معراج الطير الحبيس ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

نص روائي ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

معراج الياء

10

أذنت لي حم بالعبور إلى كوثر الجمال وهي تخشى عليَّ من اللُّجة، وأنا الذي لم أمارس العوم في الأنوار يدفعني البحث عن المعرفة إلى ركوب الأخطار.

قوس ميمونة السوداء

اتجهت إلى الأولى فانبسطت أمامي الكوفة وبساتينها، والفرات وشاطئاه، فجزتها إلى الجَبّان فرأيت فتاة ترعى غنيمات، قائمة تصلي، وبين يديها عكاز لها، وعليها جبة صوف كتب عليها: لاتباع ولا تشترى. ونظرت فرأيت الذئاب مع أغنامها لاهية، فلا الذئاب تأكل الأغنام ولا الأغنام تخاف الذئاب.

ولما رأتني أوجزت في صلاتها وسلمت ثم قالت: يا ابن حم أنا ميمونة السوداء، يظنني أهل الكوفة مجنونة لأنهم لا يدرون ما يفعل العشق بصاحبه.

قلت : رحمك الله وما يعلمك أنني ابن "حم"

قالت : أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر اختلف؟

قلت : يا طاهرة الجيب، عظيني.

قالت : يا عجبا لسالك في المحبة يوعظ! ومن ميمونة حتى تعظ!؟

يزجر قوماً عن الذنوب

 

يا واعظاً قام لاحتساب

هذا من المنكَر العجيب

 

تنهى وأنت السقيم حقاً

لو كنت أصلحت قبل هذا

 

غيَّك أو تبت من قريب

كان لما قلت : يا حبيبي

 

موقع صدقٍ من القلوب

تنهى عن الغِيِّ والتمادي

 

وأنت في النهي كالمريب

يا ابن "حم" إن كنت تريد اجتياز الأسوار فتحرر من الإسار، وإن كنت باحثاً عن المعرفة فاركب براق العقل واسلك طريق العرفان، وكي تصل من غير أن تضل لابد وأن تحمل معك مصباح الوجود، ولا تبحث عن هذا المصباح في سوق المصابيح لأنه في قلبك موجود، زيته العشق ونوره الهدى. واعلم أنه ما من عبد أعطاه الله من متاع الفانية شيئا فاستزاد وابتغى إليه ثانيا إلا سلبه الله حب الخلوة معه، وبدَّله بَعد القرب البُعد وبَعد الأنس الوحشة.

قلت: يا ميمونة لقد احلولى السواد في عينيَّ حتى وددت لو أن الشمس ما طلعت على الناس إلا بهذا اللون الشعشعاني الآسر جماله، فحدثيني يرحمك الله عن الغنم التي لا تفزع من الذئاب. والذئاب التي لا تأكل الغنم فإني أرى عجباً.

نادت ميمونة السوداء ذئباً وحملاً وقامت بينهما تصلي، باسقة القوام ممتدة الأفياء كشجرة الحياة ، ثم التفتت إليَّ وقالت: أيها المغتر بحكمته، إليك عني، إنك لسقيم الإدراك، وأنت مازلت في أول الطريق. لقد أصلحتُ ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم..!

قوس بردة الصريمية

ثم إني قصدت الثانية فسعت إليَّ البصرة بشطها ونخلها وبساتينها وبحرها، وقد تزاحمت في سمائها الغيوم الدكن، فرأيت الملوك في قصورها يرتدون الكبر ويجررون أذياله. ورأيت الزنج في أسباخها يزرعون وهم يتمنطقون الجوع وأقدامهم تغوص في وحل الفاقة. ثم هبط جند الليل في دروب البصرة، وسكنت الحركات. وفجأة أضاء البرق وتهزّم  الرعد وصوَّتت الصواعق، وسمعت صرخة لمّا يزل يعقبها صياح ونحيب. فقلت: صاعقة صعقت قلباً فأحرقته، وتبعتُ الصيحة فإذا أنا بفتاة كبردة الأنوار قد غشيت، وقد ذهب بصرها من كثرة البكاء. فانتظرتُ حتى أفاقت من غشيتها، ثم رأيتها تضع يدها على قلبها المحترق والدخان يتصاعد من عينيها الباكيتين وتنادي بصوت حزين: حبيباه.. لقد هدأت العيون، وغارت النجوم، وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك يا حبيبي، أتُراك تعذبني و حبك في قلبي..؟ لا تفعل يا حبيباه .. لقد ذهب بصري في الشوق إليك والتضرع في القربى منك فامنحني ذهب محبتك وقلادة رضوانك.

ثم التفتت نحوي وقالت: تسأل عني؟ أنا بردة الصريمية، أناجي حبيبي كل ليلة كي يخلع عليَّ بردته فلا أعرف القَرَّ والحر ، وربما سمعت صوته فأرى مُلْك بني مروان قد حُوِي لي فلا أحفِل، فصوته المُلْك، ومُلْكه القلب، والقلب هو المعرفة بالحبيب.

قلت وقد رأيت الفجر في عينيها ينهض من رقاده ويخلع على نخيل البصرة بُرود النور : يا بردة ها قد طلع الصباح على البسيطة فكيف أصبحتِ وأصبح الناس؟

راحت بردة تخلع من معصميها أساور العمر وتلقيها في دجلة واحدة تلو أخرى، وقالت: أصبحنا أضيافاً منتجعين بأرض غربة ننتظر إجابة الداعي إذا دعا.. وقد دعا.

قوس جوهرة البراثيّة

ثم إني ركبت السفينة متجهاً من قوس البصرة إلى مدينة السلام والنوتيُّ ينادي: لا يركب فلكنا من لا يعرف الغوص فالبحر مليء بالأسرار والأخطار.

 أبحرت طفلة النهر في هدوٍّ، والأمواج تهدهدها على صدرها وتناغيها، والأطيار البيض والخضر تصحبنا أسراباً أسراباً وتمطرنا مناقيرها باللحون، حتى إذا جزنا منائر الفلق ودخلنا مغاور الغسق وقطعنا الأبلّة عفْرَت اليم واشتملتنا العاصفة واضطربت السفينة وغشّانا موج كالظلل وصاح النوتي: لابد أن تقدموا القربان لسيد البحر وإلا هلكتم. إن كنتم تريدون النجاة فتخففوا وألقوا أحمالكم في دجلة. فألقينا الأحمال حتى لم يبق لنا إلا ما يستر عرينا، فتقشعت الغيوم، وطابت الريح، ولاحت لنا عن بُعد منائر بغداد وقبابها، حتى إذا جزنا الكرخ والرصافة إلى براثا أشار إليَّ النوتي أن قد وصلت فاهبط من الفلك بسلام واقصد جوهرة الأنام فإنها في انتظارك. فعجبت من نوتي أمِّيٍّ يصيد اللؤلؤ في مكنون البحار من قبل أن يباشر العوم والغوص.

نزلت إلى الشاطئ فإذا أنا بكوخ وامرأة قائمة فيه توقظ زوجها وتقول:

يا أبا شعيب، كاروان رفت.. كاروان رفت.

ثم خاطبتني من غير أن تلتفت: يا أخا "حم" أراك لم تفهم قولي، لو أنك عشقت لنطقت بكل الألسن وعلِّمت منطق الطير ووشوشة الحشائش ونجوى النجوم وهمس الحجر.

قلت: أنت هي إذن .. جوهرة البراثية.

قالت جوهرة: كنت جارية لأحد الملوك أعيش حياة القصور وعليَّ من الثياب والحلي ما تحسدني عليه النساء، ثم إني رأيت في المنام أن رَجلاً في كوخ على دجلة يدعوني إليه فعشقته وصرت أسيرته وجفوت سيدي وكان حكيماً حليماً كريماً، ولما أدرك الملك ما بي قال: من عشِق عُتِق. ثم أعتقني وأطلقني وجهزني بما يحتاجه المسافر. وانطلقت إلى شاطئ النهر أرود الأكواخ حتى انتهيت إلى هذا الكوخ فلقيت الذي رأيته في المنام فقال:

 قد صدَّقتِ الرؤيا يا جوهرة.

 يا سيدي إني أريد أن أكون خادمتك.

- ما أنا إلا مملوك فإن أردت أن تكوني حبيباً لملك الناس فغيري هيئتك، واخلعي عنك أثقال الحلي والثياب الملكية، وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت.

وأحسست بأثقال ما عليّ، وأني أنوء بحمل هذه الأحمال، وأن ركبتاي تتقصفان، فتجردت عن كل ما أملك، ولبست ما أنا عليه الآن من عري وثياب ثم حضرته وكان يجلس على جِلَّة فتبسم وقال:

يا لروعة ما أرى‍! لا تحجبي بعد اليوم عن عيوني هذا الجمال يا جوهرة.

ثم سجد وسجدت فسمعت الأرض تقول لي:

تجعلين بيني وبينك حجاباً يا جوهرة، وأنت مني، خرجتِ من رحمي، وتعودين إليه، ثم تبعثين منه؟

ونهضت من سجدتي وقلت:

هذه الجِلَّة تحجبنا عن أمِّنا الأرض يا أبا شعيب. انطلق وتصدق بها، وخل الثلاثة في واحد لتسير بهم القافلة إلى الأَحد.

يا جوهرة وصلتِ اليوم فسبقتِني!

وسبقنا آخرون.. هيا يا حبيبي.. كروان رفت.. كروان رفت.

قلت: يا جوهرة مازلت لا أنطق بكل الألسن ولم أعلَّم منطقَ الطير ووشوشةَ الحشائش ونجوى النجوم وهمسَ الحجر، ولا أعرف معنى كروان رفت.

أجابت جوهرة الناس وعيناها جاحظتان إلى السماء: سارت القافلة.. سارت القافلة. يا أخا "حم" ما مقامك هنا؟ أنت في أول الطريق فانطلق، وغذَّ المسير فلقد سارت القافلة.

قوس مريم العابدة

خرجت من القوس الثالثة إلى القوس الرابعة في ليلة ظلماء ذات برد وريح، وكان المطر قد اتصل لياليَ، فوكفت السقوف وتشققت الجدران وفاضت الجداول وتأفعى السيل في طرقات القرية النائم أهلها، وكان معي شويٌّ لم تمسسه نار، ونقود لم يضربها سلطان. قلت: أقسمها في جيرة الحرم. فإذا أنا بامرأة قد خرجت وهي تقول: يا رفيق ارفق بنا.

ورفعت مصباحاً في زجاجة حملته في يدي لأتبين وجهها فإذا هي مريم العابدة، وكانت أمّاً لأيتام ترعاهم.

 قلت لها: ما لكِ يا مريم يرحمك الله ؟

قالت: تلصص السيل إلى بيتي، ووكف سقف البيت، وانسرب المطر إلى الفرش، وأنا أنقل أطفالي من موضع إلى موضع .. يا رفيق ارفق بنا.

قلت: خذي هذا الشواء وهذه الدنانير وانتفعي بها.

وهنا خرجت عليَّ من البيت صبية أضاء وجهها ظلمة الليل، عليها مِدرعة من صوف تستبين خروقها، وقالت:

يا أمّاه، ما هذا الذي فعلته، دنانير وشواء!؟ قد علِمنا، أننا لما شكونا مولانا، أنه سيبعث إلينا بالدنيا ليطردنا من بابه.

ثم ألصقت الصبية خدها بالتراب وقالت: أمّا أنا، وعزتك وجلالك، لا زايلْتُ بابك وإن طردتني.

قالت مريم: طاب الغرس، وسبقتنا الصبية. أعد بضاعتك إليك فإنا قد رفعنا حوائجنا إلى من يقبل الودائع ولا يبخس العاملين.

ودَعَتني إلى الدخول فدخلت المحراب ورأيت البيت قد اتسع واتسع فهو حجرات وأبواب وإيوان وشرفات. وإذا بفُرشٍ ممدودة ونمارق مصفوفة وأرائك منضودة، ووسائد زخرفت بتصاوير الفردوس، وعلى الأرض مدت بُسُط فَرَغ صُنّاع تبريز لتوِّهم من صنعها، ومن السقف تدلت قناديل مشعلةٌ ونجوم فكأنها سماء فوقها سماء. ورأيت مائدة عليها من الحلوى والطعام ما لم أر مثله إلا في المنام.

قلت وقد بلغ مني العجب مما رأيت: يا مريم أ بُدِّلت الأرضُ غير الأرض والسماء، أنّى لك هذا..!؟

قالت مريم: هو من عند الله.

قوس أم محمد

ـ يا أم محمد أوحى الله تعالى إلي بعض أنبيائه: أنزلْتُ بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك".

   يا أم محمد قال تعالى: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا".

   يا أم محمد، أيتها العابدة، الصبر صبران: صبر العابدين وصبر المحبين، فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضاً. وقال من كرَّم الله وجهه: الصبر مطية لا تكبو.

   يا أم محمد أيتها العاشقة لا يصح العشق إلا إذا لم يُطْلع العاشقُ هواه على صبره، ويخفيه عن دمعته لئلا تجري من غير أن يدري. فهو سكون الخاطر مع البلاء مع وجدان أثقال البلاء.

صبرت ولم أطلع هواك على صبري

 

وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر

 مخافة أن يشكو ضميري صبابتي

 

إلى دمعـتي سـرا فتجري ولا أدري

هكذا قال " سريٌّ "([1]) وكنت أراقب المشهد وأنا في القوس الخامسة وكان "جنيد" حاضراً فقال:

المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع الله أشد، والصبر أن تجوع المرارة من غير تعبيس، وهو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى.

الصبر هو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة . هكذا قال " ذو النون" الذي لحق بالمقام وأردف: الصبر المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية، وله أحسن الجزاء لقوله تعالى: "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". وصبر المحبين أشدُّ من صبر الزاهدين واعجباً كيف يصبرون وأنشدوا:

الصبر يجمل في المواطن كلها

 

إلا عليـك فإنه لا يجمل

قالت أم محمد: ما لكم تحدثونني عن الصبر وتجملونه لي وهو وشاحي الجميل أتجمل به قبل  أن يخلق أيوب؟

ثم التفتت إلى أستاذها " سريٍّ " وكانت تلميذة لـه تتلقى عنه علوم العرفان وقالت: يا أستاذي كلمتني في علم الصبر وفي علم الرضى، فهل حدث ما خلتموه لي مكروها ولم أدر به؟

قال سريّ: أنت ترسلين ابنك إلى معلم الكَتاب.

قالت: أجل.

قال: وقد أرسله المعلم إلى الرَّحى فنزل الصبي في الماء فغرق.

قالت مستنكرة: ابني غرق؟

قال: نعم.

يا أم محمد قوله تعالى: "واصبر" أمْرٌ بالعبادة. وقوله تعالى:" وما صبرك إلا بالله" عبودية.

يا أم محمد فمن ترقّى من درجة "لك" إلى درجة "بك" فقد انتقل من درجة العبادة  إلى درجة العبودية. قال صلى الله عليه وسلم بك أحيا وبك أموت.

تبسمت أم محمد وقالت وهي مطمئنة: كفّوا عن أحزانكم ومواساتكم لي، إن ربي ما فعل هذا. قوموا بنا إلى النهر.

ورأيتهم يذهبون إلى النهر ويتبعهم خلق كثير يريدون أن يشاركوا المرأة أحزانها على ولدها. وتوقف الجمع أمام النهر. وكفت الرحى عن الدوران مستطلعة ما يجري.

قالت أم محمد: أين غرق؟

أجاب شهود شاهدوا الحادثة بأعينهم: ها هنا سقط في النهر وغرق.. رحمة الله عليه. واخضلت بالدمع أعينهم.

اقتربت أم محمد من حافة النهر ونادت: يا ولدي محمد.

أجابها صوت من داخل الماء: لبيك يا أماه.

وبرز محمد من تحت الماء وهو يحمل على رأسه جرة صغيرة.

سألت الأم ابنها: ما كنت تفعل تحت الماء يا محمد؟

 قال محمد: يا أماه..أردت أن أملأها لك ماء من عين النبع فهو شفاء.

وسألت أم محمد: ولماذا تأخرت تحت الماء حتى هلعت لفقدك القلوب وسبَّبتَ للناس الأحزان.

أجاب محمد: أدركني النوم عند عين النبع فنمت ، ثم أيقظني صوتك يا أماه.

نظرت المرأة إلى من حولها معتذرة، ثم نزلت إلى الماء وأخذت بيد ابنها ومضت إلى المنزل.

التفت " سريٌّ " إلى " جنيد " وقال: أي شيء هذا؟

قال جنيد: إن المرأة كانت مراعية لما لِلَّه عليها، وحُكْمُ من كان مراعياً لما لِلَّه عليه ألاّ تحدث حادثة حتى يعلم بها. ولمّا لم تعلم المرأة بهذه الحادثة فقد أنكرَتْها وقالت: إن ربي ما فعل هذا.

قوس شعوانة

انطلقت إلى القوس السادسة وقد سمعت وَدْقَ بكاء يثقِّب خباء الليل. قلت في نفسي: ما أرى الخوف إلا قد أحرق قلباً. وجبذني الصوت بقوة حتى ما عادت قدماي تلامسان الأرض فأنا أسير في الهواء بقوة غامضة قاهرة، حتى أضاءت لي منائر الأبلّة، وإذا أنا أمام منزل رثِّ الهيئة أثر الجدب عليه بيِّن.

وجاءني من داخل المنزل صوت بللته دموع يقول: ادخل يا حبيب "حم" أنا شعوانة، أرسلْـتُكَ إليَّ وقد علمت أن أرغفة الماء قد نفذت لديك فلم يبق لك من زاد تتزود به في الطريق إلى محبوبك غير الدموع.

ودخلت البيت فسمعت جدرانه تنطق بالذكر، وسقفه يمطر ميامر التسابيح، وأرضه تنبع بههات هو..هو.. وفي أجوائه تصدح عندلات المسك. ورأيت عينا شعوانة تهطلان الدمع بأربعٍ نجوماً متبادرة، ووجهها كسماء ربيعية مشرقة باكية، وصدرها متوقداً كشمس تولد في مجرة قصيّة.

قلت: لو رفقت بنفسك يا شعوانه.

فبكت وقالت: والله لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكي الدماء حتى لا تبقى في جسدي جارحة فيها قطرة دم، وأنّى لي البكاء.

وسألتها: أ هكذا يفعل الحب بصاحبه؟

قالت: بل الخوف من عدم لقاء الحبيب. يا حبيب "حم" إن كثرة الدموع وقِلَّتها على قدر احتراق القلب، حتى إذا احترق القلب كله لم يشأ الحزين أن يبكي إلا بكى، والقليل من التذكرة يحزنه.

ثم قالت: من استطاع منكم أن يبكي فليبك، وإلا فليرحم الباكي، فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما تكشَّف لـه وأتى إلى نفسه.

ثم راحت تنشج بصوت يحرِّق قلوب الخائفين وتنادي:

يا موتَى وبني الموتى وإخوة الموتى..

وأخذت تنوح منشدة بصوت عذبٍ عميق حزين:

يؤمِّل دنيا لتبقى لـه

 

فوافى المنية قبل الأمل

حثيثا يروِّي أصول الفسيل

 

فعاش الفسيل ومات الرجل

قلت لها: ما رأيت مثلك عاشقاً اندلعت الحرائق في قلبه يا شعوانة.

قالت: ومن شعوانة؟ وما شعوانة؟ أَمَة سوداء عاصية. ثم راحت تبكي وتنشد:

لقد أمِن المغرور دار مقامه ويوشك يوما أن يخاف كما أَمِن.

وسألتها وأنا أقدم لها كأس ماء من خابية في زاوية البيت:

أما من دواء لهذا الداء يا سيدة الدمع؟

تناولت جرعة من الكأس وراحت تبكي وتقول بالفارسية: أنا العطشى من حبه لا أروى.. أَنبَت لكل داء دواءً في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت.

هبت نسمة عابرة فأطفأت السراج، ورأيت عجباً!

كانت دموع شعوانة تسبح في فضاء البيت وترسل شعاعاً سحرياً مموسقاً، والبيت يتسع ويتسع كلما تهاطلت من عينيها الدموع الشعشعانية.

وبقي البيت مضيئاً لشعوانة حتى طلعت الشمس..!

لم أكن أعلم من قبل أن دموع العاشقين تضيء..‍!

قوس رابعة الشامية

خرجت من قوس الدموع حائراً أريد القوس السابعة. جاءني هاتف أن اقصد رابعة فاتجهت إلى البصرة، ودخلت معتكف رابعة العدوية فرأيتها قائمة في محرابها تنشد:

 إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكنك رب تستحق العبادة

 إلهي..

أحبك حبين حب الهـوى

 

وحبــاً لأنـك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى

 

فشغلي بذكرك عمن سواكا

وأما الذي أنت أهل لـه

 

فكشفك لي الحجب حتى أراكا

فما الحمد في ذا ولا ذاك لي

 

ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

ثم التفتت إلي وقالت: ما جاء بك إلى هنا؟

قلت: سمعت هاتفاً يقول اقصد رابعة.

قالت: تلك رابعة الشامية زوجة أحمد بن أبي الحواريِّ وأنا أشاركها في اسمها واسم أبيها وعموم حديثها، فاقصدها قبل أن تغرب شمس قوسك.

قصدت الشام قاطعاً بادية النفس اللغوب حتى تراءت لي  الغوطة بأشجارها وبساتينها وكرومها. وبردى ببردته الخضراء وشالته الزهراء المنسوجة بخيوط الفضة والذهب. وقاسيون المعمم بالنور والغمام .

وصلت الشام فوجدت الباب الشرقي قد أرتجه الحراس. فقلت: أبيت الليلة أمام الأسوار في العراء، وكان البرد قارساً فاعتراني هم وحزن، وفجأة فُتِح الباب ونادى الحارس: ادخل أيها الغريب فقد جاءنا هاتف من المَلِك يأمرنا أن نفتح لك الباب ونرشدك إلى بيتها. فعجبت كيف درى الملك بأخباري، وأنا الحريص على ألا أبوح بأسراري.

أخذني مرشدي بين دروب المدينة، ثم صعد بي الجبل المعمم بالنور والغمام، ثم أشار إلى بيتها في القمة وقفل راجعاً.

وقفت أمام بيتها فسمعت شعراً وغناء وصوتاً تلاونت لحونه بدَمَّاتِ الشوق وتكّات العشق.

أحبك حبين حب الهوى

 

وحبا لأنك أهل لذاكا

كأني لم أبرح البصرة!

ناديت: يا رابعة.

لم يجبني أحد، فبقيت واقفاً ساعة وبعض ساعة، ثم جاءني الصوت: ادخل. فدخلت.

قالت: إنما منعني من أن أجيبك أنَّ قلبي كان في تلك الساعة ممتلئاً فرَحاً بالله.

قلت : يا رابعة قطعت الفيافي والقفار لأحظى بلقائك فحدثيني.

قالت: سل ما بدا لك يا ابن "حم".

قلت : ما طعامك وشرابك؟

قالت: الذكر والتسبيح. وإني لأَضنُّ باللقمة الطيبة أن أطعمها نفسي، وإني لأرى ذراعي قد سمن فأحزن.

قلت: أ صائمة أنت اليوم؟

قالت: ما مثلي يفطر في الدنيا.

قلت: أتحبين زوجك وتقضين حقه.

قالت: لا يجتمع محبوبان في قلب واحد. لست أحبه حب الأزواج وإنما أحبه حب الأخوان، وإنما رغبت فيه رغبة في خدمته.ومن خدمته أن أقضي حق الزوج حتى يرضى ، ولما وجدت أني مقصرة في ذلك فقد كان لي سبعة آلاف درهم أنفقتها عليه فزوجته، وكنت إذا طبخت قِدْراً قلت: كلها يا سيدي فما نضجت إلا بالتسبيح، ثم أطعمه اللحم وأقول له: اذهب بقوَّتك إلى أهلك.

ولما رأيت أني أثقل عليها بأسئلتي انتحيت جانب البيت صامتاً أستمع إليها، فقامت إلى محرابها وسمعتها تقول:

ـ إلهي وسيدي ومولاي لو أنك عذبتني بعذابك كله لكان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب، ولو أنعمت عليّ بنعيم أهل الجنة كلهم كانت لذة حبك في قلبي أكثر.

ـ إلهي وسيدي ومولاي. ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعا في جنتك، ولكن لأنك رب تستحق العبادة. 

وسمعتها تقول:

ـ ما سمعت الأذان إلا ذكرتُ منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطايُرَ الصحف، ولا رأيت جراداً إلا ذكرتُ الحشر.

وسمعتها تقول وهي تشير بيدها:

ـ إني أرى الجن يذهبون ويجيئون، وأرى الحور العين يستترن مني بأكمامهن.

وسمعتها تقول:

ـ إلهي ..غارت النجوم، ونامت العيون، وغَلَّقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.

ثم غلب عليها الخوف ، وراحت تمر بأحوال، وسمعتها في حال الحب تقول:

حبيـب ليس يعـدله حبيــب

 

ولا لسواه في قلبـي نصيـب

حبيب غاب عن بصري وشخصي

 

ولكن عن فؤادي ما يغيـــب

وسمعتها في حال الأنس تقول:

ولقد جعلتك في الفؤاد محدِّثي

 

وأبحت جسمي من أراد جلوسي

فالجسم مني للجليس مؤانس

 

وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسـي

وسمعتها في حال الخوف تقول:

وزادي قليل ما أراه مبلِّغـي

 

أ للزاد أبكي أم لطول مسافتـي؟

أتحرقني بالنار يا غاية المنى

 

فأين رجائي فيك؟ أين محبتـي؟

ولما أطل السحر من مشكاة الليل، وتَهيأْتُ للرحيل، سمعتها تقول:

ـ اللهم .. هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلتَ مني ليلتي فأُهنَّى أم رددتها عليَّ فأُعزّى، فوعزّتك لهذا دأبي ودأبك أبداً ما أبقيتني، وعزَّتك لو انتهرتني ما بَرِحت من بابك، ولا وقع في قلبي غير حبك وَجودِك ورضوانك.



([1]) أبو الحسن سري بن المغلس السقطي. خال الجنيد وتلميذ معروف الكرخي . توفي سنة 257ه‍

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244