|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قالت لي " حـم ": إذا طابت لنا الريح، ودخلت السفينة في بحر السلام فتعلَّم الرحمة والعدل والحق من الشيخين. قلت: من تقصدين، فقد طالت اللحى وقصرت العقول؟ قالت: أما الأول فصاحب الغار، وأما الثاني فسراج أهل الجنة. أوغلت السفينة في يم التَّوْق وأنا أنشر أشرعة الشوق حتى لم يبق شراع لم أرفعه،ثم اضطرب البحر ، ودخلتُ في ظلمات بعضها فوق بعض. قالت لي " حم ": هل رفعت جميع المراسي أم أنك نسيت مرساة لم ترفعها؟ وأدركت أنني نسيت واحدة، فأسرعت ونزعت مرساة السفينة الحوامة عن صخرة النفس اللوامة ، وسرعان ما لاحت لي منارتان في عتمة البحر والليل ، فاهتزني الشوق والطرب، وعلمت أنها جزيرة من جزائر الفرقان. تابعت إسرائي باتجاه الضوء، وصوت البلبل المغرد يمدني بالقوة، وأنفاس " حـم " تُندي روحي اليبوس، حتى أرست السفينة على الشاطئ. استقبلتني " أسماء " بوجه منير كفلقة الصبح، وقد أرخت وشاحاً أبيض على رأسها وكتفيها، وحملت في يدها صرة فيها طعام لصاحبين اغتارا في الطريق جنح جبل، وعلى ثوبها الرملي طرزت حكاية حزن مقدور: قلوب مستعرة، وسيوف مشتجرة، وكبد مصلوب، وفتنة لا غالب فيها ولا مغلوب. وكان يتبعها طفلها حافي القدمين. وخطر لي أن أسألها عنه فقالت: ـ هذا الفارس الذي لم يترجل. وجالت في عينيها دمعتان كأنهما لؤلؤتان. أشارت إليَّ أن اتبعني وقالت: ـ هتفت لي " حـم" أن أوصلك إلى الشيخين، فإذا لقيتهما فتأدب فهما منارتان، واحرص على أن تسأل ما بدا لك حتى يتكشف أمامك الطريق فهما العارفان. ثم اشتملها الصمت والدمع والخطو الوئيد حتى شارفنا أسوار طيبة فتوقفت ومدت يدها إلى صرتها وناولتني كسرة من خبز وقالت: ـ هذا طعام المهاجر. ثم قفلت راجعة يتبعها ابنها الصغير وقد رأيته يكبر في كل خطوة يخطوها، ويكبر، ثم يرتفع عن الأرض حتى رأيته مصلوباً والدم ينزف منه. كان الشيخان جالسين على ضفة نهر تتحدر مياهه بين الشعاب. أما صاحب الغار فقد اغتار في كهف ثاني اثنين، وأما السراج فقد استرج عين النهر ونام في ظل شجرة آمنة. قال لي صاحب الغار: ـ اغتسل بالماء. بسطت كفيَّ إلى الماء فلم ينهض إليهما الماء، ورحت أنتظر المد وقد ابتلع الحوت القمر. قال الشيخ: ـ لا يغتسل من لمْ يلجِ اللجة. تحيرت فأنا لا أجيد السباحة، وعلمت إن دخلت النهر غرقت وجرفني التيار. تبسم صاحبي الشيخ وقد رأى تحيُّري وقال: ـ إن خلعت أثوابك لم تغرق، وإن اغتسلت بدموعك لم تغرق، وقد عصمني من الغرق أنني اغتسلت بنهر دموعي، فكنت أبكي كلما سمعت صوت حبيبي، فتعلم أيها السالك من شيخ الطيور المهاجرة بأجنحة الدموع إلى هاتيك الربوع. خلعت أثوابي ورميت نفسي في الماء فأحسست بالبرودة ترعش جسدي . قال صاحب الغار: ـ وهل الدنيا غير هذه الرعشة ثم يدركك الماء، اخرج إلينا فقد طاب قطاف الأحاديث. خرجت من الماء وبحثت عن أثوابي فلم أجدها، ورأيتني وقد ارتديت الماء، ورأيتني بلا عورات من غير أن ينقص من جسدي شيء ، ورأيت نفسي بلا صفات من غير أن يعتورها تجريد. قلت متعجبا: ما هذا النهر؟ قال: هذا نهر ينبع من عين العشق، يجري في القلوب ليصب في عين الحق. قلت: وما عين العشق؟ قال: عين العشق دموع . أما قرأت مصحف العاشقين " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق " وسألته عن الغار فقال: ـ كنا ثلاثة وقد غفلت عن الثالث فذكرني النور الذي كنت لـه صاحباً فتقوّى قلبي بذكره. وسألته عن أناس دخلوا سرادق الأنوار ثم ارتدّوا إلى مغاور الظلال، فقال: ـ هؤلاء لم يخرجوا من ظلمة النفس المسيلمية، ولم يفتحوا قلوبهم لرؤية محاسن الحبيب القدسية، فكان عليَّ أن أفتح أجفانهم بالسيوف الخطِّيَّة. لكن القلوب لها أقفال، إن كانت صدئة لم تنفع معها مفاتيح الأسرار، فإذا سألتهم "قالوا قلوبنا غلف " فتراهم عمياً وهم مبصرون " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ". وسألته: أيها القَرّاء كيف يتغشاك البكاء في القراءة والصلاة حتى تذوب الحروف ويسيل صهيرها في الكلمات المنداحة فـلا تبين العبارة، وغيرك، سلطان العاشقين يتغشاه الطرب فيتعرى عند الطلب؟ قال: هو الوجد. قلت: وما الوجد؟ قال: الوجد لهيب ينشأ في الأسرار لرؤية معنى من معاني المعشوق، فإذا جمح الشوق فتح المشوق نافذة على المشاهدة فتضطرب الأعضاء طرباً أو حزناً، وتسيل الحروف صهيراً. قلت: وكيف أصل إلى الوجد؟ قال : بالمعرفة، فإنها ثابتة لا تزول. قلت: وكيف أصل المعرفة؟ قال : بالحضور، أما سمعت العارف بالله ينشد:
فاحرص على الحضور في الغلبة والسكون تحصل على أسرار المعارف. قلت: غَلَب عليك السكون وغَلَبت على صاحبك النائم هذا الغَلَبة، فأيهما أسلك؟ تناول الشيخ حصاة من الأرض وحذف بها جفن الماء فانداحت دوائر الأسرار وقال: ـ
وهل تسلك ما لا تملك؟ " ونفس وما سوّاها " الغلبة حال تبدو للعبد لا
يمكنه معها ملاحظة السبب، ولا مراعاة الأدب من خوف أو هيبة أو نصرة للحق أو إجلال
لـه أو حياء، فمن لم يعرف حاله أنكر عليه أحواله، فلا تكن منكِراً إن كنت جاهلا،
فهذا أبو لبابة غلب عليه الخوف فربط نفسه بالعمود، وأبو طيبة غلبه الحب والإجلال
فشرب الدم، وهذا صاحبي غلبته النصرة في الحق فقال " علام نعطى الدَّنِيَّة في
ديننا "(1)
وغلبني السكون فقلت لصاحبي مِن غير أن أنكر عليه ما هو فيه من حال : "الزم
غَرْزَه فإني أشهد أنه قلت : وما قولك في الوصال والاتصال؟ قال : الوصال طعام كثيف، والاتصال شراب خفيف، إذا نهلت جرعة منه صرت أثيريا، وعرج بك السكر إلى سكَّر المعشوق، حيث رياض من مشاهدات الأسرار ومكاشفات القلوب، ثم أردف: الوصال حركة عَتْم والاتصال حركة نور، ولو سكنت جوارحك اتصلت. بالاتصال تصل إلى عين القلب، وفي عين العين يسكن اليقين، فإذا جزت إليه علمت أن اليقين هو اتصال البين وانفصال ما بين البين، ولكنك لن تجوز إليه إلا على ترنيمة شوق مجنحة، والشوق مطر يهطل في القلب دفعاً، ثم يسيل في العين دمعا، ولو أنك لم تترك بلبل الدار في السفين لحملك وأنت في موقفك هذا على ترنيمة شوق إلى سكون اليقين. أبحرت في لجة الأحزان والتفكر، وناديت في سري " حـم " فعلمَت أني في شدة، فأيقظَت بلبل الدار. انطلق بلبل الدار من قمرته وعلا سارية السفينة وأرنَّ منشداً. هبت نسمات عذاب حملت إلى قلبي المشوق صوت البلبل: ترانيم لا تسمعها آذان، ولا تحتويها حروف. تهطل من علَّيين غيثاً على أرض شققها الجفاف.
أيقظ الغناء الشيخ النائم، فتح عينيه ونظر إليَّ بدهشة. قلت : لقد عدلت فأمنت فنمت. استيقظت في سره أزمان غافية وقال: ـ من أنت ومن أي زمان جئت؟ قلت : سالِكٌ يجمع طاقة من الزهور جاء من زمن الردة والديجور. قال : أي زمان هذا ؟ وأنا من اقتدت من ملِكين، قلت للأول : لا فرق بين الملك والرعية ، ولا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى. وقلت للثاني : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. قلت : في زمن الردة والديجورعبيد وأحرار. وسوقة وملوك. وفقراء مملقون وأغنياء تكاد تنفجر منهم البطون. وآلهة من دون الله يُعبدون. وعتاة لا يطالهم قانون. وكتاب مشغولون عن الصحف بالتصحيف، وفقهاء ولغوا في التحريف والتجديف. قال : وأين الرجال ، أما فيهم من يقول كما قال ذلك الأعرابي: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوَّمناك بسيوفنا؟ ما كان الشاعر للسلطان نديما ما كان الكاتب للبهتان أديما ما كان الفاقه للشيطان كليما ما كان الحامل نور الحرف زنيما ما كان السيف لغير الحق مقيما فتبصر حرفك في عصر تتهاوى فيه رموز الحرف تحسس خطواتك في أزمان سقوط القيم الكبرى قلت : وبماذا تنصحني في زمن السقوط؟ قال : الزم الحق ينزلك الحق في منازل أهل الحق، يوم لا يقضى إلا بالحق.(1) قلت : وهذه الدنيا؟ قال : إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منتقص، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه.(2) قلت : إذا عدت إلى قومي فماذا أقول لهم وفي نفوسهم ظلمة؟ قال : إذا عدت إلى قومك فقل لهم: اقدعوا النفس عن شهواتها فإنها ظلمة. فإنكم إلاّ تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.(3) وقل لهم: إن هذا الحق ثقيل مريء . وإن الباطل خفيف وبيء.(4) وقل لهم: ترك الخطيئة خير من معالجة التوبة.(5) وقل لهم: رب نظرة زرعت شهوة ، وشهوة ساعة أورثت حزناً طويلا.(6) وقل لهم:إن من كان إذا سلك فجا سلك الشيطان فجّاً غير فجّه كان يرسل عماله ليقضوا بين الناس بالحق، ويحكموا بالعدل، لا ليضربوا أبشار شعوبهم ، ولا ليأخذوا أموالهم ، ولا ليجعلوهم عبيدا لهم أو يعبدونهم من دون الله (6). ([2]) وقل لهم: كان هذا السالك الذي يحمل الطحين والسمن على ظهره لصبية يتضاغون جوعا وينفخ لهم في النار حتى تسود لحيته من الدخان. وقل لهم : كان هذا السالك يخلط الآجر حيناً، ويقتلع الشوك حيناً آخر، ويحمل حزمة الحطب على كتفه يمضي بها وسط المدينة. وإذا أجنَّ الليل كان يحمل قربة الماء كالسَّقاء إلى العجوز. وقل لهم: إن هذا الذي ألقيت على كتفيه عباءة الحكم والعدل جاء مرة إلى أويس([3]) مضطرباً وقال: لقد ألقي هذا الأمر على كاهلي، فإن يوجد لـه مشتر، أبعه ولو بدينار. وقل لهم: إن هذا الذي كان إذا نام فالحصى فراشه، والدرَّة وسادة رأسه، كان يقتص من عمّاله بالدرّة أمام الناس إن رفع عبد من عباد الله مظلمة ضدهم. كان الضعيف قويا عنده حتى يأخذ الحق له، وكان القوي ضعيفا عنده حتى يأخذ الحق منه ويقتص ؛ وبهذا استقام العدل. قلت : ولماذا سميت بسراج أهل الجنة؟ قال : هكذا سماني الحبيب حين رأى روحي وهي تحترق من ألم العشق، ولساني يحترق من نطقه بالحق. أيها السالك في هذه الطريق كن كشمع الجنة يذوب اشتياقاً فينير ،طوبى للأنفس التائهة، وأمام هذا النور تتلاشى جميع الظلال. قلت : إنك تدلني على طريق في السلوك تجعل المملوك أميرا..! قال : يا عبد الله .. كلنا لآدم وآدم من تراب . عاريا يكون المرء تحت التراب إلا من أعماله، لا حسب ولا مال، لا جاه ولا سلطان. وهذه الدودة الصغيرة تلتهم الملوك والوزراء، والأغنياء والفقراء. يا عبد الله .. ألم تقرأ مقال أخي في الله ؟ " أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرسِّ الذين قتلوا النبيين، وأخفوا سنن المرسلين، وأحيوا سنن الجبارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش، وهزموا الألوف، وعسكروا العساكر. يا عبد الله.. لا يؤيسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. ألا فاذكر هادم اللذات، ومنغص الشهوات، وقاطع الأمنيات".* قلت : كأني سمعت هذا الحديث من أخ لك في الله .. قال : هذا حديث الدم. ولما أدار ظهره رأيت خنجراً بفلقتين مغروزاً ودماً ينزف. التفت إليَّ وقال: ـ كان هذا أول الدم، وآخره يوم تزلزل الأرض وتخرج أثقالها من الدماء. يا عبد الله .. احرص على ألاّ تكون الطاعن، فالحقُّ دائما ينزف. وإذا تحيَّرت فالْحَق بأخ لي يدور مع الحق أينما دار . تركت الشيخين، وعدت إلى السفينة. رفعت أشرعتها ماخراً عباب البحر المحيط باتجاه دائرة أخرى من دوائر السلوك . |