قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث والعشرون

أم وفاء قدّرت أن الرحلة إلى القرية ستدوم يوماً أو يومين على الأكثر. في حين أضمرت وفاء أنها لن تمانع في استمرارها لبضعة أيام..‏

ومع إصرار الكولونيل على تمديدها، تدخّل أبو نادر، مقسماً برأس المرحوم والده، أنه لن يسمح لهم بالرحيل قبل نهاية الأسبوع على الأقل. مما أفرح الصغير زياد، ذاك الذي لم يرَ في الأصل سبباً مقنعاً لرحيل هؤلاء الأقرباء الذين يتمنى لو يبقوا معه إلى الأبد.‏

أخيراً تقررت نهاية الرحلة، مع تأكيد الجميع على أنها لن تكون الأخيرة.‏

ومع اقتراب الموعد المحدّد، تربّع عصام قبالة الكولونيل. كابحاً قلقه وهواجسه. ليطرح مستقبله كله على بساط البحث.‏

ـ لم تهنئني لنيلي شهادة الحقوق يا عم!.‏

ـ ألف مبروك يا عصام.‏

ـ أفكرّ بالمحاماة.. ما رأيك؟‏

ـ معقول " الله الموفق.‏

فعقّبت وفاء، وهي تبتسم ابتسامة ذات مغزى: هذه مشكلتك.‏

ثم استطردت قائلة: دع عمّك من مشاكلك، وخذ قرارك بنفسك.‏

".. اللعينة!! تصرّ على إحراجي.. هي نفسها دعتني إلى العاصمة.. فما الذي أرادت قوله الآن؟!"‏

ويصرّ عصام على عدم ضياع فرصته، فيتابع كمن يتحدث إلى نفسه:‏

ـ المشكلة مشكلة التدريب.. ولسنتين.‏

ويتطلع الكولونيل الذي فهم أبعاد المشكلة، إلى أم وفاء، فإلى وفاء، مستطلعاً ردود فعلهما، آملاً أن تكون إيجابية، ليتمكن من إعلان موافقته وبسرور.‏

معتقداً أن وجود إنسان قريب وموثوق إلى جانبه الآن، ليس أمراً سيئاً.‏

إضافة لتقاطع ذلك مع رغبته في تقديم أية مساعدة ممكنة لبيت أخيه، الذي يكّن لـه كل الحب.‏

أم وفاء، لم ترّ في الأمر مشكلة. وفكرت: "حين يُصبح مشكلة، سنتخلّص منه ببساطة." فأبدت حيادّيتها ولا مبالاتها.‏

أمّا وفاء التي اعتقدت أن الأمر تقرّر وانتهى بمجرّد عرضه، والتي أرادت من خلال تعقيبها السابق، استباق الأمور، وتسجيل نقطة احتياطية لا غير. آثرتْ بدورها أن تظهر بمظهر حياديّ، تاركة والدها يقرّر بارتياح:‏

ـ المشكلة بسيطة، جهّز نفسك وتعال معنا، فبيتنا بيتك.‏

كل ردود فعل الدنيا المحتملة، وأيّاً كان مصدرها، لم تعد بذات قيمة بالنسبة لعصام.‏

"سأمتصّها لو وُجدتْ." كذلك فكر. وهجس بقوة: " على هذه الحياة العاهرة أن تتّسع لي أيضاً."‏

ورفض حتى صُرّة ثيابه التي أعدّتْها أمه، قائلاً بنزق:‏

ـ هذه لا تصلح إلا للقرية.‏

فرمتْها الأم، بصمتٍ لا يعرف كيف يعبّر عن نفسه، مع نظرة غائمة إلى البعيد البعيد.‏

ـ لا تنسي أن ترسلي لي السيارة الصغيرة. قال زياد لوفاء، وهو يشدّها من طرف بلوزتها لتسمعه جيداً. فأجابت وفاء:‏

ـ سأرسل لك سيارة وقطار وحياتك.‏

ـ وطابة حلوة كمان، أضافت أم وفاء، وهي تقبّله وتودّعه بدورها. مخلّفة إياه يتطلع باعتزاز ودهشة إلى وفاء، التي بدأت تقود السيارة المرسيدس السوداء على مهل، حاملة معها ذكرى طيبة لأسبوع حافل بالمشاوير والفرح.‏

.. كل البدايات في العاصمة كانت سهلة ومتوقّعة بالنسبة لعصام، إلا مع وفاء!‏

ـ لماذا كل هذه الألاعيب والمناورات؟! قالت ذلك بدون أن تتخلى عن ابتسامتها وثقتها الكبيرة بنفسها.‏

فتساءل عصام بحنق مضمر: ألاعيب ومناورات؟!‏

ـ طبعاً .. ألا ترى أننا لم نعد صغاراً؟‏

ـ أنا لن أكبر لحظة واحدة أكثر مما أريد..‏

ـ كل المجانين يتحدثون هكذا. ومضت مع ابتسامة ساخرة.‏

وانسحب عصام معترفاً بهزيمته الأولى، مع يقينه بأن حساباته وتصوراته لا تفتقر للدّقة.‏

".. هل الأمر مجرد دلع بنات؟"‏

لم تكن المسألة مسألة دلع بنات وحسب. كانت وبالدرجة الأولى مسألة تدقيق الحسابات. فوفاء لم تعد تلك المراهقة التي يمكن اللعب بعواطفها، ولا التي يمكن أن تجري وراء عواطفها ببساطة. نعم كان ثمة عواطف ورغبات، وثمة مشاعر وأحاسيس أنثوية ملجومة، هي نفسها التي تؤرّق عيني وفاء أحياناً، وهي نفسها التي تكبح جماحها عندما يستفزّها "هذا الفحل المجنون" فتتراجع عن غضبها، وترقد في مخدعها تلملم اضطرابها، خشية أن يطمع بها "هذا الخبيث" الذي يجب أن يتروّض قبل كل شيء.‏

كانت ثمة تصورات كثيرة ومربكة، بعضها وليدة الريبة، وبعضها مشتهاة، تفرزها لحظات الوحدة والفراغ المتوترة.‏

لكنها لم تتصور إطلاقاً أن يسقط عليها كالصاعقة!‏

ـ مجنون!‏

ـ ...‏

ـ اغتصاب؟!‏

ـ ...‏

ـ سأصرخ والله‏

ـ ...‏

ـ دعني وإلا سأهدم الدنيا على رأسك.‏

ـ ...‏

لا تدري تماماً كيف سيطر عليها، كيف افترشها دون إنذار، ولا كيف تمدّد بعدها مستسلماً لشتمائها المختلطة بدموعها!‏

كانت مذهولة لدرجة الشلل، رغم أنها لم تفاجأ كليّة، حيث سبق أن وضعت في حسابها حتى إمكانية تسلله إلى مخدعها كثعلب صغير، يمكنها اللعب به كيفما شاءت. كأن تطرده بإشارة من يدها، أو كأن تتسلى بتوسّلاته الوقحة، معتبرة إياها قمّة الجرأة، تاركة مسافة تحدّدها هي. وهي وحدها تتحكم بها.‏

أما أن يشطب كل المسافات بضربة واحدة، وأن يتسلل بخطى واثقة وجريئة، كمن يتسلل إلى فراش زوجته، وبغضّ النظر عن رغبتها واستعدادها، فهذا ما لم يخطر لها على بال.‏

لم يمكّنها حتى من مراجعة مشاعرها، التي لا تنكر أن "هذا الشيطان" أيقظها بكل توهّجها، مع الاعتراف بكونها استساغت أن تترك لـه أكثر من فرصة ليستفزّ رغباتها المكبوتة، وليزوّد أحلامها وعاداتها السّرية بما يمكنها من ملء فراغ فراشها البارد.‏

.. وأمام دهشتها الآسرة، كان لا يزال راقداً إلى جانبها، بكل قوته وضعفه، تاركاً لها إمكانية تحويله إلى مجرد حكاية، يختلقها خيال المرأة الوحيدة، وذلك من خلال قرار صريح بالطرد المذّل.‏

ـ أنت تعرف أنني أستطيع رميك خارج المدينة، أو حتى في السجن.‏

ـ يمكنني العودة إلى القرية.. أو إلى جهنم إن أردتِ.‏

ـ إذهب الآن إلى غرفتك.‏

فمضى بصمت، وبخطوات أقل ثقة وجرأة.‏

لم تصدّق وفاء براءتها، وهي تتلمّس آثار الاغتصاب. واحتارت كيف تعنّف نفسها، المتهمة صراحة بالتواطؤ. خاصة وأنها لم تحكم إغلاق باب غرفتها الخاصة ولو مرة واحدة. في اليوم التالي، لم يذهب عصام إلى مكتب أستاذه للمحاماة. بقي ينتظر أن تدعوه للرحيل، أو إلى فراشها.‏

وعندما لم تقدم على هذا ولا على ذاك طيلة أسبوع كامل، قدّر بأن ثمة دعوة سرّية. لا تستطيع أن تفصح عن نفسها. فدلف إلى غرفتها بدم بارد!‏

كان الضوء البرتقالي الخافت يومئ لـه، ليوقّع بجسده وثيقة امتلاكه لموطئ جسد في منزل دافئ وواسع.‏

لم تبدِ وفاء أية دهشة أو اعتراض. وكانت عيناها المترقّبتان مفتوحتين على انفعالات مضطربة ومتناقضة، راحت تتجسّد على السقف بصورٍ غائمة ومشوّشة، وبمقاييس غير منضبطة، تاركة عصام يحتويها كما يريد, وهو يلهث خلف نداءات جسدها البعيدة، التي بدأت تتقاطر وتخونها مع هذا الرجل، الذي يرفض أن يكون عاقلاً ولو للحظة. والذي كرّس باحتلاله لكامل جسدها إمكانية الاقتراب من تلك الروح التي مازالت تلوب بحثاً عن سمائها.‏

ـ وبعد؟!‏

ـ لنعلن زواجنا‏

ـ سنفعل.‏

بسرعة تمّ عقد الزواج. رغم حذر الأم، وبمباركة الكولونيل، خلال حفل صغير، ضمّ الأصدقاء والأقرباء، ولمّا يمض سوى شهرين على مجيء عصام. حيث نجح في ضبط جسد وفاء وحساباتها على مقاسه.‏

أم نادر رفضت تحديد موقفها بوضوح. حرّكت يديها بشكل غامض، وهي تغمغم بكلمات مبهمة. كما تخلّفت عن حضور مراسيم الزفاف، وبعناد أربك زوجها، مما اضطره للإدعاء بأنها مريضة، دون انتظار قناعة أحد بذلك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244