قرابين لمزارات بعيدة ـــ ظافر النجار

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع والعشرون

كانت السماء التشرينية تزداد دكنة، وكانت الغيوم السوداء تتوالى وتتراكب هنا وهناك. وعيون الفلاحين تتعقبّها بفرح، آملة أن يمنّ الله عليهم بريّ الأرض، ليرموا البذار والأحلام في أرحامها.‏

وكان أبو نادر يغالب ما تراكم عليه من هموم وهواجس، ويحاول النوم على أمل أن يعجّل بتأمين البذار غداً. ولكن هيهات..‏

فالمتاعب تحاصره، والمخاوف تخزه، وفي عينيه المليئتين بالخيبة تتسمّرُ النظرات الكابية، التي تتجسّد فيها صور للمشاكل التي لا يعرف كيف ومتى تهبط عليه.‏

ـ هل نمتِ يا فاطمة؟ تساءل بما يشبه الهمس، بحثاً عن شيء من الأنس.‏

ـ لا. أجابت أم نادر، التي كانت تخبئ عينيها المفتوحتين تحت اللحاف، وذهنها المكدود يحاول أن يقول شيئاً محدداً.‏

ورنّ جرس الهاتف، كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، فتناول السماعة، وهو يتمتم: اللهم اجعله خيراً.‏

لكن صوت أبي حسين المفجوع لم يكن يبشّر بالخير، حيث كان يصرخ:‏

ـ الحقوا الكولونيل.. الحقوا الكولونيل.. وأغلق الخط.‏

عندما وصل نادر ووالده إلى المزرعة، كانت الشرطة قد سبقتهم إلى هناك. حيث كان الكولونيل منكبّاً على وجهه، وأصابع يمناه تلامس مسدساً فوق بقعة دم كبيرة.‏

ـ مات منذ حوالي الساعة. قال الطبيب الشرعي.‏

مسألة الموت وحدها كانت واضحة، في حين بقيت التفاصيل تختلف وتتلّون باختلاف المزاعم والاجتهادات المحجوبة أصلاً عن سير التحقيق.‏

ـ سمعتُ صوت الطلقة كما في المنام. قالت أم حسين للمحقق، وهي تنشج.‏

وأردفت: نهضتُ خائفة ومتشككة مما سمعت.. أصغيت بانتباه.. سمعت ما يشبه وقع خطوات..‏

ثم قالت: لست متأكدة من شيء.. سمعتُ ولم أسمع.. حاولتُ التأكد..‏

كأنني رأيت شبحاً ما.‏

ثم قالت: لم أر شيئاً.. كأن شيئاً ما أيقظني وأخافني.. اقتربتُ من غرفة الكولونيل وناديت بصوت هامس.. لم يردّ عليّ أحد... كنت مرعوبة ومشوشة.. أيقظت "أبو حسين" و...‏

ـ أنا لم أسمع شيئاً ـ قال أبو حسين. وأردف: الخوف في عينّي أم حسين هو الذي أنهضني.. خرجتُ.. تجولتُ هنا وهناك.. لم أسمع ولم أر ما يريب.. أم حسين أصرّت على الدخول إلى غرفة الكولونيل. فوجدناه كما ترون.‏

التحقيق انتهى سريعاً إلى أن الكولونيل مات منتحراً. في حين أصرّ البعض على رفض فكرة الانتحار، وراحوا يهمسون بأفكار أخرى، لم يتجرأ أحد على مناقشتها. أما مراسيم الدفن، التي أُريد لها أن تكون رسمية ومختصرة، فقد انفلتت بعض الشيء لتصبح أكثر مواءمة لروح الكولونيل التواقة للتّحرر من كل ما هو رسميّ.‏

انتهـــت‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244