|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأول تعرف المرأتان أن لا سبيل للتراجع، فقد قالت الحياة حكمتها ورضخ القلب. لا مجال للتراجع، فمهما يحدث للإنسان لا بد لـه أن يمضي قدماً، سواء نحو حتفه أو نحو نجاته، لا بد لـه أن يمضي قدماً. ومثل من يسحب خيط ضوء من كتلة ظلام صلدة تسحب (ميساء) بإصبعين راعشين حلم عودته المستحيلة وتضع الحلم مثل تعويذه عتيقة أمامها. تفتح النافذة وتناديه لعل ضجيج الحياة وحركة الريح في أشجار الشارع تحمل نداءها. ـ عد... ألا تعود؟.. تعال.. دع الصيف يزهر على يدي.. تعال ليفتتح الربيع المضيع في جسدي... عد.. أين أنت؟ تعرف أنه لم يعد يصغي لنداءاتها وهو غير قادر على سماع لغة غادرها، وما عاد قلبه يرتعش لإيقاعات هذه اللغة كما تقول أمها.. تعرف أنها تهدر صوتها في الفضاء العاري مثلما تهدر أيامها ولا تتوقف عن التشبث بالحلم المستحيل. يرتد النداء في رجع الصدى مرتطماً بالجدران، لا أحد تبلغه الرسالة. أوصدت المسافات بينهما وقتل المدى.. لكنها تستغرق في وهم استعادة تاريخ الحب، لا تعرف أن الذاكرة التي تحيي تفاصيل قصة الحب لم تعد متناغمة مع ذاكرته وهو في مكان مختلف وعالم آخر ومؤثرات تحرك فيه حوافز ورغبات جديدة.. (لا يستعاد شيء تهاوى) هذه عبارة أمها التي لم تقلها، إنما تبلغها بهذا الصمت والتجاهل الذي تقابلها به كلما أشارت إلى قصتها مع (زياد).. أوصدت المسافات بينهما وقتل المدى.. تسمع (ميساء) أو لعلها كانت تستعيد بإيحاءات من يأسها.. تسمع بلبلة لغات مختلطة تتشابك فيها الغايات بالأهواء بالقسوة والأمنيات والوقائع الصادمة، تسمع البلبلة وتدور حولها دوامات من كلمات غريبة تشقها صرخات غرقى في سفن ابتلعتها الخلجان، وأودت بأرواح ضلت السبيل إلى مصيرها.. تسمع أنين تائهين وصلصلة أغلال ونحيب نساء يتعالى من جنبات العالم الأربع مختلطاً بخطى مجهولة يتردد وقعها على الرصيف وتنتقل أصداؤها إلى داخل البيت مع الريح.. في الليل تسمع أكثر، تتفتح الحواس لكل صوت وصورة، تسمع فيما تسمع شهقات حب غامضة وأغنيات تموج على أثير الطرقات في الغبار والدخان الليلي.. تبحث في الليل والنهار على أثر يرشدها إلى ذلك الذي أخطأ ومضى فلا تعثر على علامة.. ترى (ميساء) نفسها في تشابك الشغف والخيبة، سمكة لم تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد وهي تطفو في مياه الأمل الضحلة معرضة للهلاك كل لحظة.. ولكنها تجد لها عزاءً راسخاً في بذرة الحياة العظيمة التي ترقد جوار قلبها وتدرك أنها بدأت تستفيق فتناغيها وترعاها لتتفتح وتسند ذلك الأمل العصي.. أمل عودته إليها.. تخرج في المطر الناعم إلى الحديقة المهجورة التي نسيت في زحام الحروب وتدهشها زهرة وردة حمراء تفتحت في وحشة الخراب النباتي وحدها على شجيرة صغيرة.. تقطف الوردة وتسرع إلى أمها.. إذن، البذرة ولدت ليس في أعماقها هي، إنما في رحابة الوجود على شجيرة ورد كادت أن تجف، تولد الحياة على مسافة دهر هو الزمن الذي يفصل بين تخلُق الإنسان في تحولاته ونمو النبتة في الطبيعة رغم قسوة الوجود.. نزهات الحب القليلة في شوارع بغداد تستعيدها وهي تصغي إلى سقسقة العصافير المبلولة المنتشية بالمطر، تسمعه يقول لها قبيل رحيله: ميساء، نحن عاقلان بما يكفي لنرى الحياة من منظور آخر يضمن لنا عيشاً حقيقياً في أية بقعة من هذا العالم.. في البيت عندما يعودان.. يبتسم لأمها وهو يعانقها: أمنا العزيزة.. ألا يمكن أن يتغير شيء.. ميساء لا تريد أن تسمع.. نظرة الأم الصارمة تصدُ عباراته بنظرة محايدة وهي تذوّب السكر في قدح الشاي.. ميساء تتأمل اللقية السماوية زهرة الورد التي منحتها مفتاح الحقيقية وكشفت لها أنها لن تكون الخاسرة مهما حدث ويحدث... زهرة ورد لم يكتمل تفتحها بعد أن أفلتت من ظمأ المدينة وفناء الحدائق جعلتها تعيد حسابات الأمل.. هكذا إذن بوسع المرء أن يحيا بذاته دون اتكاء على شخص أو جدار أو وعود.. ألا يمكن؟.. تدندن أغنية للوردة التي لم يقدمها لها يوماً... رجال المدينة ما عادوا يرون الزهور ولا بوسعهم التمايل مع الريح أو على إيقاع موسيقى ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في نبراتهم الجافة.. هو مثلهم فتى من يأس وصمت ورمل ودخان ومن مساماته تفوح رائحة الحروب والموتى. الدنيا عزلتهم عن شذا الأقحوان وألوان زهرة المنثور وعطر أزهار العسل في حدائق الليل، ما عاد أحد من هذا الجيل يرى شيئاً من روائع خلق الله في الطبيعة.. لا أحد منهم يلمس غصن ليمون وتصعقه الدهشة من نعومة الخضرة اليانعة، ولا أحد منهم يميز بين زهرة القرنفل وعلبة صباغ مصنوعة من البلاستك. لا أحد يعرف نشوة أن يشم عبير الحشائش النضرة في هشاشة الأرض بعد المطر وقد رصعت بحبات لؤلؤ الندى.. الكارثة مسحت وجه الأرض وذاكراتهم وألقت رماداً على المروج والخمائل، ولم يحاول أحد منهم استرجاع الهبة العظمى.. ما أقسى أن يرتبط زمن الناس بأوان الرحيل لا بمواسم قطاف أو لقاح نخيل؟.. لا ميعاد يعرفون عن تفتح قداح البرتقال أو موسم نضج التوت.. لا أحد منهم تبقت لديه تلك الإشراقة الأولى للكائن الإنساني وهو يندغم بالأرض والهواء والعشب ويحيا في ملكوت الجمال البدائي. هاهم يهيمون وحيدين بذاكرة لم تعرف سوى القبول بالإحباط والانسياق في شهوة الفرار.. ما عرف أحد منهم ومضة النور التي تشع من زهرة مشمش في أواخر شباط.. لهذا فهم لا يدركون كيف يستثنون أرواحهم من خراب الأرض ولا يجدون وسيلة لإنقاذ النفس طالما لم يتوصلوا إلى الإيمان بما وهب لهم.. أمي.. لم أصدق.. زهرة ورد في حديقتنا المهجورة!.. شمي عطرها.. انظري أي لون.. يا إلهي.. ما هذا الجمال العجيب!.. انظري، خذيها.. أصابع الأم تأخذ الزهرة بحنان حذر.. تمسكها من ساقها النحيل المبلول وتضعها في قدح الماء. ـ أعجوبة.. أليست أعجوبة يا أمي؟؟ عندما فقد أبوها في الحرب.. أمضت (ميساء) عامين في ذهول وغياب وهي تتعذب في كوابيس مروعة، طحنت طفولتها وسممت حياة الأم.. كانت تسمع أصواتاً وصرخات تنبت من الجدران أو تتعالى من الأثاث.. أصوات مجسدة ضخمة لها حجم منتفخ كموجات الضباب، تتطاول وتكبر وتملأ الغرفة والهواء. ميساء تلهث وتصم أذنيها وهي تحدق بعينيها في الفراغ هاربة من ملاحقة الأصوات لها.. أبي.. أبي.. تتساقط مياه غزيرة على أشجار التين والنارنج في الحديقة وتنساب قطرات المطر على الأوراق الخضراء وتتقطر من جديد.. وعندما تسكن العاصفة.. تتحرك أضواء بعيدة في الأفق.. ثم يلوح لها وجه أبيها ويصطبغ العالم بلون وردي ويضاء المكان وينحل الظلام إلى غمائم والأصوات إلى نغمات غناء... أبي.. أبي.. تناديه ولا تحرك شفتيها، المضمومتين على الرغبة المستحيلة.. أبي.. تشم نسيماً يداعب وجهها به رائحة دخان.. تشم حريقاً يقترب.. تشم لحماً ينضج فوق اللهب، تغثو نفسها ويختفي وجه الأب وتتهاوى الضجة. تبكي ميساء حتى يهمد جسدها الفتي الناحل.. تعطيها أمها أقراصها المهدئة تفرك جبينها بقشور البرتقال وتدلك كفيها ويديها بمغلي زهور الخزامى لتهدئ أعصابها ومنابت الأعصاب في الأطراف تمسح العرق الذي يسح من وجهها وعنقها ثم تدثرها وتحضنها وتتلو رقية بضع آيات وهي تمسد الجسد الراعش.. تطبق البنت عينيها وتروح في إغفاءة هادئة.. تنتظم أنفاسها ويلوح ظل ابتسامة على محياها.. ترى جنات وروابي معشبة، ترى أشجاراً مثقلة بالثمار والزرازير المنقطة وعصافير الحب، ترى النهر يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات الأبواب، تسير وحدها في الماء البلوري الرائق الذي يغمر بلاطات رصيف المشاة، تغترف منه وتغسل وجهها وترشه على صدرها.. وعندما ترفع عينيها ترى مبان شامخة في مدينة خيالها.. وفي كل مبنى مئات النوافذ المفتوحة.. في كل نافذة وجه امرأة تلتمع عيناها وهي تطل على دجلة الذي فاض على الأرض بهباته العظيمة، ترى العيون كل هذا، وترتعش أشجار الأجراف التي من سدر وصفصاف.. عيون لا تحصى تحدق بالمشهد والسماء وتعكس أضواء النجوم التي بدأت تنهمر مطراً من شذرات ضوء فتمتد أكف النساء من النوافذ لتجمع هبة السماء، جواهر النجوم المتهاوية، وعندئذ تضاء النوافذ والمباني بالتماعات وهاجة تتوامض وتشع بألوان عجيبة، ويسيل الضوء شلالات إلى الطرقات وتنزاح الظلمة وتتعالى الموسيقى وتصدح الأصوات بأغنيات الحب وتحلق أسراب الحمام في حركات قوسية وقد انعكس على بياض أجنحتها الضوء السماوي، بينما تتدفق جموع الناس إلى الشوارع لجمع المزيد من النجوم في سلال حيكت من خوص النخيل وأغصان الصفصاف اللدنة.. بعد برهة، ترى النجوم تذوب في الأكف كأنها حبات برد، بينما تغرق بغداد في النور البهي والمياه الرائعة التي فاضت بها الأرض واتحدت مع فيوض أنوار السماء وبعثت المدينة في مخاض النور والماء وتعالت أغنيات الحب وموسيقى الأعياد وفاحت روائح الفجر.. شاي مخمر بالهيل وخبز قمح ساخن خبزته الأمهات قبيل صلاة الفجر وحلت في الأرض حياة جديدة وأطلقت الكلمات من عقالها.. سالت اللغة على الأشجار وبلاط الأرصفة، وقيلت كلمات الحقيقة.. و (ميساء) تسمع همساً رقيقاً.. تسمع أنفاساً تحس دفئاً يلامس وجهها.. هل استيقظت يا حبيبتي؟.. هيا.. تحس بالنهر يجذبها إليه، جسدها الذي يسح عرقاً يعوم في بلور الماء السائل.. والنجوم لا تزال تنهمر على بغداد.. تقول لأمها: أمسكي بواحدة.. حاول يا أمي.. اجمعي لي المزيد منها يا أمي.. تحضنها وتقبل جبينها: سأفعل.. عليك أن تستحمي.. ثم تتناولي إفطارك.. هيا.. أمي.. ماء النهر بارد شهي.. إنه يدغدغني.. أمي موجات الماء تدور بي.. أمي.. الريح تهمس لها وهي تدوّم حول البيت وتدحرج بعض الجذوع الجافة فوق سطح البيت. الريح تردد قول الأب وهو يحلم بغد لابنته الصغيرة التي يريدها عالمة آثار: أعطني ذاكرة.. أقيم لك مستقبلاً. ترد الأم مدرّسة اللغة العربية مقولة أخرى كأنها تقاطعه، لكنها في الواقع كانت تسند رؤيته للعالم ـ أعطني ألماً.. أصنع لك حاضراً يعتاش على مقاومة ذلك الألم.. يروي لها الأب الذي كان مدرّساً للتاريخ حكايات لا تنتهي عن ماضي البلاد الممتد إلى الأزل.. تنام الأم برغم الريح، تنام أو تحاول أن تنام وصوت الرجل المفقود حاضر، تعثر عليه وحده دون الرجل بوجوده المادي، الصوت مادته أثيرية وطاقته لا تفنى، لذا فهو يطوّقها ويقرأ لها رسائل لم يرسلها من قبل عبر بريد الجبهة المحمول في جعب الجنود العائدين في إجازات دورية.. صوت الرجل لا يفقد ولا يذبل، يرتحل الجسد وتنتقل الحروب في البلدان والقارات، وتجفف العشب وتحرق الأيدي، تحرق العشب وتفترس الأيدي، صوت الرجل ينجو من النار، يطفئ الحرب بالحروف وينمو ويحيا ويتكاثر ويحط الليلة مثل حمامة على وسادتها.. يشاطرها الصوت ليلتها، فتنزف أشواقها إلى أعماقها.. في الليلة عندما تنتهي أعمال الأنهر الشاقة يحضر الجسد المتعب، تعرف جسدها بتعبه وعناء الألم، تكتشفه بتشنجات الساقين لطول الوقوف وبألم العنق لطول ما انحنت على ماكنة الخياطة في مشغل (أم نور). عنقها يتيبس ويزداد تشنجه، تنهض وتمسده بزيت الخزامى حتى يلين وترتخي العضلات وتتمدد، تلقي رأسها على الوسادة جوار صوت الرجل الذي يتنفس عبير السنوات الغاربة.. تمد يدها تحت الوسادة لعلها ترتاح في الظلمة الباردة الممتدة بين الوسادة والمفرش.. يحدثها الصوت عن زمن طاعن في القدم، يحدثها عن زمن سيأتي بعد شموس كثيرة.. كانت فيما مضى تدس يدها في يده وتنام.. ويضحكان وهما يتصوران لابنتهما الوحيدة تاريخاً حافلاً بالفوز، عمراً من نجاحات والشموس تتوالى، يضحكان والليالي تستولد أقماراً ويرسمان مستقبل البنت. أريدها عالمة آثار تنقب عن العشرة آلاف مدينة التي لم يكتشفها أحد.. أنا أريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئاً يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس... يغمض الأب عينيه، ترقبه الأم الشغوفة وتتألم، كان بوسعها أن تهبه طفلاً آخر وأحلاماً أخرى، لكنها أسقطت الجنين، كان ولداً هكذا أنبأتها الممرضة في شهره الرابع.. كان قد قال لها.. تكفي ابنة واحدة جيدة.. ألا تكفي؟ تضحك.. ألا تريد ولداً؟ ألن تفكر بالزواج من امرأة أخرى لتنجب لك الذكور؟ يقبلها.. كفي عن ترهات النساء.. نامي.. كان يغمض عينيه ويبتسم.. مابك...؟ أرى ميساء تعزف الكمان على مسرح قاعة الرباط... والحضور يصفقون لعزفها البديع.. وهي تضارع السحر بعزفها.. كنت أتمنى أن يعلمني أحد العزف على الكمان.. أتذكرين.. أهديتك شريطاً عليه مقطوعات كمان كان (غانم حداد)... اسمه (غانم حداد).. نعم.. يصمتان.. يسمع الرجل موسيقا هادرة.. ينصب وقد نهض بنصف جسده في السري.. موسيقا تسحق الروح بإيقاعها.. تهيج شهوة الحياة، يده تضبط الإيقاع.. موسيقا عاتية تهب عليه، طبولٌ.. إيقاع مارشات، يسمع الليالي وهي تنسحق تحت ثقل الهدير الجائح.. الطبول وحدها تبقى.. تبتسم المرأة إلى جانبه وتتسع ابتسامتها وهي تمسك بيده.. ما بك..؟ ألا تراها؟.. انظر إليها في ثياب التخرج، ألا تراها؟.. انظر إليها في ثياب العرس.. ألا تراها؟ إنها على سرير المخاض.. أنت تحمل المولود وأنا أنظف عنه بقايا الدم وألبسه ثياباً أعددتها له.. أتسمعه إنه يبكي.. والله إنه يبكي. تنسحب من القول.. تتكئ على حلمها وحدها وتدعه يضحك من أشواقها لحفيد سيأتي بعد سنين لا يعرفانها.. تحمل الطفل ويبكي.. تقول لميساء: خذي أرضعيه، امنحيه لبة الحليب الأولى، صمغ النجاة.. اعصري الحلمة في فمه.. ودعيه يمص هبة الحياة ليقاوم.... هيا لا تخافي.. هيا.. ابتدئي شوط الوجود.. لا تخافي.. تنقلب الأم في الفراش، تسمع عطاس ابنتها، ظلمة الليل تحط على كل شيء ويدها تنسحب من تحت الوسادة باحثة عن يده.. اليد التي تحولت إلى كلمات. تذوب البنت في ما وراء المرض والكوابيس وعقلها تتجاذبه الرؤى وجسدها ينحط بثقل الكوابيس وتفقد شهية الحياة.. تأخذها إلى أطباء، تأخذها إلى معزمين وتزور معها مشعوذات وعشابين يقدمون لها خلطات من بذور وأعشاب ومساحيق غريبة وزيوت، جاؤوا بها من كشمير وتايلند، يبخرونها بحرق أصماغ عطرة، يسقونها مغلي أعشاب كريهة المذاق، يدهنون جسدها بدهن عطر ويعلقون الأحجبة على رأسها.. لا تشفى.. تنسحب البنت إلى صمتها وتتوقف عن ارتشاف تلك المغليات المرة والأعشاب الحارقة. تطرق الأم باب رجل يسمونه (الشافي) يعالج المرضى بالطاقة التي يمتلكها في أصابعه.. يقول للأم بعد أن ينظر إلى البنت: هالة الطاقة المحيطة بها مفككة ومضطربة.. ليس من انتظام.. ابنتك متعبة، روحها هلعة.. ترقد البنت على أريكة العلاج يغطيها الرجل بمفرش ويمرر أصابعه فوق رأسها دون أن يلمسه يخلق بحركة أصابعه مجالاً من الطاقة فوق الجسد ويداه تتحركان في الهواء حول أطراف الفتاة المغمضة العينين.. تكاد تغفو وهي تستمع إلى موسيقا هادئة يرسلها جهاز الكومبيوتر في غرفة العيادة، موسيقا تبعث على الاسترخاء.. تحنو على الفتاة وتهدهدها، تنام.. أو يبدو أنها تريد ذلك.. تعود الكوابيس بعد علاج يدوم شهرين.. تتوقف الأم عن الذهاب إلى الشافي فقد أرهقتها التكاليف وأجور التنقل من بغداد إلى (المدائن) حيث يقيم المعالج. تستيقظ ميساء منتصف الليل مغمورة بأسىً شفيف، قلبها مضطرب ونبضها يتوالى متسارعاً.. تتشهى أطعمة حرمت منها، يداهمها جوع دهري.. تبحث عما تأكله في المطبخ، ولا توقظ أمها.. تريد أن تفعل شيئاً، لا بد أن تقوم بشيء ما.. مؤكد أنها تستطيع فعل شيء لنفسها ولأمها.. ولكنها تتراجع.. تستسلم لنومة طويلة، تستغرق في نوم وصحو لأربعة أيام وليال.. وعندما تستفيق تقرر أن تشفى، ستفاجئ أمها.. ستعود الأم إلى البيت وتجدها في صورة أخرى إنما لم يتم الأمر بهذه السرعة.. تنظر ميساء إلى وجهها في المرآة.. تراه شاحباً.. ناحلاً.. وترى جسدها الهزيل برزت أضلاعه.. ترى دوائر قاتمة حول العينين، ترى بثرة صغيرة وردية قرب زاوية الفم.. الجوع يحضر كل ساعة، وهي تتناول كل ما تقع عليه يداها، وتغويها الأم بمشهيات ومخللات لفت وخيار.. ترى الأم نسغاً وردياً يسري في شحوب الوجنتين، وتعيد النظر في تغيرات الطفلة المتتالية التي انشغلت عن استحالاتها بعلاج كوابيسها، تكتشف الأم أن الصبية تغادر الطفولة إلى عتبات الأنوثة فهاهو الجسد النحيل الضامر يشق الشرنقة التي ضاقت عليه وينبت لـه جناحات من نزق المراهقة ونهم النضوج.. تنتاب الجسد الصغير آلام متحولة، ويسري في أطرافها ما يشبه الكهرباء وشيء ما يتململ في الأعماق ويتكثف الألم في الصدر الضامر.. يبرز قرصان مستديران جامدان تحت الجلد فوق انحناءة الأضلاع البارزة مباشرةً.. تخاف الصغيرة مما يحدث لها.. تصمت، لا تسأل أمها، لا تشكو.. وتعرف الأم أن النضج لا يتم إلا بتجربة الألم.. تفكر ميساء أن أباها كان مختلفاً عن الرجال أو هذا ما تريده أن يكون، مثلما ترى أمها مختلفة عن النساء، وهي تفرك الزمن بالدموع كلما ساءت الأحوال واضطرب وضع البيت وازدادت الحياة عسراً.. تقول الأم: هل تفهمين؟.. نحن.. أنا وأنت عندما نجونا من حربين فقد تحققت لنا معجزة.. وهبنا الله حياة سلبت من الآلاف.. لذا لن تكون حياتنا حياة اعتيادية كباقي البشر.. افهمي هذا.. تذكر هذا، تذكر ما كان أبوها يلقنها في الأماسي وهو يذاكر لها دروسها.. إياك والضجر.. لا يضجر إلا الخاسر.. هل أنت خاسرة؟ لم تكن تفهم حينئذ تلك العبارات التي يرددها لها هي الطفلة التي تتابع أفلام الكارتون بطرف عينها والأب يتصفح معها كتاب العلوم.. أحبت فيه تلك الدعابات وألعاب الظهيرة عندما ينتهون من تناول الغداء وتحضر أمها صندوق لعبة (الدومينو) أو (الشطرنج) المصنوع من عاج أو أبنوس وتبدأ المباريات ويحصل الفائز على جائزة من شيئين اثنين: كتاب جديد أو إعفاء من جدول العمل البيتي في اليوم التالي.. وفي النهاية يفوز الجميع بضحكة.. تصغي البنت لأصوات الطبيعة وتصمت وهي تستمع إلى انهمار الماء أو حفيف الأشجار أو هفهفة الريح. علمها أبوها مذ كانت في الرابعة كل أسرار الطبيعة.. جعلها تنصت لسقسقة العصافير في الصباح قبيل شروق الشمس أو تستمتع بضجة الطيور في الأماسي عندما تعود قبائل العصافير والحمام إلى أعشاشها ساعة بزوغ القمر وهي ترقص أو تردد أغاريدها.. وتشتبك مع بعضها لتدافع عن موطئ جناح يكون جائزة طيران طويل استغرق أَنْهِرَةُ الشتاء.. كان يقول لها أو لعله أراد أن يقول لها: انظري هذه العصافير تعود من كد النهار وكل طائر يروي قصة مغامرته، يحدث القبيلة عن معركة خاضها وحبة قمح فاز بها أو ثمرة قنصها من طائر آخر.. وكل طائر يتعلم حين يحكي ويتعلم حين يصغي ويضج الجميع معلنين بهجة الريش برعشات الحياة.. شجرة التين الجافة العارية تساقط حبات سوداء صغيرة كانت مشروع ثمار شهية جفت فوق الشجرة وسقطت في الشتاء.. ريق الفتاة يتحلب لمذاق التين والفم يتذكر عسل المذاق وطقطقة البذور تحت الأسنان ويقطف الأب تينة أو اثنتين، وحين تطلب المزيد يقول لها: لا.. أنت حصلت على نصيبك من هذه الشجرة.. وما تبقى من التين رزق العصافير والحمام.. انظري.. هاهي حمامة تحط على شجرة الكمثرى، تنتظر أن نبتعد.. هيا.. فلندخل.. سترين أنها ما إن تطمئن حتى تنال حصتها من التين. كان يحملها بين ذراعيه ويؤرجحها في الهواء فترى العالم يدور ويدور إلى ما لا نهاية.. هي تذكر ذلك، وتذكر ما كان يقوله الأب: العيش ممكن للجميع إذا عرف كل إنسان حدود كفايته ولم يأخذ ما يزيد على حاجة العيش.. هل هذا قول أبيها؟ أم هي حكمة أمها التي تتدبر أمور حياتهما في عسر أيامهما وبما تبقى لهما فيها؟ الأم تستعين على البكاء بالبكاء، وميساء تهيئ نفسها كل ليلة لقدوم الأب.. في أوقات معينة يتملكها اليقين، وتحس بشيء كالبشرى يلوح لها: سيأتي هذا المساء، فيدفع بها هذا اليقين إلى أن ترتدي أجمل ثوب لديها.. وهو ثوب طويل بلون أرجواني تزينه نقشات هندسية وعلى حافاته شريط مخرمات اشترته لها أمها من أحد باعة الملابس المستعملة بعد أن ضاقت على جسدها المتغير ثياب طفولتها.. تراها الأم وهي تفك ضفيرتها وتسدل شعرها الطويل الكثيف الذي اكتسب تجعيدات متعاقبة لطول ما ظفرته لها.. تفكر.. لماذا لا أملك شعراً أملس ناعماً مثل شعر أمي؟.. هل سيحبني أبي بهذا الشعر القبيح؟ تفكر.. سأطلب من جارتنا (ساندرا) الحلاقة أن تغيره، سأقول لها: أرجوك اجعليه ناعماً أعرف أنك تصنعين أشياء جميلة لشعر البنات.. أمي أخبرتني.. لكنها لا تذهب إلى (ساندرا) لأنها تتجنب إغضاب أمها التي ستؤنبها بقسوة وتعاقبها بالصمت بعد ذلك.. ـ هذه ترهات بنات طائشات، دعك من هذه الاهتمامات.. وعند ذلك كانت ستصمت ولن تجادلها وتتقبل شعرها الجعد وتنسى غيرتها من شعر أمها الجميل عندما تختلس نظرة إليها فتكتشف في الضوء ظهور خصلات رمادية عند صدغي أمها وأعلى الجبين.. لا بأس.. سيجدني أبي فتاة جميلة.. الأهم لدي أن يعود.. في الغرفة، لم يتبق غير أثاث قليل وأريكتان مكسوتان بمخمل محزز لـه لون الرمل، أو أنه بلون التمر الناضج.. على الأريكتين تضع الأم وسائد مزركشة وإلى جهة اليسار من النافذة الواسعة كانت هناك منضدة تستخدمها ميساء لوضع كتبها التي أدمنت قراءتها وكتب أبيها التي سمحت لها الأم بقراتها.. وما عدا ذلك ليس غير خزانة ثياب وجهاز راديو قديم.. باعت الأم جهاز التلفزيون لتسدد مصاريف علاج البنت.. فوق الجدار الأيمن لا شيء غير صورة زفاف الأم والأب صوراها لدى أستوديو (ريم) في حي المنصور وقد اشتهر هذا الأستوديو بإضفاء اللون الأخضر على عيون الأشخاص الذين يصورهم برتوش تغير ملامحهم وتحول الوجوه إلى مرايا صقيلة بعيون فاتحة خضراء أو عسلية.. الأم كما تراها ميساء تقف بثوب زفاف أبيض بأكمام طويلة تزينها مخرمات وأحجار لامعة وتكلل شعرها الأسود غمامة من التول والزهور الصناعية والأب الشاب يرنو إلى الأمام بنظرة جامدة برغم اخضرار العينين الزائف، لربما كان يرى في دورة الزمن ما يخبئه القدر لهما من لون الرماد.. أو ربما تتوهم البنت كل هذا.. تقف ميساء أمام صورة الزفاف وتغمض عينيها.. ولا أحد يعرف ما الذي تتخيله.. ستراه.. ستحبه أكثر.. تستدير وترى الستائر المسدلة على النافذتين، ستائر عتيقة جداً لكنها تحبها لأنها تثير فيها الخيالات وقصص الجنيات والأميرات المسحورات.. ستائر من فيوض نسيج مخرم لـه ثنيات غزيرة مع قماش ستائر منقوش بلوحات رومانسية كانت شائعة في الثمانينات من القرن العشرين.. في اللوحات المتكررة سيدات بمهابة ملكات أو أميرات يرتدين ثياب سهرة منفوخة تحت الخصر وقد تعرت أكتافهن مثل ثمار مقشرة وفوق رؤوسهن أكاليل زهور أو تيجان ذهب، يقفن ضمن مشهد فردوس فيه خمائل زهور وعازفو قيثارات وينابيع أو نافورات وفي أيدي السيدات مراوح ينسمن بها للتخفيف من حرارة الجو أو يطردن بها الحشرات الطائرة الحوامة بينما ينحني أمامهن رجال متأنقون لهم جدائل شعر طويلة لامعة وهم يقدمون ولاءات العشق مع باقات زهور نضرة للسيدات المترفعات اللائي يبدون مثل الدمى وكأنهن لا يبصرن هؤلاء الرجال.. يرتجف قلب ميساء كلما نظرت إلى المشهد البهي وتخال نفسها إحدى فاتنات اللوحة أو تنتقي رجلاً من هؤلاء الذين سحرهم الحب.. تتمنى.. وترى.. ولا ترى.. تخطف واحداً.. تأخذه إليها، تستأثر بباقة الورد وتتنشق شذاها.. تسير رافعة الرأس في الغرفة وهي تجر أذيال ثوبها ذي الطبقات الكثيرة وتنسم بمروحة من ورق.. بمرور الأيام وطوال أَمسية انتظارها لأبيها.. لاحظت تغير لون الستائر التي لطول ما تعرضت للشمس والهواء والأحزان حالت ألوانها، حتى إن ميساء لاحظت ظهور الغضون على وجوه السيدات الجميلات المتكبرات في وقفتهن الأبدية الجامدة.. اكتشفت ميساء أن ثيابهن المدهشة قد تهدلت وتجعد الحرير وتمزقت المخرمات في أكمامهن.. وزال عن المشهد المترف رونقه، ولم يتبق من حلم الفردوس سوى باقات الزهور التي احتفظت بنضارتها وكأن أنفاس الرجال العاشقين نفخت فيها سر الحياة الدائم.. تنسى كل هذا ، وتفتح الستائر متغاضية عن مصائر السيدات الذابلات في مدينة الخيال حيث تحطمت القيثارات ونام العازفون. تنظر عبر النافذة فترى سماء بغداد الذهبية وأمواج الغمائم البنفسجية مع جبال اللهب التي يستولدها الغروب، تقف جامدة إزاء هذا المشهد الناري لكن سرعان ما يتلاشى اللهب وبنفسج الغيوم في زرقة الليل الداكنة التي تطوي كل شيء وتجرف تحت ثقلها بيوت المدينة وقلوب نسائها المنتظرات.. تمر أمامها سيارات، وسيارات لا تحصى، سيارات قديمة وسيارات شرطة مرور تومض مصابيحها الحمر الدوارة منذرة بما لا تعرفه.. سيارة إسعاف تزعق وهي تسابق سيارة بائع الغاز، سيارات النفايات وسيارات الناس.. مركبات بألوان وأصوات تؤجج الحياة في الشوارع وتترك وراءها خطوطاً ضوئية حمراء أو ذهبية.. ترى أن السيارات تتناقص في أيام معينة وتزداد في أيام أخرى.. وقد يخلو الشارع أحياناً إلا من سيارات الخدمات فتعرف أن ثمة مباراة في كرة القدم يبثها التلفزيون، أو أن هناك مسلسلاً مكسيكياً مدبلجاً يعرض نساء فاتنات صقل جمالهن وبولغ في أناقتهن وهن يدبرن المكائد أو يفضحن دسائس أعدائهن وينجبن أطفالاً مجهولي الآباء يعقدون حكايات الحب والثروة.. وميساء تؤدي لدى كل غروب طقس الأمل، وتقف في الحديقة أو أمام النافذة، معتقدة أن المفقودين يعودون مثل الأسرى أو هكذا تريد، ولربما سمعت ذلك من أمها.. تنام البنت والمرأة في ظلمة البيت ومعهما تنام تلك العذابات أو تتنامى خلال استغراقهما في الأحلام أو الكوابيس.. تنام البنت أحياناً في حضن الأم وتعوم في مياه دفئها كأنها تعود لحالتها الجنينية وتسبح في مياه المشيمة محمية من حروب العالم وجوعه، تغلق البنت عينيها وتنام وتريد أن تنسى السواد الذي تذروه الحروب على قلوب النساء وأجساد الرجال الذين تلمحهم الحرب وتجففهم أو تذروهم في الرياح.. شجرة التين الضخمة لم تكن أقدم كائنات البيت، كانت هناك السحالي التي تجدد جلودها والأفعى التي تغير جلدها كل عام.. وهناك (حياة) وزوجها المفقود (غالب)، هما أكبر عمراً من الشجرة، لكن الحديقة بعشبها البري ونبات الخروع والحلفاء والخباز أكبر عمراً من البيت ومن فيه فهي الشاهدة على عبور الزمان وتبدلات الفصول وتحولات النجوم في أفلاكها.. هي التي تشربت الأغاني والصرخات وصرير العربات وصهيل خيول المحاربين القدامى وهدير الرعود وانهمار المطر.. وجدت الحديقة هنا قبل أن يشاد أي بناء وقبل أن تزرع الأحواض بالزنابق البرتقالية المعمرة أو تغرس شجيرات الجوري أو شجيرات الياسمين.. كانت (حياة) قد قالت لـه في عام زواجهما الأول: لو كنت زرعت لنا نخلة أو اثنتين في الحديقة.. وتتذكر أنه قال لها: لا أحب زراعة النخيل في البيوت فللنخلة ظل هائل يحجب الشمس عن العشب والورود.. ولكني أحب أن تكون لدينا نخلة.. نخلة واحدة في الأقل.. سأهبك واحدة.. سترين.. سأهديك واحدة.. كان ذلك قبل أن تولد ميساء، خلال أولى سنوات الحرب عندما كانا وحيدين كأي عاشقين ولكنهما كانا قلقين، لا يعرفان ترف العشق الذي تصفه قصص الحب والأفلام وأيامهما تتصدع بموت أخوة وأصدقاء، بسقوط صواريخ على المدينة في أية ساعة من ساعات الليل والنهار.. يظلم المساء بسرعة قبل أوان الظلام في أماسي الغارات وهي في اضطراب الوحام تشتهي ما لا طاقة لـه على إيجاده في أَمسية الحرب.. كان يعدها بأن يحقق رغباتها بعد حين ولم يحقق شيئاً.. ولا زرع لها نخلة.. لكنه بعد أشهر، ربما بعد عام من ذلك الحديث يدخل البيت وهو يحمل شيئاً كبيراً مربعاً، شيئاً صلباً مغلفاً بورق الجرائد ويضع الشيء على المنضدة ويقول لها: ـ ألا تحضرين لنا الغداء.. أكاد أموت جوعاً.. وتضحك (حياة).. ليس بمقدروها تحمل رائحة الطعام، لكنها تتحايل على غثيانها وتعد وجبة شهية.. يقدم لها المغلف، يطالبها أن تفتحه، وتمزق أصابعها ورق الجرائد، وتظهر اللوحة.. تشهق حياة.. هل سرقتها من المتحف؟ بل طلبت من صديق أن يرسمها.. كانت رسماً صغيراً لا يأبه به أحد على ختم أسطواني فأردت أن أحولها إلى قصة أو حكاية نرويها.. أخرجت الرسم السومري المقدس من صمت وظلمات المتحف ليضاء بنظرتك إليه.. ـ شكراً.. ولكن ما هذا؟ ـ بداية الخسارة.. ـ أية خسارة؟ ـ فقدان الفردوس.. ـ أكان للسومريين آدمهم وحواءهم؟ ـ ألا ترين.. هل يحتاج الأمر للشك أو للشرح، رجل وامرأة وبينهما النخلة.. شجرة معرفة الخير والشر ووراءهما الأفعى، وهما يمدان أيديهما إلى عذوق النخلة الدانية.. ـ انظري.. كلاهما يقطفان، لم تكن حواء هي البادئة، لكن الأفعى تقف وراءها وتغوي الرجل الذي يواجهها. ـ أهذا يعني أنهما.. ـ أنهما شريكان في المعرفة وليسا شريكين في الخطيئة، هذان لم يقترفا خطيئة الجسد.. بل جازفا بالفردوس من أجل المعرفة فعرفا نفسيهما في الشك وتجربة السؤال.. الأفعى لم تكن شيطاناً بل هي (شهوة المعرفة العظيمة) والمعرفة أخرجتهما من أمان الفردوس الأزلي إلى أرض المجابهة مع الموت.. ـ أتظن أني سأكتفي بنخلة مرسومة بماء الذهب؟ ـ أعتقد أننا سنكتفي بهذا.. ـ ولن نترك لأبنائنا شجرة معرفة؟ ـ لا أريد لهم أن يعرفوا أكثر مما هو متاح لهم أن يعرفوه.. سأدعهم ينعمون في أمان معرفتهم المحدودة بالأشياء.. ـ أنت الذي يقول هذا؟ ـ ماذا قلت؟ ـ ظننت أنك تفكر بطريقة أخرى.. ـ هذا ما يظنه الجميع.. يريدونك أن تفكر بما لا يجرؤون عليه بدلاً منهم.. ـ ولكنك تفعلها.. ـ أحياناً أتواطأ مع الذين حولي ضد أنفسهم.. ـ ضدي أيضاً.. ربما.. إذا كنا نمثل اثنين منفصلين يمكن أن أكون ضدك.. تضحك، تحب أفكاره، تنعشها الحوارات وأحاديث المعرفة، ترتفع بها الأعاجيب التي يبثها في كل يوم.. تحبه أكثر.. تحبه.. يأخذها بين ذراعيه في غسق النهار حين يمحي ظل الأشجار عن النافذة وتنهمر الظلمات مع لون الشفق الوردي. يتقوس الوقت في أشواقهما.. ـ أحبك.. الرجل يمسك بالزمن ويسدد خطوته التالية نحو الغد.. يضحكان معاً. يعلمها كيف يحيا الإنسان صورته في الآخر. تقول له: أحبك لأني أرى فيك ما تجهله عن نفسك.. ـ أحبك، وأعرف أن من يتفانى في حب امرأة يعيش تجربة أكمل وأسمى وأبلغ من أية تجربة أخرى، حتى تجربة الموت.. ـ يخيل إلي أن نخلة معرفة الخير والشر عجزت عن إسعاد الرجل والمرأة، هذا ما فهمته في الأقل. لو تفانى فيها حقاً لما تشهى ثمرة النخيل بغواية أن يعرف. ـ حقاً، ولكن ألا ترين أنهما لو امتلكا السعادة لما انشغل التاريخ بهما، ولما دونت أسطورتهما الأيام، ولكنا نسيناهما وما عرفنا عنهما رسماً ولا حكاية.؟ ـ إذن دعنا نكن سعيدين وليذهب التاريخ إلى أساطيره.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |