حديقة حياة ـــ لطيفة الدليمي

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث

(1)‏

((من أوراق ميساء))‏

لا أسأل لماذا؟‏

وهل يعرف المرء لماذا وجدت الحياة والموت؟‏

أندفع للركض في دائرة مكتملة... تنبهر أنفاسي، أواصل الركض، تعيدني الدائرة إلى النقطة ذاتها...‏

أحاول الإفلات، لا أجد منفذاً... أعاود الركض في الدائرة الموصدة فلا أجد أحداً كل شيء موصد.. جنون... هذا هو الجنون... أخاطر بكل شيء.. ولكن بماذا يخاطر الإنسان إذا كان لا يملك شيئاً؟‏

لدي الزمن... سأجازف به. السنوات تمضي.. أنا الآن في الرابعة والعشرين... سأجازف بالزمن... أبدد اللحظات الثقيلة.. أبددني... أفلت من قبضة الزمن ولكن أين يمضي بي الزمن؟.. كوابيس، وعدم..‏

لا أملك غير قصة الحب المترنحة على حافة الهاوية.. حبي لزياد... بالأحرى حبي أنا وليس حب أي أحد.. حبي وحدي..‏

عامان.. نعم.. منذ عامين تخرجت في قسم الآثار... لم أكتشف غير البلايا لم أنقب في الحياة إلا على المزيد من الميتات، كل خطوة أتعثر بضريح..‏

مرة واحدة شاركت في عمليات التنقيب مع أساتذتي... أطروحة التخرج كانت تقوم على تجربة العمل في موقع (أور)... هناك وجدتني أعبث بالزمن.‏

أستخرج دهراً.. قطعة فخار صغيرة.. وأتفرج على دهر آخر.. شظية آجر من سلالة حاكمة أرست السلام فكتب بناؤوها قصائد حب على الآجر والعمدة... السلام والحب توأمان... كيف أقع في الحب ونحن نكابد الحرب في البر والجو والدم مفارقة.. كنت أندهش، وتنتابني رجفة الصعود إلى أعالي البهجة وأنا أمسك بيدي الشظية الناطقة بحب سومري لم يندثر.. حب ولد في نشوة السلام..‏

كانوا لا يبالون بما يعتمل في أعماقي من احتدام بين أن اكتشف قصص حب غابرة وأجهل ما أحب... أجهل انعكاسات زمني على حبي، ظننت أنني أعرف ما يريده زياد، لكنني عرفت ما لا يريده..‏

إنه ينكر ما ينكره علانية ولا يكشف عما يريد حقيقة.. لا أبالي.. سأعرف أمي لا تغير وقفتها الليلية أمام النافذة التي صارت مفتاح دخولنا إلى ملكوت الأمل..‏

حياتنا، حياة أمي، وأمي حياة تبدو على شيء من الغرابة.. نعم.. لم لا؟ نحن امرأتان غريبتان على هذا العالم...‏

في خضم التحولات وجنوح الناس إلى تغيير مصائرهم بأسرع مما يلوح البرق حياتنا... أسلوب عيش فريد، لا يشبه أساليب عيش الناس حتى أقرب الناس معارفنا...‏

أمي ترفض أن يشفق علينا أحد، لا تقبل أي عون من أي قريب أو كائن... تتقبل حسب عون الطبيعة.. حنو الشجرة.. هبة العشب.. عطايا الزهرة.. خبرة أمي في مقاومة الجوع مهدت لنا سبل البقاء، البقاء دونما يأس... لا نحاول أن نستكين لخراب العالم بل نتعلم من كل شيء يذوي وكل أمر يلم بنا وبالآخرين كيف نخطو في لحظتنا التالية..‏

أمي... تفكك العادات الجديدة... ليست جديدة بالأحرى فقد داهمتنا منذ منتصف القرن العشرين (استثمر الآن قدراتي التاريخية)... العادات التي تسللت إلى حياتنا في الانجراف الجنوني نحو ظواهر الحضارة الآتية من هناك...‏

منذ طفولتي، ربما منذ زواجهما هي وأبي، كانت تحرم علينا كل ما هو مصنوع ومعلب ومستورد من غذاء... ترغمنا على القبول بأسلوبها الموروث الذي طورته ليلائم حياتنا ويعيد بناء عاداتنا...‏

انظر إليها.. أغبط نفسي... أم تصلح أن تكون أماً كونية للبشر والأشياء للطبيعة والمياه والتراب...‏

عالمنا، عالم أمي وعالمي ينبني من عواطف جياشة... تتجه بخطوط مستقيمة نحو أهدافها... لا تتراكم في طبقات كالعصور الحضارية لسومر بل تعلن عن نفسها في ظهور شمسي...‏

أراقبها.. وهي تشكل نهارنا من قبضة تراب في الحديقة وحبوب قمح، من حزمة عشب ونسغ شجرة... تمزج شذا الزهرة المتفتحة مع رحيق ثمرة وورقة يانعة وتقدم لي وجبة البقاء...‏

يخيل لي أن أمي تحبسنا في التشكل الذي أرادته لحياتنا وتصير طريقتها في العيش (بيتاً) ثانياً يبطن بيتنا... أراه في ساعات إحباطي وحزني (سجناً)... وعندما لا أجد سبيلاً للإفلات منها ومن سجنها، ألوذ بالصمت... أبدد غضبي بقراءات آثارية، بكتابة يوميات وأنام..‏

تحلم أمي... ربما كان حلمها جزءاً من دفاعها الحيوي عن النفس والحياة في هذه البلاد...‏

تحلم بعالم مختلف، وتقول لي:‏

-في الأقل نصحح حياتنا... نبدأ بأنفسنا... ولا نكتفي بالحلم...‏

تقول لي: الحياة كما أراها ليست الحياة التي تقدمها لنا الأسواق والصحف والتلفزيون.. إنها شكل آخر للوجود... شكل بسيط وشديد الصفاء..‏

ولم يكن يمر يوم.. أو ساعة، دون أن تكشف لي عن أفكار جديدة لأيامنا القادمة.. علمتني كيف أواجه فاجعة رحيل عمتي أنيسة التي حملت عذابها معها ومضت...‏

ساندتني أمي لأتحمل استمرار غياب أبي وموت جدتي أمه...‏

واكتشفت سعة روحها وقدراتها العجيبة عندما دك صاروخ الحضارة بيت زياد وقتل أمه وأباه وشقيقتيه الصغيرتين وتبنت أمي الفتى وأعانته على احتمال البلاء... ومواصلة الدراسة حتى تخرج من كلية الفنون.‏

لا... لا أصدق أن امرأة تحمل كل هذه الأحزان بوسعها أن تقدم كل هذا الحب للعالم المحيط بها.. أهي أعجوبة؟... ربما... ولكنها تقول لي:‏

-يفترض أن يكون الإنسان على هذه الصورة... ليس من عجب...الحب أيسر من الكراهية.. الحنان أبقى من الإهمال.. إنني لا أقدم إلا ما أملكه... إنه لأمر بسيط غاية في البساطة أن نكون إنسانيين... جربي الكراهية تدمر الروح وتشوه النفس... الحب يعيد بناءنا كل لحظة... تعلمي هذا... أتعلم ولا أتعلم...‏

تدهشني أمي، تفاجئني الأحداث، أتعامل معها بانفعال أو شيء من الغضب، أمي.. لا يفاجئها شيء...‏

كل ما يحدث تجد لـه مبرراً...‏

كل ما يحصل لنا ولسوانا تتوقعه...‏

كل ما يأتي من الآخرين غير مستبعد ولا يدهشها...‏

تقول لي:‏

-هذه هي الحياة... وهذا هو الإنسان.. كل شيء ممكن، وكل شيء جائز في هذا العصر... لا تعجبي ولا تندهشي...‏

اصمت... لا أعلق بشيء.. كيف لا أعجب ولا أندهش لما يحدث؟‏

كيف لا أصاب بصدمة أنتكس بعدها وتعود لي كوابيس الصبا.. عندما يغادرنا زياد في سفره المباغت؟.‏

أصمت، أطيل لحظات التأمل... أعالج كوابيسي.. أتناول أدوية أحاول النسيان... أصمت حين ترتبك الأحوال وتتصاعد لهجة الغضب في حواري معها...‏

في لحظات الصفو يقوم بيننا حوار مرئي... نظراتنا تستبعد اللغة وتقول ما لا تحتمله الكلمات والألفاظ...‏

نتبادل أفكارنا، تعرف ما يدور في رأسي، تدرك متى تداهمني الكوابيس ويتلبسني الخوف... أعرف ما يشغل ذهنها... نواصل الصمت...‏

وحدي أكشف لنفسي عن أخطائي ولا أعترف بها... أتعلم أشياء جديدة كلما سحقتني الأحزان وحولتني إلى بقايا آنسة من بنات الحروب...‏

أكتشف أنني كنت محكومة بسطوة أفكار مسبقة عن الإنسان والحياة، أفكار أمي... ومثالية أمي.. لذلك وقعت في الالتباس وما كنت أميز بين الأشياء في حقيقتها وبين صورها الزائفة المتداولة بين الناس..‏

أرى أمي تعبر أقاليم الليل... تنقب عن أثر لشيء ما... تدور حولي تدور حول الليل والبيت... في حديقتها العجيبة أراها روحاً حامية.. ترقب تغيرات الدنيا وترى انهيار الأشياء ونهوضها...‏

أراها وهي في الحديقة... تزدهر شجيرات الورد وتتكاثف متسلقات الياسمين وزهر العسل... شجرة التين تخضر وشجرة الكمثرى تلوح بثمارها قناديل مذهبة...‏

أمي تشرق بابتسامة نادرة.. لعلها ترى شيئاً غير الذي أراه... أراها وهي تضفي على البيت وهجاً.. تبدو الغرف مجلوة والأبسطة تشع بألوان الشمس...‏

أمي تبتسم... لعلها ترانا في الأمس قبل غياب أبي... أو ترانا في الغد بعد عودته إلينا...‏

تقول لي:‏

-انظري إليه.. لقد أغفى وكتاب الطبري بين يديه... اخفضي صوت المسجل... أسدلي الستائر... دعيه ينام..‏

تذهب إليه وتدثره بغطاء وتطفئ مصباح الغرفة... تأخذ الكتاب وتضعه على النضد...‏

هل أرى ذلك أم أتخيله ضمن كوابيس..؟‏

أقف أمام النافذة.. الحديقة تتضاءل، تختفي أشجارها ويجف عشبها... تتهاوى الشجيرات والمتسلقات...‏

أراها وهي المترملة التي لم تترمل إذ لا تقر باكتمال غياب المفقود... (أنا لست أرملة ولن أرتدي ثياب الحداد)...‏

أرى لهباً، أرى لوحاً من ألواح الأمس.. في لوح الأقدار مكتوب هنا:‏

غربت حضارات الحب‏

وأشرقت فينا الحروب‏

زياد يغرب في المغرب..... ويشرق الشرق مع دموع أمي...‏

اللهب يطال البحر والنهرين وأمي..‏

وأمي تستدرج حمامة نوح في أمسية المطر..‏

تقول أمي:‏

-هذا طوفان قتل واليمام يعود مضرجاً بالدم..‏

أراها وقد تلفعت بشال صوفي سميك واقفة أمام النافذة وقد انهمر عليها فيض أبيض من نور القمر فقسم فضاء الغرفة إلى نصفين... نصف رمادي بارد يغمر أمي... ونصف أسود يخفي أحزاننا وأشباح الغائبين...‏

أرى الدموع تلتمع على وجنتها المضاءة بنور القمر.. شفتاها ترتعشان وهي تغالب عبراتها وتحدق بالنجوم أو ترى نجماً مذنباً يتلاشى في عمق الكون وتكشف عن دخول القمر في برج الحمل أو ترى تقاطع خطين بين برج الأسد والميزان...‏

بصيرة أمي تفتحت عندما أصابها صدع الألم فصار بوسعها اختراق الزمن والحواجز والنفاذ إلى ما وراء إمكانات الرؤية...‏

ترى نذرا، تبصر بشائر، ولا تبوح بشيء.. تبكي فأتساءل كم طوفاناً من دموعها فاض على أعوامنا الأربعة عشر منذ فقدان أبي؟؟‏

لا أملك مكيالاً لقياس الطوفانات ولكني أتيقن وهي مستغرقة في البكاء أنها تدفع ضريبة الدموع عن نساء البلاد جميعهن من أول الخليقة حتى آخر الحروب وظهور النجم المذنب لقيامة العالم...‏

تؤدي أمي ضريبة الدموع عن النساء منذ شطر الأبناء جسد الأم الكونية سيدة المياه المالحة (تيامات) إلى نصفين..‏

من النصف الأول صنعوا سقفاً للسماء ومن كبد (تيامات) الذي اقتلعوه بأيديهم قدروا أعالي البروج ودائرة الأفلاك، وبنبض قلبها فصلوا بين تخوم الليل وتخوم النهار وثبتوا معنى الزمان... من لعابها أوجدوا الثلج والجليد وكثفوا السحب من دموعها الأخيرة وهي تناشد أبناءها الرحمة..‏

وفوق رأسها رتبوا جدائلها الكثيفة الملتفة كالأفاعي وأقاموا جبلاً انبثقت منه العيون والينابيع وجرى الماء الحي إلى الكائنات..‏

من عينها اليمنى فجروا نهر دكلاتو (دجلة)... ومن عينها اليسرى فجروا نهر الفرات...‏

سدوا منخريها واحتفظوا بهما للفيضان...‏

وعلى صدرها كدسوا الجبال وفجروا عيون الماء... من نصفها الآخر سقفوا الأرض وركزوها ثم صبوا تراباً في جوفها لكي يضمنوا عدم نهوضها وعودتها ثانية للحياة فلا تزاحمهم في ملوكية الكون...‏

في ذلك اليوم الرهيب لم يندبها أحد من بنيها ولا رتل المنشدون مراثي الملكات والأمهات المقدسات عند رأسها...‏

بل أقاموا فوق جسدها مهرجان ولادة العالم...‏

ومنذ ذلك اليوم والأمهات وأمي يبكين لتهدأ نفس (تيامات) التي فتك بها أبناؤها...‏

تبكي أمي ليعود أبي...‏

وتبكي ليوقظ دمعها سبات الأرض ويبزغ الخصب في تراب حديقتها..‏

تبكي..... تيامات، التي هي أمنا وأمي جميعاً..‏

تغادر النافذة وتذهب إلى المطبخ مستعيدة قدرتها على مداومة العمل تغسل حفنة من حبوب القمح وتنقعها في مياه المطر الذي تجمعه في قنان مغلقة...‏

تقول لي:‏

-نصفه للأرض ونصفه للسماء..‏

أفزع من تعبيرها الذي يطابق تداعيات كوابيسي عن (تيامات)...‏

-نصف القمح نطهوه لطعام غد، ونصفه لنزرعه في ذلك اللوح المحروث المواجه للشمس...‏

-أمي أترين أننا سنأكل حب القمح؟‏

-به تدوم حياتنا... هو وحده يكفينا... ستجيء أيام ضنك وجوع أشد مما رأينا...‏

تعود إلي الكوابيس بعد نوم أمي... تأخذني إلى تلك الدهور الأولى التي سبقت الطوفان في أور المقدسة..‏

أسمع مراثي المنشدين يرثون أور التي استبيحت...‏

المشاهد تتوالى على مخيلتي:‏

أرى أهل أور في سنواتها السبع العجاف...‏

في السنة الأولى أكلوا حبوباً وبقولاً..‏

في السنة الثانية أكلوا نجيلاً وأعشاب براري..‏

في السنة الثالثة أجدبت الأرض وعم القحط وطغى الملح..‏

في السنة الرابعة تغيرت ملامح الناس لطول ما التهموا الخبز الأسود الممزوج بالتراث والظلمات..‏

في السنة الخامسة اكتست وجوههم بلون الجص وساروا كالموتى في الطرق المؤدية إلى المعبد...‏

في السنة السادسة بدوا في رمق الحياة الخطير...‏

في السنة السابعة اخضرت وجوه الصغار الذين شابهوا عشب الضفاف الهش وتقوست ظهور الشبان وصار الأقارب يقدمون لحم قريبهم على الموائد... فيأكل الأب لحم ولده.. أما لحم البنات فقد ادخروه للعشاءات الأخيرة في معابد أور...‏

صار رغيف الشعير يباع بأجرة عمل رجل في مقالع الحجارة...‏

العرافات وجدن عملاً، فوقفن عند أسوار أور وكشفن عن الطوالع فحصن بقع الزيت في طاسات الماء وفتشن في أكباد العجول عن علامات وأحرقن خشب الأرز المعطر وصرخن بالنبوءة:‏

-سنوات الجدب إلى أفول..‏

(2)‏

((من أوراق ميساء))‏

أرى العالم قطاراً سريعاً ينزلق في نفق منحدر باتجاه محطة مجهولة.. أحدس وجودها.. أتخيل لها هيكلاً فخماً بعمارة مدهشة وشرفات تتناثر فيها النباتات والمقاعد والمظلات.. قاعاتها المضاءة تعج بالمسافرين من أجناس الأرض كلها وتزينها لوحات ومنحوتات باهرة...‏

في الممرات معرض لتاريخ النار في الأرض ومعرض لتاريخ الماء.. ومعرض لتاريخ الموت...‏

صور من جميع الأزمنة تتهاوى والإنسان يمضي في جميع الحقب متجهاً إلى الأمام، ليس من خيار أمامه سوى المضي حتى وإن كانت الخطوة التالية تؤدي إلى هوة أو كمين...‏

هل أشتبه بالأمكنة؟؟ هل أشتبه بالبشر؟... ربما، لكني أشتبه بأشياء أخرى كثيرة... فتقوم لعبة الحياة لدي على التباسات واشتباهات بحاجة إلى براهين وأدلة للتحقق من صحتها أو لدحضها مثلما نفعل في بلوغ حقيقة اللقية الآثارية وطريقة إحالتها إلى عصر محدد من حقب التاريخ؟؟‏

الحب... مد لا نهائي... لا ضفاف له.. موج تستولده الريح كلما هبت ولا أحد في لعبة الحب يبصر الحد الفاصل أو الضفة الأخرى..‏

خمس سنوات.. بمقياس الروزنامات المعتمدة في تقاويم البشر...‏

خمس سنوات.. بمقياس اندحارات القلب...‏

خمس ميتات بمقياس السقطات التي مني بها زياد خلال سنوات غربته.. وما بيننا من الرسائل وجدل اللغة وربما الصمم الذي نتفادى به القطيعة النهائية...‏

الآن ننتظر حدوث أمر ما...‏

كل الأشياء تتحفز لمواجهة الكارثة التالية... البشر والبيوت والأرصفة والنجوم والريح والسحب... الأشجار التي ستنال نصيبها من النار والشظايا... الكتب التي سيغرقها الطوفان..‏

انتظارنا يدوم دهراً وبعض دهر.. نهيئ كل ما بوسعنا تهيئته لمواجهة الخطب القادم.. نسلح نوافذ البيت بالآجر وأكياس الرمل...‏

متاريس ومتاريس نضعها وراء الجدران المواجهة للشارع... نضع شباكاً من الأسلاك اللامرئية فتتدلى فوق النوافذ المطلة على الطريق ونموه ألوان البيت بخضرة الطحالب ولون التراب..‏

فيفقد البيت والحديقة شكلهما المألوف حتى يغدو منظرهما أشبه بصورة وهمية صنعت من تداخل الألوان والأشكال ثم امتزجت بالهواء وبدأت تتلاشى فلا يمكن تمييز البيت عن دوامات الريح أو أمواج الماء...‏

لا يدعي أحد أنه يعرف ما سيأتي...‏

ولكي نعزز الأمل بالمستقبل جازفنا في إنفاق مدخراتنا القليلة في شراء أغذية ومياه معدنية... اشترينا حبوباً وبقولاً وتمراً وكل ما لا يناله العفن والعطب... ويمكن زراعة بذوره في الحديقة إن استدعى القحط ذلك..‏

وضعنا أشرطة لاصقة على زجاج النوافذ وحفظنا عدداً هائلاً من الشموع واشترينا فوانيس ومصابيح يدوية وبطاريات، وتبادلنا الخبرات مع معارفنا في كل هذا... ولبثنا ننتظر الواقعة...‏

في دهور انتظاراتنا المتوترة كنا ننصت إلى الأخبار ونهيئ أنفسنا لوليمة آكلي لحوم البشر المطهوة بالنفط والمملحة بالفوسفات والمطيبة بالكبريت ونتداول الرسائل لمجابهة الغزو ونتبادل الخبرات أو نستغرق في استعادة قصص المقاومة في باريس وليينغراد التي استعادت اسمها القيصري (سان بطرسبورغ)..‏

نركض مع المقاومين في الطرقات المثلجة أو نتخفى بملابس مموهة نتعاون في نفس جسر أو نتطوع لإيصال معلومة تنقذ ثلة من المقاومين، أو نمشي على ممرات مفروشة بأوراق شجر البتولا باتجاه البحر...‏

نتعرف إلى الطيور البحرية التي تدلنا في خط طيرانها على ارتباك الأجواء وهي تسمع برادارها الخفي ذبذبة المركبات والطائرات وتشم رائحة القذائف.‏

نمسك طائراً، نأخذ ريشة ونمارس السحر.. نحرق الريشة ليظهر لنا الجني الطيب وينفذ رغبتنا المستحيلة...‏

-شبيك لبيك... خادمك الجني بين يديك... قل أمنية واحدة ولا تطمع بأخرى...‏

نقول له: الجن الطيبون يحققون ثلاث أمنيات لا واحدة...‏

يقول: شرط أن تضمنوها في عبارة محكمة (يا خادمنا المطيع، يا جنينا الطيب، احبس الحرب في القمقم وألق القمقم في الأعماق السحيقة للمحيط وأوصد بوابات الجحيم وأطلق شريعة السلام).‏

يقهقه الجني ويتضاءل حتى يغدو بحجم ثمرة القرع الأحمر ثم ينشق إلى نصفين يطوي الحرب بين نصفيه، ثم يصغر ويصغر حتى يصير بحجم حبة الفاصوليا ثم يختفي ويتلاشى..‏

لم نعرف إن كان سيحقق لنا أمنياتنا أم أن الحرب التهمته أو أنه عقد معها صفقة خيانته لنا...‏

سيطول انتظارنا لنعرف... وقد لا نعرف أبداً..‏

(3)‏

((من أوراق ميساء))‏

أحاور حبي لزياد.. أقلبه على وجوهه المتعددة.. أحمله مثل رضيع على صدري...‏

أختبره، أكيل لـه اللعنات أو أمجده بتراتيل المديح...‏

أصوغ لـه المراثي، أزنه بميزان عدالتي... أدعكه وأزيل عنه شائبة اليأس...‏

لا أحد يعلم أي طرقات خفية يسلك الحب عندما يتعثر ويتآكل بحامض الخوف..‏

لا أحد يعرف كيف يتشكل كوكب الحب في أعماقي ليفيض نوره إلى روحي وذهني ويقرر لون بشرتي ونبرة صوتي وتاريخي...‏

لا أحد يعرف شفرة سحره وهو يتخلق في حاضر النفس وترتسم عليه آيات الغد..‏

يتوهم زياد أنه اجتاز مياه بحر الموت وأنه سيفوز بعشبة السعادة ويقطف ثمرة الثراء والمجد، لم يدرك أنه افلت بجسده ولبثت الروح تصارع المسافات وتقاوم تبدلات الريح..‏

أكتب له:‏

رأيتك... في الحقيقة تفرجت على صورك التي أرسلتها... أنت ترتجل عرضاً مسرحياً، وترتدي قناعاً وتخفي يديك بقفازين أبيضين..‏

شيء واحد أردت إثباته للغرباء:‏

أن تخفي حقيقة لونك وعلامات سلالتك... ابكي... من أخبرك أنني أستهجن البكاء؟‏

إنه الممارسة الصامتة للتعبير عن القهر... عن الخسران.. عن العاطفة المهدورة... عن الشوق الذي يصعب إرضاؤه...‏

والروح التي يستحيل الإمساك بجوهرها ونحن نرتدي قفازات من جلد الأفاعي...‏

الدموع تفتح لي مسارات لكشف ما تخفيه عني...‏

أراك مثل بذور نبتة مشردة، ترحل في المسافات وتمتطي صهوات الغيم أو تختبئ في مركب نسيه الملاحون... أو تتعفن في الأرض الجديدة...‏

الأرض الأخرى... لا تقبل الغرباء بيسر... البذور البرية تتشرد طويلاً في العراء الغربي...‏

لكل بذرة شرط بقاء قد لا يتوفر في المنافي... البيئة الأخرى ترفض وتجاهد كل وافد... سواء لديها أن جاء متنكراً بزي لاجئ أو أتاها غازياً...‏

تعرف أم أنك لا تعرف...‏

إن بعض النباتات من الأشجار والزهور يصعب توطينها في بلاد أخرى لأن كل إقليم وكل بلد.. يسعى للحصول على نقاء عنصري ويرفض الذرة المشردة الآتية إليه عبر البحار والريح...‏

زياد... لم يعجبني عرضك المسرحي ولم أجد أية أهمية لهذا التقليد غير المسوغ لعروض سويدية أو فرنسية...‏

أنت تقدم تجريداً خالصاً عن كائن حي لا يمكن تجريده... وتعلن انحطاط اللغة وضياع الأمل وزوال المعنى...‏

ليتك تتيح لنفسك فسحة تأمل لتكشف ما يحدث لنا حقيقة وما يعد لنا من مصائر مروعة.. ليتك تسمعني..‏

أنصت إلي قليلاً، دعني أحدثك عما نكابده... ليس هناك من عبث أو تجريد في القتل.. الذين يقصفوننا يعملون بلا تجريدات أو توهمات أو أقنعة... القتل شيء قصدي معرى من كل بلاغة في التشكل... وليس نزهة تجريدية فوق أيامنا...‏

جائزتك التقديرية التي نلتها من مؤسسة أوربية لا معنى لها لأنها قيمت فيك عدميتك وتبددك...‏

أنتظر ردك... ما الذي سيحدث غداً لك ولنا...؟‏

انتظر..... تحياتي‏

ميساء‏

يكتب لي:‏

ميساء... يا حبيبتي....‏

لماذا تعتقدين أنك وحدك مالكة الحقيقة؟ وأن الصواب هو ما تفعلينه؟ لا توسعي الهوة بيننا، ولست غارقاً لتنقذيني... أحبك... لكن الحب لدي غير الذي تعرفينه...‏

أنت مغلولة إلى عالمك الراكد وعاداتك... أنت لم تتورطي بدخول تجارب حقيقية كالتي تورطت فيها... الأحلام والأمنيات بدأت تتحقق..‏

أقيم الآن في مبنى حديث لم أحلم بمثله... مكون من أربعة طوابق في شارع تظلله الأشجار ويتجه إلى هضبة وغابة خضراء منحوني شقة لها غرفتان وشرفة تطل على المشهد...‏

هذا أقصى ما أتمناه... شقة جميلة، في بيئة ريفية أوربية ساحرة...‏

أرجوك ميساء... كوني أكثر تعقلاً، أكثر حناناً وأقل قسوة...‏

في انتظار رسالتك سوف أتدرب على عرض مسرحي جديد وسوف تصلك الصور تباعاً، باركي لي نجاحي...‏

وإلى لقـــــــاء...‏

زياد‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244