قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل العشرون

ـ ما الذي يضحكك؟!‏

تساءل أبو نادر، وهو يدلف إلى الغرفة بخطواته الثقيلة المتعبة.‏

كتم عصام استياءه، وراح يعبث بأصابعه، ويفكر: لن تضطرني أيها العجوز للرحيل إلا في الوقت المناسب".‏

وانكمشت وفاء، في حين أشارت لـه أم نادر: أن سلّم على الضيوف أولاً.‏

ـ أهلاً أهلاً.. أ أنت هنا؟! كيف حال أمك وأبيك؟‏

ـ بخير والحمد لله، ونهضت وفاء تاركة عمها الطيّب يحتضنها، ويقبّلها.‏

وشمّت فيه رائحة التراب والتعب. وقدّرت بأسف أن سنواته الستين حفرت تجاعيد أكثر من اللازم في وجهه الحنطيّ الجاد والأليف.‏

تربّع، وراح يسامرها. تساءل عن المدينة. عن الأحوال التفصيلية لأسرتها بلغة حميمة، ثم انتقل للحديث عن الأرض، وعن حلمه بموسم جيّد يخلّصه من هموم الدَّين. وعن مشاكله مع المصرف الزراعي، ومع إدارة معمل الكونسروة، التي تسببت بإتلاف موسم البندورة في العام الماضي.‏

".. إذا لم ينجح الموسم بسبب الصقيع، أو قلة المطر والري، أو ضعف قدرتنا على التسميد، يقولون: أنتم كسالى تحبون الفقر!‏

وإذا نجح، يقولون: المعمل لا يستوعب كل هذا الإنتاج! وفي كل الحالات نجد المصرف جاهزاً لتضييق الخناق علينا، حتى الحجز.. العمى!!"‏

لكن أم نادر لم تدعه يسترسل، فقاطعته قائلة: وفاء أمنّت زيارة لنا. شادّة بذلك الحديث تجاه همومها هي.‏

فتساءل أبو نادر بارتباك: متى؟!‏

أجابت وفاء، مع ابتسامة راضية: بعد يومين.‏

حكّ أبو نادر رأسه، وقال: أبو صالح قال: "سيُطلق سراحه قريباً".‏

فعقّبت أم نادر بحنق: أتصدّق هذا الكذاب؟! كم مرة قال لنا ذلك؟!‏

تساءلت وفاء: من هذا الـ أبو صالح؟!‏

أجابت أم نادر: هذا واحد أزعر، وزلمة حكومة ببلاش، فعقّب أبو نادر:‏

ـ مين قال ببلاش؟! كل شيء بحقّه وحياتك.‏

فتساءلت وفاء ثانية: لم أفهم من هو؟‏

أجاب أبو نادر: واحد علاقاته كثيرة ومتداخلة وغامضة، وملعون والدين، آنئذ وجد زياد فرصته ليقول شيئاًـ فقال لوفاء:‏

ـ أبو صالح هو أبو السيارة.‏

ـ سيارة الـ "دوج" الصفراء.‏

ـ هو بعينه.‏

ـ آه.. قلبي قال لي "هذا عكروت".‏

أم نادر تدرك أن المسألة أولاً وأخيراً هي مسألة تكاليف الزيارة.‏

"وإلا ما الذي يمنع من رؤية نادر، ولو قبل يوم من إطلاق سراحه؟!"‏

أحاسيسها كأم لا تسمح لها بالتريّث. لكن أبا نادر مضطر باستمرار لتدقيق حساباته الصعبة. وعندما يشعر بالإحراج، أو بأن الأمور معقدّة، يلجأ إلى عادة حك الرأس، لكأنه يفتش فيه عن حل غير متوقّع، وأقلّ إيلاماً.‏

ـ نبيع العنزة. قالت أم نادر، لكأنها أدركت ما يجول برأس زوجها. ومن ثم تطلعت إلى طفلها زياد، لكأنه وحده المعنيِّ بالعنزة، حيث بات صديقها، والمسؤول الأول عن رعايتها كمهمة محدّدة لهذا الولد، الذي لا يمكن أن يحسن عملاً آخر.‏

فتساءل زياد باستياء: العنزة؟!‏

ـ من أجل نادر. قالت الأم بلهجة حنونة، وقاطعة، أغلقت الطريق أمام أيّ اعتراض كان.‏

ـ أهذا وقت عنزتك يا أمي؟! قال عصام متسائلاً باحتجاج يضمر ثورة على وشك الانفلات. وتطلّع إلى عينيّ وفاء، معتذراً عن "مثل هذه السخافات".‏

ـ هذا وقت نادر يا عصام. كذلك أجابت الأم ببرود وتحدّ ويقينيّة أوجعت زياد، وجعلته يلتصق بأمه، لكأنه يعتذر عن معارضته. وعند ما هدهدته، استراح في حضنها، وراح يستحلفها أن تأخذه معها لزيارة أخيه، الذي لم يره إلا في الصور الماثلة على الجدار!‏

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله. قال أبو نادر ذلك، وهو يحرّك يديه لكأنه ينفض عن كاهله ركاماً من المخاوف والأسئلة، التي لا يريد أن يواجهها هكذا وبصراحة.‏

وفاء كانت فاغرة فمها وعقلها إزاء هذا الواقع الثقيل، في حين كان عصام يلملم عري واقعه المفضوح بعينين مظلمتين، ومليئتين بشهوة الموت، إلى أن نهض كالملسوع، وخرج وهو يغمغم بكلمات سامّة، يريدها أن تصيب كل البشر! أما زياد فما لبث أن نام مرتاح الضمير، بعد أن سلّم ببيع صديقته العنزة إلى الأبد، من أجل نادر.‏

وبعينين نصف مغمضتين كان أبو نادر يتفحصّ عالمه الظالم، تاركاً دفّة التوجيه لزوجته، التي يستطيع أن يمنحها مطلق ثقته، حتى ولو قادته إلى جهنّم!‏

في حين بقيت أم نادر ترمش بعينها الكليلتين، مع إحساس عال بالمسؤولية والرضى. ثم التفت إلى وفاء وهي تبتسم لكأنها تقول: "نحن جاهزون".‏

هربت وفاء بعينيها، وهي تهجس: كم هي لئيمة الحياة الضيّقة!!" وراحت تفكّر بطريقة تمكّنها من تحمّل نفقات الزيارة، دون أن تجرح كبرياء هذه الأسرة. غافلةً عن كون أم نادر تغصّ بسؤالها القديم الجديد: "لماذا لا يستطيع أبوها الكولونيل فعل شيء؟!" غير فاهمة معنى أن يكون حتى أبو صالح أكثر قدرة منه على الحركة! ".. على الأقل.. هذا كان يعدنا.. صحيح أنه كذَّاب.. لكن الصحيح أيضاً أننا نحن بدورنا لم نستطيع ـ بلّ ريق القادرين على إطلاق سراح نادر ـ كما قال أبو صالح بصراحة."‏

..كانت فاتورة الحساب كبيرة، لدرجة أن أم نادر نفسها، والتي لا تتردد ببيع قلبها من أجل نادر، قرّرت: لا يجوز التضحية بكل العائلة من أجل واحد.. هذا حرام.‏

تلك الفتوى نزلت برداً وسلاماً على قلب الأب المحاصر بين مسؤولياته تجاه أحبِّ أبنائه، وبين الإقدام على انتحار جماعيّ.‏

.. طويلاً ستتذكر وفاء تلك الزيارة.‏

الله وحده يعلم كيف مضت نصف الساعة الطويلة القصيرة تلك، دون انهيارات عصبية، أو دون جنون حقيقي!‏

والإجراءات الأمنيّة المعقّدة، لم تحل دون انفلات المشاعر الكامنة، والقادرة على إغراق كل شيء ماعدا يقظة الحراس المعتادين على هكذا نوع من الجنون.‏

هي نفسها كانت مجنونة فعلاً، وهي تندفع إلى نادر بشعور المرأة، التي تُزفّ إلى حبيبها. اقتنصته قبل أمه.‏

كان صدره الواهن محطة استراحة لمشاعرها الكامنة والمحروقة.‏

والتي تُوّجت بابتسامات مبللة بالدموع والأحلام الخضراء.‏

لا تدري كيف بدأت الزيارة، ولا كيف انتهت:‏

ثمة أوامر دقيقة تدخّلت من حين لآخر، وفقَ نظامها الأمني الخاص، غير عابئة بردود فعل الناس، ولا بمشاعرهم، إلى أن تدخّل الأمر الصارم ليقطع شريط الزيارة الحلم بإشارة من يده.‏

في طريق العودة، الكل كان يفتّش عن التفاصيل الهاربة.. وكانت رائحة نادر ملء الأنف والذاكرة.. وكان حزن شفيف يغلّف بقايا الابتسامات العالقة على الوجوه.‏

زياد وحده لم يستطع إقامة أية علاقة مع هذا الأخ، الذي لا يعرفه إلا صورة جداريّة، كان يحادثها من حين لآخر، تشجعّه تلك الابتسامة الطيبة، التي ألفها وارتاح إليها. خاصة وقد اكتشف المكانة المؤثرة لنادر، من خلال ما استجره من دموع ملأت عينيّ أمه، خلال الأماسي الكثيرة الماضية، مما جعله يحتمي بنادر كلما همّت أمّة بعقابه، إثر ذنوبه أو مشاكساته التي لا تعدّ.‏

وكان نادر المثبّت على الجدار يحميه فعلاً، لدرجة أن أمّه لا تغفر لـه فحسب بل تحتضنه، وتبكي أمام الصورة‍‏

أما ذاك الـ "نادر" القادم من خلف أبواب وقضبان حديدية لا عدّ لها، ووسط ثلّة من العساكر المخيفين، فقد بدا شيئاً آخر مختلفاً، بوجهه الشاحب، وعينيه الغائرتين، وبابتسامته الداكنة، التي لا تشبه تلك الابتسامة المرحة في الوجه النضر والعينين اللامعتين. الماثلتين على الجدار. فبدا شبه حياديّ، راغباً في التخلص من هذا الجوّ الكابوسيّ المخيف، والعودة سالماً مع أمه وأبيه ووفاء، دون أن يفكر ثانية بالاصرار على مثل هكذا زيارة.‏

ومتسائلاً بدهشة: ".. لماذا يفضّل نادر البقاء هناك؟ ولماذا لا يعود مع هؤلاء الذين يحبونه، ويبكون من أجل أن يأتي؟!‏

أمّا وفاء، فثمة أكثر من خيبة علقت بمشاعرها وأحاسيسها، بدءاً من القرية وانتهاء بالزيارة.‏

فامرأة عمّها صادرت حقّها في المساهمة صراحة بنفقات الزيارة، مقدّرة أن الكبرياء وحده لا يشكل مبرراً كافياً. بل لابدّ أن يكون لتصنيفها كغريبة إلى حدّ ما، وغير معنية بالأمر مباشرة، دوره بالتأكيد.‏

ثم إن نادر نفسه لم يبدُ عاشقاً حقيقياً، يرسل الإشارات الخفيّة، التي يمكن لقلبها أن يلتقطها "على الطاير". بل كان أشبه بفيلسوف مكسور، يريد "لهؤلاء المجانين" أن يعقلوا!‏

صحيح أنه ضمّ الجميع، وقبّل الجميع، لكنه قبّلها كما يمكن أن يقبّل أية امرأة أو رجل وافاه خلال الزيارة! مما جعلها تتذكر بانكسار قول أمها بأنها "مجنونة" مجنونةٌ لا يريد أحد أن يعترف بآفاق وطبيعة جنونها الجميل، مما عزّز شعورها بالاغتراب والوحدة، وبأن لا قيمة لكل ما تملكه من خامات حياتيّة، رشحّتها في يوم من الأيام، لتكون ما لا تدري كيف تكونه!‏

الكل كان يرغب بها، الأصدقاء، الزملاء، الأساتذة، شباب الحارة، نادر وأمثاله.. صحيح أنها لم تستطع الاحتفاظ بأحد من هؤلاء لكن أحداً منهم لم يستطع الاحتفاظ بها، مما يجعلها غالباً تنقم عليهم جميعاً، مع شعور غامض بأن ثمة خطأ أكبر من الجميع، كأن يكون هذا العالم لا يتّسع لأن يكون الإنسان هو نفسه!.‏

وفكّرت فيما يمكن أن تكونه، لتكسر هذا الحصار، الذي يضيق أكثر فأكثر على جسدها وروحها.‏

ثم قدّرت أن تعلقّها بنادر، ليس أكثر من تعلّقها بفكرة، فكرة نبيلة، قد لا يستطيع هو نفسه أن يتقمّصها كما يجب.‏

ثم رأت أن انتظارها غير المعلن لـه، ما هو إلا تأجيل لإعلان خيبتها، خاصةً وأن نادر قال للجميع صراحة بمن فيهم هي، أن يعيشوا حياتهم الطبيعية، وأن يكفّوا عن حساب الأيام، وأن يكفّوا عن انتظاره المتعب.‏

قالها بلغة متعبّة وحكيمة ويائسة، لدرجة أبكت زوّاره.‏

".. قد أخرج غداً.. وقد لا أخرج أبداً."!‏

هل وصف واقعة غريبة تحكم أمثاله؟ أم وصف شعوراً عائماً في فراغ حياته الخاصّة، المعلّقة على احتمالات محدودة ومتباينة لدرجة غير معقولة؟!‏

لم تتوصل وفاء، إلى تفسير معقول "برغم أنها هي نفسها باتت أقرب للاقتناع بأن العقل لم يعد مقياساً صالحاً لكل ما جرى ويجري من حولها، وبسرعات غير منضبطة، مما يدوّخ أكبر العقول، ويجعلها تستسلم لنوع من الرجاء والقدريّة الغامضة، القادرة على أية انعطافة حياتية، مهما بلغت حدّتها، للأعلى أو للأسفل، ودون أية مقدمات أو مؤشرات، وهذا وحده كفيل بأن يجعلها تبدو أكثر توازناً، وأكثر لا مبالاة، وربما ضياعاً وتهميشاً، مع أقل الخسائر الممكنة من الأحاسيس المحروقة، والطاغية على سطح حياتها اليومية باستمرار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244