أنتَ قاس.. تعلمتَ الجلافة من الأرض. ـ وأنت ليّنة حتى الهشاشة.. تعلمتِ الأحلام الفارغة من التلفزيون والأفلام الكرتونية، و اصطدما بصوت مرحٍ جاءهم عن كثب: لا تصدّقي عصام.. إنه مجرد نسخة كاريكاتورية عن زوربا. وأعقب ذلك بضحكة هادئة. فهمست وفاء: من هذا؟ فأجاب عصام: ابن عاهرة.. كان صديقاً لنادر. واقترب الرجل. كان في الثلاثينات من عمره. أسمرَ اللون، متوسط القامة، بشعرٍ فوضوي، وعينين لامعتين، وحيّا بقوله: ـ السلام ـ أهلاً، قالت وفاء. ـ مالك لا تردّ السلام أيّها التيّس؟! تساءل الرجل، فأجاب عصام ببرود: ـ كنا نتحدّث بأمور خاصّة. فعقّبت وفاء بشيء من المناكدة: بل بأمور عامة. فقال الرجل بلهجة مؤنّبة: عصام لا يحبّ إلا الخاص. وتوجه سائلاً وفاء: ـ هل من جديد عن نادر؟ فأجاب عصام على الفور: نادر رفع يديه. ـ لماذا تستعجل رفع أيدينا؟! ـ ومن يبحث عن يديك أنت؟! والتفت عصام إلى وفاء قائلاً بنزق: تعالي. وحاول جرّها من معصمها. لكنها سحبت يدها وهي تصرخ بغيط: اتركني.. مالك؟! فدفع يدها وانصرف حانقاً. ـ لا يكدّرك أمره.. أنه وَلد.. سيرضى بنفس السرعة التي غضب بها. قال الرجل ذلك وهو يبتسم بود، ثم أردف: أنا أعرفك بعض الشيء.. حدّثني نادر عنك. فعقبت وفاء: لم نتعارف بعد. فقال: ـ اسمي أيهم.. مهندس كهرباء.. إلى .. ومن المدينة يومياً.. متزوج ولي طفلان.. ـ أ أنت..؟ ـ قد لا نعيش حتى الوقت الذي يمكننا فيه التصريح بهويتنا. ـ هل صحيح ما قاله عصام عن نادر؟ ـ لا أعتقد.. عموماً عصام يتمنى لو يخرج نادر بأي ثمن. ـ لم لا؟ ـ... ـ أسألك لم لا؟! ـ لا أدري.. أخشى أن يصبح شيئاً آخر. ـ كيف؟ ـ كأن يقتل صورته التي أصبحت جميلة. ـ لكأني بكم تبحثون عن رموز بأي ثمن! ـ أن نكون مجرد بشر، يعني أننا مرشحون لنكون لا رموزاً فحسب.. بل أنبياء. ـ وماذا تفعلون بحياتكم الخاصة، وبأعماركم التي لن ترزقوا غيرها؟ ـ الآخرون يقرّرون ذلك نيابة عنّا. قال ذلك بلهجة ساخرة مع ابتسامة أسى واضحة. وعلا صوت عصام غاضباً ولاذعاً وهو يقترب من أيهم قائلاً: أنتم مجرد مجانين.. الكوكولا والهامبرغر يسّوقان في الكرملن وأنتم تدفنون رؤسكم في الرمال افتحوا أعينكم يا صديقي ـ بالضبط نُجرّم لأننا نفتح أعيننا. ـ وهل تصرّ.. والآن تحديداً.. على محاولة غسل دماغ وفاء؟ ـ لا أصرّ على شيء.. أردت فقط السؤال عن نادر. ـ نادر بخير. ـ أرجو ذلك.. وأرجو أن تبلغوه تحياتي. ومد يده إلى وفاء مودعاً ثم مضى بخطوات هادئة، وعينا وفاء تشيّعانه باهتمام واحترام. ثم التفتت إلى عصام متسائلة بامتعاض. ـ عصام.. لماذا كنت جلفاً أكثر من اللازم؟ ـ لا أعرف.. أتدرين؟ ما عدت أعرف شيئاً.. ولا حتى لماذا أعيش! بل لم أعد أؤمن بشيء.. أشعر أحياناً بفراغ هائل. وعندما ألتقي بهؤلاء أكرههم، أحمّلهم مسؤولية غياب نادر، ومسؤولية الكثير من القلق والغم اللذين نغّصا حياة أسرتي.. وما أن يديروا ظهورهم حتى تخذلني كراهيتي. وأحسُّ بنوع من الإهانة، متسائلاً: هل هم مجرد حالمين يحبون الحياة في حقل ألغام؟ ـ دعك من هذه الثرثرة. ـ كيف يذهبون بأرجلهم إلى جهنم؟! ـ اسكت بالله عليك. ـ أنتِ تتعاطفين معهم.. أعرف ذلك. ـ لا أتعاطف مع أحد، لكنني أتساءل أحياناً: من الذي يجعل الحياة ضيقة.. ولماذا؟! ـ الأسئلة اللعينة ذاتها! ألا نستطيع الحياة دون ثرثرة؟ ـ وهل التفكير بنمط الحياة ثرثرة؟! ـ يبدو أنكِ سياسية بالوراثة! ولستِ بعيدة عن المتاعب. ـ أنا؟! ـ نعم أنتِ. - وأنتَ ـ أنا لا أستطيع أن أكون أكثر من فلاّح، يوفّق بين الفلاحة ودراسة الحقوق، كل طموحاتي ألا أكون رقماً فارغاً، ولا وسخاً. ـ ها أنت تتحدّث في السياسة ـ أبو السياسة.. وأبو العالم.. عموماً أرجو ألا تتورّطي.. وأن تكتفي بما حدث لك من اعتقال مؤقت. كادت أن تقول لـه أنها لم تكن متورطة، وأنها اعتُقلت من غرفة نادر وبسببه، وأنها كانت في طريقها للاعتراف لـه بأنها لا تستطيع أن تتزوّج سواه، بل ولتقرير زواجهما. إلا أن إحساساً غامضاً جعلها تلوذ بصمت مربك، إلى أن أمسك بيدها، ضاغطاً عليها بشراسة، وهو يقول: عديني أن تبتعدي عن السياسة. لم تسمع صوتها جيداً عندما أجابته، وبإذعان: أعدك. كانت نهب مشاعر مختلطة وملتبسة وطاغية ومُستلبة، أمام الإحساس بهيمنة عصام. وعندما دافعته بانشداه، لم تصدّق أنه اغتصب القبلة الأولى! ـ أنت وحش!! قالت وهي ترتعد، وتتطلع حواليها، لترى حجم الفضيحة. كان ثمة غروب وسماء لا حدّ لها، وفضاء ريفيّ هائل مسكون بالصمت والوحشة. ـ ما من أحد. غمغم عصام بذلك، وهو يستدير نحو القرية بخطى مرتبكة. وسارت خلفه واجمة، دون أن تدري تماماً ما يجب قوله أو فعله. ـ هل أعتذر؟ ـ لماذا فعلت ذلك؟! ـ لا أدري. ـ أنت مجنون؟! ـ لا .. متهوّر فقط. بصعوبة لجمت نفسها عن الابتسام، ولاكت إحساساً مرّاً بالتواطؤ! وهنالك في المنزل، تجاهل عصام كل شيء، وانبرى يصخب ويقهقه، ويتحدّث بأسلوب تهكّمي لاذع، تارة عن شجون القرية، التي لا يريد أحد أن يراها. وتارة عن الأحلام الرخيصة التي يأكلها الفلاحون بعد وجباتهم الهزيلة، عن الشجارات العائلية التي "لا رأس لها ولا ذنب". وعن الحب الرومانسي، الذي يسقط باستمرار في شراك الواقعية. ثم عرّج على الحديث، بسخرية ضاحكة عن مستقبله كمحام في منطقة القرية، حيث سيضطر للتحوّل كما قال إلى "كاتب عرائض.. أو كاتب تعاويذ.. والله أعلم." فانفجرت وفاء بالضحك، ثم تساءلت: لماذا لا تجرّب حظك في العاصمة؟ وخزه إحساس بأنها دعوة ملتبسة. تأمل وجهها، فضبط عينيها وهما تهربان تحت ضغط إحساس مماثل. وبعفوية قال: سأذهب، تاركاً أمّه تحتج، وتشتم العاصمة، مختتمة ذلك بقولها: ألا يكفيها أنها ابتلعت نادر؟! فهيمن وجوم عام، حيث بات الحضور الكثيف لنادر الغائب، يلقي بظله على الجميع، وسط مشاعر سرّية، يثقلها إحساس ما بالذنب. لكن عصام أصرّ على كسر ذاك الوجوم، فبادر إلى حركات وأقوال طريفة، انتزعت الكثير من الابتسامات والقهقهات، إلى أن قال وهو يحدّق بعيني وفاء مباشرة: ـ أما أنا.. فسأبتلع العاصمة، وقهقه بصخب، ملاحظاً بلذّة، كيف اضطربت، وكيف علت وجنتيها حمرة خفيفة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |