معراج الطير الحبيس ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

نص روائي ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

معراج الهــاء

6

نحن في الحضرة يا ساقي أدرها

 

واسق صحبي من دنان الرحمات

واغترف من وجه معشوقي سلاماً

 

عنبـرياً نوَّرته البسمات

عاشق، من لا أراه ويراني

 

حلَّ في قلبي كخفق النسمات

كلما أمعنت في السكر تجلّى

 

قمراً وسط جموع النيِّرا ت

صب لي يا أيها الساقي وأنصت

 

إنني أسمع خطو الكلمات

هذه الكاس ارتوى العشاق منها

 

فأتوا في عشقهم بالمعجزات

لا تلمني، نافخ البوق لحشر

 

، في الهوى، فالعشق نبض الكائنات

أيها الظامئ هذي كاس حرٍّ

 

فاغتبق من روحه قبل فوات

دمه النّازف في النهر كتاب

 

وهو للسالك درب وحياة

جاء من صفين جرحاً غائراً

 

طالعاً في القدس يرمي الجمرات

أي كاس شفتاه لامستها

 

لم تضرج بدماء زاكيات

نحن في الحضرة يا ساقي أدرها            

 

بين صحبي إنه الحق الفرات

أي نفس في ضفاف الوجد أرست

 

لم تعطر بأزاهير الصفات

يدور مع الحق حيث يدور

حين أرست السفينة في ميناء " ولا تحسبَنَّ " كانت " ق " في انتظاري على الضفة الشرقية من إيمار وهي ترفل في ثوب البنفسج، وضفائر شعرها النورانية تتجدول على كتفيها، وعلى شفتيها ابتسامة أضاءت ما بين المشرق والمغرب، وفي عينيها الذابلتين الوامضتين تنعس سورة الدهر.

أحسست بالعشق يزهر في ضلوعي، وأنا بين الضفيرة والضفيرة أعوم في مياه برزخين: من صحو وسكر، وما من شاطئ أتمسك به فأنقذ نفسي من هذا الجمال.

أشارت إليَّ " ق "ببنان مشرق اليقين وقالت:

ـ يا ابن " حم " هذا النهر شهد ميلاد أزمان وأحداث، وحضارات وشعوباً، جرفها تيار الحدثان نحو بحر النسيان. فتعال معي ، واشرب كأسا منه، قبل أن تنحسر مياهه عن جبل من ذهب ويقتتل الناس فلا يحجزهم عن الدم غير دقّات الساعة.

ملأ محبوبي " ق " ذو الضفائر البرزخية كأسا من ماء الفرات وقدمه لي وقال:

ـ تقدس ماء شرب منه ابن سميّة.

أحسست بالغيرة تغزو قلبي المزهر بالعشق ، فتبسم مشفقاً وقال:

ـ لا يجدر بالعاشق أن يغار من عاشق مثله، مادام المعشوق لا يخفي جمالاته عن العيون.

ثم نهض ونهضت، ومشى ومشيت، وبما أن محبوبي كان كثير الحركة، دائب الدوران فقد كنت أدور معه حيث دار.

سألته ذات يوم: هل أحبك أحد قبلي مثل هذا الحب، وأنا الذي أدور معك حيث تدور؟

تبسم ضاحكا من قولي وأشار بيده في الهواء فإذا عمود من النور يهبط من السماء، وإذا رجل مجلبب بالخضرة يحمل المدائن على كتفيه يبرز من جسد النور.

ـ أجبه يا حذيفة. قالت " ق "

مد حذيفة ساعديه وأمسك الفرات من طرفيه ولواه حتى جعل مصبه ينتهي إلى منبعه، والماء يدور ويدور في تلك الدائرة، ثم أشار إلى مركزها فرأيت فتى كنجمة الصبح يجلس على عرش من ياقوت، وعلى كتفيه وشاح ينضح حالي العطر وينداح في النهر.

قال حذيفة:  ذاك ابن سمية، عشق الحق حتى فني فيه، يدور معه حيث يدور.

وأنت أيها العاشق، ما أنت إلا قطرة ماء في فرات العشق، وحتى تكمل الدائـرة  وينتهي بك المصب إلى المنبع لابد أن تتحرر من الغيرة، وتتسلق صخـــور الأسرار، وتدرك أن هذا الجسد حفنة من الغبار في مهب الإعصار، وأن العمـر قشة في أتون مشتعل. ولابد أن تنزع عنك نحاس الجسد، وتخرج من سلاسـل العمر، فتقاتل المرتدين وتتحرر في صفين، كي تكون أهلا لذاك المقام من الهوى، والهوى أيها السالك في طريق العشق هو الهوية .

ألا ترى ذاك الذي يجلس على عرش من ياقوت قد لجَّ به الهوى، فهو ينهض من ضريحه متجها إلى النهر يحتسي كأسا من فرات الشهد والشهادة، يعبر الأزمان، وينادي في القوم مرعدا حتى تهتز لصيحته جبال اليمن.

هذا زمن الردة

          زمن شتوي

                    يمطر كبريتاً، حمضاً ، ودخان

قريتكم في الأرض خراب

أنفسكم حتى القيعان يباب

وتزين معاصمكم

أقياد تمنحكم

          وَهْم أمان

وشيوخ قبائلكم

في أروقة السلم الأبتر

يتهادون الأنخاب كؤوساً مترعة

                    بصهيل هزائمهم

وخوابي خزيهم الأصفر

قد ختمت بالشمع الأحمر

يا أهل الردة

هذا زمن التضبيع

          بدعوى التطبيع

من يوقظ تاريخا من رقدته

ويدور مع الحق الأعلى حيث يدور؟

من يحيي أرضاً

كان الإنسان كريما فيها

                    لا يظمأ، لا يعرى

                    لا يستف تراب القهر

                    لا يهزمه في معركة العيش رغيف

                    لا تتغوله الغيلان..؟

من رجلٌ          

أترع بالعشق مشاشه

حتى صيَّر قلبه

جوهرة للحق

يَكوي بسفافيد الذهب المكنوزِ

                    جُنوبا وجِباها

                    ما سجدت إلا بين قرون الشيطان..؟

مَنْ رجلٌ

في المعشوق الأسمى

يفنى

مقتحماً  

في الجُلّى

زبد النار؟

في السوق السماوية

خرجت من معاشق إيمار، وحملتني مركبة الزمان إلى مدينةٍ شَهباءَ شهِدَت مولد التاريخ، تعرش السيوف والرماح على أسوارها.

جلست عند بابها الموصد بالآلام، مسنداً ظهري إلى أسوار الفجر، منتظراً إطلالة المحبوب، حتى إذا لاح لي فرسه في الأفق الغربي، مكللا بالنور، لوحت بمنديل الشوق، فأطل علي من هودج جماله، ورشقني بأهدابه، فعجبت من سهام تنطلق ولا قوس، وجروح تنزف ولا دماء، وسكر يسافر في كياني ولا خمر. حتى إذا غرقت في بحر جماله قبضني إليه فإذا أنا في سوق سماوية ازدانت بمصابيح النجوم، وأناس من حولي يعرضون بضائعهم على مصاطب من نور، وأفواج من الملائكة تتزاحم على الشراء. ونظرت إلى متاعي فلم أجد شيئا يباع، فحزنت وبكيت حتى تناهى صوت بكائي إلى المحبوب، فبسطني فإذا أنا في سوق من أسواق الشهباء ، في غرفة من مسجد عتيق فيها ضريح مهيب، وعلى جدران الغرفة قوس معلقة وكنانة وسهام وسيف صقيل ورمح طويل وكرة حديدية يعجز عن حملها عشرة رجال ، وكان صوت الحكواتي من المقهى المجاور يصل إلى مسامعي وهو يقول:

ـ قال الراوي يا سادة يا كرام، كان في قديم الزمان رجل فداوي اسمه معروف بن جمر، عاش في أيام الملك الظاهر، حارب الصليبين مثلما فعل جده ابن سمية مع المشركين والمرتدين والظالمين. وكان الشيخ معروف صاحب هذا الضريح في سوق الزرب حامياً لباب أنطاكية، وذات يوم طلبه السلطان الساكن في القلعة. ولما ذهب إليه استغل الأعداء هذا الغياب واقتحموا الباب، حتى سُمع صياحُهم في سوق الزرب، فكرَّ عليهم وحده من القلعة وهو يصيح: ازربوا يا ضويهر. إلى أن هزمهم وطاردهم خارج الباب. وجاءه الموت بعد أن أثخن بالجراح، وهو قائم على فرسه، متكئ على رمحه ، والصليبيون ينظرون إليه خائفين لا يتقدمون، يخالونه حياً وهو ميت، إلى أن تكشّف الغم وزال الهم.

قلت لمحبوبي وقد قبضني ثانية إليه :

ـ إني رأيت الشيخ معروف في السوق السماوية يبيع بضاعة ولا تنفد، والملائكة يتدافعون للشراء .

تبسم محبوبي وأذن لي فصعدت إليه درجة فأسرَّ لي:

ـ  لو أن الكون أصابته شرارة عشق واحدة لاشتعلت فيه الحرائق، ولو أن الشمس وكواكبها، والأرض وقمرها، وضعت في كفة ميزان، ووضعت في الكفة الأخرى ذرة عشق واحدة لرجحت الثانية. وعندما يكون في قلبك ذرة من هذا العشق فإنك تستطيع أن تخوض المعارك وتكون بطلا لا يشق لك غبار.

ثم صعدت درجة أخرى فأسرَّ لي:

ـ  إذا سقطت المدينة فتحصن بالقلعة. ومنها تستطيع أن تنطلق فتحرر دروب المدينة وأحياءها من جديد.

ثم صعدت إليه درجة فأسرَّ لي:

ـ أَخلَص ابن سمية لي فخَلُصت له، خرج من الغواسق باحثاً عني فلقيني في الجواسق؛ فاختر دربك كي تكون أهلا لمحبتي، واعرف نفسك تعرفني، ودر مع الحق حيثما دار إن كنت تطلبني، ضعه أمام ناظريك ولا تلتفت إلى الخلف، لو التفت معروف بن جمر مرة واحدة إلى الخلف لما منع الأعداء من اقتحام الباب وهو ميت .. ولكنه أبدا لم يكن بميت.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244