|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع والعشرون علاقات اجتماعية كثيرة ومتشعبة كانت تنتظر أسرة الكولونيل بعد الزواج الثاني لوفاء، بمبادرة من المحامي المتدرّب "عصام" الرجل الثاني في الأسرة، والذي لم يوفّر فرصة للدخول في المجاهيل الاجتماعية المغلقة على الصغار، مستنداً في ذلك على يوسف بيك بالدرجة الأولى، ومن ثم على الأستاذ "أبو تيسير" اللذين رأيا في صهر أختهما الجديد "نوعية ممتازة ومختلفة عن طينة الكولونيل، الذي لا يريد إلا أن يكون خاملاً." على حد تعبير يوسف بيك، والذي بات أسير عوالمه الخاصة والمحدودة، مع التفكير الجدّي بالهجرة النهائية إلى الريف. كإنسان متقاعد، يرغب في الاستقالة من حياة أمسكت بخناقه طويلاً، حيث بات يردّد: ـ إنشاء مزرعة بسيطة وبيت متواضع في القرية، هو كل ما أستطيع التفكير به الآن. فتساءل عصام بدهشة: الناس تهرب من الريف، وأنت تهرب إلى الريف؟! وعقّبت أم وفاء بقولها: أنا لا أستطيع السكن في القرية. لكن وفاء أكدت أن الفكرة ليست سيئة، ولا تشترط انتقال الجميع إلى القرية، معتقدة أن لوالدها أسبابه الكافية. .. الوضع المادي لم يكن يسمح بالتنفيذ الفوري للفكرة، وكان على الكولونيل أن ينتظر بعض الوقت، لكن تسويفاً واضحاً جعله يخرج عن طوره، ويبدأ بترتيب أشيائه الخاصة، مع طلب بعض مدّخراته المالية. ـ إلى أين؟ ـ إلى جهنم. وسافر إلى القرية، مفاجئاً أهلها، الذين رحبّوا بعودة الكولونيل، الذي لم يعد كولونيلاً، إلى قريته التي يمكن أن تستوعب كل خيباته، وتتذكرّ معه الكثير من الآمال المشتركة والمحبطة. واندرج في عداد المألوف، حيث بات يذهب صباحاً إلى البستان القريب سيراً على الأقدام، ويؤوب مساء إلى القرية، أو ينتقلّ من منزل إلى آخر بصحبة أبي نادر، دون أن يملّ أحدهما من التحدّث للآخر، مع كثير من الإيماءات والحركات التعبيرية للأيدي، والابتسامات الوقورة. آنذاك لم يتّسع وقت الأسرة للتفكير الكافي بحل مشكلة سفر الكولونيل إلى القرية. مثلما أن أحداً لم يكن مستعجلاً لحلّها، خاصة وأن وجوده المؤقت في منزل أخيه لا يدعو للقلق أبداً. في حين بدأ الكولونيل ينغمس بارتياح، أكثر فأكثر في تفاصيل الحياة الريفية اليومية، وينسج علاقاته الخاصة والعامة بهدوء ويسر ورضى. مع أن قلقاً حقيقياً كان يعتوره من حين لآخر، لإدراكه أن الحياة الخاصة نفسها، لا يمكن صياغتها وتحديدها بشكل خاص! إلى أن جاءت البرقية المستعجلة: "توفي الحاج عدنان.. إحضر بسرعة.. عصام." فابتسم الكولونيل معقّباً: ـ ليمت كل الحجاج.. ماذا أفعل لهم؟! لكن أبا نادر قال: لا يجوز.. الواجب واجب.. سنسافر معاً وبأول سيارة.. إن شاء الله. كان عصام أكثر من اهتم بوفاة الحاج عدنان الذي ناهز الثمانين من العمر. وكان الأكثر حضوراً وحرصاً على القيام بالواجب. ومن ثم حاول أن يتكفّل بكل الإجراءات القانونية الخاصة بالميراث "والتي تصدع الرأس". كما قال، لكن يوسف بيك والأستاذ "أبو تيسير" لم يغفلا لحظة واحدة عن أبعاد "هذا الصداع." وتابعا بنفسيهما مع محامين آخرين قضية التركة، هذه التي لم يستوعب عصام كيف أنها تخصّ رجلاً واحداً، ولو كان بوزن الحاج عدنان! وكان ينقل إلى حماته "التي تأقلمت مع مرض القلب لكأنه زكام!" وإلى زوجته التي "تدسّ أنفها بكل صغيرة وكبيرة" تفاصيل القضية يوماً إثرَ يوم. وهمس للكولونيل: قريباً سننشئ المزرعة، وبشكل فنيّ ممتاز إنشاء الله، مع بناء فخم يليق بك وسيارة تريحك.. وقد نضطر لشراء الأرض من والدي، لتوسيع المزرعة بالقدر المناسب، مع إعطاء تعويض مناسب لـ عجوزنا. فقال الكولونيل مغتاظاً: بم تهرف يا ولد؟! إذا بدأت اليوم بأبيك فبمن ستنتهي؟! أرض "أبو نادر" ليست للبيع أبداً" ثم إنك تتحدّث وكأنك الوصّي على ليلى وعلينا جميعاً!" اكتفى عصام بالابتسام لهذا الكولونيل الذي "لا يفهم الأمور إلا متأخراً، في زمن لا ينتظر أحداً." وقدّر أن لا ضرورة لضياع الوقت في أحاديث غير مجدية مع هذا الرجل الذي "يصرّ على عدم استيعاب أمور الدنيا." فانسحب مخلفاً الكولونيل مع حنقه وارتجاف يديه، وهو يجمع أشياءه الخاصة وبقية مدّخراته، ليعود ثانية إلى القرية، وبرفقة أخيه هذه المرة، بعيداً عن أحلام ومشاغل أسرته التي لم تعد تتسع لـه اليوم، ولم تعرقل رحيله. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |