معراج الطير الحبيس ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

نص روائي ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

معراج الباء

8‏

أنا النقطة تحت الباء‏

والباء بلا نقطة زورق بلا سَكّان‏

والباء بلا نقطة بيت بلا سُـكّان‏

والباء بلا نقطة كـون بلا ديّان‏

والباء بلا نقطة جسد لا روح فيه ، حتى إذا عشقته النقطة اهتز بالحياة، ونطق بالصفات.‏

هكذا قالت "حم" وفردت جناحيها في الأثير، وأردفت: هيا واركب رفرف الحرف المجنح بالبوارق إلى بيداء البواده التي يفنى فيها كل باد إذا بدا في القلب هوو .‏

ولابد قبل هذا أن تعبر باب الأبواب لتكون مؤهلاً للاتصال بالجناب، وأن تخلع عنك عباءة القصدير، فإنك لا تستطيع أن تطير وعلى كتفيك أُحدٌ وثبير . فإذا ارتصت النواة بالنواة أصبحتَ نقطة في مثاني عاشق، تعرج إلى المعشوق في وقت ليس لـه طرفان ، وعلى بحر ليس لـه شطآن.‏

ـ أخشى أن يدرك القوم غيابي فيقيموا جنازتي ويكفنوني بالدموع.‏

ـ تترك بَدَلك(1) فيقوم مقامك، حيّاً بحياتك، ظاهراً بأعمالك.‏

ـ "حم" يا طائر القلب المرنِّق في الضلوع، ما الذي حملك على أن تفردي لي جناحيك في رحلة إلى العالم المشهود، ما يقطعها المرء إلا بعد النقلة الأبدية، وأنا مريض بالقلب أخشى البوادِه؟‏

فتحت "حم" باب القفص وأطلقت بلبل الدار ثم بسطت راحتيها أمام عيني ، فرأيت الدنيا والآخرة ، والجنة والنار، وبياض الوجود وسواد الغيب، ورأيتني بينهما وأنا في مركز الأضداد همزة بيضاء حائرة بين حروف العماء .‏

قالت "حم" : قرأت حكاية أمك الوفائية وأبيك الكسيح، وما عانيت وما عانى أخوتك الأربعون من الجوع والقهر والسجون، فرأيت أن أسرّي عنك الهموم بارتياد عوالم النور والضباب، مَن وَلَجها انقطع، ومن قطعها جَهِل ، فهي سؤال أبدي لا يجد لـه أحد جواباً.‏

حلقت بي "حم" في أجواز الفضاء، فخرجت من العالم الصغير إلى العالم الكبير. زرت عوالم لا يحيط بها وصف، ولا يحدها مكان أو زمان، ولا تبصرها عينان.‏

رأيت الأنوار الهابطة إلى الغواسق, ورأيت الأنوار الصاعدة إلى الجواسق. ورأيت النور اللذيذ الشارق، و فيَّ لـه مع كل نبض ومض. وسمعت حنينه إلى النور القيوم، وبكاءه على من فارق وهو على التخوم.‏

رجوت "حم" أن توقف خفق جناحيها وتبسطهما لسابحات السؤال:‏

ـ أما ترين هذه الأنوار الشارقة في الإنسان وحنينها وبكاءها؟ أ هكذا يفعل العشق بصاحبه؟‏

قالت "حم":‏

ـ لولا الأنوار الشارقة لكفّت الأفلاك عن السباحة والتسبيح، والبحار عن السجوِّ والموجان، والأنهار عن النبغ والجريان، والأرض عن الولادة والخصوبة.‏

لولا الأنوار الشارقة لانعدمت المحبة وأصاب الكون الفساد. فإذا انعدم العشق اختل نظام الكون، وارتطمت النجوم، وانساحت الجبال، وتفجرت البحار، وانشق القمر، وبسط البوّاق جناحيه ما بين السماء والأرض مورياً ببوقه ضابحات القيامة.‏

والعشق أقصى درجات المحبة، فيه غيبة وذهول وحركة في القلب لا تعرف السكون. ولا يصل المرء إلى هذا المقام إلا إذا عرف الغرام منتشياً بخمرة المحبة، وخلع العذار مفتتناً بالمحبوب عن السِّوى، وجذبه الوله فتحير، ودهش فذهل، وفني فرأى.‏

بيداء البواده‏

كنت أسمع حفيف أجنحة الملائك في غدوها ورواحها، وتراتيل روح الإلقاء جبريل وهو يردد التنزيل، وغناء شجياً يصدر من البيت المعمور والقبة الوقور، وتسابيح تتهاطل من غمائم نورانية، ومزامير قدسية ترقص على لحونها الأسماء. وشدواً سكريَّ المذاق يتماطر من بلابل السدرة.‏

وكنت أبصر أطياراً خضراً على أفنان من عقيق على مقام عرفات، وهي ترف بأجنحتها، مغردة تتنسم روائح الجنان.‏

وأبصر أطياراً سوداً في خرابات مظلمة، صامتةً حزينة مهيضة الجناح تلفحها لوافح النار.‏

وأبصر أطياراً ملونة تعاجمت ألسنتها، واشتجرت لحونها، تنتظر فصل القول: أيها أجمل غناء؟ وقد تعدد المغنون، وكثرت اللحون، وتناصَّت القصائد، ونَصِبت التراجم، والمعشوق واحد ينتهي إليه الغناء بلغة ليست كاللغات، حروفها الأنوار الشارقة، لا تحتاج إلى ترجمان.‏

وأبصر سرادقات من لؤلؤ ومرجان، لا يكذِّب بآلائها إنسان، مستديرة كهاء الديّان، تعبر من نوافذها أطيار تخلع أجنحتها، وتنفض ريشها، وتتشكل في صور الكمالات الشارقة فيها، من غير أن تنزع عنها نحاسات عبوديتها. وهي في مركز السرادقات، وهاء الجلال تدور وتدور. والدائرة هي الحق في جوفها الخلق، وهي الخلق في جوفها الحق، وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يتحاورون ويتهامسون، وهم في شوق شقَّقت شرانقَه فراشات ربيع اليوم الموعودِ يتساءلون: متى القيامة؟‏

مسحت " حم " بكفها الحريرية على عيني وقالت: أما وقد أبصرت بالبواصر فانظر الآن بالنواظر.‏

ونظرت فرأيت سهولاً تنبسط أمامي كالأسفار، وجبالا شامخات، وأنهاراً جاريات، وبحاراً تمخرها الجاريات. وجزائر تهرج فيها الأنوار.‏

ونظرت فرأيت مدناً عامرة بالناس، وقرى تنتشر في حقول تموج بالسنابل، وقلاعاً وقصوراً وأكواخاً لا يغلق فيها باب على طارق.‏

ونظرت فرأيت طرقات تسلكها السابلة، وقوافل تنطلق من المدائن إلى الأقطار، وأخلاطاً من الخلق يجوسون خلال الديار، يتبادلون التحيات، ووجوههم تفيض بالبسمات.‏

ونظرت فرأيت المنشدين والعازفين في الأحياء التي تهاطلت من شرفات بيوتها عرائش الورد والياسمين، وهم يطوفون بأعوادهم وسناطيرهم وبأرواح القصب ، يعزفون وينشدون نغمات رابعية وفارضية متباينات آناء الليل وأطراف النهار، وأجواق الحمائم والطيور ترجِّع اللحون وتخصف بأجنحتها أحرف الهواء.‏

ونظرت فرأيت أسواقاً عامرة مسقوفة وأخرى مكشوفة، يزدحم فيها الشارون والبائعون، ولا نقود إلا الكلم الطيب والصلوات.‏

ونظرت فرأيت أهل الصنائع في صنائعهم يعملون، والفلاحون يزرعون ويحصدون والثاقفون يقرؤون ويتحاورون، وربات البيوت يرتبن الغرفات ويثرثرن ضاحكات.‏

ونظرت فرأيت المساجد يرتفع من منائرها الأذان، والكنائس يعلو في جنباتها قرع النواقيس. والمعابد مختلفاً أشكالها وألوانها يحتشد فيها المصلون.‏

ونظرت فلم أر ملكاً أو وزيراً أو أميراً، ولا قائداَ أو شرطياً أو مديراً. وكانت الحياة تسير بالحاكمية العشقية كزورق حالم في بحيرة سحرية.‏

وبسطت كفيَّ لأقبض حفنة من التراب فإذا بي لا أقبض إلا على هواء.‏

ومددت يدي إلى الجبل أتلمس الصخور فإذا بها تغوص في الفضـاء.‏

وغمست أصابعي في الماء فما أدركها بلَلُ الماء.‏

نظرت إلى رفيقة دربي " حم " دهشاً متحيراً..!‏

ـ أيُّ عالَم هذا أراه ولا أقبض عليه؟‏

قالت " حم " متبسمة من جهلي:‏

ـ هذا عالم الشهود ، ومتنظَّر الموعود، كل ما فيه روح، حتى الجبال والأنهار والمدائن ما هي إلا أرواح، وكل يسير على قانون الطبيعة الروحانية.‏

ـ أيَّ حلم رائع أرى؟ هذا الذي طالما حلمت به البشرية يا أماه.‏

ـ بل هي اليقظة. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. ضع يا ولدي هذه العباءة على كتفيك واتبعني.‏

وضعت عباءة المستريح على كتفيّ، فارتقت " حم " بي سلماً من صوت وبرق وأنا أتبعها حتى بلغت أجوازاً من البوادر ما ترقى إليها سوى الخواطر، ثم فتحت لي شبّاكاً في الأثير مطلاً على الأزمان، فأطللت فرأيت..‏

كرة من نار ونور ، وضياء وديجور، ويابسة وماء، تسبح في الفضاء.‏

رأيت فيها الجمال والقبح متجاورين، والموت والحياة متعانقين، والليل والنهار متلاحقين.‏

ورأيت مدناً وعواصم تسقط وتحترق ، وفراعنتها في الجحور تختبئ، فتنتزعهم من جحورهم ملاقط الجرذان.‏

ورأيت ثيراناً لها قرون تناطح السحاب، ما تلبث أن تتهاوى نحو مَصارعها فتندس في التراب.‏

ورأيت قصوراً تصير قبوراً تتزاحم فيها الأجساد والأضداد، تنتظر الصيحة.‏

ورأيت في القبور أجساداً مظلمة تعصف بها أرضة الديجور فتأكلها ثم تسلحها حَمَأً مسنوناً، ويتعالى الحمأ المسنون فيصير قصوراً بعمائرها وملوكها وأمرائها وعسسها وعساكرها وكنّازها، ثم يغشاها ليل الدمار والبِلى فتصبح أثراً بعد عين، لا تراه إلا عين العين.‏

ورأيت في القبور أجساداً شَفّاها الجوع والحبس الطويل، وشَفَاها العشق والشوق، تنسمها نسمات رحمانية فتصير ذراتٍ من النور تتوامض في حقول الصباح.‏

ونظرتُني فرأيتُني ذرة نور تتذرذر على شفاه قطرة ندى سكرى بالتسبيح على غصن من سدرة المنتهى قد دنا فتدلّى.‏

ورأيت أزمنةً تدور، وأزمنةً تغور. وشعوباً تولد وأخرى تبيد، ودهاقنة تصول ثم تهوي وتميل، ودولا تطغى ثم تشيخ وتدول.‏

ورأيت عشاقاً على الشرفات يذيعون السكر المذاب بالشفاه والعيون.‏

ورأيت أطفالاً يدورون في الحارات يلعبون ويهزجون، وأمهاتهم يطللن من النوافذ يطيِّرن لهم المعوِّذتين.‏

ورأيت عمّالاً على المراقي يرفعون العمائر ولا مرقى لهم، وباعة في الطرقات يتجولون يرفعون عقائرهم بالنداء ولا صوت لهم، وكتّاباً بالأقلام يسطرون فتنثر الريح ما يكتبون. ونساء يلدن أطفالاً من حطب، والحياة طير يزجره عتلٌّ زنيم مغتصب.‏

ورأيت المسيح يلاحق الدجال ويرميه بالآيات حتى يجري النهر ويفيض البحر الميت بدمه، فيعود الخصب إلى الأرض، ويحيا الناس في سكينة وسلام.‏

ورأيت الخصام يغتصب السلام ، ويسود الهرج، وتكثر الزلازل، وترتفع أعمدة الدخان، وتتلبس الجن في الإنسان، وتطلع الشمس من بين قرون الشيطان، ويُرفع القرآن ، فيختل نظام الأكوان..‏

ورأيت .. ورأيت..‏

..حتى رأيت طائفاً يطوف على كرة النور والنار فيجعلها هشيماً مسجوراً، وكوكباً ميتاً مقبوراً.‏

أدرك بلبل الدار ما بي من شقاء وأنا المسافر في الاعتبار بين العدوة الدنيا والعدوة القصوى، فناداني مغنِّياً بصوته الحزين.‏

أيها السالك‏

أغلق‏

كوَة الأزمانِ‏

وانهض‏

عد من الوهم إلى نور الحقيقة‏

هاهم قد أطفؤوا الطاقة في الأرضِ‏

وقد مات المؤذِّن‏

غلَّقوا الدار على الإنسانِ‏

طغياناً وتيها‏

أشعلوا النيران فيها‏

واستباحوا ساكنيها‏

تركوا القرية في الفوضى‏

غريقة‏

عدت إلى السفين حزيناً يائساً. خلعت عباءة البرزخ، وشددت الرحال إلى السفر من جديد.‏

(1) من سافر ترك جسداً على صورته يحيا ويعمل مثل الأصل المسافر . وهذه مخصوصة بسبعة في الأرض هم البدلاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244