قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الواحد والعشرون

أبو صالح، الذي تلمّظ حين شاهد وفاء، والذي اضطر للتواري بعد أن أربكته "عجرفتُها" ورفضُها لوضع سيارته تحت تصرّفها، ومع ابتلاعه لشعوره بالإهانة، وإصراره على تتبّع آثارها، إلى أن عرف أنها ابنة الكولونيل، خمّن أنها من هذا الجيل "الملعون" الذي لا يتوانى عن إثارة المشاكل. وغمغم: عموماً.. إذا أصرّت على الذهاب إلى جهنم، لن أبخل بمساعدتها.‏

وابتسم برضى، ودلف إلى مقهاه، وهو الوحيد في القرية.‏

رأى الوجوه "الطفرانة" ذاتها تتوزّع رغم قلّتها على مجمل مساحة المقهى. وتذمّر من أن أحدهم يشعر بتملّك المكان طيلة اليوم حالما يطلب ولو "فنجان سمّ الموت! ومضى إلى صدر مقهاه. حيث عامِله العجوز "أبو يوسف" يسند ذقنه على صدره آخذاً "غفوة صغيرة" على حدّ قوله، إلى أن يستفيق على نداء أحدهم.‏

ـ "أبو يوسف"‏

ـ هاه؟ بذلك أجاب أبو يوسف وقد فتح عينيه.‏

وإذ رأى معلمه، راح يرمش بعينين كسولتين، معتقداً أن لا مبرر لإيقاظه.‏

ـ هات لي كأس عرق.‏

"العرق والمازة بمتناول يده، مع ذلك هات يا "أبو يوسف" لكأنه يعطيني المنّ والسلوى! كل الأجرة لا تساوي أكثر من حقّ الخبز والدخان.. العمى!!"‏

ذلك ما فكر به أبو يوسف بحنق. وهو ينهض بتثاقل ملبياً، وبرغم كل شيء، حاجة المعلّم‏

ـ خلّيهم كأسين عمي "أبو يوسف" قال برهوم، وهو يدلف إلى المقهى، ويحمل كرسيّاً، ليجلس قبالة أبي صالح.‏

لا أحد يستطيع أن يقول لبرهوم: لا. فهو اليد اليمنى لأبي صالح، الذي يستطيع أن يلقيه في البحر، ليعود إليه دون أن يتبلل!‏

".. قبضاي حقيقي.. مشكلته أن بطنه واسع لا يشبع، ولا يخجل من كلمة هات!"‏

ـ كاسك خييّ " أبو صالح"‏

ـ كاسك خييّ برهوم.‏

مع الكأس الثانية، امتزج العرق بالشهوة لفشّ الخلق، وقتل الوقت الفارغ بالثرثرة حول شؤون خلق الله. خاصة وأن ثمة أحداثاً لازالت طازجة تقريباً، وعلى أكثر من صعيد.‏

حيث أن أمواجاً من البشر، مسلمين ومسيحيين، ومن أربع زوايا البلاد، راحت تتسابق في الأمس القريب عبر كل وسائل المواصلات المتوفرة، في محاولة للحاق بـ "المعجزة" والتبرّك بها، حيث تمثال السيدة العذراء، بدأ يبكي، وبدموع غزيرة، يُقال أنها حفرت لنفسها مجرى صغيراً خلال الأزقّة والشوارع، وصولاً إلى مزار "السيد الرِّفاعي.. قدّس الله سرّه"‏

وهناك في المدنية ذاتها المعمّمة بقباب تتوسّط مقابر مندثرة لشهداء من كل العصور، كان الوافدون يحتشدون في كرنفال لـه أوّل وليس لـه آخر. دون أن يُتاح لهم ولو معرفة مكان المعجزة المباركة.‏

فقط كان ثمة من يبيع تماثيل مألوفة لأمنا العذراء، مع قطرات من المياه المباركة المعمّدة بدموعها كما يقولون.‏

وكان الجميع يمسحون بها وجوههم ورؤوسهم مباشرة، باستثناء الأطفال، الذين أصرّوا على رفض كل شيء، بانتظار شراء شراب العرقسوس أو العيران، أو حتى الماء البارد، ليبلّلوا ألسنتهم الجافّة.‏

وكانت النسوة تشتكي لله عناد الأطفال، وتستميحُ "السيدة" عذراً عن هؤلاء الذين لا يفهمون بعد معنى التبارك والتذلّل.‏

أما الشرطة الذين أرهقتهم مهمة مطاردة النشالين والزعران من جهة، ومن جهة أخرى حماية النسوة اللواتي لا يجدن سوى الصراخ والولولة أمام بعض الشباب والرجال الطائشين، والمغامرين دون حساب، خاصة أولئك الذين يفتعلون الالتصاق بالنسوة، ويهمسون لهن بكلمات داعرة.‏

أولئك الشرطة، تنفّسوا بارتياح عندما كُلفوا بمصادرة كل وسائل المواصلات المتوفّرة، مع ركابها.‏

آنئذ بدأ بحث محموم عن السائقين، بمساعدة الضغط المستمر على أبواق السيارات.‏

ومن ثم تحركت أرتال الباصات العتيقة بتؤدة، جارّة إليها ركاماً من البشر، الذين لم يَعوا معنى هذه الحركات المجنونة للسيارات، وقُبيل أن يتيسّر للجميع ولو التبارك بدموع العذراء المتوفرة لدى الباعة الجوّالين.‏

ما أن امتلأت السيارات بركابها، وببكاء الأطفال، وبلغط النسوة واحتجاجاتهن، وبتبرّم الرجال، حتى انطلقت باتجاه واحد، غير عابئة بالاستفسارات والاحتجاجات الصاخبة المتجاهلة لوجود الشرطة، المحشورين بدورهم بين هؤلاء البشر، دون أن يُتاح لهم فرصة كافية لإفهام الناس بأن ثمة مناسبة تستدعي وجودهم، فقط لبرهة من الزمن، ومن ثم ليذهبوا إلى جهنّم إن شاؤوا.‏

أخيراً لم يكن بوسع الجميع إلا الاستسلام، مع غمغمات وحركات خرقاء لأيديهم المتوتّرة، دون أن يجدوا خياراً آخر للتعبير عن امتعاضهم، وعدم فهمهم لما يجري.‏

وهناك.. في المدينة الكبيرة المجاورة، والمكتظة بالناس، لفظت السيارات ركّابها، مع تحديد مكان اللقاء القادم.‏

كانت الأعلام الوطنية واللافتات، وأرتال المنظمات الشعبيّة والرسميّة، ابتداء من تلامذة المدارس الابتدائية، وانتهاء بجمعية المتقاعدين، المردّدين لأناشيد غير مفهومة تماماً، يملؤون ساحات وشوارع المدينة.‏

وكانت مكبرات الصوت تنقل الأصوات الحادة والصاخبة، والمختلفة الألوان والتدرّجات، دون أن تراعي أمزجة الأطفال، الذين لم يستطيعوا سوى البكاء، وبأصوات مبحوحة، طغت عليها موسيقى النشيد الوطنيّ العارمة، والخطابات التي لم يُدرك الكثيرون مناسبتها، مثلما لم يدركوا مبرر عدم وجود بائعي العرقسوس، ليبلّلوا ريق الأطفال، الذين "طقّوا من البكاء والعطش" مما جعلهم ينسربون جماعة إثر أخرى إلى سياراتهم، التي تنتظرهم هناك.‏

وبرغم أن بعضهم وصلوا بالكامل إلى سياراتهم، إلا أن السائقين رفضوا التحرّك بانتظار الأوامر، مما أثار الكثير من الجدل والصراخ، وصولاً إلى السباب والشتائم. إذ ما معنى ألا يخضع السائق لأمر دافعي الأجرة؟!‏

في حين كان السائقون يقسمون بأغلظ الأيمان على أن أوراق السيارات باتت لدى الشرطة.‏

مع ذلك كانت الأكثرية، خاصة من العجائز، تعتقد جازمة، أن السيارات تستطيع السير دون أية أوراق، وأن هؤلاء السائقين محتالون وشركاء للشرطة.‏

قبيل المساء، ومع انفراط الحشد البشريّ الكبير، وانطفاء الصخب والضجيج، باستثناء الإذاعة الرسمية، التي بقيت تواصل زعيقها عبر مكبرات الصوت، وإثر وصول الشرطة والأوراق، تحركت السيارات باتجاهات مختلفة، إلى حيث لم يعد بوسع الجميع سوى العودة إلى ديارهم، مع الإصرار على أنهم كانوا محظوظين نسبيّاً، لأنهم اقتربوا "لدرجة الملامسة" من السيدة العذراء. مع تصريح بعضهم بأنهم رأوا دموعها "تجري كالسيل الجارف" وأنهم حازوا على بركتها، التي يمكن لو لامست كل البشر، أن تعيدهم إلى جادّة الحق والخير.‏

ـ كاسك خييّ أبو صالح.‏

ـ كاسك خييّ برهوم..‏

ـ أخ لو يتركوني أحكم العالم.. ولو لأسبوع..‏

ـ كنت بتخربها برهوم.‏

ـ إذا ما خربت ما بتعمر.‏

بالأمس القريب، كادت القيامة أن تقوم! لا أحد يعرف بالضبط من حرك أولئك "الرعاع، الذين لا يفهمون بالسياسة" ولا من علّمهم الصراخ بأعلى أصواتهم ضد "الأماركان، والإنكليز، والفرنساويين" احتجاجاً على‏

ـ المذابح الجماعيّة، والتدمير الشامل في العراق". كما يرددون.‏

قالوا لهم: طوّلوا بالكم.. كلّها يوم يومان، وتنتهي الأمور.. لكن أحداً لم يطوّل باله.. حتى الأطفال تعلّموا الصراخ والشتائم على "الأماركان" وصولاً إلى "العسكر والحكومات" مما أرغم الشرطة على التدخّل بحزم، لاعنين "قلّة ذوق الكبار، وعدم تربية الصغار." مع جرّ بعضهم إلى مراكز التوقيف والتحقيق، لبيان أسباب "كل هذا الشغب" الذي "لا طعم لـه ولا مبرر". ولضبط المحرّضين، الذين "يتسلّون بتهييج الناس!" في حين توارى الكثير من الشباب عن الأنظار.‏

ـ قلنا: المقهى يضبّ الشباب، ويحميهم من القيل والقال، ومن البهدلة والسجون، لا فائدة، ناس بجم، لا يعرفون مصالحهم!‏

ـ كاس الناس البجم خييّ "أبو صالح"‏

ـ فشروا.‏

وأقسم أبو صالح على أن المشكلة مشكلة المتعلمين قبل غيرهم. وأن هؤلاء ما هم إلا شروراً على أهلهم وغير أهلهم. ثم حمد الله على رجاحة عقل المرحوم والده، الذي لم يدعه يحصّل إلا الابتدائية، ليزجّه بعدها بشؤون الحياة الطويلة العريضة، من زراعة وتجارة، وعلاقات هنا وهناك، جعلت منه رجلاً مهمّاً على صعيد المنطقة، سواء اعترفت المنطقة بذلك أم لم تعترف‏

ـ لا تتعب دماغك على الفاضي خييّ أبو صالح.‏

ـ دماغي مدّوزن على المليان.. وحياتك.. كاسك خييّ برهوم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244