|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس والعشرون بعد انتظارٍ ثقيل وممضّ، وبعد الإجراءات الخاصة جداً، انفتحتْ الأبواب الداخلية والخارجية، وقيل لرهط كبير من رهائن الأحلام التاريخية: "إياكم أن نلتقي ثانية." فخرجوا من كهوفهم، غير مصدقين أن السماء لازالت زرقاء، وأن الأرض ستنبسط أمامهم، وستتوزّعهم بحنان، غير آبهين لمظاهرهم الرثّة ولوجوههم الشاحبة. حاملين صررهم المليئة بذكريات البؤس والقهر والخيبة. أجنحتهم الوهمية تكسرت حالما واجهوا الطريق، فلم يستطيعوا الطيران الفوري إلى ذويهم وأحبّتهم. ولم يستطيعوا أن يأكلوا الدنيا، فانتظروا في متاهات الكراجات. إلى أن أقلتّهم وسائل النقل المتعددة، مع كل أوهامهم وأحلامهم الغامضة، كلُّ إلى حيث يمكن أن يحاول ترميم حياته الخاصة والعامة. الغُصّة لم تفارق حلق نادر، وهو يرى الدروب ذاتها والسماء ذاتها، لكأنه يراها للمرة الأولى. وهنالك على مفترق الطريق إلى القرية، كان الأهل والأصدقاء بانتظاره، حيث اختلطت الدموع بشهقات الفرح، وحيث تحول اللقاء إلى عرس. ثلاثة أيام مضت ومنزل أبي نادر يعجّ بالمهنئين، ونادر المرهق من الفرح والتعب يستقبل هذا ويودّع تلك، وكانت ثمة غائبة كبيرة لم تحضر بعد. ـ أين وفاء؟ مراراً تساءل، وكانت الأجوبة المراوغة تخبّئ ما لم يكن بالحسبان. أخيراً بدت تمهيدات الأم زائدة، حيث أدرك نادر أن الحياة لا تنتظر أحداً، وأن فاتورة الغياب لم تدفع كاملة بعد، وحدّق مليّاً بالجدار العتيق، حيث شريط طويل من الذكريات يكرّ سريعاً، ويسقط في وحل اللحظة الخاملة، في اليوم الخامس أتى عصام وحيداً بسيارته الخاصة الفارهة، وبعد لقاء مشحون بالمضمر، طغى عليه صخب عصام ومرحه المفتعل، وبرغم حرص الجميع على إغفال اسم وفاء، أصرّ عصام على الاعتذار نيابة عن زوجته وأمها، حيث "لم تستطيعا الحضور حالياً بسبب الوضع الصحي لأم وفاء.. بانتظار أن تأتيا لاحقاً، مع هديّة مناسبة." تجاهُل الجميع لمسألة حضور أو غياب وفاء، ساعد عصام على الانتقال سريعاً لطرح مستقبل نادر على بساطة البحث، ومحاولة تحديد سبل المساعدة الممكنة. نادر كان آخر من أبدى اهتمامه بذلك. بل بدا سلبيّاً لدرجة مؤلمة، وهو يتذكر بأسى أن لـه مستقبلاً شخصياً ككل البشر، وأن الشخصيّ لم يعد شخصيّاً. وأن مرحلة التقاعد أصبحت هي هي مرحلة التأسيس!! تطلع مليّاً في وجوه أهله، الذين يحثُونه على المساهمة في بحث ما يمكن فعله وفكر: "كم هي مؤذية نظرات الشفقة هذه." فنفرت ابتسامة غامضة من زاوية فمه، ونهض متثاقلاً ليمضي مع صمته المليء، إلى حيث يعيش الكولونيل منفاه الاختياري في المزرعة التي "أقيمت خصيصاً لـه" كما قال عصام، والذي باتت حالته تنتقل"من سيئ إلى أسوأ، حيث "يعاني من تواتّرات عصبيّة ونفسّية غير عاديّة.. مما يُربك حتى طبيبه الخاص، الذي أصبح يعوده أسبوعياً." بل "ما عاد يطيق الحياة الاجتماعية." كما قال أبو نادر بأسى. لا بل "يتضايق حتى من ظله." على حد قول أم نادر. ـ تأخرت! قال الكولونيل لنادر متأففاً. وأردف: لاشك أنهم ملئوا رأسك بالكلام الفارغ. وأغرقوك بالتفاصيل، لا تصغِ لهم، لا يعرفون من الدنيا إلا القشور، اجلس وخذ راحتك، كنت أنتظرك لنتحدّث في العمق، وسأحدثك عن مشروع المذكرات، لم يتبق لي إلا أن أكتب، وسأكتب، سترى أن لكتابتي طعم الرصاص.. أعرف أنني ألعب بالنار.. سألعب.. ولن أرحم حتى أصابعي.. ـ الطبيب يوصيك بالراحة يا عماه. ـ الطبيب كغيره.. لا يريد إلا صمتي.. وأنا ما عدت أطيق الصمت. ـ رويدك يا عماه.. ما رأيك بنزهة صغيرة في المزرعة. ـ نزهة؟! أحدثك عن النار.. وتحدثني عن النزهة؟! لا تتحدّث مثلهم.. أنت دافع ضريبة كبيرة.. ولا يجوز لك أن تتحدث كالآخرين. ـ قد نتحدّث في وقت آخر. ـ أتعبوك؟ أصبحت ميالاً للتأجيل.. ثم للنسيان والغرق في اليوميّ؟ في التفاهات؟ في... ـ لا حول ولا قوة.. ـ لا تحوقل كالعجائز، الذين لا ينتظرون إلا الموت، بوداعة الخرفان.. لا .. لا تتعلم الوداعة السافلة.. كان صوت الكولونيل قد بدأ يتعالى ويرتعش برغم محاولات نادر لتهدئته. فدخلت "أم حسين" فزعةً وهي تقول: من أزعج الكلولونيل؟! وأسرعت دون أن تنتظر جواباً، لتقدم لـه الماء والدواء، قائلة: إشرب.. إشرب يا كولونيل، وحاول النوم أرجوك. والتفتت إلى نادر بنظرة راجية، آملة أن يدعه يستريح. وما أن خرجا حتى تساءل نادر: لماذا يبدو الكولونيل متوتراً يا أم حسين؟ ـ لا أحد يعرف إلا الطبيب. ثم استدركت كمن تذكر شيئاً: ألم يحدثك عن المذكّرات؟ ـ أحدّثك أنتِ أيضاً بذلك؟! ـ يحدّث كل الناس.. ويقول هذا سر! وابتسمت أم حسين. واكفهر وجه نادر. وأقبل البستاني أبو حسين مرحباً بنادر، وراح يحدثه مطولاًَ عن المزرعة، وعن جهوده وجهود زوجته في رعايتها ورعاية الكولونيل، وعن التقيد التام بتعليمات الطبيب وتعليمات عصام. ثم اشتكى من تطفّل أبو صالح. الذي لا يمكن أن تنتهي زياراته على خير. ـ زياراته لمن؟ ـ للكولونيل.. دائماً تنتهي الزيارة بتوتّر الكولونيل. ـ امنعوه من زيارته. ـ نحاول.. لكن ما أن يسمع الكولونيل صوته حتى يأمرنا بإدخاله. ـ وعم يتحدثون؟ ـ غالباً عن المذكرات. ـ أيضاً؟! ـ الكولونيل لا يحفظ أسراره. وعقّبت أم حسين: ليحمه الله.. أحياناً أخاف منه.. وأحياناً أخاف عليه.. ومضت، تاركة زوجها يتحدث ويتحدث.. عن الكولونيل.. عن المزرعة.. عن زيارات وفاء وعصام التي تزداد تباعداً.. عن متاعب الدنيا.. وحتى عن مشاكله مع أم حسين. في حين كانت عينا نادر الحاضر الغائب. تزدادان احتقاناً، حيث يتكثف فيها الماضي ويختلط بلزوجة الحاضر. والصور الضبابية، والرؤى الغائمة، تتلاحق، تتشابك، وتسقط كجثث طريّة، غير آبهة لثرثرات أبي حسين التي لا تنتهي. ـ نام الكولونيل. قالت أم حسين التي عادت لتوها، مع حركة رأس مطمئنة فأومأ نادر برأسه، بحركة غير مطمئنة، ومضى دون وجهة محددة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |