|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أمطرت السماء حروفاً مدرارة على صفحة البحر المحيط بالأكوان والأزمان، تواثبت الحروف وتجمعت فتشكلت كلمات، وتآلفت وتعانقت فتشكلت سفينة ألحان، قصائدها مكتوبة بدم مقدس: دم الله والإنسان. ومن ملكوت الرحمن أقبل إسرافيل، نوتي الحضرة، ببوقه منشداً: أيها المتوَّج في الدمن يا من عَمِي فلم ير الملْك غَروراً، والملكوت خداعاً إذا رفعتك في نعمائي درجة فصرت سلطاناً، وزيراً، ثرياً، عالماً، فقيهاً.. فتذكَّر أنّي أنا الرحمن الرحيم استخلفتك، وشققت لك طريقاً في الرحمانية لتكون أرحم بعبدي من نفسه وتكون شعاعاً من نوري موجوداً عند الجميع ولا أحد عندك سواي على ضفاف " رأيـت " أرست سفينة النفس اللغوب، وترامى أمام العين الكليلة جزيرة مهموزة الأكتاف، تعمَّمَتْ بأغربة الغيوم، واعتبأتْ بغرائب القتاد، وتدثرتْ بالصهيل، وأرنَّت بالحاقة، وعن بعد لاحت وسط الظلام صخرة آذنت بالعروج ومدينة. ألقت " حم " مرساة السفر الطويل، وأطلقت بلبل الدار فخرج من الإسار، وأسرَى من حرم السفينة إلى أقصى المدينة، ثم حط على الصخرة وراح يسجع: ـ إنسان .. إنسان ريحانة هذي الأكوان الإنسان صهبـاء الرحمـان الإنسان رتّل يا ممتشق الدنيا في السكر وفي اليقظة آيات الإنسان مدت " حم " يدها الممطورة بالنور إلى التنور وناولتني رغيفاً من أرغفة الماء وقالت: ـ بين الإنسان وبين الإنسان بين الله وبين الإنسان باب يطرق يفتح .. تبرز منه فتاة من نور وحبور حوراء تدعى رحمة من يرفض أن يطرق هذا الباب يعبر بوابات الآلاء إلى الرحمة ؟ ـ يا سيدتي.. أفي هذا الجو العاصف !؟ ـ في المركز وسط العاصفة الهوجاء طاقة ضوء يسكنها الإنسان ابحَثْ عنها .. وتأهب للإسراء أردفت " حم " مستحمة ببسمتها: ستحملك إلى طاقة الضوء أختك " عسق " فلا تقلق، وستلقى شيخًا أخضر فتعلَّم، حتى إذا انتهيت إلى طاقة الضوء ومركز الكون الإنسان فردد: "فبأي آلاء ربكما تكذبان". خرجتُ من رحم السفينة إلى ملكوت الشاطئ فاستقبلتني فتاة كالقمر التُّم، تعصب جبينها بشريط من النجوم، وترسل على كتفيها شالاً من شفق الفجر، وكانت تسحب ذيل ثوبها الطويل كعروس مجلوة في صبوة الصباح. أشارت إليَّ فتبعتها حتى انتهينا إلى عين ماء زلال فسقتني كأسا أحسست إثرها بالمخاض وخرجت من رأسي نجمة ارتفعت إلى السماء ثم هوت في الماء فتشعشعَت وراحت تتشكل سُوَرا وصُوَرا . قالت عسق: انظر إلى جسمك النجمي في الماء واقرأ سورة الإنسان، ولا يقطعنَّك عما ترى وتقرأ ترابُ الأسئلة من جسمك الترابي. ونظرتُ في الماء إليَّ فرأيت ولادة المجرات فيَّ ، ورأيت الزمان والمكان يرتصان وينطويان في قلبي النجمي، ورأيت السماوات والأرضين والملائكة المجنحة والجنة والنار تسجد حول الكعبة المشرفة في عيني، ورأيت الجبال تسيَّر لأحزاني، ورأيت السماء تنفطر لآلامي، ورأيت البحار تسجّر لدموعي، ورأيت الشمس تكوَّر لجوعي، ورأيت النجوم تنكدر لآه في ضلوعي، ورأيت اليوم الموعود، والشاهد والمشهود، ورأيت أصحاب الأخدود وهم يلقون بي في أقبية ذات وقود، ورأيت منادياً على جبل "ويل" يرجمهم بالقارعة، ويواريهم بالحاقَّة، ثم ينبذهم في الحطمة. ورأيت.. ورأيت ، ثم قرأت ما رأيت: من ماء دفق ونهار من علم لم تعلمه ملائكة الأسرار عمل الله عجينة صلصال وبهار قال لها: كوني الإنسان سبحانه " إذا قضى أمراً فإنما يقول لـه كن فيكون" اهتز الجسد الميت بنون التكوين ونهضت من النِّسي المنسي على قدميّ وقبلني من شفتيّ فسرت فيَّ الروح وسماني : إنساناً. سلطاناً. عبداً. حراً. معشوقاً..آدم علمني الأسماء علمني كيف أكون خليفته في الأرض كرَّمني بسجود المخلوقات النورانية وعصى إبليس فلم يسجد لمعانيَّ الإنسانية غضب الرب وقال: " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ " وأجاب الملك النمرود الوالغ في قدس الدم الجالس فوق ضلوع فخَّرها التجويع : " أنا خير منه. خلقتني من نار وخلقته من طين " هطل الغضب الرباني عاصفة من يحمومٍ تسفع وجه أبالسة العصر الكبريتي " اخرج منها فإنك رجيم . وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين " ازداد النمرود الأكبر طغيانا أطلق في الأرض عساكره وزبانيتهْ وأفاعيه " النفاثات في العقد " تكتب، تخطب، تنفث سماً غسقاً وَقِبا وتعسكر ما بين رغيف الخبز وحديد القضبان وأنا في الزنزانة أبكي ، أصرخ: يا فرسان الإثم يا نمرود الظلم يا منتعلاً قلبـه قبلني ربي واستخلفني من عاداني عادى الرب مع الشيخ الأخضر سمع صراخي درويش عارف يحمل إبريقاً وعصا يلبس ثوباً أخضر يعبر درب الخوف ناداني: يا ممترض القلب كليل العين أو لم تسمع صلصلة الأحرف " لو اجتمعت الإنس والجن على أن يضروك بشيء ما يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك " من كان الله لـه سلطانا لم يخش من السلطان من كل طواغيت الأرض من أرباب ما عبدت زلفى لله . . . لحظة صمت دقت باب الزمن الموصد . . . ثم إلى صدره مد يد القدرة أخذ كتاباً، قال: ـ اقرأ ـ ماذا أقرأ ؟ وأمامي كلمات .. من غير حروف وترانيم ضياء .. وصـروف ـ هذا الزمن يعود صوراً ومشاهد ما فات .. وما هو آت وكتاب الزمن المفتوح يقرؤه الحكماء انظر ذاك الجالس في ظل الحائط يتبعه السفهاء هذا " سيد المستضعفين " أنصِت أنصتُّ فأمطرني صوت يشرق بالدمع " يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملَّكته أمري " امزج دمعك بدموع " سيد السادات " واحمل سيف الأمر وردِّد : " والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه" قلب الشيخ الأخضر صفحة أخرى ـ اقرأ وقرأت سورة " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " فرأيت أمي، الوفائية([1]) الوفية، تحملني وأنا مريض على كتفيها وتلوب في الشوارع وليس معها ثمن دواء ورغيف. ورأيتها وهي الوفائية الوفية، تحمل ثلاثة والحرب تلتهم أطراف العالم، تحملني على كتفها الأيمن، وتحمل كيس الحنطة الذي أرسله محسن مجهول على كتفها الأيسر، وتحمل في بطنها العالم الأكبر، وأخي يتبعها باكياً متعثراً، وهي تسعى إلى المطحنة.. فتجهض في الطريق. ورأيتها وهي الوفائية الوفية تحمل الأحجار وتساعد أبي في بناء الدار، ثم تسهر معنا حتى منتصف الليل كي نكمل كتابة واجباتنا المدرسية على ضوء لمبة الكاز، وهي الأمية التي ما أجادت قراءة الأحرف ولكنها أجادت قراءة العالم على ضوء لمبة القلب. ورأيتها تعد لي الطعام، تنتظر قدومي من الثكنة العسكرية، فتنزلق على أرض المطبخ، فتنكسر يدها، فتحملها مدلاّة وتتابع طهي الطعام، يشغلها انتظار رؤية الحبيب عن النحيب. ورأيتها وهي الوفائية الوفية تنتظر مدفع القلعة معلناً، لتغمس كسر الخبز اليابسة في الماء وتفطر، لتوفر لي في العيد ثمن لباس جديد. ورأيتها في أرض الحوش بدارنا العربية تعد قهوة الصباح وتنتظر أن أستيقظ من النوم وأنا فتى يافع، وقد وضعت لي متكأ بين أصص الفل والورد تحت ياسمينة الدار، ثم تقدم لي فنجان القهوة، وتغرق في بحران الصمت والصلاة وهي تتملى وجه الحبيب.. ورأيتُني وشمس العمر في انكدار دميع العين أسفا لأني لم أغرق آنذاك في بحران " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ورأيتها حول منقل النار في قبو دارنا، والثلج قناديل في ظلمة ليلة قرّاء شاتية ، وهي تحكي لنا قصة جدها سيد الشهداء، وأنا ألثغ بكِسَر الحروف : ماما أنا ..جو.. عان، فتضمني وتقول " قل هو الله أحد * الله الصمد " تعلم يا بني أن الله وحده المقصود في طلب الحاجة، إن تعلمت تكن حراً، فإن كنت حراً كنت قوياً، ولا تكون قوياً إلا بالله، فإن صرت قوياً كنت أنت السلطان. يا بني أنا الوفائية بنت الذي ناله سهم الطغاة على شاطئ الفرات قبل أن يبلل شفتيه بالماء لا أبسط يدي بالسؤال. يا بني: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وانداح السعال في صدر والدي المصدور، وتكسرت باءات با .. با.. وانسفح من جراحاتها دم خضب وجه الثلج المسجى على زجاج النافذة ، ورأيته بعين العين يتشبث بقوائم الفرس الحزين لذلك الفارس الذي لم يبلل شفتيه من ماء الفرات حتى يهدأ السعال ، وسمعته وقد أنهت أمي كلامها يردد عبارات يباعد ما بين كلماتها نزق السعال: ـ أرأيت الذي يكذب بالدين.. ويقطعه السعال ثم يردف : "والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم ورأيت أمي ليلة طار طائرها، وأنا بعيد المغترب، تنازع الروح ثلاثة أيام وقد ابيضت عيناها من الحزن وهما تلوبان في برد الغرفة وظلمتها عن شيء. قالت أختى : كفاها عذابا، أحضروا لها قميص ولدها الغائب وألقوه عليها. أمسكت أمي بالقميص ، وراحت تشمه، انهمرت دموعها، تمتمت: أيها الفرس الحزين، احملني إلى جدي فقد اشتقت إليه. كانت هذه آخر كلماتها، وعندما حملت الجارة الخبر إلى أبي وكان في أرض الحوش يصلح نعله المهترئ. طرح المطرقة والسندان ونهض.. ثم هوى على الأرض وقال: أيتها الوفائية الوفية .. لقد كسرت ظهري. انكسر ظهر أبي بعد وفاة أمي، أصابه الهزال، واستيقظت شتاءات حلب المجنونة، أيام كان يعمل بنّاء في البلدية في عظامه المنخورة، وفجأة تقصفت ركبته وهوى على الأرض مقعدا سنوات في داري. راتبي المسلول يبصق دماً، وأخي في بلاد النفط والعسل يشتار "وتحبون المال حبا جمّا" وكان كلما رن الهاتف خزر والدي بعينيه متلهفاً أن يسمع صوت ابنه المتنفِّط يحادثه أو يرسل إليه ثمن زجاجة دواء، لكنه كان في كل مرة يسبل جفنيه في حزن ويأس ويحشر عظامه النخرة تحت اللحاف ثم يدفن رأسه تحت الوسادة وينشج بصمت. ذات يوم قال لي : إني رأيت في المنام أني أسير على رجليَّ خفيفاً معتدل القامة، ثم رنا إلى الهاتف وقال في حزن: إذا لم يتصل بي الليلة فلن أسمع صوته بعد الآن.. انتظر ثم انتظر .. ولم تفح من الهاتف رائحة النفط أو العسل.. تمتم بكلمات منتخرة مبللة بالدموع: ـ لقد فات الأوان. في اليوم التالي أدركته المنية عند الفجر وهو يزحف نحو صنبور الماء ليتوضأ، وكانت وصيته أن يدفن مع أمي، وبعد ليال رأيته في المنام يسير في حديقة هدباء خفيفاً معتدل القامة، وأمي تسعى نحوه فيلتقيان على ضفة كوثر تتحدر مياهه تحت شجرة وارفة الأنوار.. ويتعانقان، والرحمن يطل من شباك الرحمة ويرمقهما في حبور حنان. ـ يا أبا محمد .. ها قد التقينا ثانية .. كم انتظرتك وأنت تسعى برجليك الكسيحتين نحوي. ـ أيتها الوفائية الوفية لا تليق بك هذه الدموع، بين أن افترقنا والتقينا رفة هدب وانتباهة ذاكر. ـ يا أبا محمد لن نجوع بعد اليوم أو نعرى. ـ ولن نحزن. وقصصت حكاية أمي للدرويش السالك درب الخوف اللابس ثوباً أخضر دمعت عيناه وقال: بالأمس رأيتك في الحلم كان المطر الأسود يهطل من جوف الأرض وأمك في ذيل ملاءتها تحميك من الريح الزرقاء من البرد كان عواء ذئاب العتمة وعزيف أبالسة القهر وعويل أفاعي الموت تحاصر أمّاً ترفل بالأسماء وهي تنادي: يا رب الضعفاء.. يا .. يا طرق الصوت الأبواب القدسية وتكشفت الأستار لصوت وفائية نهض الرب ونادى في غضب أهل القرية فرداً .. فرداً ـ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. ـ يارب كيف أطعمك وأنت رب العالمين. ـ أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ! ؟
ومال إليَّ صاحبي وقال : يا بني الظلم ظلمات يوم القيامة، يبدأ باللقمة وينتهي بالنقمة يا بني أما سمعت قول رب الناس:" يا عبادي إني حرمت الظلم" على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " يا بني أين هؤلاء من قول ملك الناس " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا " يا بني لا تحزن فالحزن طهر، والطهر ولادة، والولادة قوة. والقوة حق، والحق نور يلمع ما بين السيف والقلم. يا ابن الوفائية كتب عليك أن تحمل أحزانك، وأحزان أمك، وأحزان أمتك. والحزن والحق صنوان متلازمان، فدر مع الحق حيث دارت الأحزان. ـ يا مولانا الشيخ منذ أن ولدت وأنا أدور مع الأحزان ، أما آن لهذه الدائرة أن تكتمل ؟ قلب الشيخ العارف صفحة أخرى وقال: مازال على محيطها حكايات .. فاقرأ قال الملك المغرور بالتاج والعرش والصولجان : ـ يا لقمان إن عساكري قد أحلت الدمار في العالم. فجَّرتُ البحار بالعماء، وفطرتُ بالنظائر السماء، وسرطنتُ الأكباد والدماء، حتى دانت لي الأرض بما فيها من شعوب وأقاليم إلا هذا المربَّع، فحدثني عن رجال أربعتهم واحد وواحدهم أربعة. قال لقمان الحكيم : ـ أيها الملك، إن المربع أكمل الأشياء وأذكاها وأكثرها قوة ومنعة، هو بيت الحكمة، من أضلاعه تتشكل الحروف، ومن الحروف تنشأ الأكوان، منه تنشأ الدائرة وهو محيط بالدائرة، والدائرة تدور على من لا يدرك هذا المقال. أيها الملك، في الزمن القديم كان هنالك أربعة رجال أقطاب جاؤوا من جهات العالم الأربع وتآلفوا شعوباً وقبائل وتعارفوا. وكان وراءهم ملك ظالم يأخذ كل روح طاهرة غصباً، وذات يوم سمع الملك بهم فأرسل زبانيته إلى بيت مقدسهم. طرق الجلاد الباب وقال: ـ من كان منكم المشرقي فليتبعني. قال الأول : ـ أنا هو المشرقي. هرع الذي جاء من المغرب وقال : ـ بل أنا هو المشرقي. دفع الضلع الثالث صديقيه وقال : ـ إنهما لا يقولان الحقيقة أنا هو المشرقي. أمسك الجنوبي الجلاد من يده وقال : ـ لا تكن غبياً، امض يا رجل أنا من تطلب. قال الملك المغرور متعجباً: ـ وأيهم المشرقي؟ لابد أن واحداً منهم يقول الحقيقـة والآخرون لا يصدقون. قال لقمان : ـ أيها الملك كل واحد منهم صادق، فالمربع يحتوي الجهات ولا تحتويه الجهات، من كان الله في قلبه لم يكن في قلبه مكان ولا زمان، وكانت الجهات الأربع جهة واحدة. ومن عاش الآخرة في دنياه لم تكن الدنيا العَبور الغَرور لديه إلا ذرة غبار واحدة في هذا الأزل المحيط. فأين موضع التاج والعرش والصولجان في هذه الذرة من الغبار ؟ أيها الملك أما التاج فإنه يسقط إذا مال الرأس ومن الذي لا يميل رأسه إذا هبت العاصفة؟ وأما العرش فإنه يتداعى يوم تزلزل الأرض زلزالها. وأما الصولجان فتأكله الأرَضة كما أكلت منسأة سليمان، حتى إذا تهاوى كل تاج وعرش وصولجان، وانشطرت ذرة الغبار والأكوان، وجلجل صوت المنتصر للإنسان : " كل من عليها فان " فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ .. يا أيها الملك المغتر بالتاج والعرش والصولجان؟ ولما طغى جور الحكام، وتسلّم المماليك السلطان، أعلن العز بن عبد السلام أنه سيبيع الملوك في ساحة القاهرة. فثارت ثائرتهم وقالوا: أيبيعنا هذا الشيخ العارف ويشترينا كأننا نعال يحتذيها ونحن ملوك الأرض، ولدينا من السيوف والرماح والفؤوس ما نطيح به الرؤوس، وليس لديه غير دواة وقلم، وإبريق وعصا، وجبة من الصوف!؟ فمن لهذا المأفون يأتينا برأسه الملعون على طبق من نحاس؟ قال المدجج بالنياشين والأوسمة: يا سادة مدينة النحاس، أنا آتيكم برأسه قبل أن يطلع الفجر. قال الشيخ لتلامذته: والفجر وليال عشر، إن هي إلا ليال عشر ثم يطلع الفجر، فقل لعاد الذين طغوا في البلاد متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. في عتمة الليل طرق عريف القوم الباب على العارف وسيفه المشهر ينزف موتاً، برز الشيخ. ـ هل ستبيعنا حقا أيها الشيخ في ساحة القاهرة ؟ ـ أبيعكم غدا إن شاء الله. ـ ولماذا تبيعنا ؟ ـ لأحرركم من ظلمات نفوسكم. ـ ولمن تبيعنا أيها الشيخ ؟ ـ أبيعكم لشعبكم حتى لا تكونوا أسياداً عليه. ـ وبماذا تقاوينا، بعصاك أم بلسانك ؟ ـ أقاويكم بالهيبة، إن للحق هيبة تجعل الجبل دكّاً. ـ إذن أمسك طبق النحاس هذا بيديك حتى أفرغ من قطع رأسك وأضعه فيه. أمسك العز طبق النحاس بيديه، وقبل أن يهوي المدجج بالسلاح بسيفه على رأس المدجج بالهيبة تجمدت الدماء في يده وسقط السيف في الطبق. دفع الشيخ الطبق للعريف وقال: شلت يمينك، عد إلى قومك وقل لهم ألا ينسوا موعدنا غدا في ساحة القاهرة. قبض الشيخ الأخضر على يدي بقوة وقال: ـ يا بني من تسلح بالإيمان لم ترهبه سيوف العدوان
يا بنيَّ ملوك اليوم مماليك فكن العز واحرص أن تحضر المزاد في ساحات المدن الِملْحيَّة واكتب بالحكمة والسيف : لا شرقية ، لا غربية حتى يولد فجر من نزف جراح الشهداء الإنسان المجبول بأنوار التقوى في أزمان البلوى يحمل سيف الحق على السياف وغداً طاغوت التجويع، القهر، الموت .. " يؤخذ بالنواصي والأقدام فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ " |