|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني (1) كل شيء يسقط من الزمن، ولكن أين يسقط الزمن؟ من يجمع شتات الأيام والسنوات والدهور؟ كيف يقيس الحزانى مادة زمنهم؟ لا أحد يسأل وليس من إجابة فالأيام تقاس كل آونة بطريقة مختلفة.. تقيس الست حياة أيامها بالمرارة، أو بسلامة العقل الذي يتحمل ما لا يطاق، وتقيس الليالي بثبات القلب وقدرته على احتمال المصاعب ومراوغة العوز أو مغالبة الجوع.. تحسب عمر ابنتها التي بلغت الرابعة عشر بسنوات الفقدان.. ما عادت بحاجة إلى أدوات قياس الزمن... فلا الساعات ولا التقاويم ولا المنبهات الرنانة قادرة على قياس الوقت وتحديد مادة الزمن.. قلبها وحده، قلب المرأة هو الذي يحسب الزمان على وفق إيقاع خاص لا تدركه الآلات ولا روزنامات القرون الجديدة ولا يمكن لسواه أن يلاحق نبض الزمان الخفي.. تقيس حياة الأيام بما يتراكم على عتبات بيتها من غشاوة الأحزان التي تتصدى لها وتكنسها مع ما يتساقط من ورق الشجر الذاوي... كان يقول لها: كل شيء يحدث بالتناقل.. ـ كيف؟ ـ إذا تعرضت لكارثة أو تسببت أحداث معينة في تدمير معنى الحياة لديك، فاعلمي أن هناك أناساً في الجانب الآخر من العالم قد نالوا رفاهاً أو حظوا بثروة على أنقاض ما فقدت.. ـ أكاد لا أفهم.. ما معنى كل هذا؟ ـ يحدث الأمر دائماً بطريقة معكوسة في طرفي العالم، فما تحرمين منه يناله الآخر حتماً.. ـ أنت تبسط الأمور.. لا أظن أن الأشياء تحدث بهذه البساطة. ـ هي هكذا يا حياة فإن أشعلوا حرباً هنا.. أو تسببوا في خراب جزء من العالم فإن أثرياء جدد سيظهرون هناك وتتنامى ثروات ورساميل الشركات في الجهة الأخرى من الأرض.. ـ لكن.. ألن يأتي يوم ينتهي فيه كلّ هذا؟ ـ سيحدث.... ولكن متى...؟ - ربما في زمن أولادنا.. ربما.. أحياناً يظن البشر أن الحروب ماتت إلى الأبد، وأن خضرة الحقول قد زاحت سواد الموت، ويتخيلون أن السلام قد فرد جناحيه على الدنيا، وينسون أن الحرب تختبئ تحت ضحكة الحياة ـ لا تفزعني... لا بد أن تنتهي الحروب في يوم ما. ـ سيحدث عندما يوجد الكثير من أمثالنا.. حين ولدت ميساء، بدأ قصف المدن بالصواريخ، كانت الصغيرة تحبو وتتعلم أن تقول كلماتها الأولى المقطرة من حاجة الإنسان للبقاء.. أخذتها أمها إلى طبيب وقال لها: الصغيرة تبشر بنضج عقلي مبكر.. اهتمي بها. قال الأب: ستكون كما أريد لها أن تكون، تحقق أحلامي التي لم أقطفها لأسباب لا أملك التحكم بها.. ستغرق المدينة في عواصف غبار أحمر وسينهمر رمل الصحراء المحاذية للمدن على المباني والأشجار، ولن يتبقى على أشجار المدينة من الطيور إلا ما لا قدرة لـه على الطيران بعيداً.. هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ على بغداد.. لم يتبق من طيور الببغاوات الأنيقة بألوانها الزمردية وطيور الحب النزقة المحجوزة في الأقفاص.. هجت القطط إلى حين ثم عادت عندما أدركت بغريزتها البدائية أن الحرب ستطول.. أقامت عشيرة من القطط في حديقة البيت وكانت حياة تقدم لها بقايا الأطعمة وتتحمل ألاعيبها وخدعها المسلية.. عندما كبرت بدأت تلاعب صغار القطط وتطعمها أو تقف على مقربة منها وهي تتمدد في كسل لذيذ حتى الشمس وتلعق فراءها الناعم وهي مغمضة العينين. تسمع حياة مواء قطة في الحديقة وهي عائدة هذه الظهيرة من المدرسة الثانوية مع ميساء، تبحث عن مصدر الصوت فتجد قطة مختبئة وراء كومة أغصان جافة وهي تلاعب عصفوراً مفزوعاً قبل أن تنقض عليه.. تضحك ميساء لفظاظة القطة فتقول لها الأم: ـ هذه هي الحياة.. هي هكذا قائمة على الصراع.. بعد الغداء تنهمك بتصحيح كراسات الطالبات وتعثر على طرف أدرجتها الطالبات في دفاتر الإنشاء، انعكاسات لما تحدثهن به.. إنهن يستوعبن حكاياتي جيداً.. كانت قد حدثت البنات بطريقتها الشيقة عن أحوال الأسماء والأفعال والحروف وكشفت لهن عن عمل الضمائر الظاهرة والضمائر المستترة التي غيبها اسم متقدم مهيمن. تقول لهن: عندما يرتبط الاسم بضمير من الضمائر المتصلة فإن الاسم والضمير يتلازمان ويؤثر أحدهما في الآخر إلى ما لا نهاية.. تسألها البنات عن أسرار القول وتدلهن على قوة الكلمات وقدرتها على تغير صورة الحياة.. الفعل يمكن أن يبنى للمجهول وعندئذ سيرفع المفعول به رأسه ويشمخ بهامته عالياً، بعد زوال مؤثرات الفعل عنه تقول لهن: الأسماء لا ينكسر حضورها إلا إذا استسلمت لغواية الجذب والجر أو إذا أضيفت إلى سواها ولم تكتف بذاتها مثلنا نحن البشر، إذا امتلكنا قدرة أن نتحكم بأنفسنا دون اتكاء على آخر فلن نتعرض للكسر أو للجر بالإضافة إلى سوانا.. تضحك البنات، تضحك الست حياة وتقول لهن: باللغة يمكن إقامة أشياء عجيبة أو هدم أشياء أخرى.. هنا تكمن قوة الكلمات. تسألها ابنتها بنوع من المشاكسة أمام الطالبات: ست حياة، وإذا كان.. يعني إذا كانت إحدانا خرساء، ولا يمكنها نطق اللغة فماذا ستفعل؟ سيقودها حدس القلب.. عندئذ تشرق وجوه البنات: سيعتمدن مشورة القلب.. عند انتهاء تصحيح الكراسات تمضي الست حياة ساعتين في العمل خياطة في مشغل (أم نور) لإنتاج ملابس الأطفال حديثي الولادة، تنجز الست حياة خمس مجموعات كل مساء، قمصاناً صغيرة وأغطية رأس وأقمطة تناسب الأجساد اللينة الصغيرة التي خرجت إلى الدنيا تواً.. تقوم الست حياة عند انتصاف الليل بإعداد عجين خبز اليوم التالي فقد صار إعداد الخبز طريقة لقول سر الحياة.. صار أسلوباً للمكوث في الزمن.. تعرف الست حياة أن إعداد الخبز يمكن أن يقوم به آخرون.. أن يشترى حالياً من المخابز بعد أن عاد تشغيل محطات الكهرباء في بغداد، لكنها تواصل إعداده في البيت كجزء من وسائلها لمقاومة الحزن أو الفناء.. يقوم سر صناعة الخبز على فكرة اللقاح ذاتها التي تديم حياة الكائنات الحية من الأحياء والنباتات.. فهذه الخميرة التي تقتطعها النساء من عجينة الأمس، هي التي تنضج عجين الغد بأنزيماتها الفعالة.. خميرة يمتد عمرها إلى ما لا يعرفه أحد من عدد الدهور والسنين، تشبه خلايا الأسلاف التي تنتقل من جيل إلى جيل عبر الإنجاب لتدوم الحياة.. لا يدري أحد حين يتلذذ بقطعة خبز ساخنة هل انحدرت إليه الخميرة من بين يدي جدة عباسية أو خمرتها جارية جيء بها سبية من سمرقند أو بخارى أو أنها جاءت من بين يدي زوجة بابلية عجنت دقيق الشعير في آنية فخار مزوقة برسوم الخصب.. الخميرة التي تنقلت عبر العصور بين أيدي النساء في ليالي الأعراس ومهرجانات الخصوبة وأوان الحصاد والولادات وأيام الطوفان أو في نهارات مقاومة الغزاة حيث كانت النساء تخبئ جذوة نار الموقد لكي لا تخبو وتخفي خميرة الخبز في خوابي محفوظة داخل المعابد، لئلا يدنسها عدو فيفسد خبز السنين القادمات.. (2) وديان من الظلمات تتوالد في المدينة عندما لا تكون هناك كهرباء في معظم الليالي.. وفي هذه العتمات تتبدل حيوات الناس مثلما تتبدل الكثبان الرملية في عاصفة ليل وتزحف إلى الجهات، تتغير المصائر وتتهاوى أشياء وتتبدد أخرى.. في عزلتها وهي تجلس محنية الظهر أمام قدح شاي إزاء النافذة ولا يضيء الغرفة غير فانوس نفطي صغير تسمع صداح أغنية حب لفيروز.. يغمرها الصوت المطري الهارب من فراديس الأمس بالندى ترتجف بالحنين وتبدو الحروب كأنها لم توجد قط في هذا العالم.. وما عبرت نيرانها على جباه المدن الغافية ولا أطبقت مخالبها على عنق الزمان.. تردد مع فيروز...... رجعت في المساء كالقمر المهاجر حقولك السماء حصانك البيادر.. أنا نسيت وجهي.. تركته يسافر سافرت البحار لم تأخذ السفينة وأنت كالنهار تشرق في المدينة والريح تبكي في ساحتي الحزينة.. من أين يأتي الطيف الذي يدحض ليلها والأحزان...؟ وبحضور الليل والأسماء والعناصر أعلن حبي لك واتحادي بحزن عينيك ....... وينزل المساء ........ لا تتساءل حياة فالأغنية تدور في ذاكرة الروح... وتتماوج كل ليلة، هنا كانا يسمعان معاً وهنا كانت تهب عليهما رسالة السلام بصوت الغيوم والأمطار والريح الذي يتمازج مع صوت البهية فيروز... يخيل لحياة أن الجوع تراجع إلى مغارات النسيان وأن صداح فيروز يزيح ساعة يعلو عقبات الضنك ويروي الوقت بنبع من الصلوات البهية مشرعاً نوافذ الليل على فجر ضوئي يهدئ أوجاع الفقدان.. يحدث ذلك لبرهة وجدٍ أو ساعة إشراق.. من أين يأتي الصوت الماطر في هذا الليل...؟ عندما تضاء المدينة، وتعود الحياة إلى واقعيتها.. تعرف حياة أنها لا تزال جالسة هناك أمام النافذة وجسدها يرتعد في انفعال الشوق والبرد.. تسمع أنين روحها يعلو.... تسمع: سافرت البحار لم تأخذ السفينة والريح تبكي.. تبكي في ساحتي الحزينة.. كان وجهها الجميل قد مسه الهزال وسكنت ريح الحزن في ساحته... ترتعد يخفق في جوانحها ذلك الحب الذي ما سكن يوماً للرجل الغائب... أين أنت..؟ ماذا يؤلمك..؟ ما الذي تفكر فيه..؟ ما الذي تحلم به؟ تخشى أن نضيع منك أنا وميساء؟... لا.. لا تفكر حتى بهذا سننتظرك حتى نهاية العالم... لك أن تطمئن أينما كنت... أينما كنت.. وخزة ألم تمر في جنبها مثل سلك كهرباء.. ويصل الألم إلى عنقها.. ويتوضع في جانب رأسها.. تخاف أن تصاب بمرض من هذه الأمراض التي ابتكرتها الحرب لناس البلاد.. تخشى أن تموت قبل أن....... لا.. ستصلي ليل نهار لكي تحفظ روحها في سلام العافية.. حتى يعود.. وسوف تبقى هكذا تحدق بالليل وهي ترنو إلى وجهها تصحبها فيروز كلما اعتراها الشجن في وحشة الصمت.. في أول الليل وآخره.. تتوالد الأحزان من بذرة الأحزان وتكبر خلال النهار.. تنمو الشمس وتورق تحت هبوب النسائم والمرأة ترسل عيون الفؤاد إلى سماوات الله تتعلق ببزوغ نجمة أو ترنو إلى إشراقة هلال.. أعمال كثيرة عليها أن تنجزها خلال الليل، ترفو سترة صوف هاجمها العث، وتكوي ثياب ميساء.. تهب ميساء من نومة قصيرة.. ـ أمي.. ماذا تفعلين؟ ـ انظري... ألا تبدو جديدة؟ ألا تعجبك هذه الحاشية من نسيج الصوف؟ سترتدينها في الغد.. ستبدو جديدة تماماً.. هيا جربيها.. هيا تقبلها الفتاة وتسند وجهها إلى خدها البارد.. ـ لا تهتمي.. سنقاوم يا ابنتي.. سنجد كل يوم طريقة لنبقى على قيد الحياة.. لا تبكي.. عيب.. كم مرة رددتها لك.. هذا قدرنا ونحن أفضل ألف مرة من غيرنا.. في الأقل لدينا أمل بعودته.. وعلينا أن نحمي نعمة الحياة التي وهبت لنا.. لا تبكي.. أنت قوية وأنا أستمد قوتي منك يا حلوتي الصغيرة... تعرف حياة أنها لا تردد هذه الكلمات لابنتها بقدر ما كانت تحاول التماسك وقد أضناها الجهاد اليومي في حياتها الحافلة بالتعب.. وعندما يداهمها الوهن وتخشى من انهيار مقاومتها. ترددها بصوت مرتفع لتسمع الجدران وأشجار حديقتها وعشب الصباح.. تريد أن تشاركها أشياء البيت في وقفتها وتسندها.. بعد سنوات عندما تكبر ميساء ويهجرها (زياد) إلى بلد بعيد، سوف تستعيد حياة ذكرى هذه الليالي وأغنية فيروز والكلمات التي كانت تتكئ عليها في لحظات الضعف الإنساني.. وسوف تردد في أَمْسِيَةِ الغد كلها.. الريح تبكي... تبكي في ساحتي الحزينة.. ..... (3) تحتفظ حياة طوال السنوات بمقاومة عجيبة إزاء الشائعة، إزاء الأشياء المتداولة لا تؤمن إلا بما تختبره نفسها وتجده مناسباً لحياتها.. شائعات تتطاير في أنهر الحصار عن معجزات تظهر.. يتحدث الرجال والنساء في أَمْسِيَةِ ضجرهم وهم ينتظرون اجتماعات مجلس الأمن لتقرير شيء ما بخصوص الحصار، عن ظهور أثيري للعذراء في كنيسة قرب أربيل.. أو يتناقلون أخباراً عن نساء أو رجال لديهم قدرات خارقة في هذه المدينة أو تلك في المدرسة تسمع حياة من المدرسات عن امرأة تعيش في قرية منسية بين وادي الثرثار والبادية الغريبة لديها قدرات فاقت كل من عداها وهي تشفي المرض وتفك السحر وتقرأ الطالع.. وسمعت أن الناس بدؤوا يتوافدون على القرية من أنحاء البلاد محملين بالعطايا والهبات أموالاً وذبائح وهدايا ثمينة.. ولكثرة ما شفى من المرضى بيديها تزاحم المرضى على القرية ولم يعد هناك متسع لهم فقام أحد سكان القرية بتوسيع بيته وأضاف غرفاً صغيرة في حوش الدار وجعلها نزلاً أو أشبه بخان المسافرين في القرون الماضية، كما تطلب ذلك افتتاح مطاعم للمشويات ومقاه تلبي حاجات الزوار.. وخصص أحد متعهدي النقل خطوط سيارات بين منطقة العلاوي في كرخ بغداد وبين القرية أسماها خط (أم حمزة).. وتداول الناس أحاديث عن وجود بئر قديمة في بيت (أم حمزة) تفجرت بمياه عذبة بظهور رؤيا لشيخ صالح أخبر المرأة بأن مياه البئر قادرة على شفاء المرضى.. عصر يوم خميس قبل أن تذهب حياة إلى مشغل (أم نور) طرق الباب ضيوف من أهل زوجها قادمين من البصرة. الجدة الكبيرة أم غالب وابنتها أنيسة وابنها الأصغر مهدي.. حضورهم المفاجئ لم يدهش حياة إنما أسعد ميساء التي ازدهرت أفراحها بوجود أهل وأقارب يشاركونها لوعة انتظار الغائب. احتضنتها الجدة ونشجت، عانقتها أنيسة التي بدت محمومة وقد أحيطت عيناها بهالات بنفسجية، قبلها عمها مهدي وشاكسها، وانتهز انشغال أنيسة وأمه بالحديث مع ميساء عن مدرستها ولحق بحياة في المطبخ.. قال لها: أنيسة مريضة ولا يرجى لها شفاء.. لم يتبق أمامنا سوى القبول بالعلاج الكيماوي، هي تجهل علتها المميتة، لم نخبرها أن السرطان تفشى في كبدها وجهازها اللمفاوي ورأينا أن نستنفذ كل وسائل العلاج حتى لا نندم ويلوم أحدنا الآخر... نريد أن نأخذها إلى (أم حمزة). ـ أحقاً؟.... أنت تقول هذا؟ ـ لم لا؟... قد يحدث شيء.. ألا تؤمنين بالمعجزات؟... لا أريدها أن تفقد الأمل.. ـ متى حدث ذلك.. متى بدأ المرض؟ ـ منذ أشهر، قال أطباء البصرة إنها تعرضت لقدر كبير من الإشعاع حين قصف المستشفى الذي تعمل في مختبره.. ـ ولماذا لم تخبروني.... لماذا؟ ـ يكفيك ما لديك.. ـ وكيف تدبرتم أمر العلاج؟ ـ تعلمين أن أنيسة اشترت بميراث والدنا ذهباً.. نبيع كل فترة قطعة منه.. تعرف حياة أن والد غالب كان يعمل في تجارة الصوف بين بغداد وبلدات الشمال يبادل نسيج شعر الماعز ببالات الصوف المجزوز ويشتري اللباد الجبلي بعباءات النجف وأبسطة السماوة، تاجر جوال كتجار الخمسينيات.. وعندما نمت الثروة بين يديه افتتح محلاً في شارع الرشيد لتجارة الأقمشة الرجالية المستوردة من بريطانيا.. بينما أنشأ شقيقاه معملاً للصابون وفي الستينيات شيد هذا البيت الذي كان الجميع يقيمون فيه، ولكن عند نهاية الستينيات أفلس معمل الصابون فباعه الشقيقان ورحلا إلى البصرة وافتتحا محلاً لتجارة التوابل في سوق الهنود. في السبعينيات تبدلت أحوال التجارة وتغير كل شيء... وحل الكساد بتجارة الأقمشة المستوردة عندها مرض والد غالب مرضه الأخير ورحل وباع الورثة المحل ووزعوا الإرث بين غالب ومهدي وأنيسة وأمهم واشترى غالب نصيب الآخرين في البيت الذي تزوجها فيه بعد سنوات. تقول حياة وهي تسكب الشاي في الأستكانات ذات الحواف المذهبة: ـ في الأقل كنت سأبحث لها عن طبيب مقتدر هنا.. ـ لم يتبق أمامنا غير هذه المرأة والعلاج الكيماوي.. أرجوك حياة.. لا تظهري أمامها اهتماماً زائداً بمرضها، لقد أخبرها الطبيب أنها مصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الذي يستلزم فترة علاج طويلة.. ـ هل اقتنعت بما قيل لها؟ ـ حتى هذه اللحظة.... أظنها مقتنعة.. ...... عندما سألت حياة في المدرسة عن أخبار المرأة الشافية (أم حمزة) أخبروها أنها ماتت مقتولة في بيتها منذ أشهر... ويقال إن أحد أبناء أخيها وكان يساعدها في شؤون شفاء المرضى يقيم في (حي البياع) ويبيع مياه البئر الشافية في زجاجات.. ـ أيعرف أحد عنوانه؟ ـ لا أحد يعرفه.. يقال إنه يتكتم على تجارته، يخشى أن يلاحق بتهمة الشعوذة. ......... كانت أنيسة نائمة وقد ضمت ساقيها ووضعت ركبتها قرب صدرها بينما امتدت ذراعها خارج السرير، ترقبها حياة وهي تلتم وتتكور مثل طفل جنيني. تسمع انطباق الباب فتعرف أن مهدي قد خرج.. تلمس جبين أنيسة الملتهب وذراعها، ترى الثياب ملتصقة بجسدها وقد تشربت عرق ليل الحمى بطوله.. تغير لها حياة ثيابها، وتقدم لها إفطارها.. تقول الجدة التي لم يغمض لها جفن طوال الليل: ـ ابنتي حياة لا تنسي أن تعطيها دواءها... عندما تعود ميساء وحياة من المدرسة يكون مهدي قد عاد وجلس يروي لأمه وأخته مغامراته في البحث عن الرجل بائع المياه الشافية: ـ سألت عنه في شارع عشرين، طرقت أبواب بيوت وسألت حلاقين، وجلست في مقهى واستعلمت من صانع المقهى قيل لي اسأل المضمد (أبو عقيل) ولم أعثر على شيء، نصحني بائع الثياب المستعملة وهو يساوم امرأتين على ثمن سروال لطفلة: ـ اذهب واسأل مصلح الراديوات (حميد لا سلكي).. يجد محل (حميد لا سلكي) مغلقاً فيدله الأولاد على بيته في الزقاق الجانبي الموحل الذي تفوح منه رائحة نتنة وقد تناثرت على جانبيه أحشاء السمك والخضار المتعفنة.. يطرق الباب.. فيخرج رجل بدين بشاربين متهدلين ـ مرحبا سيد حميد.. ـ أهلاً ـ تعرف.. هذا الرجل.. الذي.. يعني... يبيع ماء البئر... ـ ابن أخ المرحومة (أم حمزة)؟ ـ نعم هو.. ـ بابا روح لا تسأل عليه.. أخذته الشرطة قبل يومين.. اتهموه بقتل عمته.. كان يسكن هنا عندي.. أكرمناه واحترمناه.. تبين أن الرجل هارب... الله سترنا أنا وأهلي الحمد لله ما جرجرونا بالمخافر والتحقيقات.. روح بابا.. استر علينا... الله يستر عليك.. ......... (4) في حديقة حياة تنحني أنيسة متحاملة على آلامها وتجمع أوراق التين الصفراء وأوراق الكمثرى التي اكتسبت لون الجمر واللهب، تفرش الأوراق على منضدة صغيرة وتتألم.. تجتاحها موجة ألم تشمل جسمها كله، العظام والعنق والمفاصل والجلد والروح قبل كل شيء.. تحضر لها حياة إفطارها.. تقترب قطة رمادية صفراء العينين منها، تلقي لها بقطعة خبز.. تنظر القطة نظرة امتنان لكنها لا تقترب من أنيسة.. بل تتراجع خائفة... تحدس حياة أن الحيوانات ترى الألم لدى الإنسان.. ترى لون الألم يحيط به مثل هالة.. تدرك الحيوانات ما يجول في الأجساد القريبة منها، أو أنها ترى شبح الموت فتهرب.. تجلس أنيسة تحت شجرة التين حيث وضعت حياة كرسيين من حديد أبيض وطاولة صغيرة.. عصافير الصباح تتقافز بعيداً عن القطط المتربصة، تغمض أنيسة عينيها فقد انزاح ظل الشجرة عن وجهها وانهمر ضوء الشمس قاطعاً مثل شفرة... تبتسم أنيسة، ترى حياة الابتسامة، أم تراها تتوجع وهي تكز على ملامحها فتبدو كالمبتسمة... ربما كانت تبتسم حقيقة لخاطرة مرت بذهنها.. تدخل حياة إلى البيت وتتركها في الحديقة... تتأملها من خلال النافذة محاطة بالظلال وبقع الضوء وهي في ثوبها الأبيض المنقط بلون مائي خفيف... نفحات هواء الصباح تحرك خصلات شعرها الكستنائي الطويل المتناثر حول وجهها.. تراها أشبه بصورة من صور النساء الشفافة التي يعلقونها وراء واجهات الزجاج، حلمية، ناعمة، تبدو كأنها ذات بعد واحد.. مسطحة وشفافة جداً.. لا يمكن أن تكون حقيقية أبداً... حضور شبحي زائل ومفعم بالسحر الذي يبثه شباب أنيسة حولها برغم المرض.. تراها حياة بالغة الجمال في حديقتها، زهرة برتقال فواحة.. جزء لا يتجزأ من الطبيعة المحيطة بها... كيف ستنبؤها بما لم يجرؤ عليه أخوها أو أمها... من أين لها تلك القوة والقسوة لتقول لها: أنت تمضين إلى الموت.. من أين تسلل الموت إلى شبابها؟ تعرف حياة، وتعرف أنيسة أنهم يقتلون أناس هذه البلاد بطرق مختلفة، ليس بالإشعاع وحده يموت الناس.. هناك من يموتون لفرط اليأس من عودة الغائبين، هناك من يموتون انتحاراً باختيار أوطان بديلة لن تكون لهم مهما حاولوا أن يكونوا لها.. كيف ستقول لها: عليك أن تخضعي للعلاج الكيماوي؟ تسأل الجدة... لماذا لم تخبروها من البداية؟ ـ خفنا أن تنهار، ثم قلنا ربما أخطأ الأطباء فلننتظر ظهور الفحوصات.. ثم عجزنا عن مواجهتها بالأمر.... تخرج إليها حياة: عزيزتي أنيسة.. أريد أن نتحدث قليلاً منذ زمن لم نتحدث.. تنظر أنيسة إلى عينيها وتستطلع ما تريد قوله، ـ أعرف... أعرف ما يجول بخاطرك.. أتظنيني لا أعرف ما بي؟ ـ أنيسة.. ـ وفري على نفسك هذه المشقة، سأقبل وسأعالج نفسي ولكن لا تتخلي عني.. ـ كيف عرفت..؟ ـ وكيف لا أعرف وأنا التي رأت مئات الحالات أمامها تأتي إلى مختبرات المستشفى كيف لا أعرف يا حياة.. ـ ولكن... ـ أهلي.. أليس هذا ما تريدين معرفته؟.. جاريتهم في الأكذوبة.. ولم أترك لنفسي فرصة مقاومة المرض بطريقتي.. كان خطئي أيضاً أن أجاريهم في اللعبة.. ـ إذن ستبدئين في العلاج؟ ـ من الغد، شرط أن ترافقيني إلى الطبيب ليحدد الجرعات.. ......... تجد حياة مسوغاً لكل ما يحدث وتستعد دوماً لمواجهة أي طارئ، ثم تغدق حنانها على الذين يطفون في مياه المأساة... تكتشف معان جديدة لوجودها، أسباباً أخرى للتشبث بالحياة من أجل هؤلاء جميعاً... ومن أجل نفسها.. تعرف قدرتها على العمل بصمت، دونما تذمر دونما جنوح إلى الاستعراض الرثائي الذي تمارسه كثير من النساء في مثل وضعها.. تقاوم في الصمت المحايد، تعمل في الصمت المشحون بالعواطف.. وتتغاضى عن أشياء كثيرة.. تنطلق في الصمت عندما لا يعود الكلام مجدياً.. هكذا تقود خطى الزمان إلى حيث تشاء هي قدر ما تستطيع وتلوي عنق الغضب.. لا تغضب أبداً.. لا تغضب حياة.. لن تكون أكثر أو أقل مما هي عليه، إنها هكذا ولن تكون مدينة لأحد بشيء وليسوا مدينين لها.. كل ما في الأمر أنها حتى هذه اللحظة تستطيع فعل أشياء جديدة لنفسها ولمن حولها.. ماذا ستفعل إزاء الذي يتبدل في أنيسة؟ هاهو المرض يعلن عن نفسه بوقاحة صفراء، يغير ملامحها يساقط جزءاً كبيراً من شعرها الجميل وشعر حاجبيها.. ويذبل الجسد، يذوي كأنه ليمونة عصرت وما تبقى منها سوى القشرة.. تبتسم أنيسة وهي مستلقية تنظر بعينين غريبتين إلى حياة وكأنها تقول لها: ـ أرأيت، ها أن الحياة تتسرب من أصابعي وشعري وجلدي.. أرأيت..؟ ـ لا تبالغي.. هيا.. أريدك أن تخرجي إلى الحديقة الجو دافئ، وقد امتلأ الهواء بروائح طيبة.. هيا تقود خطاها المترنحة، تجلسها هناك حيث سبقتهما الجدة إلى الحديقة وهيأت الشاي والكعك.. تلاحظ أنيسة الغيوم المسرعة تتراكض في السماء... تهب نسمة وتحرك كتل المتسلقات المغبرة ويصلها فوح عطر خفيف.. تنظر عند قدميها، البراعم الصغيرة المستدقة تتفتح ببطء في الشمس حاملة سر حياتها مثلما يحمل الطائر سر الطيران في جناحيه المضمومين قبل أن يحلق.. إلا هي فإنها تحمل سراً آخر.. تسمع شيئاً ما.. تحس خريراً خفياً يتدفق في أعماقها.. تكاد لا تصدق.. -حياة أمسكي يدي.. لقد زالت الحمى... أنا اليوم أحسن حالاً من الأمس. أجدني أقوى.. أستطيع الآن السير بدون ألم.. تعانقها حياة.. لكنها تشم تلك الرائحة الغريبة.. رائحة تحلل الخلايا التي تتصاعد من عضو ميت، أو شجرة تعفنت... -ألم أقل لك... ستتعافين يا أنيسة.. تسير أنيسة، تحاول أن تبدو ثابتة الخطى منتصبة القامة.. تسمع رفيف أجنحة العصافير وخفق الفراشات حول وجهها.. تنحني لتقطف زهرة نجمية رأتها تلتمع بين العشب النضر.. لكن بعد برهة يستفيق الوحش المتمدد في الخلايا ويصرخ الألم، تقاومه.. تحدق بالضوء.. تمد يديها للشمس، تريد لوجودها أن يتشرب جزيئات الضوء وتعود الحمى.. حرارة تجتاح جسدها كله.. يلامس النسيم الندي وجهها المحموم تحس اتساع روحها وخفة الجسد.. تراها حياة كما لم ترها من قبل... يخبرهم الطبيب مساء ذلك اليوم أنها بوادر استجابة الجسم للعلاج... قد تبدأ المعجزة.... أحياناً تنحرف المعجزات عن طريقها وتذهب إلى جهات أخرى... وفي مرات قليلة تحدث معجزات لمن لا يتوقعها.. تعرف حياة ذلك وهي ترى مفاجآت الطبيعة حين تخضر سعفات النخلة المتيبسة فجأة وتعلن عن معاندة الموت لتساند حياة في جهدها اليومي الصامت وتعلمها المزيد عن مقاومة الأشياء لحتمية الانجراف في الفناء الكبير.. علامة صغيرة من الأرض أو السماء قد تغير فكرة الإنسان عن الزمن، والموت والحياة... بخبرة حياة الطويلة مع الحديقة والنباتات.. مع الطالبات الصغيرات المتفتحات، مع ابنتها... تعرف أن السكون شيء مريب، وأن الحركة في الكائنات كلها تعني إمكانية المضي إلى الأمام مما يتطابق مع فكرتها.. -يجب على الإنسان أن يمضي قدماً... أن يتجه دوماً إلى الأمام فلا مجال للتراجع.. الروح هي التي تسيّر كل شيء إن أتيح لها الكشف عن سرها... هي التي تديم سلام الوجود لو أطلقناها من أغلال الجسد ومن مغالطاتنا.. ماذا لو حرر كل إنسان روحه من المخاوف الصغيرة وركام الأفكار النهائية.. تؤمن حياة أن الروح هي التي تأخذ بيد الإنسان إلى مرتقيات الرؤيا والشفاء وإن باستدراج النهاية.. أنيسة... أنيسة... تبدو لها روحاً تكافح الموت.. لا تستسلم بيسر، جلدها الناعم يتحول إلى لون التراب. عيناها تذبلان ولا يعود يظهر فيهما ألق الأمنيات. تبدو في مجاهدتها وقد نسيت معنى الزمن وهربت من الأمكنة كلها... أوراقها تتكاثر وتنتشي في غير مواضعها كما تنمو الكراهية في روح الإنسان فتحيلها إلى رماد وطين... ماذا سترى لحظة النهاية؟... حين تنطفئ الروح وهي لم تمسك بأمنية واحدة ولم تعرف هناءات الحب وشقاء الحرمان... لعلها عرفت، إنها تتنهد تنهدات الحرمان كلما اختلت بنفسها وتحدق بشيء ما في الفراغ... لعله وجه رجل أحبته وخذلها... لا... إنها تجاهد وترسل روحها صوب ضفة الحياة... عيناها تلاحقان الرغبة كأنها قمر من ماء يتدلى فوقها ويمطرها بالعرق... تعرف حياة كيف يتحرك المرض في جسد الفتاة وكيف تلتهم الأورام الخلايا واللمف وأحلامها وأنيسة لا تسمع كلمات العزاء والتشجيع التي أصبحت مملة مثل نشيد مدرسي... لا تريد أن تسمع فالنهر يغرقها ويسحبها إلى الأعماق، عيناها شاخصتان ويداها تعتصران الغطاء ورائحة أشجار الحديقة تنهمر على الغرفة، عطر ورد العسل شهي حلوي طوف في الجو ويبدد رائحة العرق المالح الذي يتبخر من جسد المريضة المتحلل.. تقشر حياة برتقالة، تفصصها وتضع الفصوص اللامعة في فم أنيسة الذي ما عاد يميز بين مذاقات الأشياء.. عيناها تتوسلان.. دعيني.. ابتعدي.. دعوني لا أريد شيئاً... حياة تحملها بين ذراعيها بعد أن غدا جسدها كيس عظام صغير، بحذر ترفعها كأنها رضيع هش العظام وتغسل لها ما تبقى من شعرها الجميل وتدعك جسدها برفق بماء ساخن عطرته بورق النارنج وماء الورد.. تطهر ثنيات المفاصل التي توطنت فيها بكتريا العرق... تمسح العنق والصدر والكتفين... وأنيسة مغمضة العينين، شفتاها ترتعشان وهي تطلق أنيناً متقطعاً، ولون وجهها شمع أصفر يسيل إلى أعماق الأرض أو يتصاعد إلى الأعالي... تدهن حياة جلدها الذي تغضن بزيت اللوز وتدعها لتغفو بمنومات ومسكنات، في انتظار معجزة قد لا تخطئ السبيل إلى جسدها. (5) كما ينث المطر الناعم على الوجه شهياً يبعث الري في الجسد كله، تتعالى نغمة صادحة من كمان ميساء فتجعل الليل الخامد بهياً، والعالم مكاناً آمناً، يتيح للنساء أن يحلمن بحياة حقيقية، يعثرن فيها على حب حقيقي منزه عن الأغراض ويلتقين برجال حقيقيين لم يعبروا طوق النار الذي ترك سحجات حريق على أرواحهم وثقوباً سوداء في أفئدتهم... تسحب النغمة الشجية تعب الحياة من جسد حياة، وتمحو عن وجنتيها ملح الدموع المؤبدة.. وآنئذ سوف تنظر إلى رحابة العالم وتناجي شجرة التين الضخمة بجذعها الفضي وتحاورها كما تحاور صديقة قديمة... تستمع إلى أنينها الأخضر الذي يتناغم مع سحبة القوس على أوتار الكمان.. تغير ميساء النغمة مثلما علمتها (ست غادة) مدرسة الموسيقى التي تعطيها درسين أسبوعياً لتحقق لحياة حلم زوجها المفقود: أن تصبح ميساء عازفة كمان شهيرة تقدم حفلاتها على مسرح قاعة الرباط في شارع المغرب ببغداد.. تتمدد النغمات في الهواء وتغير ألوانه، تطير حتى تلامس جذور الغيم وحياة تنصت بالحواس أجمعها وهي لا تعرف عن الموسيقى إلا تجربة السماع التي تحولت لطول ما دربت نفسها فيها إلى صعود صوفي وغالب يسمعها أشرطة لمؤلفات ومقطوعات شجية لغانم حداد البغدادي ولمراد أورهان التركي وباغانيني الإيطالي.. عن طريق السماع الذي تتسامى فيه الروح في مواجد وحالات، أحبت غالب أكثر في الموسيقى.. عشقته أعمق وتفانى أحدهما في الآخر واكتشفا معاً الدرب الضوئي الصاعد إلى السماء... في عيد ميلاد ميساء الرابع عشر حصلت على الكمان، باعت حياة أقراطاً ذهبية مع سلسلة تتدلى منها سمكة بحراشف متحركة ملونة بالمينا وطلبت من (غادة) أن تختار لميساء الكمان المناسب.. وكلما توغلت حياة في سماع تدريبات ابنتها كلما انطشت نقاط الضوء على العالم الذي استغرقته القسوة والدماء فتملؤه أقماراً وموجات بحر وعندما ينتهي العزف تكون حياة قد دخلت مقام البكاء... الآن وميساء في الرابعة والعشرين لديها ست سيدات وفتيات تعلمهن الموسيقى. تعزف كونسرتو الكمان لمندلسون، بعد أن انتظمت في دراسات مسائية في معهد الموسيقى وتجرب أن تؤلف قطعة موسيقية تسكن خلجاتها وعقلها منذ أعوام بعيدة لتقدمها هدية للأب في حفلتها الأولى التي حلم بها على مسرح الرباط.. ........... تنظر النساء إلى حياة وابنتها ويتمتمن... -امرأة بطرة... تعلم ابنتها الموسيقى وهي تكدح ليل نهار.. -تريد لها أن تعمل عازفة في فرقة التلفزيون.. -لا.. لا.. تقول أنها ستعزف في الفرق الكبيرة السمفونية.. -من سيجرؤ ويتزوج فتاة مثلها..! عازفة موسيقى! -لو فكر ابني بمثل هذا لنفيته إلى الدنيا، بنت وتعزف الموسيقى؟ -ابنتها وهي حرة فيما تفعله لها.. حتى لو دمرت مستقبلها العائلي هي التي تتحمل وزر عانس سيهرب منها الرجال.. بارعات في الإدانة... ماهرات في سوء الفهم... تعرف حياة أنها مهما فعلت فسوف يبحثن عن مثلبة يحاكمنها بها، ويتسقطن لها الهفوات.. لكنها لا تبالي.. بم تبالي وهي تعرف ما تريد وتفعل ما تريده لأنها تعرفه وتؤمن به... مرات، ضيعت وقتها في توضيح رؤيتها لنفسها ورؤيتها للنساء... وضعتهن أمام حقيقتهن التي يجهلنها أو يتجاهلنها فلم يجرؤن بعد ذلك على مواجهتها.. تتهامس النساء: -أهل زوجها قاطعوها بسبب البنت والموسيقى.. -لا أحد من الأقارب يزورها.. -نبذها الجميع عندما رفضت طلب قريب لها بالزواج منها.. -كيف تتزوج ولم تتحقق من موت زوجها؟ -وكيف تبقى وحيدة مع ابنتها دون ولي أمر؟ -من يتولى أمرهما؟ شقيق زوجها الذي لا عمل لـه ويعيش عالة على زوجته وأمه؟.. -أم أخيها المعوق الذي تعمل ابنته وزوجته لإعالته؟ -النساء يقمن بإعالة الكثير من الرجال في هذا الزمان... تعرف حياة ولعلها حفظت في ذاكرة حواسها، أن العشب والأشجار وجميع نباتات حديقتها تستفيق مثلها قبل بزوغ الشمس وتنشر عبق الأرض وفوح الشذا وأسرار الديمومة عندما يلامسها أول شعاع من الشمس... لكل الأشياء حيواتها ولكل الكائنات أرواحها، تذكر أنها ذات فجر خرجت إلى الحديقة بعد أن أعدت الخبز أيام الغارات.. وقطفت قبضة عشب طري فأحست أن روح العشب تعانق روحها وتطلق من أعماقها صورتها الأبدية، صورة المرأة التي لا يقف أمام قوتها شيء.. شذا العشب يفتح في أعماقها الأبواب لتنطلق الروح الإنسانية وتعلو وتعلو حتى تهيمن على الليل وتسحب الشمس من مكمنها وتطلق الحياة في الحياة قبل أوانها أو ربما في أوانها المناسب.. تلك الليلة وفي الليلة السابقة لم تقم الطائرات المعادية بغارات جديدة على بغداد والمدن الأخرى.. بدا أن نوعاً من هدنة غير معلنة قد بدأت لكنهم لم يركنوا إلى الطمأنينة بل استفادوا من الوقت لتعزيز استعداداتهم.. حصلوا على المزيد من مياه الشرب وبعض خزين الطعام من بقول ومعلبات وشاي وتمر وتهيأوا للجولة التالية... وهي في هذا الانسحار الذي يتملكها إزاء الطبيعة وهذه الصلة التي تشدها إلى عمق الأشياء الحية تتمتم بشيء هو كالصلاة، تمجد هذا الفيض السماوي المتدفق ما بين روح الإنسان والحيوات الأخرى.. تهمس بلغة تستجيب لها النبتة ويدركها البرعم ويحسها الطائر.. (6) وبهذه التجليات التي تمر بها تمسك الزمن من أعنته وتقوده إلى حيث تشاء وإن تطلب ذلك عناء ومكابدة... هي تحب هذا التحدي.. تريد أن تكون كل صباح كما تتمنى أن تكون تمضي قدماً، لا مجال للتراجع.. ولن تطلب عوناً من أحد.. بوسع المرأة أن تكون مجموع كائنات وبإمكانها أن تدير الحياة وتوجهها... هي عون نفسها التي تراها مرايا حلمها... تنحني على الأرض.. تقطع عشبة ذات أوراق مسننة لها زهور صفراء شذية، مجهولة الاسم، لكن الشذى يبوح بسرها وجمالها.. تسمع صوت امرأة ينادي.. -ست حياة صباح الخير.. تفلت من ذلك الانسحار والتوحد مع الشذى وهمس الرياح وطراوة العشب.. ترى جارتها خلود، تطل برأسها من السياج الذي يفصل بين الحديقتين.. -صباح الخير أم زياد.. كنت أظن أنني الوحيدة التي تصحو قبل الفجر.. -الغارات.. لم نستطع النوم طوال الليالي الماضيات... البنتان ترتجفان ولا تنامان وهشام وزياد يمضيان الليل في سماع الأخبار ولعب الشطرنج.. لا شيء نفعله.. في النهار ننام قليلاً.. -منذ يومين لم تعد الطائرات... لعلها.. -هشام يقول: إنهم يهيئون لهجوم أكبر حسب تحليلات الأخبار.. -قد ينتهي القصف من يدري..؟ -لا أحد يعرف.. بقينا وحدنا في هذا الشارع أنت ونحن فقط نحرس بيوت الجوار.. -هل رحل آخرون أيضاً..؟ -كلهم غادروا بغداد.. خلت البيوت.. خرجوا في الليل.. ذهبت أمل ومعها أبناؤها الثلاثة وزوجها إلى الشمال وذهبت عائلة باسمة إلى النجف.. تركوا مفاتيح بيوتهم لدينا.. ست حياة ستبقين أيضاً نحن باقون.. -مهما حدث أنا باقية، أين نذهب؟ ولماذا؟ -تقول سعاد.. أنتم مجانين، اهربوا بأرواحكم من الموت.. ما الذي يبقيكم هنا؟ -كل لـه جنونه.. فليكن لنا جنوننا أيضاً.. تذكر حياة هذا الحديث الذي مرت عليه اثنتا عشرة سنة، تذكر رتل السيارات التي هجت من بغداد عند ابتداء القصف.. كان الناس يلوذون بمباني المدارس والمساجد والأضرحة المقدسة.. لجأ بعضهم إلى مضارب القبائل في البادية.. كانت حياة تراهم.. يغادرون البيوت.. يسيرون في الزمن ولا يرتحلون في المكان.. الأمكنة متماثلة تحت الريح والمطر والخوف يسيرون دون بوصلة: تتساءل حياة: كيف بوسع الإنسان أن يذهب ولا يعود...؟ بعضهم كان مستعداً لدفع نصف عمره مقابل أن ينأى عن الموت.. ولكن.. تقول حياة.. ماذا سيفعل بالنصف المتبقي من العمر؟ لا أحد يدري... لا أحد يريد أن يعرف... كل ما يريدون معرفته هو ما الذي سيحدث في اللحظة التالية.. يمضون إلى الجهات ويتفرقون عن بغداد شعاعات ضوء هاربة ترتعش وكلما توغلت في المسير تنطفئ حتى يختفي آخر فيض من أضواء النفس.. يسيرون إلى قرى مجهولة، وبيوت لم يألفوها، وسوف تنكرها أرواحهم وتتعذب بها أجسادهم التي لن تتواءم مع رائحة تلك البيوت وزواياها وعتمتها. سيتوجب عليهم أن يغيروا عاداتهم وألفاظهم وطريقة ارتدائهم لملابسهم وربما يستبدلون أسماءهم لتتقبلهم المتاهات التي سيغيرونها كل يوم.. قوافل الهاربين تتقاسم الجوع والمخاوف والمعلومات... امرأة يجيئها المخاض على الطريق، أخرى تحاصرها نوبة ربو، شيخ تداهمه نوبة قلبية.. يمشون والموت يرافقهم.. قلق أيامهم ينمو على وقع خطاهم وهدير المركبات.. يبقون على قيد الرحيل والخوف يتسع.. هل سيعودون؟ لا أحد يدعي امتلاك الجواب... حقول الشعير تتماوج على الطرقات، السنابل تنحني بثقل حبوبها تحت الريح، ومن وراء الحقول تخوم من شجر غامض تمتد وراءها البراري، بعض البنات ينتحبن بصمت في السيارات، إحداهن تريد العودة إلى بغداد لأنها تركت مستقبلها معلقاً فوق نافذة، فتاة أخرى تريد أن تعود لأنها لم تودع حبيبها، ثالثة نسيت دفتر مذكراتها وفيه أسرار القلب واعترافات ستفضي إلى فضيحة لو عثر أحدهم عليه.. تبكي الأمهات تاريخ سعاداتهن الذي كتبته الأعوام على صدوع الجدران وألوانها.. النساء الوحيدات يبكين بمرارة لأنهن يعرفن أن طعم الوحدة سيدوم العمر كله وسيحملن وطأته ولن يعوضهن الفرار ألفة أو رفقة حياة... لا يملكون بوصلات ونجمة القطب محجوبة بالغيوم، لكنهم يسيرون.. يمضون قدماً ولكن لا يعرفون إلى أين يتجه بهم المصير.. يبصر البعض سرابات خلال النهار.. يرى آخرون أضواء تومض في الأفق سرعان ما تبتلعها المسافة.. يتوهمون أنهم يقتربون كلما اشتد عليهم العناء والخوف والظمأ... يحلمون بمحطات ومطاعم ونيران تدفئهم، يمضون.. ولا يعلمون من الذي سيصل، ومن الذي سيعود.. ولم يعد لكلمة (أين) معنى، فما (الأين) إذا لم يكن المرء يعرف اتجاه المصير..؟ صاروا رهائن للخوف، رهائن للأدلاء الذين يواكبون المترحلين بين قرى الجبال... تتجمع في الشوارع برك مياه المطر، تصير بغداد مدينة جزر وقوارب.. طوفان يعزل الأحياء ويحبس سكان البيوت في منازلهم.. يحدث أن تسمع حياة في الليل أصواتاً، في ضجة المطر يتناهى إليها طرقٌ على الباب.. يحدث أيضاً أن تكون الأصوات وهماً.. المدينة والأرواح صارتا لعبة المطر.. تطل من النافذة، لا أحد.. إنها شجرة التين تضرب أذرعها على لوح خشبي وضعوه لدى السياج... تتكئ على كرسيها وهي تنصت للريح وصوت العاصفة يضرب في عراء الحديقة ويحرك الشجر وحياة ترافق ابنتي سعاد في مهاوي الجبال، ترى زينة ورانيا محمولتين بيدي رجال مسرعين فوق الثلوج... الدم يغرق العالم، كل شيء أبيض مضرج بالدم.. الشمس الغاربة تسكب احمرار الشفق الدامي على الثلج والثلوج تسيل دماً من الأعالي.. نساء كثيرات يبكين وإحداهن تحمل طفلاً ميتاً وتركض فوق الثلوج... يأخذه منها رجلان ويدفنانه في الثلج... تقع الأم على ركبتيها وتصرخ.. ترى نفسها ثانية في حديقتها وسعاد معها تحتسيان الشاي تحت شجرة التين وتروي لها حكايات عن ابنتيها زينة ورانية، عن رعبهما من الغارات وانهيارهما... تقول لها: هربت بهما لأنقذ روحيهما من الرعب... ولكني وهبتهما للموت اسمعيني حياة... اثبتي.. لا تكوني مثلي... ابقي حيث أنت... فالموت في كل الأمكنة ولا يستثني مكاناً أو أحداً.... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |