قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس والعشرون

أدار الكولونيل ظهره للعاصمة، للحاضر والمستقبل، ومضى باتجاه أيامه الأخيرة، التي لا يعرف أين وكيف يبعثرها، خالعاً عنه وإلى غير رجعة ثيابه العسكرية وأوسمته.‏

الهويّة الكرتونية وحدها بقيت تقبع في جيبه كدليل وحيد على ارتباطه بمؤسسة لم تعد تعترف به.‏

ـ الهويّات.. الهوايا.. بسرعة.. بسرعة.‏

كسواه مدّ يده بالهويّة ذاتها، وما أن طالعها رجل الأمن حتى تصلّب وردّد بارتباك واضح: عفواً سيدي الكولونيل.‏

".. أية سلطة مازلت تحملين أيتها الـ..؟!" بذلك غمغم الكولونيل، وهو يدسّ الهوية في جيبه بحنق، ومن ثم حملق بالطريق التي يعرفها جيداً، وهي تتعرّج باتجاه مدينته الريفية، التي بدأت كغيرها تتهرّب من ريفيّتها، لافظةً أحشاءها هنا وهناك، مع الإمعان في تبرّج عجول، لا يدعو إلا للشفقة.‏

رآها من بعيد، وهي تقترب كعانس في مجتمع ذكوريّ. ".. لا أستطيع إلا أن أحبك أيّها المدينة.."‏

".. ـ إياك ..المدينة تضيّع الأصول.‏

ـ لا عليك يا أبي‏

ـ الدراسة أولاً وأخيراً.‏

ـ طبعاً يا أبي.‏

ـ أول بادرة فسق، وأجرّك من أذنك إلى القرية.‏

ـ أعوذ بالله يا حاج.‏

ـ وأول رسوب يعني العودة إلى الفلاحة.‏

ـ موافق.‏

ـ وأول..‏

ـ موافق.. موافق وحياتك يا أبي.‏

ـ أترك الصبيّ.. الله يرضى عليك.. هو أعلم بمصلحته."‏

ليرحمك الله يا أمي، من يعرف أين مصلحتي.. ومتى وكيف؟؟‏

"ـ مصلحتنا كطلبة واضحة.. نريد كتباً مجانيّة.‏

ـ تعيش الكتب المجانيّة‏

ـ تعيش.. تعيش..‏

ـ نريد الخبز والكتاب..‏

ـ يعيش الخبز والكتاب.. يعيش.. يعيش..‏

ـ نريد الوحدة.. يسقط الانفصال..‏

= تعيش الوحدة.. تعيش تعيش. يسقط الانفصال.. يسقط، يسقط.‏

ـ تسقط الحكومة.‏

= تسقط.. تسقط.."‏

واشتعلت المدينة ذاتها بالمظاهرات.‏

كيف انفتح الكتاب المدرسي على الخبز والوحدة، على السياسة ورجم الدرك بالحجارة يا مدينتي؟!‏

يومئذ جاءت فرقة مكافحة الشغب " أي شغب؟!" الرصاص كان الأقدر على الإجابة.‏

وسقط بضعة "مشاغبين" وهم يحملون حقائبهم المدرسية.‏

رأيت "حسن خرّوص" الطالب الريفي الفقير والخجول، يسقط أمام عينيّ، تتبعثر كتبه، ويده الملوثة بالدم تحاول عبثاً لملمة جرحه والإمساك ببقايا روحه.‏

"ـ مات.. مات!"‏

الحجارة مقابل الرصاص.. أجساد الطلبة وأحلامهم مقابل البندقية الوطنية! الذعر والفوضى والصراخ و...‏

" ـ تعال.. تعال يا ابني." ودفعتني امرأة إلى داخل منزلها، لتتمترس بالباب، وهي تلوّح بيدها، وتصرخ بوجه العسكري الذي كان يطاردني: ليصيبك العمى إنشاء الله يا نذل.‏

هل أصابه العمى؟ أم خاف؟ أم خجل من وجه المرأة؟ لا أدري‏

كل ما أدريه أنني رُزقت بغتة أمّاً ثانية. حيث راحت يداها من بعد، تلّملمانني، وتعمّدان بنوّتي بحركات مليئة باللهفة والحنان، مع شتائم ثقيلة لكل ما خلق الله من شرطة.‏

وكانت عيناني تخجلان من بقايا رواسب الخوف. وتستعيدان الإحساس، لا بالأمان الضائع فحسب، بل وبرجولة غامضة، ترضي مشاعر هذه الأم، التي لا تريد أن ترى فيّ مجرّد صبيّ.‏

" ـ هل تذكرين يا أم إبراهيم؟‏

ـ كيف لا أذكر يا حبّة عينيّ؟!"‏

كان ثمة ألف "يسقط" وألف "يعيش" في حلق الكولونيل الجاف، يغصّ بها، يراها وهي تصطدم بالمارة، وبنداءات الباعة الذين بُحّت أصواتهم، ثم تنهرس تحت عجلات سيارة الجيب، التي يعرفها الجميع.‏

ـ هل نتوقّف للاستراحة يا شباب؟‏

ـ لا.. تابع من فضلك.‏

ـ تكرم يا كولونيل.‏

وتابعت السيارة طريقها إلى القرية وسط أرض جرداء خاليةً إلا من ذكريات خصوبة بعيدة، حيث كانت كروم العنب والتين وسواهما من الأشجار المثمرة، إضافة لأشجار الزنزلخت والصفصاف والزيزفون، ترافق المسافرين إلى كل الجهات، من وإلى القرية، جنباً إلى جنب مع شتى أنواع النبات والمزروعات، ومع عبق الأزاهير البرّية وهو ينفذ إلى الأعماق.‏

".. ـ أنت جَدِي أم بني آدم؟" تقول أمي منرفزة، وهي تلملمني عن البيادر الغارقة بخضرتها وبهائها.‏

ـ اتركينا نلعب يا ربيّ!‏

ـ تعال كل، ثم انقلع. تعاود أمي القول بشيء من القسوة الكاذبة، التي سرعان ما تتحوّل إلى هدهدات تربك الروح"‏

".. من حرّض على قتل أمّنا الطبيعة تلك؟!‏

ـ القطن يا "أبو يوسف" القطن.. ذهبٌ خالص والله.‏

ـ إي والله يا "أبو أحمد" لن نقصّر إنشاء الله"‏

بشراسة اندفع الجميع لاقتلاع الكروم والأشجار، وكل تلك الخضرة الرائعة، مع الشروع بحفر سلسلة كثيفة من الآبار الارتوازية، وشراء المضخات الإنكليزية، الواعدة بريّ أقصى المساحات المرصودة لبذار القطن، وبذار الأحلام بثراء عاجل يملأ الأفواه ذهباً، والذي سيقفز بالقرية من عالم النسيان والوضاعة إلى عوالم ألف ليلة وليلة" كما يؤكد بعض العارفين، أو مدّعي المعرفة.‏

لم تتأخر وفرة المال الموعودة بالتعبير عن نفسها، لا باقتناء السلع الوافدة الجديدة وحسب. بل وبتعدّد الزوجات، مع تعدّد الغرف المبنيّة دون نظام، وبنقوش ورسوم ورموز شتى على الجدران والأبواب، والتي لم تخلُ من أحذية بالية مقلوبة فوق هذا الركن أو ذاك من المنازل درءاً لعيون الحسّاد.‏

ثم بدأ المال الفائض يشقّ طريقه إلى آنية فخاريّة، يُحكم إغلاقها، لتُدفن بسرّية، كطريقة وحيدة معروفة وآمنة للادّخار.‏

لكن نضوب المياه الجوفية بسرعة، وتقلّص نسبة الأمطار، والانخفاض الحاد في أسعار القطن، جعل الجميع ينبشون مدّخراتهم لتمويل الركض خلف الماء الغائر، عبر سراديب عميقة وضيقة وطويلة، تلك السراديب التي راحت تنزّ آخر ما في جعبة الحوض المائي الناضب، مع أمل باهت يعتصره الفلاحون من الأرض الصّماء مع كل ضربة معول، فيحرّضهم على الاستدانة ولو بفوائد كبيرة، ومن ثم على بيع محصولاتهم سلفاً قبيل جَنْيها، وبنصف أثمانها الواقعية للتجار، الذين تكاثروا كالذباب من حولهم.‏

مع ابتسامات مشجعّة، انتهت بالأغلبية إلى الإفلاس، وبالبعض إلى الهرب من أراضيهم وقراهم، وبآخرين إلى السجن لعجزهم عن تسديد الديون.‏

".. سأهجر هذه القرية الملعونة والله." قال أبو يوسف بحزن وغضب، وقد دفن آخر أحلامه، وباع كل ما يمكن بيعه من ممتلكات، في حين بقيت يدا "أمين" سلعة ضرورية، تؤمّن الخبز لصاحبها في كل الأحوال.‏

"ـ أبو رشيد قال: ابحث عن أصل كل المصايب في السياسة.‏

ـ بلا سياسة، بلا بطيخ، هذه عقوبة من الله، الناس كفرت يا أمين.‏

ـ طوال عمرك تكفرّ الناس يا شيخ، لكأن الإيمان مفصّل على قياسك!‏

ـ أكفرّ الكفرة يا بن إدريس، وأنا أعرف منك بألف مرة.‏

ـ الكفر والإيمان لا يفسّران التاريخ.. أبو رشيد نفسه قال ذلك.‏

ـ أنت اشتراكي زنديق، أعرف.. أنت وأبو رشيد إلى جهنم.. سترى بعينك.‏

ـ اتركونا بهمّنا يا جماعة،الله يرضى عليكم".‏

كان الهمّ والإفلاس طاغيين على كل شيء. وبدأت هجرة واسعة إلى داخل وخارج البلاد. الحاج إبراهيم بدوره فكر جدّياً بالهجرة، لكنه لم يستطع.‏

كانت ثمة علاقة خفيّة مع الأرض، مع البيادر، مع القبور، ومع هذه السماء ذاتها التي شهدت وتشهد على أن "الهجرة مؤلمة.. مؤلمة يا إبراهيم".‏

ـ الالتصاق بالأرض دون مبرر نزعةٌ طفْليّة لا أكثر ولا أقل.‏

ذلك ما قاله عماد لأخيه، مع تصميم عنيد على مغادرة القرية، التي عادت، الآن تنبسط أمام عينيه، بجدرانها الطينية المتعرّجة والمتداخلة، مع بقع اسمنتية هنا وهناك، بأزقتّها الضيّقة والمتربة، وبأطفال أنصاف عراة، وهم يركضون بصخب وعفوية، كجراءٍ صغيرة متّسخة، وبنساء لا يعرفن التبرج، يسارعن لإظهار أفراحهن وأحزانهن ببساطة، جنباً إلى جنب مع رجال لا يحتاجون لتأكيد سطوتهم على النساء والأطفال و.."..لا..لا.. الشباب مختلفون هذه الأيام يا عم.. صاروا كالشياطين، وما عدت تعرف الذكر من الأنثى.. الدنيا تغيّرت.. حتى الكبار تغيّروا.. أما إلى أين؟ فلا أحد يعرف."‏

".. هل أخطأت في العودة إلى القرية؟ ألن أبدو زائداً هنا.. تماماً كما أصبحت في المدينة؟ لا أدري. عموماً يريحني هذا الفضاء اللامحدود، والذي لم يُصادر بعد، مثلما يريحني وجود أبو نادر إلى جانبي، هذا الذي يشعرني دائماً أنه بانتظاري، وأنني أتيت في الوقت المناسب، وأن لدينا ما نفعله!.‏

أيّ وقت؟! وأي فعل؟! أشعر أن العالم ضيّق ضيّق.. أكاد أختنق.. كيف تشعر أنت يا أبا نادر؟‏

من أين لك كل هذا الرضى؟! تنام في السيارة كما لو كنت في بيتك!ّ تتأقلم مع الخصوبة.. تتكيّف مع الجفاف..تصلّي بورع.. ثم تعاتب الله لكأنه صديقك!‏

تتندر على شيخوختك لكأنها مزحة! تسبّ.. تشتم.. تقاتل.. ثم تلعن الشيطان، وتبتسم فاتحاً قلبك وذراعيك، لكأن ما حدث مجرّد غلطة عابرة!‏

ولكم أحسدك على ذاكرتك العجيبة الملأى بالتفاصيل، التي أعتبرها تافهة. هل أنت مجرد تفاصيل يا أبا نادر؟ وقائع؟ أحداث؟ صور؟ نثرات حياة؟؟ وأنا؟؟ أعموميات؟؟ أأحلام بلا لون ولا طعم؟ أكلام فارغ؟ خيبات؟ أم ماذا؟؟‏

حاولتُ بجدّ أن أكون شيئاً، أن أفعل شيئاً، ثم ماذا..؟‏

التفاصيل كانت أكبر مني.. آه لو أستطيع الرجوع إلى الوراء عشرين.. ثلاثين سنة، أو أكثر. مأساتنا أننا لا نستطيع الرجوع، لا نستطيع أن نكون أكثر مما كنّا.. هل يكفي ذلك؟ وبعد؟ ننسحب من الحياة لنموت؟ أم.. أم ماذا؟؟‏

بالأمس قلت لنفسي معاهداً: سأترك كل أسئلتي ووجع الرأس، وسأعيش بقية عمري كما يعيش أبو نادر لا أستطيع.. أعرف.. أستطيع فقط أن أتذكر وأتألم.. أن أرى وأتألم.. أن ألعب مع الحياة كطفل.. أصوغها على هواي. فتنكسر..‏

".. الحياة ليست لعبة يا أخ."‏

منذ أربعين سنة قال لي أمين إدريس: الحياة ليست لعبة يا أخ.‏

لم يكن "أمين" يتفلسف، وهو لا يعرف شيئاً عن الفلسفة، يعيش الحياة كنبتة، يتحسّسها، يتشمّمها، ثم يقطّب جبينه، هو نفسه لا يدري ما الذي يدور في رأسه.‏

.. تعال.. تعال قل لي اليوم شيئاً يا أمين، أيّ شيء.‏

ربما أصبحت اليوم أكثر قدرة على فهمك.‏

.. لن تأتي أبداً. أعرف ذلك. وأعرف أنك لن تنتظرني بعد.‏

لماذا متَّ باكراً يا أمين؟‏

إثر كل زيارة كنت َ تسارع للقائي. تأتي لكأننا على موعد. وما أن تجلس قبالتي حتى تنسى لماذا جئت! فقط عيناك تحملان لي عتاباً غامضاً، واتهاماً غامضاً، لكأنني المسؤول عن كل ما يجري! .. لا تربكني يا أمين.. ما الذي تريد قوله؟ وماذا أقول لك؟ ثمة دين قديم أعرفه ولا أعرفه.. نتحلق حولك كأطفال كبار، وأنت العامل الزراعي، الذي لا تجيد كتابة اسمك، تريد زجنّا في دوّامات السياسة والحياة والأحلام الغامضة، تحدّثنا عن ذلك الاشتراكي، الذي ".. أرسله الله ليجعلنا بشراً" كما تقول، وتحدّثنا بزهو عن رحلتك الطويلة سيراً على الأقدام، لتتعرّف وجهاً لوجه على "أبو رشيد" في المدينة "العصيّة على أشباه الرجال."‏

وتختلط صورة أبي رشيد بك.. فلا ندري كيف نوزّع احترامنا بينكما، ولا لماذا بالضبط!.‏

كنا ثلّة من الأولاد. لم نجتمع إعجاباً بالاشتراكية التي لم نكن نفهم عنها شيئاً، فقط كنا نعجب بحكاياتك عن أبي رشيد، الذي "وزّع أملاكه وأراضيه الزراعية على فلاحيه." ودعا لحياة نظيفة من الفقر والقهر. دون أن تدري أنت نفسك كيف‏

بل لربما رسمت لأبي رشد صوراً وأفكاراً على قدر أحلامك أنت، دون أن تدري، ودون أن ندري نحن بدورنا.‏

وحين رحنا نشاغب على أحلامك، بدأت تحزن وتغضب، إلى أن طردتنا بالتي هي أحسن، مع ذلك بقي دينك قائماً في وجداني، لا أدري كيف.‏

أخجل منك، وأنت تدقّق النظر في سيارتي، في رتبتي العسكرية، في ثيابي الأنيقة، أخجل من صمتك، وأحرّضك على قول شيء ما.‏

كنت تبتسم وحسب، تلك الابتسامة التي كانت تؤذيني، وتشعرني بالذنب، لدرجة أنني بدأت أتهرّب منك بتهذيب كبير.‏

لم يخدعك تهذيبي، فأدرت لي ظهرك وغبت.‏

غيابك كحضورك مؤذٍ يا أمين، لكأنك مجرد ضمير يكتفي بوخزنا..."‏

ـ الحمد لله على سلامتكم يا شباب.. تفضلوا.‏

فترجّل الكولونيل وهو يستنشق بعمق أول جرعة هواء ريفية نظيفة، مع حنين عميق لكل ما هو بسيط وواضح وجميل، راجياً أن يتسع لـه المكان والزمان لمراجعةٍ عامة وشاملة، وأن تغادره الهواجس الملعونة التي تؤرّقه وتنخر عظامه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244