قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني والعشرون

الطبيب الخاص للعائلة نصح بإبعاد الكولونيل عن أية مؤثرات نفسية أو عصبيّة. فتداعت فكرة الرحلة إلى القرية، التي هرب منها أيام شبابه. والتي بات يهجس بالهروب إليها اليوم، لتكون محطة استراحته الأخيرة، أو "قبراً نموذجياً لكل التحفظات.. ولكل الأحلام والمتاعب."‏

ـ لكنها كقرى القرون الوسطى.. قالت أم وفاء ذلك بامتعاض، فعقّبت وفاء بقولها: لتكن ما تكون.. المهم أنها تريحه.‏

الكولونيل يدرك أن الاهتمام المبالغ به، والذي سقط على رأسه فجأة ليس دليل عافية، وأن ثمة حالة مرضيّة تربكه وتربك العائلة، مع يقينه أن الاستسلام لها يعني التشوّه، دون الموت، الذي يتمنّاه في هكذا حالة.‏

لذلك، ومنذ أن وطأت قدماه القرية، حاول أن ينفتّح بلا حدود على الطبيعة البسيطة، العابقة برائحة طفولته، بعيداً عن الدمامل المتقيّحة، والكامنّة في أعماقه، يساعده في ذلك الجميع بلا استثناء، وبحب وحميميّة يشجعانه على استنفار كل طاقات الحياة التي ينطوي عليها، ومن ثم الغرق في جوِّ من المرح والسعادة الذي قلما تذّوقه. شاعراً بكثير من الامتنان تجاه حنان أخيه وطيبة أم نادر، وحيوية أم عصام، وطرافة زياد. إضافة لحرص زوجته وابنته على منحه كل فرص الراحة الممكنة، مع تسليمه بأن لزوجته خصوصيّة لم تمارسها دائماً، حيث التحفّظ لا يزال يغلب على سلوكها حتى اليوم!‏

ومع حرصه على عدم الانزلاق إلى متاهة الذكريات الهاربة، المتداخلة والملتبسة، أصرّ على استرجاع ليلى وذلك الزواج، الذي تم دونما ضجيج، فتداعت ابتسامات رفاقه المراوغة، التي راحت تحاصره وتضغط على أعصابه.‏

" ـ مبروك." قالها كل منهم بحيادية باردة.‏

شكرهم يومئذ باقتضاب، طاوياً الحديث عن حياته الخاصة، التي لا يريد لها أن تتداخل وتتشابك مع العام.‏

لم يدعُ أحداً من رفاقه إلى أيٍّ من حفلتي الخطبة والزفاف. بل لم يجرؤ على ذلك! يعرف كيف يفكرون، وكيف يرسمون خطوطاً حادّة على شاكلة الصراط المستقيم ما بين الجنة وجهنّم.‏

".. للأفكار جنّتها وجهنّمها.. نعم.. أما الواقع" آخ من الواقع.. إنه متداخل وابن كلب.. يستحيل تفصيله ورسمه على الورق، أو في الأذهان.. إنه مراوغ لا يمكن القبض عليه كليّة.."‏

لم يعترفوا يومئذ بذلك.. قالوا: في المعركة لا يجوز خلط الألوان."‏

قد يكون ثمة مبرر لأقوالهم وقناعاتهم الصارمة تلك. حيث كل الجبهات تعاركهم، لكن لون الحلم يصرّ على الاختلاط بألوان تعرجات الواقع العصيّة على الضبط.‏

".. كنت أدرك أن الحاج عدنان كان يستدرجني إلى منزلـه، إلى ثروته، بل وحتى إلى.. وكنت أدرك لماذا.. دخلت اللعبة بإصرار، وباستفزاز داخلي، يحمل كل ما ورثته من تحدّ وعناد.. لكنني.. ماذا أقول..؟ نعم أحببتُ ليلى. هل لأنها جميلة؟ أم لأنها..؟؟ لا أعرف لماذا بالضبط. أما كونها ابنة أحد كبار الأثرياء، فلم يكن أكثر من عنصر نقيض في صراع القيم والأفكار، التي زُججتُ بها منذ يفاعتي.. لقد أحبتني وكان ذلك كافياً.. بل أصرّت على الوقوف إلى جانبي، حتى ضدّ أبيها.. لم تكن تفهم شيئاً عن الصراع الطبقي أو غيره.. مشاعرها الخاصة وحدها جعلتها.. جعلتها ماذا؟؟..‏

يا إلهي.. لماذا كل هذه الثرثرة؟! لقد أحبتني، وبادلتها الحب. وتزوّجتها كما يتزوّج كل عباد الله.. عموماً هذا شأننا الخاص.. أليس كذلك يا ليلى؟؟.."‏

وكانت عينا ليلى تخزانه وتقولان له: لا تبتعد كثيراً.. أرجوك.‏

أما أبو نادر، فقد عاهد نفسه منذ بداية الرحلة على أن يكون صمّام الأمان لأخيه، وبالتالي كان يتصرّف معه كأم لطيفة ومرحة، يهمها أن يتعافى ولدها بأي ثمن.‏

مما جعله يغضَّ الطرف عن كل ما من شأنه أن يغضبه عادة، كتلك الحركات الصبيانية لـ "الأحمق عصام" والتي رأت فيها أم نادر شيئاً من "قلة الذّوق.. وعدم مراعاة لحرمة الضيافة.." مما جعلها تنهره خلسة، طالبت منه أن "يستحي" لكنه اكتفى بتكشيرة ساخرة ومستهترة، نكأت بعض جراح أم نادر القديمة، فتمنّت أن تنتهي هذه الرحلة على خير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244