|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
معراج النون 11 خرجت من معراج ياء العالمين قاصداً نون التكوين فلقيتني على شاطئ بحر الأنوار " يس ". كانت قد ضفرت شعرها بجدائل من قرون الأولين، وحمَّرت خديها بالنور اليقين، وكحلت عينيها بتنزيل العزيز الرحيم. وعلى كتفيها ألقى الوشّاح الأكبر وِشاحَ كن فيكون. ورأيت الشمس على صدرها تجري لمستقر لها، والقمر يعترش المنازل حتى عاد كالعرجون القديم. ورأيتها تكشف عن ساقيها ثوبَها السندسي فيميس بينهما قصر ممرَّد من قوارير، حسبتُه لجة فلجَّ بي الشوق من جديد إلى الإبحار نحو المعشوق. كانت تحمل في يدها كأساً من شهد مصنوع من تسابيح نحل القبة انماست فيه أنفاس المعشوق، قدمته لي في ابتسامة أضاءت المشرقيين، وحيتني وقالت: - أرسلتني "حم" لأدلك على الطريق إلى جبل الجوديِّ، فهذا البحر قد انسلخ منه الليل، فاندلعت فيه حرائق الأنوار، وأصبح هشيم أضواء تكوَّرت وتكوثرت. وأنا أخشى عليك أن تعشى بالنور فتشرَق، أو تجرفك تيارات الحبور فتغرق؛ ولا بد لك من دليل. - وهل الطريق إلى الجودي طويلة؟ - تصل إليه قبل أن يرتد إليك طرفك. ثم تضاحكت وأردفت: لكن طرفك مسمَّر بكلاليب الأنوار. صعدنا إلى السفينة، وجذبْت مرساتها، ونشرْت أشرعتها للريح، وأبحرنا في بحر الأنوار. خرج بلبل الدار من قمرته وحط على السارية، وانطلق مغرداً. يا هَنـا..يا هَنـا.. كاتبَ أسرار الغيب في مصحف العشق يا هَنـاهم تُجّار نوافج المسك أصيحاب الخلوة يا هَنـا.. بيّاع الحلاوة بين بيوت الحسان هوهو ارفع يا جميل هذا النقاب عن وجهك فقد كثر قطاع الطرق وأخشى أن تقع نوارس العمر في مصائد الأيام يـا ضنى يـا ضناه من قطع الفيافي والقفار ولم تكتحل عيناه برؤية المحبوب هوهو أيها المعشوق الذي لا تسعه أرضه ولا سماؤه ويسعه قلبي .. أنا أنا.. عبدك المؤمن بالرضى بما زوَّدتني من سكر العشق في جحيم هذه الحياة وبرغم ضنكي وضناي في جحيم الحياة أنا الرافه وهم الجياع هوهو يا جميل أنا المريض فعدني وأنا الجائع فأطعمني وأنا الظامئ فاسقني وأنا المظلوم فانتصر لي يا جميل أسمعني حفيف رضوانك وترنيمة الشفاه بالقبل وصوت قهقهة الجام السماوية لأسكر.. وأسكر وأردد يـا هنـا سالك درب الغرام يـا هنــاه يـا هنـاي التفتُّ إلى "يس" يرنحني السكر بكاسين، كأس جمالها وكأس الصوت، وأنا أتلمظ طعم الغناء في شفتيّ. - "يـس" ، وهذا الجمال المبين، ما رأيت بلبل الدار يغني مثل هذا الغناء منذ أن غادرت دار "حـم" . - ما هذا بصوت طير. إنه صوت إنسان ينسلخ من أرياشه. قالت "يـس". فجأة هاج البحر وماج وأزبد بالسنا، واصطخبت عواصف الأضواء، وهبت عاتيات الأنوار، وأصبحنا محاصرين بلجة الحضور، فعشيت عيناي عن النظر، واضطربت السفينة، وأفلتت الدفة من بين يديّ، فتناولتها "يس"، وأحكمت الاتجاه، وقالت: - هذا بفعل الجودي، إنه المغناطيس الطارد. من لم يكن عشقه أقوى من مغناطيس هذا الجبل فإنه يضيع في اللجة ويغرق. مؤذِّن الغرام ثم راق البحر حتى سمعت ثرثرة الأمواج وضحكاتها، وصوت تكسر الأنوار الهابطة على أديم المياه، وتنفس الأنوار الصاعدة من مجتمع الماء إلى مجتمع السماء. ولاحت عن بعد أضواء الجوديِّ، ومنارة الشاطئ يخفو ضوؤها ويخفق، فهتفت: - أسرعي "يس" ، أيتها الفاتنة المجدولة الضفائر بجدائل من قرون الأولين، فقد لج بي الشوق إلى لقاء الأم والأخت والحبيبة "حـم". - لن يسمح لنا بالرسو في الميناء قبل أن يصعد المنارة مؤذِّن الغرام ويؤذن لصلاة الفجر. وجلست قلقاً أنتظر، ثم خطر لي أن أسألها: - ومن مؤذن الغرام؟ - بلال ذو الصوت الندي. - ومتى يؤذن؟ وكيف يعرف الميقات؟ وقد انسلخ الليل من قماشة النور، ونفض الواجد غبار الزمن عن رداء الوجود. تبسمت "يـس" وطفقت ، بأناملها التي ما أبدع الله مثلها في التكوين، تحل ضفائرها ، وتجرِّد جدائلها، وتمشط شعرها، فتتساقط منه قرون الأولين. ثم تناولت جديلة حبشية اللون والحفاف، وضعتها بين يديّ، ولما لامستها أناملي تحولت إلى سبحة زمن مفقود، رحت أطقطق حباتها ذات الألوان والأشكال، حتى إذا استقرت على سبابتي حبة أبنوسية، انداحت أمامي الرؤى فرأيت بلالاً يسعى إلى دار الأرقم، يقف هنيهة يدبِّر أمراً ويتفكر. هذا الباب الخشبي فرقان هدى وضلال وعبورٌ نحو المشهود وَتَفَكَّر.. في الخارج دنيا أثقلها االكفر، الظلم، القهر في الداخل دنيا نوَّرها الحقُّ،العدل، الطهر وتفكَّر.. هلآّ اقتحم العقبة وتخطّى صفوان العتبة سأعلّمهم أسياد الوهم، البطش، العَتَمة أن العبد الحبشي الأسود إنسان يتفكر يختار طريقا ويقدِّر ويظنون العبد الأسود لا يعرف إلا الحلْبَ وأعمال الصرّ نصف من إنسان نصف من حيوان وهُم القوة وهُم الشعب المختار وأميةُ لن يتوقف عن قصف العالم حتى يحتل الأرض *** أي بلال يا ذهباً أسودَ يلوي عنق الطاغوت هلآّ أخبرت ملوك الذهب الأسود وقياصرة الأقوال الجوفاء والطبالين البلهاء في أعراس الخطب الطنانةِ أن النار الســوداء تمتد إلى ما تحت أسرتهم وبأن قرون الشيطان تغزو جزرَ الإيمان تحتل جميع الشطآن كي تُرْكِز أعلام اللات ورأيت ، ثَمّ رأيت جسد بلال يمتد على مساحة الأرض المعمورة بالدم مَهيناً مرمَّضا نازفاً، وابن خلف يدعوه بالسوط والصخر وعناقيدِ الغضب إلى الفكر اللاّتي الغسقي الواقب. و مع ابن خلف تداعى" شر ما خلق " . انزلقت قدماي على أدراج الزمن فسقطت في قاع المشهد، فوجدتني إلى جانب الجسد المرمَّض أحدث نفسي قائلا: - ليس لهذا الجسد الممدد على مساحة الأرض المدمّاة ، كي ينبض بالقوة والحياة إلا أن يعوذ برب الفلق، فإن فعل أدرك ألاّ ملك على الناس إلاّ رب الناس، ولا إلـه إلا إلـه الناس. فإن أدرك اهتزت شفتاه بالكلمة، وانطلق سهم أَحَد في مقاتل الطاغوت. ووجدتني أصيح بأعلى صوتي صيحة ارتجت لها شطآن الجودي واضطربت اللجة، وتقافزت الأسماك والحيتان من الماء. من يوقظ الناس إلى الصلاة؟ من يوقظ الناس إلى الفلاح؟ من يوقظ الناس إلى خير العمل؟ من..؟ من غيرك يا بلال؟ يا ذهباً أسود يفقأ عين الشرك الأسود بسهام الأحدية هذا عصر الشرك الأسود والدجال يزحف ..يغزو يرمي بقنابله بمصارفه بالفكر الغسقي المظلم بالإرهاب أجواز الجوزاء ويكفِّن هذي الأرض العطشى للحب بالمهل وبالنار . . . أُبصر في ديجور العصر التتريّ في قاع الزمن الهبلـيِّ بلالاً ينهض من جمر الرمضاء ويؤذن في الناس أبصر بدراً قادمة من آماق المجهول ترفل بالنصر المأمـول وبلالاً في معركة الإنسان الكبرى يصرخ: " رأس الكفر أمية. لا نجوت إن نجا " أبصر يوماً تتهاوى فيه عروش الأمراء من قد ولغوا في أدماء الشعب أبصر يوماً يتساقط في معركة الحق الموعود جنرالات الحرب أبصر يوماً يتنسم فيه البؤساء يتفيـأ فيه الفقراء يتظلل فيه الضعفاء بِوَريق السدرة.. والصوت ينادي: لمن الملْك اليوم؟ لله الأحد القهار استعادت "يـس" جديلتها مني، واتجهت بالسفينة إلى الميناء وقالت: - لا تحزن يا ابن "حـم"، فإن الصوت يفتق براعم النور من سدفة الظلمة، وهاهو مؤذن الغرام يصعد المنارة ليوقظ أهل الهوى إلى صلاة العاشقين. على الجوديّ عندما هبطنا إلى الشاطئ حدث أمر عجب! فقد تشظت "يـس" وأصبحت أباديد نور انماث في مزدحم الأضواء والظلال والأطياف. وأما بلبل الدار فقد أخذ يخلع لباس الريش حتى استوى شاباً في وجهه نضرة النعيم، رحت أنظر إليه فأراني، وأنظر إليّ فأراه، ثم خطا نحوي مشوقاً، وخطوت نحوه صامتاً، وعبر إلى فضائي، وعبرت إلى فضائه، فأحسست أني أذوب.. أذوب..ثم أفقد هيولاي. - لقد أصبحت مؤهلاً لصعود الجودي ولقاء الحبيب. كان هذا صوت "حـم"، لقد عرفته، إنه كزغردة الناي.التفت فرأيتها تبتسم لي وتقول: - قلت لك سأنتظرك هنا. كان لابد لك من هذه الرحلة الطويلة ، ومن تعرضك للأخطار. العشق أمر صعب، وأنا لم أستطع أن أتخلى عنك طوال هذه الرحلة، فقلب الأم دائم الخفقان. - يا أمّاه إني رأيت عَجبا! رأيت "يـس" نوّارة صبح مخضلَّة بالندى ترافقني من الشاطئ إلىالشاطئ، ثم تتشظى وتصبح أباديد نور؟ - كل امرئ في هذه القرية : إما أن يكون في التكوين ذراتٍ من نور تتجمع بالقدرة وتتشعشع بالقدرة فيزداد الكون ألقاً بهذه التحولات. وأولئك هم أهل العشق والجمال والكمال، هم نور الكون، ونورهم بعض من نور الأنوار. وإما أن يكون في التكوين ذراتٍ من ظلمة تتجمع ثم ترتص ثم تغوص في أعماق الجحيم، وظلمتهم بعض من ظلمة الشيطان. وأولئك هم الطاغون مالاً وسلطاناً وكفراً. وأولئك هم الغائصون في الحمأ المسنون. وإما أن يكون في التكوين ذرات من نور وذرات من عتمة عارضة، ولا بد لكلٍّ من هؤلاء كي يخلص إلى هذا أو ذاك، أن يختار ما بين الرحلة أو المقام. أما وقد اخترت الرحلة، ورأيت ما رأيت، وسمعت ما سمعت، وزرعت وحصدت، وتجردت عن الغواسق، ولاحت لك البوارق، فتهيأ لدخول السرادق، فحبيبك هناك، في صدر المجلس، ينتظرك، والشوق في عينيه، أن تأتي إليه، فتسلم عليه، وتجلس. - يا أماه، وما قصة بلبل الدار الذي خلع الريش، ثم عبر إلى فضائي ، وعبرت إلى فضائه؟ - تلك هي ذرة النور التي رافقتك مفارقة، ثم عادت إليك معانقة. - وأنت يا أختاه، أيتها الحبيبة، هل ستتركينني وترحلين؟ - سأكون معك في صعود هذا الجبل، فهو شاهق شائك وعر المسالك، حتى إذا وصلت إلى القمة، حيث سرادق من تهوى منصوب لاستقبال العاشقين، ودَّعتك لأصحب سالكاً آخر من أبنائي. طفقنا نصعد الجبل خفافاً، نسير بأقدام لا تلامس الأديم، فكأننا نطير ولا نطير. مررنا بوديان يبزغ الفجر من قيعانها. وصخور راسيات كالأطواد، على كل صخرة ملَكٌ راكع أو ساجد باسط جناحيه. وكهوف انقطع فيها أهل الذكر. واجتزنا أنهاراً جاريات تتحدر مياهها كأفراس من عقيق، والنوتي على الشاطئ ينادي : مَن عاشق أوصله إلى معشوقه؟ وعبرنا حقولاً قد أينعت سنابلها وما من حاصد، إذا هب النسيم ماست وتأوهت عشقاً وحنيناً، وإذا مر عليها نورج الصباح تساقط منها قمح النور. ودخلنا غابات ملتفة الأشجار، أورقت بالرحمة، وأثمرت بالغفران، ومن أغصانها تتهاطل التسابيح. وكنا كلما أحسسنا بالتعب أشارت حـم ببنانها فسارعت سحابة عابرة تظللنا بفيئها الوريق. كان الجوديُّ مزنراً بسبع أقواس من الكويكبات النورانية التي تدور حوله في نظام متقن، ولكنك لا ترى غير هالات من الأنوار تدور وتدور، ما بين كل قوس وقوس مسافة سبع سنين من ميقات الوقّات الأكبر. وسألت عن سر هذه الكويكبات ذات الألوان والأنوار، وقد لُقِّنتها في الدرس صخوراً تسبح في الفضاء، فقالت لي "حـم": هذه الكويكبات أنفُسٌ تسبح.وكل كويكبة مجمع أرواح، ولكل كويكبة لون منوَّر بلون الصفة التي تجمع هذه الأرواح. والأسماء والصفات الحسنى في علوم الأرض تسعة وتسعون، أو محدودة حسب ما يستوعبه الفهم القاصر، وهي في علم الحقيقة لا تنتهي، ولو أن ما في الشجر أقلام والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت هذه الصفات ولا هذه الألوان والأنوار. كنا مازلنا في القوس الأولى وعلينا أن نقطع الأقواس السبع لنصل إلى السرادق في قمة جبل الجودي، فعظم الأمر عليّ وأحسست بالحزن لطول الطريق إلى المحبوب. تبسمت "حـم" وقالت: إن تجرّدت من حزنك وصلت إليه قبل أن يرتد إليك طرفك. وتابعنا المسير.. اطلعت ونحن نجتاز الأقواس السبع على عوالم وخلائق وكائنات ما أخبرنا عنها مخبر، ولا حدثنا عنها كتاب، وكلٌّ في فلك التسبيح يسبحون. ورأيت في واحدة من هذه الأقواس كائنات شفافة غريبة الأشكال والألوان سألت "حـم" عنها فقالت: إنها الأفكار والخواطر والتصورات والأحرف والكلمات والأحلام الخيرة النورانية التي تخطر في بال كل مخلوق أو ينطق بها لسان أو عضو من الأعضاء، من إنس وجن ونبات وحيوان وطبيعة وأجرام، تتشكل هنا في صورها الحية ، لأنها ذات حياة، وتنتظر دخول العاشق إلي السرادق لمقابلة معشوقه فترافقه في الدخول، فهي جنود مملكة العشاق، ومِن غيرِها لا يكون عاشق إلا مدَّعيا للعشق. وبحثت عن أفكاري وخواطري وتصوراتي وأحرفي وكلماتي وأحلامي فرأيتها تهرع إليَّ سرباً من بعيد في صحائف مما سطره قلمي وبياني، ودموعي وشجني، وآلامي وعذاباتي، وما ناجيت به حبيبي في سري وعلني. ورأيت أبي وأمي وجدي الرسول يُزْجون السرب كي يصير إليَّ في رفة هدب قبل إطباقتها. فهم يعلمون مبلغ ما أعاني من تباريح العشق. قلت لشقيقة الروح: وأين هي الأنفس والأعمال والأفكار والخواطر الأخرى ذات الطبيعة الظلمانية؟ قالت: إن لهذا الجبل سنخاً يماثله غائصاً في أعماق الظلمات حتى قرارة الجحيم، وحوله سبع أقواس مظلمات. هنـا الدفء والحركة والغنـاء وهناك البرد والصمت والسكون هنـا أهل الصفوة وهنالك أهل الجفوة هنا العاشقون المقربون.. فهم في فلك الجمال يعرجون وهناك الكافرون المبعدون.. فهم في جثة الظلام لاصقون عندما وصلت قافلة عمري المهيض بالآلام والشجون، والعذابات والدموع، المجرح بالنكران والطعون، سمعت صوتاً هاتفاً يقول: أيها العاشق قد أبدلناك بكل ذرة من ألم الطريق سبع سنابل من الرضوان العميم، في كل سنبلة مائة حبة من النعيم المقيم. قالت "حـم" ونحن نجتاز القوس السابعة: أما وقد جاءك صوت الرضى، ولاحت لك أنوار سدرة المنتهى، وتهاطلت عليك غصونها، فاضرب خيامك تحت أفيائها، وتقرب بالصلاة والغناء والدعاء، حتى إذا ظهر السرادق وانكشف الحجاب، فادخل فإن محبوبك المستوي على عرش الجمال ينتظرك لهذا اللقاء. فإذا طال الانتظار ولم تستطع صبراً فهذه الجنة أمامك قد أزلفت، ادخلها بسلام. قالت هذا ، ثم طبعت قبلة على جبيني، وودعتني وفي عينيها دمعتان من خمر وفرح، ثم مضت. لقاء الحبيب ضربت خيمتي في ظلال السدرة، وأوسعتها لسكنى القافلة، وجعلت مقعدي أمام باب الخيمة أستروح نسائم الأفواح الناغمة على الغصون. سجدت والكاس في يدي فتهادى النور على شفتي، وأشرقت الخمرة في عينيّ، ورفرف في الكاس طائر الخيال فلاحت لي الجنة بأسوارها وقصورها وأنهارها الجاريات وحدائقها البابلية المعلقة. وعلى الشرفات حور من بلّور يمشطن شعورهن بأهداب العاشقين فتتساقط منهن فراشات من قُبَل ونور وعطر. ووصل إلى مسمعي خطوات رابعة على بلاط الجنة، وغناء الشاديات من الحور العين في مقاصف الفردوس المزدحمة بالشَّرب والشراب. وسمعت ضحكات العشاق تحت الأشجار، وصوت أجنحة القبل المرنِّقة، وكلمات الغزل يلاحق بها الشباب العابثون صبايا الجنة. ومن بعيد لوَّح لي رضوان بيديه ودعاني للدخول، وأوسع فتحة الباب، وقال: اشتاقت الجنة إليك. فلوّحت لـه بالكاس المترعة اشتياقاً وقلت: يا رضوان ما لهذا ركبت درب السالكين ، ومن يذهب للقاء الحبيب لا يطمع في طبق الفاكهة. يا رضوان لو حجبني حبيبي في الجنة عن رؤية وجهه لاستغثت من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار. يا رضوان ألا ترى أن اشتياقي إذا تحرك أضاء النور ما بين السماء والأرض، وهو في حركة دائبة، وأشهد أنَّ حبيبي لأشْوَق. يا رضوان أنا المحب الذي حملتني إلى لقاء الحبيب، على طريق كثيرة المهالك، شظيةُ شوق من جزء واحد توزعت شظاياه بين الناس جميعاً، ويحمل حبيبي تسعة وتسعين جزءاً كاملاً من الشوق إلى لقائي، فهلاّ وَدَعْتني صابراً كي أظفر بنعميات تلك الأشواق التسعة والتسعين؟ اصبري أيتها النفس الضّابحة التوّاقة فعما قريب يضرب الحبيب في جناب الرضوان سرادق الرحمة أيها الحليم إن عظمت الذنوب، والرقيب إن خفيت الهموم على ربوة موحشة ما بين ذنوبي وهمومي وقفت حائراً سِرت في الدروب المهلكة حتى انقطعت بي المسالك، وانفرط مربع الجهات الأربع فهلاّ أرسلت إليَّ برقاً بارقاً من عندك يحملني إليك سبّوح أنا طائر الصباح جئت إليك حاملا في منقاري تراتيل السوسن المطلول أنا الناي: منذ قطعت من الغاب وأنا أشكو آلام الفراق يستمع العشاق والبؤساء إلى نواحي فيبكون ويأتسون لكن أحداً لم يدرك روح القصب، ولم يبحث عما في باطني من أسرار لا هواء.. بل هي نار العشق في جوف القصب ترسل الألحان وتحرق الأستار أنا ذلك الغزال الذي هراق دمه صياد مليح من أجل سرته المكوثرة بنوافج التمني وعلى دمي هراق ببغاء الحضرة زيت الورد من قناني الغيب ، وأنا أطرب، وهو يغنّي على طوف السعادة أبحرت في دمي؛ فدمي لم يذهب هدراً؛ فشذا المسك حملتْه إلى الجهات الأربع الرياح هكذ العشاق يشربون كؤوس الراح والأفراح، حين يقتلون بأيدي الملاح يا غنيّ هل تقبل من فقير ذي حاجة مثلي أن يدعوك إلى مائدته فأنا لا أملك غير هذا القلبِ النابضِ بحبك ها أنذا أتناول كسرة الخبز اليابسة على مائدتي أبللها بدموعي ودم العشق وأدعوك إليها: هلمّ إليَّ يا غوّاث يا كريم يا مجيب المضطر إذا دعاه يا قوافل العمر الضاربة ما بين التيه والبحر ها قد طلعت نجمةُ الصبح، قافيةُ الظلام المضيئة وها قد لاح طور سيناء فانتظرنني حتى أكلم الحبيب يا معلِّم الأسماء وناصر الضعفاء: كلما خرجت من اسمي وقعت في اسمك تركت القافلة، وغادرت مقبرة العمر ساعياً إليك، واليوم فقيراً جئتك، وأنا ضيفك وها أنذ على بابك، أضرب على صنج معراجي لأجلك فمتى تأذن لسيف طلعتك أن يضرجني بدم عشقي آلاف المرات حتى تنفذ الخزائن في الديات و تبقى لك التعزية؟ عدد ذرات النور في المهرجان كلمات الحبيب كفاغية المسك في ليلة ساجية الحواشي كلمات الحبيب مثل كوكب دري يوقد من شجرة مباركة كلمات الحبيب لا تسعها أرض ولا سماء ويسعها قلبي الذي أبلاه العشق، كلمات الحبيب جاء الحبيب يعودني فرثى لحالي وبكى فروّى بالدموع ثرى هزالي فشُفيت من ألم الجراح، فلا أبالي إلا الفؤادَ، أصابه عشق النصال إن هذا اليوم ممطر فامش على محيط الدائرة من المساء إلى المساء ما لهذا العابر المسكين يبلل ثيابه الجديدة!؟ هكذا صاح الحاصدون في الحقول إلا حاصدة منفردة كانت تحصد السنابل وتغني للحبيب، رأت الأمطار ولم تر الماء ولأنها وضعت شال الحبيب على كتفيها فقد أظهر الله لها أمطار الغيب إلهي، سرت في طريقك، وعلى مائدتك أكلت من خبزك وعلى اليابسة قدت إليك سفينتي ولأنني بنار حبك احترقت مائة مرة فأنا لا أخشى من النار، ولا أطمع في الجنة ولكنني أخشى ألاّ تطْلُع على عبدك الحر الموسوم بالعبودية إلهي، لقد أسريت حتى علا التراب مفرقي، وركبت الطوف من شاطئ ذنبي إلى شاطئ رحمتك وفي محفل المسرة ارتديت آلامي وتكحلت بدموعي، متزيِّناً لك بنورك ولما تجليتَ تفجرت ذرة النفس فانتثرت الروح، واندلعت النيران في مدن الطين إلهي، تركت الكفر للكافر، والزهد للزاهد، أما قلب الفتّاحيُّ فهو الشمس المشرقة بالأحزان وأنوار عشقك يا خفيّاً في الروح وأنت خارجها، هل من سبيل إليك الشمس تصفرُّ من محبتك، وتعفر خديها بالتراب كل مساء شوقاً إليك والقمر السكران في حارات الليل، يسلم الروح كل شهر في سعيه إليك وأنا- يا عالم الأسرار - مازلت أنتظر علامة تهديني منك إليك نثر الخريف الذهبَ بين الخمائل، ووضع الشتاء في معاصم الكون أساورَ الفضة وبرز النصل ملطخاً بدم البراعم الأخضر، وتقافز الربيع فوق القلنسوات الدامية وألهب الصيف قلوب العاشقين، فاندلعت النيران في غابات الروح لقد دارت الفصول دورات لا يعلم عددها إلاّ أنت، وأنا أدور خارجها حول بابك تخضب قلبي بالدم، وفي غير موعد جئت الحبيب، فحبيبي فوق الزمان والمكان في الطريق إليك وقعت في بحر الحيرة والاضطراب، وأنت في سترك خلف النقاب وها أنذا جئتك بآلامي واشتياقي، ولم تتبق وردة على الغصن الذي زرعته منتظراً على بابك أن تمنحني ورود رحمتك، ويوقظ روحي ربيع طلعتك، لتورق بالفناء فيك يا ندامى الكاس والذكر .. يا يمام الروح لم يؤذن ديك الصباح بعد.. ولم يزل في الدنّ خمر فما لكم تحزمون أمتعتكم وترحلون في الغَرور؟ من يوقظني إذا تعتعني السكر وجاء الحبيب؟ احلولى الزمان، والبلبل الهيمان يصب أغاريده في شفاه الورد وغزلان الخمائل في مساقط أنداء الغمام ترعى بساط النور وفتاة القرية العاشقة تنادي من بعيد عازف الناي للشياه وأنا في الغار، أصطلي على النار في ليلة شاتيةٍ خَلَعَت العذار.. منتظراً مطلع الجمال. مواكب النور تزحف على مفارق الجبال وصوت أجنحة جبريل يتهادى فوق المنائر الخضراء ولعروج الروح تنفطر السماء، وببخور السدرة تعطر الملائكة الأجواء يومئذ يحمل العرش ثمانية لهذا اللقاء يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ها قد لاح السرادق، ونسمت رياح التجلّي، وأقبل الساقي الصبوح فهنّا وبشّر واستيقظ إسرافيل بعد قيامة أهل النوى، وتناول الصور معلناً قيامة أهل الهوى أما أنا فتيممت بصعيد عشقي وآلامي وعذاباتي، وتوضّأت بدماء حروفي، للقاء الحبيب تجمعت سحائب الرضوان، وأشرقت شمس التجلّي مشرقة من برج الشرف، وانهمر الربيع من خزائن الحضور، فانداحت سيول الأنوار من غير ستر أوانقطاع، ومَتع نهار القلب، وجابت السماء أجواق المنشدين، وحفت الملائكة بالسرادق. ناداني الصوت فلبيت ولما عبرت عتبة باب الحبيب تحطمت المرآة ونظرت إلى نفسي فلم أجد إلاّ هشيما تندلع فيه أنوار هوو 29/2/2004 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |