|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع (1) تحتفي أشياء الدنيا بسوزان الجميلة... تتراقص زهور الجهمنيات في نسيم الصيف على قدميها وتدور الفراشات من حولها وهي تهبط من سيارتها أمام بيت حياة وينفتح في الهواء الساخن ممر ضوئي لمرورها ويتردد صدى خطواتها على بلاطات ممر الحديقة... تلقي حياة قفازيها وتترك الأصص التي مزجت فيها التراب بالسماد ونثرت فيها بذور زهور الأقحوان الأصفر وورد الفضة والسنتوريا الزرقاء.. وتهرع إلى ضيفتها... الشاي كان ممتعاً مع كعك التمر، برغم أن الذباب والحشرات الطنانة لبثت تحوم حول رؤوس النساء الثلاث بعد أن انضمت ميساء إليهما... غمرهن عطر زهور العسل بعد الغروب واكتسبت حديقة حياة بوجودهن نوعاً من الرسوخ وامتزجت هيآتهن بالظلال وبقع الضوء وحومت فراشات دود التين المرقطة حول وجوههن وانحنت بتأثير ذبذبة أصواتهن الرقيقة أزهار شجرة الجمال الصيني القرمزية شبيهة الأبواق... فيما تبقى من أنوار المساء المتقلبة وفيما تبقى من فسحات صمت بين ثرثرات سوزان وضحكاتها مرت موجات بهجة على محيا حياة.. بينما استولى على ابنتها شيء من الدهشة وهي ترى سوزان مدرسة اللغة الانكليزية في زيارة غريبة لهما في هذا البيت الذي لم يألف استقبال ضيوف من طراز هذه المرأة الثرية الجميلة... لم تسأل أمها، إنما لبثت تراقب ست سوزان التي تخلت عن تحفظ المدرسات وكشفت عن سوزان الأخرى بثيابها المبهرجة وزينتها ومرحها ونظرتها المشتتة... تخرج سوزان زجاجة عطر صغيرة من حقيبة يدها وترش رذاذاً على عنقها ومعصميها... تقدم الزجاجة لحياة: -جربي إنه عطر من ابتكاري.. أخلط عطوراً فرنسية مع زيت المسك والعنبر الخام... -أنا لا أتعطر... لست معتادة على ذلك شكراً... بوجود شخص غريب تشعر ميساء أنها مهددة وبلا حماية، وعادة لا يأتي الآخرون إلى أمها إلا طلباً لعون أو طمعاً في أمر لا يجيده سواها... وميساء تخشى تبدد أمها ما بين حنانها الفياض وكرمها وتقاليد الضيافة، تخشى انطفاء ألق أمومتها أمام الوهج الحارق لسوزان الجميلة بضحكاتها وغنجها... تنسحب ميساء إلى داخل نفسها وتستعيد كلمات سوزان التي تختمها بضحكة مجلجلة، وتراقب استجابات أمها المحايدة وصبرها على ما ترى من سوزان.. تقول سوزان وهي تحرك يدها المطلية الأظفار بلون أحمر براق: -أغبطك يا حياة.. أنت امرأة لا مثيل لك بين النساء اللائي أعرفهن... أريد أن أستفيد من خبرتك في الحياة.. تضحك حياة: -أنت؟.. سوزان تطلب ذلك؟... لا.. لا تكوني واثقة إلى هذا الحد من صواب ما لدي.. فربما لا تناسب خبرتي أحداً سواي.. -أريد أن أغير حياتي ونفسي.. -سوزان أنت مختلفة، يصعب عليك احتمال الزهد والمتاعب أنت امرأة منعمة مترفة فماذا تجديك خبرة المعوزين أمثالي؟ تسكب حياة الشاي ثانية في الأقداح وتقدمه لسوزان وميساء.. -أتريدين شيئاً من السكر؟... تذوقي كعك التمر... صنعته بيدي... سوزان ما الذي تريدين معرفته؟ ما نوع الخبرة التي تحتاجينها في حياتك؟ -كل شيء... كل ما يتعلق بالحياة، بالنساء والرجال والأمل والحب... -ولكنك على ما يقال خبيرة بشؤون الدنيا الجميلة... وأعرف أنك بارعة في أسرار الجمال وأنوثة المظهر... فماذا تريدين؟ ألا يكفيك ما لديك؟ -سئمت، سئمت كل شيء... ضجرت من كل ما يحيط بي... ما نفع الثراء والجمال إذا كان الملل يلتهم أيامي؟ تقول ميساء: -ست سوزان، كان أبي يقول لي كلما رآني ضجرة... (كل من يضجر خاسر، هل أنت خاسرة؟) -أنا؟.. لا.. أعني قد أكون من النساء الـ.... -لم أسألك ست سوزان... كانت تلك عبارة أبي التي يرددها على مسمعي... -ولكنها تبدو موجهة إلي... نعم... أنا خاسرة على ما أظن... تقول حياة وهي تضع يدها على كتف سوزان: -لو أمعنت النظر في حياتك لعرفت أنك فزت بأشياء لا تقدر بثمن... -أنا؟.. كيف حياة؟.. لا.. لا.. أنا مولعة بتبديد الثروة والوقت ولا أجيد الإمساك باللحظة المواتية... -لكنك تملكين أشياء أساسية في الحياة... -لا... لا يبدو ذلك... -ستعرفين في يوم ما... -ساعديني لأعرف... لهذا قصدتك... -انظري إلى هذه الحديقة المتواضعة الصغيرة، التي لا تقاس بحديقتك وأشجارها الغريبة وأزهارها وخمائلها وبركة السباحة فيها وموقعها على النهر.... هذه الحديقة الصغيرة بكل تواضعها تمثل لي امتداداً للبيت والحياة وهي نبع ذكرياتي وكنز أسراري وواهبة البقاء... وحين تضيق بي الدنيا ألوذ بها فتخفف عني وطأة أحزاني ومتاعبي أرعى زهرة هنا وعشبة هناك وتذكرني الروائح بأزمنة سعادتي في هذا البيت... -أنت تمزحين... ماذا تفعل شجرتان عتيقتان وأعشاب وبعض شجيرات زهور..؟.. ماذا تقدم لك هذه الأشياء... مؤكد أنك تمزحين..؟ -لا أمزح... إنها الحقيقة، لا تحكمي على ظواهر الأشياء.. هذه العشبة عالم حي، لا يقل حياة وأسراراً عنك وعني... وكل ما هو حي هنا ينتمي إلي وأنتمي إليه... نحن أجزاء من كون عظيم.. كل ذرة تراب وكل جسد كون كامل بذاته. هذه الزهرة تكون بي وأكون بها لا تملكني ولا أملكها... هذه هي علاقتي بالحياة... هل هناك شيء تنتمي إليه في هذا العالم؟ -ربما... لا أدري.. -تمسكي بشيء عزيز... بإنسان جدير بمحبتك، بفكرة أو قيمة... أو اخترعي لنفسك شيئاً تتعلقين... -لكن... لا شيء يستحق، أنظر حولي فأرى كل شيء أقل شأناً مني، فبماذا أتمسك.. كل الأشخاص والأشياء لدي عديمة القيمة... -اقلبي الموضوع.. اعكسي الأمر، وافترضي أن لكل شيء قيمة وشأن وتجردي من هذا الزهو بنفسك... عندئذ ستجدين ما هو جدير بأن نتمسك به. -هل أعتبر هذا درسك الأول لي... -وسيكون الأخير.. فمن هذه النقطة تبدأ علاقتنا بالحياة... أن نحترم كل موجودات الكون وننتمي لإنسان أو قيمة.. أو شيء.. -يا حياة... هذا درس شديد القسوة.. لا أستطيع.. أحتاج إلى تدريب طويل لأتغير... -بل إلى محاولة صغيرة فقط... -لا عليك... اسمعي حياة أنتما مدعوتان في بيتي... ستتناولان الغداء معي يوم الجمعة ثم نتنزه في يختنا عند الغروب.. -أخشى أننا لا نستطيع قبول دعوتك، يوم الجمعة يوم عمل مضاعف بالنسبة لنا... وميساء تعطي دروساً في الموسيقى لبعض السيدات.. -اخترعي لنفسك وقتاً.. ألم تعلميني قبل لحظات أن أخترع أشياء؟ يضحكن... تضحك النساء الثلاث... -سنحاول في يوم ما... -أريد أن أحتفل باستقالتي... هل تحبين أن أعو المدرسات الأخريات... أم أقيم لهن وليمة أخرى.. ماذا ترين؟ -هذا الأمر يعود إليك... (2) تعتقد سوزان أنها ولدت تحت طالع نجمة نحس وأن طوالع السعد لم تواف أحداً من أسرتها سوى أختها بوران التي هاجرت إلى الأردن وتزوجها رجل أعمال لبناني... جمعا الثروتين وعملا في مجال الاستثمار السياحي.. ولم يحصل أخوها سنان إلا أخيراً على عقد لتدريس الهندسة المعمارية في جامعة (كوالا لامبور) في ماليزيا.. وهي تضيع كل فرصة مواتية بالأغلال التي اختارتها لنفسها وتبدد ثروتها التي ورثتها عن أبيها تاجر السجاد والعقارات وتدفع أثماناً مضاعفة للزمن المتبقي وأثماناً مستحقة للتكفير عن خياراتها الخاطئة... منذ ثلاثة أعوام خطبها (عبد المقصود الغنام) وعقد عليها ولبث يؤجل الزواج ليطيل ابتزازها وإذلال زهوها بنفسها... وعندما طلبت الطلاق أمعن في الرفض... وتركها معلقة رغم الدعاوي التي أقامتها عليه... ولينال من كبريائها بضربة أخيرة يتزوج ابنة عمه ويواصل ابتزاز سوزان حتى أنه طالبها أخيراً بالتنازل عن نصف بيتها ليسرحها... فكيف ستخترع لنفسها ما تتمسك به؟ وبم تتعلق؟ ومن هو الجدير بها بعد الذي نالها من عبد المقصود؟ غسان؟... هجرته مذ التقت (عبد المقصود) الذي بهرها بأكاذيبه الفاتنة وقدراته الاستحواذية على النساء... وها هي الآن امرأة مهجورة.. جسد ميت في كفن عطور وحرير.. ملقاة هنا في سرير وحشتها لا يد تلمس ذراعها ولا رائحة إنسانية تذوب على شفتيها... تفتح نافذة غرفة النوم المطلة على دجلة من الطابق الثاني لقصرها العتيق فيتوغل الشرق والشموس في غرفتها، وتنتعش روحها بالنسيم النهري الندي ولكن ما إن تشتد الريح حتى تنهمر فوق البيت وبساتين البرتقال النهرية رائحة احتراق الغاز من مدخنة مصافي النفط... توصد النافذة وتشعل جهاز تعطير صغير يعمل بالكهرباء، يغمر جو البيت متى شاءت بأريج غابات أو عبير شواطئ، أو عطور زهور الأوركيد أو أنداء أعشاب الألب من جبال سويسرا... في ترفها الذي تدافع به عن وجودها تترقب أخطاراً تهب عليها في أي لحظة طارئاً ما... أو حادثاً... أو اقتحاماً يدبره لها هذا الرجل الذي سمم حياتها... يضطرب نومها وصحوها فتستحم في مغطسها المرمري المزين بحواف مذهبة تذيب في الماء كريستالات أملاح عطرة ملونة وتحاول أن تنسى... يتوارى جسدها في الماء لكن عذابها يتعالى مع البخار... يشكل هالة قاتمة حول وجهها الناصع ويبطل مفعول الترف المائي... إنما... لما تكون قد بلغت حافة البكاء ووقفت على أولى درجات الانهيار تلقي بجسدها في البركة... بركة السباحة واسعة تتخذ شكلاً بيضوياً به استدارات وتموجات... قاعها فسيفساء فيروزية، بحر... تستعير سوزان بحراً مصغراً بثروة تملكها، مياه لازوردية وأمواج... نعم... أمواج يولدها جهاز صغير يوهمها بامتلاك بحر في بلادها المشمسة، بحر... لكنها ترى ضفتيه، لا يأخذها طويلاً إلى المجهول، لا يرعبها بأسماكه المفترسة، لا يمنحها أمل الرحيل، بحر مزيف... كل ما حولها تزييف لأشياء حقيقية ولت... كل ما في حياتها استعارات عن حيوات أخرى... المرايا البيضوية العملاقة بأطرها المذهبة، المرايا المستطيلة والمرايا المستديرة، المرايا بأشكال سداسية، المرايا بأشكال مثلثة... تحيط بسوزان وتعكس لها آلاف الوجوه لوجهها وجسدها... تحاصرها وتحدق بها وجوهها... تجفف شعرها بعد الاستحمام... فيفقد لونه الغامق وتظهر خصلاته الذهبية الشقراء الموشحة بخصلات متفاوتة الألوان بين الذهبي والبلاتيني الباهت.. المرايا تفتح روحها... هل بقي لدي روح؟... تسأل نفسها؟.. المرايا تخدعها.. تسخر منها، المرايا تقول لها ما لا تسمعه من البشر... تسأل: من أنا؟... وما أنا؟ تسمع قهقه المرايا: أنت كل هذا... أنت كل هذا، ولست كل هذا... -ما أنا؟... من أنا؟... -أنت القصر القديم والرخام الممحو بآلاف الخطى.. أنت الموسيقى والعطور الهجينة... أنت الزجاج الملون.. أنت الثريات المثقلة بالكريستال والأنوار... -أنا؟... من أنا؟... -أنت الأرائك الوثيرة التي من حرير وسنديان.. أنت منضدة المرمر أنت وعاء الورد.. أنت اللوحة الجامدة... أنت التمثال المتسمر في وقفته أنت الستائر التي تشربت غبار الأعوام... أنت الأنثى في صعودها إلى الفتنة... أنت المرأة في خضوعها ومذلة المساومات... تضحك... تضحك سوزان... تضحك مقهقهة... تقول للمرايا: أنا؟.. كل هذا؟.. عجباً... لماذا أشعر أنني لا شيء على الإطلاق حينما أواجه نفسي... أشعر أني خفيفة لا وزن لي ولا معنى... أنا لا شيء.. -أنت كل هذا... أنتِ -أنا الإنسان في هوانه حين يزن نفسه بثمن بيت أو لوحة... أو ثمن وثيقة طلاق.. أنا لا شيء.. تضحك.. ثم تجهش بالبكاء... تبلغ أصداء ضحكها ونحيبها مسامع أم توماس عندما تتكاثر في الممرات الطويلة... تسمعها فتأتي... خطاها مترنحة تحت ثقل جسدها البدين وفي يدها مسبحة خشب يتدلى منها صليب فضي صغير... -ما بك... لتحرسك العذراء مريم.. ما بك يا ابنتي.. -ما بي شيء.. هيئي لي الفطور وضعيه في الشرفة أمام البركة. امرأة في الخامسة والثلاثين وعجوز في السبعين... تسند كل منهما الأخرى في عالم يتهاوى... عالمهما يترنح مثل جسد أم توماس الثقيل... عالمهما يتطاير مثل شعر سوزان الأشقر عند أول هبة ريح... يرسل توماس لأمه دعوات لزيارته في (ديترويت) قبل (11 أيلول) دعوات متتالية.. يهاتفها لدعم رغبته: -أمي.. سافري إلى الأردن.. سأهيئ لك كل شيء... عندما تصلين إلى هنا.. ستحصلين على (الكرين كارت) وبعدها يمنحوك الجنسية أسرعي يا أمي لا تضيعي الفرصة. -اسمع توماس.. أنت وزوجتك ريتا.. إني ما أريد جنسية.. عندي جنسية.. ما أريد (كرين كارت) انتهى الموضوع.. تسمعني توماس ما أريد أسافر... آني باقية هنا مع سوزان ببيت المرحوم بهجت.. تسمعني... تقيم أم توماس في هذا البيت منذ أربعين عاماً.. تدير شؤونه وتربي الأبناء وتهيئ الطعام الموصلي والبغدادي لهم وتبقى في البيت بعد أن تفرق ساكنوه في جهات الدنيا... وهي تشهد تداعي الأسرة والمنزل وتشتت البشر بين المقابر والمهاجر... ـ يريدوني أترك أهلي وأروح هناك.. ـ ولكن.. تقول لها سوزان.. أقاربك هاجروا إلى هناك من سنوات ما بقي منهم أحد.... ـ اسمعي سوزان... أهلي... هنا ببغداد وفي تكليف أمي وأبويا... وعمي القس بهنام... وخالتي جوزفين وعمتي فكتوريا... وابن عمي جوزيف وابن عمتي متي..... أبو توماس... كلهم هنا ـ لكن كل هؤلاء ميتين... ـ لا سوزان... هم أحياء أكثر من الذي تركوني... وذهبوا... أحياء... تعرفين كل ليلة يزوروني بالحلم... كل ليلة أشوفهم.. طالعين بعيد العذراء للجبل... لو اسمع عمي القس بهنام يحكي موعظته الحلوة... ما عاد نسمع مثلها... عمتي فكتوريا تعمل خبز الرقاق للشتوية وأمي تعمل الكشكي... وأنا والأولاد نروح للبساتين نجمع حب السماق... وحبة الخضرا... كل ليلة صدقيني أشوفهم.. توماس ما أشوفه... لكن ادعيلو الله يسعدو... وين ما كان... الله يسعدوا ببركة العذرا... تمسح أم توماس دموعها بطرف ربطة الرأس السوداء المبقعة بزهور حمراء وتتدلى من تحت حافاتها ضفيرتان رماديتان هما كل ما تبقى من شبابها... تحاول الاثنتان صنع شكل جديد لعائلة مفقودة.. تحاول سوزان أن تكون الابنة وتقوم أم توماس بدور الأم... مع احتفاظ بفارق المكانة... سوزان تتبدد في ملابسات زيجة غريبة معلقة... وأم توماس تهب الحياة ولداً يغادرها إلى المهاجر... تبكي أم توماس... تراه في الحقيقة... تراه في الحلم... ولا تراه... هو الآن في حفل التعميد... في كنيسة القديس يوسف شفيع العمال في حي الجامعة... بين صغار يرتدون ثياباً بيضاء مزينة بأشرطة مذهبة وأرجوانية... والشماس يطوف بالمبخرة حول الرؤوس... وضعت زهور الجوري في المزهرية قرب المذبح... تبرعت عن نفس والده بعشرين ديناراً... القس بدأ بالتراتيل... كان توماس جميلاً... أجمل من الجميع... أجمل من أبيه ومني... الله يسعده ولتحمه العذراء مريم... تجد سوزان رسالة الكترونية من أختها بوران... ـ سوزان افعلي أي شيء... لابد من طريقة... امنحيه كل ما يطلبه... ليسرحك... اصحبي أي آخر بعقد مؤقت.. وتعالي إلى عمان... أنتظر ردك بوران تكتب لها: عزيزتي بوران: لا أستطيع... أتفهمين... عبد المقصود يبالغ في ابتزازه لي... يرفض التطليق إلا إذا شاركته في ملكية بيتي... (لقد عرف أنكم تنازلتم لي عن حصصكم بعملية البيع)... إنه أخطبوط لـه ذراع في كل الجهات... ذهبت لأتفقد بيتك بعد أن غادر الحارس إلى الكوت لمدة أربعة أيام بسبب وفاة عمه. وجدت نافذة غرفة النوم محطمة وجهاز الإنذار معطل أحضرت من أصلحه... سرق اللصوص أجهزة كهربائية... جهازي تلفزيون وفيديو... ومسجلات... سرقوا تحفاً نحاسية... وثياباً... أظنهم أخذوا معطفك الأسود... ظنوه فراءاً حقيقياً.... اطمئني... اللوحات الأصلية ترقد بأمان في السرداب، استثمارك الحقيقي وثروتك في هذه اللوحات... الأشياء الأخرى تعوض... ولكن... سمعت من أخي سنان أنك تعتزمين بيع كل شيء البيت والأثاث والمزرعة... فهل ستأتين قريباً لتصفية الممتلكات...؟ ـ الحديقة جفت، ماتت شجيرات الغاردينيا وشجرة المانجا... وجفت أشجار المطاط... لم أعثر على بستاني يقبل العمل بعشرة آلاف دينار طلب أحدهم عشرين ألفاً.. قال هذه مزرعة وليست حديقة... تحياتي لزوجك وليد... مبروك حصولك على الجنسية اللبنانية.. أبلغيني مبكراً إذا عزمت على المجيء إلى بغداد... قبلاتي لك... سوزان.. تذهب أم توماس إلى الكنيسة في عيد الصعود وتجلب معها من هناك غصن زيتون تعلقه على باب غرفتها وسوزان تشتري كلباً أبيض من سلالة أصيلة مزوداً بشهادة ميلاد وأسماء سلالته وأماكن ولادتهم في سويسرا ولبنان... تشتري حوض سمك كبير وأقفاصاً تحشد فيها الببغاوات الملونة.. يصحبها الحارس أبو حسين إلى سوق الغزل في شارع الكفاح... ترى الأفاعي والبط والأوز والقردة والغزلان والحمام والديكة الرومية والسناجب وطيور الحب تتكاثر في الأقفاص العديدة المعلقة في الشرفات وتضج طوال النهار... تتعلم سوزان أشياء كثيرة... تشارك في دورات فنية لتعليم تنسيق الزهور بطريقة (الأيكابانا) اليابانية في نادي (العلوية)... تلتحق في دورة للغة الفرنسية في المعهد الفرنسي... منذ سنوات وهي تحاول أن تتعلم لغة (بودلير) بعد أن عجزت لغة المتنبي ولغة شكسبير عن منحها مفتاح الخلاص وان في وهم وهمها... تشترك في ناد للرشاقة، تشتري دزينة عدسات ملونة لعينيها تزرع أظفاراً صناعية... وتجري عمليات تجميل لجسدها... (شفط دهون لبطنها وتجميل لصدرها)... الصدع يتسع ما بين نفسها ونفسها... الجسد يكتمل والروح تتآكل... المقاييس تبدو في تناسقها، والنفس تبدو في فوضاها ولا تناسق بين الحالتين... الجسد جميل مدهش والوجه مثار فتنة... والروح رماد.. والنفس تحيا في الخوف... والكابوس يستولد كوابيس... تعين حارساً ليلياً لحمايتها من احتمال اقتحام يدبره عبد المقصود... تبلغ الشرطة عن محاولات اعتداء وهمية.. يقول لها الدكتور سلام: عاودتك أعراض الاكتئاب.. داومي على تناول العلاج... سأراك بعد أسبوع... تهاتفها شيرمين الأزميري: ـ وأخيراً... أخيراً سأسافر.. ـ ماذا فعلت؟... ماذا؟ ـ عثرت على شاب يعتزم الهجرة... اتفقنا على عقد مؤقت مقابل ثلاثة آلاف دولار اشتريت بها حريتي... إلا تباركين لي؟ لقد عقدنا اليوم ـ هل تعتزمين الارتباط به؟ إذا راق لي خلال الرحلة... لم لا؟ ما المانع؟ ـ وإن رفض؟ ـ يرفض؟... لا... لا يمكنه الرفض... كثيرون يتمنون هذا العرض ماذا يريد... الهجرة؟.. سأيسرها له.. المال... لدي ما أغمره به الأنوثة... أنت تعرفين شرمين.. وأنت؟ ـ تعرفين التعقيدات... أنا الآن أسيرة فعلاً... ـ ألم تقنعي عبد المقصود؟... امنحيه ما يريد... ـ لن أمنحه ارث أهلي... يريد سلبي كل شيء... ـ اشتري نفسك... ـ لن أفعل... سأحاول معه حتى النهاية. (2) تدون سوزان اسمها السوسني على بطاقة الانتخاب في المركز الانتخابي... ولزهوها في لحظة تحقق إنسانيتها كونها تساوي الذكور في حق التصويت... تنسى وضع النقطة على حرف الزاي فتكتب اسمها... ـ سوران... قبل دخول القاعة وهي توقف سيارتها ينظر إليها الشبان والكهول نظرات عهدتها في الجميع، فالكل يتشهى امتلاك هذه المرأة الفياضة بالأنوثة والجمال الذي يماثل جمال أميرات الأحلام وفاتنات السينما والمطربات اللائي يتوهج جمالهن في الشاشات ولكن ما أن تمسك بالبطاقة الانتخابية حتى تنسى تلك النظرات والتعليقات فتحس لبرهة أن الاعتبار المسلوب لأنوثتها قد أعيد إليها... يناديها سوران يتفضل لتسلم بطاقته... طعنة في أعماق الزهو تصيب أنوثتها المستفيقة... تبتسم للمفارقة اللغوية... فهي ما إن دخلت اللحظة التاريخية لتأكيد جدارتها ولأنسنة وجودها دون خوف من أنوثتها... حتى أطيح بحلمها... ـ السيد سوران بهجت... ـ نعم أنا سوزان ولست سوران... يبتسم الرجل على استحياء... ـ معذرة... أنت كتبت الاسم بدون نقطة... كثيرون يسمون سوران... اسم متداول في الشمال أليس كذلك؟ ـ ربما... لا بأس... ـ إنها النقطة... ـ نعم النقطة... .... سوزان أو سوران؟.... رجل... امرأة؟.... ذكر... أنثى؟.... أنثى معترف بها ونقطة تبطل الاعتراف بها في اللحظة التالية.. أتكون النقطة حداً باتراً بين وجود ووجود؟ بين حقيقة وأخرى؟... بين بشرى الخلاص وحقيقة المعاناة الأليمة؟... سوزان... تحمل سوزان، الاسم يحمل صاحبته ويعبث معها أو يرفعها درجات أو يهبط بها درجات أخرى... اسم اختاره لها أبوها باعتباره عمل تسوية بينه وبين زوجته الأيرلندية... بين شغفه باسم زهرة السوسن البنفسجية الرقيقة التي من حرير وشذا وعمر قصير لا يدوم إلا يوماً أو بعض يوم... تتفتح في أواسط نيسان وتنتهي عند اشتداد الحر... فعل التسوية بين اسم منسوب لإرث الطبيعة وأزاهيرها وجمالها وعطورها وخلودها وبين ترضيته الزوجة التي أرادت أن يكون الاسم (سوزان) المنسوب إلى الإرث التوراتي لتستطيع نطق الاسم دونما لكنة تشوهه أو تحريف يفقده الجمال... وعلى هذا المبدأ ذاته اختار أسمي ولده سنان وابنته بوران... لكن الأم حرفت اسم سنان بلكنتها التي تميل إلى كسر الحروف فصار (سينان) كانت في طفولتها وصباها تتوسل لأبيها: ـ أحب أن تدعوني سوسنة... أرجوك لا تناديني أنت وأمي باسم سوزان... أحس أنه يشبه اسم قطة أو أي شيء آخر... كان يقول لها: قد يكون اسم سوزان أنفع لك في ما سيأتي من زمان... نقطة صغيرة مهملة تغير حياة كائن بشري وتحوله من أنثى إلى ذكر في أقل من ثانية... أي سحر تمتلك الكلمات كما تقول ست حياة؟... وبوران تقول في رسائلها التالية: (أيتها الأخت المجنونة... حاولي... لا تتوقفي عن المحاولة... اخترعي أية طريقة للسفر... اسم سوزان سينفع... جنسية والدتي الأصلية ستساعدك على الحصول على فيزا لأي بلد تشائين... لم أكن أدرك فائدة اسمك لكني على ثقة من كونه سيكون مهماً الآن... أخبارنا... رائعة... انتهينا أخيراً من تهيئة المبنى وجرى افتتاح فرع لمطعم (ماكدونالد) في عمان الغربية، في أجمل شوارع عمان... أحيا الافتتاح مطرب عراقي ومطربة لبنانية وراقصة مصرية.. كان افتتاحاً باهراً تحدثت عنه الصحف والفضائيات... دعونا نجوم الفن والمجتمع في عمان وبيروت... وليد يبلغك تحياته ويبارك لك عيد ميلادك... ملاحظة: ستصلك هدية عيد ميلادك مع مدام كارلا زوجة طوني أبو شحرور بعد أسبوع. لك قبلاتي... أنتظرك... (بوران) ربما سيكون للاسم سحره عند حافات اليأس البشري... من يدري؟... لاسمها طعم الأمل الحليبي، هل تحمل الأسماء مذاقات؟ كانت ترى في اسم بوران طعم البلوط... لا تدري لماذا... أما اسم أخيها سنان... فقد عثرت لـه على طعم الدارسين... كانت أمها تسمي الدارسين (سينامون) بلغتها الإنكليزية فارتبط اسم سنان بالسينامون، أحياناً تمنحه نكهة مشروب (السينالكو) وهكذا كان مذاق اسمه يتبدل حسب تبدلات علاقته بأخته وما تحب من مذاقات... تروي لها أم توماس حكايات وقصصاً خرافية بلكنتها الشمالية التي لم تتحسن منذ ستين سنة أمضتها في بغداد... علقت بذهنها قصة ذلك الرجل الذي كان يرتدي ملابس النساء ويرقص في الأعراس وتلك المرأة التي ترتدي ثياب الرجال وتجالسهم في المقهى أو تذهب إلى السوق لبيع ثمار حقلها المحمولة على بغلتين... في الليل تجرب سوزان الممكن المتاح.... تطرأ لها فكرة مجنونة... تختار بدلة رجالية داكنة من بدلات أخيها سنان التي تركها حين رحل إلى ماليزيا... تأخذ قميصاً بلون سماوي وربطة عنق مزخرفة وترتدي هذه التشكيلة وترفع شعرها الأشقر الكثيف وتثبته بدبابيس الشعر لتضع فوقه قبعة من القش، ترسم شاربين بقلم الكحل... يبدوان بشعين لا يشبهان شاربي أي رجل... تقص خصلة من شعر مستعار وتلصقها فوق شفتها العليا... تبدو مقنعة.... تسير... تجرب خطوات رجل، تنطق بعبارات معينة في محاولة اكتساب نبرة ذكورية... تتفرج على المسخ الذي أوجدته بالثياب هما "شاربان" تلبث محاصرة بحملها ومشدودة إلى الأرض بسلاسل ارتباطاتها التي لا فكاك منها متطلبات أنوثتها تتقاطع مع حلمها... فتقع سوزان بين قبضتين تطحنان روحها... خبرات الأنوثة، معارف الجسد، أوجاعه عاداته البيولوجية، أشواقه تطرد الفكرة الرهيبة وتحولها إلى لحظة جنون عابرة.... ويترسب شيء في أعماقها... شيء من هذا الرجل المسخ الذي أقرت بوجوده المرايا وقشرة الشكل... الرجل المسخ بذرة لأشواق حريتها، لذلك تمسك جوارحها بالبذرة الغريبة وتحاول أن تحميها... قد يكون بوسع معجزة أن تحولها إلى رجل فتنتهي مأساتها.. وتتحلل من قيود أنوثتها... القلق والخوف، الرغبة في التحول والرغبة في الخلاص... تتوتر وترتجف... كان بوسع هذا الجسد الجميل أن ينجب أبناً أو أبناءً أن يسعد بالتحولات التي يخلقها الحمل... ويتشكل في أعماقها كائن صغير... تنوجد حياة وتشع على وجهها وجسدها كله... تغير مصيرها لو كان لها ولد لو كان عبد المقصود رجلاً سوياً إذن لصنعا حياة معقولة وسط الحروب... هو برجولته وقوته الجسدية وهي بأنوثتها وثروتها.. لو كان ذلك حدث... لكنه لن يحدث... وعبد المقصود أنجب من زوجته الأخرى... وهي تهاب التفكير، حتى مجرد التفكير بأمومة تستحقها، ولكن أي طفل ستنجبه سيكون ضحية للحروب التالية... سيغرقها هي ومستقبلها في الأحزان... وسيولد ويجوع، سيكون هناك شيء آخر... قد تكون هناك حصارات ومجاعات وسيفقد الطفل الأمل بمستقبل جميل، سوف تنضب ثروتها... ويحيا الطفل في العوز..... لا... لن تكون أماً ولن تتزوج حتى لو سرحها عبد المقصود... لن تصير أماً... في تلك الليلة لم تنم... راقبتها أم توماس وهي تئن وتنقلب، سقتها مغلي نبات (حصا البان) و(المردقوش) لتنام... لم تنم... الأنباء مقلقة، تلصق المرأتان الشرائط اللاصقة على الزجاج... الأنباء تشير إلى اقتراب العدوان... لا تريد سوزان ولداً أو بنتاً، أين ستذهب بهم إن قامت الحروب... القرن الجديد قرن حروب وكوارث... ـ أم توماس... هل كنت سعيدة بإنجاب توماس؟؟ ـ نعم... كان أجمل شيء في حياتي... أجمل شيء... عندما كنت أرضعه كنت أمتلك الدنيا... لو تزوجت الآخر، لو كانت ذهبت مع (غسان) إلى عالمه البسيط وتزوجته، إذن لكان الأمر أيسر عليها من هذا الذي وجدت نفسها فيه... لكنها كانت مفتونة بنفسها... أحبته وكبحت ذلك الحب، هجرته دون أن تجد مبرراً للهجران... سألت عنه أصدقاءه فقيل لها: على ما هو عليه، منهمك في عمله، يصور موضوعات غريبة ويقيم معارض في الشوارع عن الشيخوخة والمجاعة، عن النساء في ظهورهن الإنساني دون بهرجات وجمال... يصطاد لقطاته في الأسواق والأزقة والمقاهي والمحطات... ـ كيف هو؟ ـ على ما هو عليه... خاتم الفضة الذي يربطه بك لا يزال في اصبعه... صورة الخطوبة التي التقطها لك معلقة في الستوديو... غسان لن يتغير... غسان لن يتغير... لكنها ستغيره، بوسعها أن تدير العالم باصبعين وتغير اتجاه الشمس أو مسير الرياح... بالمال يمكنها صنع معجزات... لكن معجزاتها لم تنجح مع عبد المقصود... ستغير عالمها... غسان، وعبد المقصود والحياة كلها... ستفعل ولكن ليس كما اقترحت حياة، بل بأسلوبها هي... بطريقة سوزان وحدها ستغير العالم... تروي لطبيبها د. سلام المحمودي إنها تشعر بأعراض الاكتئاب ذاتها تعاودها... ـ تمتعي بحياتك... عليك بالاسترخاء... اضحكي تسلي بهواية... ألا تقرأين؟ ـ أقرأ... لكن ليس إلى حد الإدمان... أقرأ الآن بالفرنسية... روايات بلزاك... أشعار فيرلين. ـ جيد... ذلك جيد... ـ لكن... أتحفظ السر؟.. ـ أديت قسماً من أجل هذا.. ـ أريد أن أتحول إلى رجل... ـ ماذا؟.. ـ أريد... أن... أتحول... إلى رجل... أهذا واضح؟ ـ هذه علائم انتكاسة خطيرة في حياتك... هذا نوع من الهذيان... حالة استحواذية... تعرفين أن الاكتئاب يتخذ أشكالاً مختلفة... ـ صدقني دكتور سلام... أريد ذلك فعلاً، ليس للأمر علاقة بالاكتئاب؟. ـ أنت امرأة جميلة، وآلاف النساء يتمنين جمالك... لماذا؟... أريد أن أعرف... لماذا؟ _ أفضل أن أكون رجلاً لأسباب عديدة.. ـ ولكن.. أنت امرأة جميلة جداً... ـ وهل أعجبك؟ ـ أنت أمنية أي رجل... ـ هل تتزوجني؟ ـ أنك تهذين... تعلمين أنني متزوج وتعرفين زوجتي (زينة) التي لا استبدلها بنساء الدنيا كلها..ط ـ لكني أريدك أقبل أن أكون زوجة ثانية... أو تقبل أن تحولني إلى رجل.. ـ ليس بوسع الطبيب الموافقة على مثل هذا الطلب... أرجوك.. لابد أنك تمزحين... ـ إذن وداعاً... الطبيبة النسائية التي ذهبت إليها قالت: ـ لا شيء... أنت أنثى مكتملة... تتمتعين بمواصفات نموذجية ولا مجال للشكل في اكتمال أنوثتك... ـ أريد التأكد علمياً... ألا تجرين فحصاً للهرمونات؟ ـ... لا أستطيع لأنه ليس من علامات... لا شعر زائد في الوجه لا تغير في نبرات الصوت... لا ضمور في النهدين... ـ لكني أريد ذلك فعلاً... ـ ليس من مؤشرات بيولوجية تساعد في ذلك... ـ والمشاعر؟ ـ أية مشاعر...؟ ـ أشعر بأنني رجل... أعني أميل إلى النساء... مثلما يحدث للرجال.... ـ لا نعول على هذا... أتستخدمين أدوية معينة؟ ـ نعم... أعالج من اكتئاب بسيط. ـ إذن مشاعرك لا يمكن أخذها بعين الاعتبار... القضية ليست بهذه البساطة... ـ سوزان... لا أمل... اسألي طبيباً اختصاصياً بالغدد... قد يستطيع إقناعك.. تقود سيارتها البنفسجية طراز (B M W) وتمضي نحواً من ساعتين وهي تتجول في الشوارع المكتظة حيث وضعت الاستحكامات والمتاريس استعداداً لأي مواجهة في مداخل الأزقة... تسير على غير هدى ودونما رغبة في بلوغ مكان محدد... تتجه أخيرا ًإلى متجرها المخصص لبيع التحف واللوحات في منطقة المسيح، تجد أن التيار الكهربائي مقطوع فتستدير بسيارتها عائدة على البيت... تتناول جرعة من الحبوب المهدئة لعلها تجد عند الاستيقاظ منفذاً للإفلات من مصيرها... (3) تجلس متعبة، على أريكة وثيرة أو سرير... تجلس ساهمة، تتصفح كتاباً باللغة الإنكليزية، ربما كان ديوان شعر لشاعر من الذين أحبتهم... (اللورد بايرون)... مؤكداً أنه للورد بايرون... شعرها الأشقر يتناثر حول وجهها وملامحها ذاوية... تتمتم بالكلمات، ثم تغلق الكتاب وتلقيه جانباً... تخبرها أم توماس: ـ أسمعت؟ هناك حرب جديدة يهددوننا بها..... لا تستجيب لمخاوف أم توماس... تفكر ما الذي بوسع أحدنا أن يفعل للحرب، إن كانت ستأتي فهي آتية.. ـ هل تريدين الذهاب إلى أي مكان؟ أم توماس؟ ـ لا... أنا معك...حياتي حياتك... أنت مثل ابنتي...أعز من ابنتي حتى... تعرفين... أنت عزيزة... تصعقها العبارة... لماذا لا تكون أم توماس أمها...؟ لم تطرأ عليها هذه الفكرة... تطردها... تحاول أن تغير مسار أفكارها... لكن الموضوع ينغرز مثل نبلة أجيد تصويبها ويستقر في أعماقها، بلبلة أخرى لم تكن بحاجة إليها، افتراض أن تكون أم توماس أمها... تتقدم منها أم توماس وتلمس رأسها: ـ أنت محمومة... لا تبكي... أصلي في الليل والنهار لتساعدنا العذراء مريم... لا تنسى عذابنا يا يسوع... أصلي للقديسين كلهم... أدعو لك كل ليلة.. يا ابنتي سوزان... من جهة النهر تنبعث صيحات طيور النورس القلقة، تنقض على سطح الماء ثم تحلق ضاجة في حركات نزقة وعدائية وتلتمع أطراف أجنحتها المبلولة حتى لتبدو من وراء النخل أشبه بغيوم صغيرة مشتتة ماطرة... الأشجار في حديقة سوزان كثيفة نضرة متضامة الأوراق وكأنها تشكل في الجانب الشمالي من الحديقة جداراً من خضرة تتدرج ألوانها حسب مساقط الضوء وتغيرات الأوقات... شجرة البوهينيا ذات الزهور الأرجوانية شبيهة الأوركيد ساقطت آخر زهورها الذابلة وبقيت بعض البراعم المتأخرة... والشجرة مسكونة بأعشاش بلابل وعصافير تصنع مشتركاً بدائياً للتعايش بين أجناس الطير وتستعين الطيور على الخوف بالتجاور وتتبادل لغة الطير التي تعلو في الصباح والمساء على لغات الأرض الأخرى... في ضجة هذا العالم تقوم سوزان من خدر نوم المهدئات، جسدها منهك وعيناها متورمتان... ترى كل شيء مختلفاً، كأنها ليس هي... أو كأن المكان ليس بتلك الألفة القديمة، كل شيء ليس كما عهدته... كل شيء ليس كما تتوقعه... حتى الشمس... تبدو شمساً أخرى بسطوع باتر كأنه حد شفرة يحدث تناقضاً بين الظل والضوء في الممرات... وينعكس وهجاً مألوفاً في أعالي الأشجار... هل تغير العالم هذه الليلة؟ أم أنها هي التي تغيرت؟ هذا الصباح الصيفي يفجر في أعماقها أحزان عمر بأكمله وغبار أخطائها يظلل أيامها والأشياء من حولها... فقدت الأشياء ألفتها، المقتنيات الثمينة، الصناديق المرصعة بالعاج، التحف المجلوبة من الهند وسيريلانكا وماليزيا... اللوحات الأصلية لرسامين عراقيين وأجانب، المنحوتات التي صنعت من خشب أبنوس أو من عاج مطعم بالفضة والفيروز... كل هذه الأشياء تبدو باهتة ولا معنى لها... لا علاقة لها بالسعادة أو الفرح... كلها تتهاوى وتصير رماداً أمام حزنها... جمادات بليدة... اللوحات خرساء، علاماتها طلاسم مغلقة، ألوانها المتداخلة تربكها... لا تبوح بعاطفة ولا تمنح رؤيا... أم أن الخلل فيها هي نفسها...؟ حياة كانت تبذر في مسامعها بعض هذا... كانت تقول: ـ الممتلكات لا تصنع حياة سعيدة... امتلكي العالم... ولكن أن لا يكون لك ما تتعلقين به... ستكونين أتعس الكائنات... تصدق نبؤات حياة... لو كانت تمتلك شيئاً من اصطبار هذه المرأة وقدرتها على احتمال البلايا إذن لاستطاعت أن تفعل شيئاً جيداً لحياتها... لابد لها أن تنتمي لشيء... هذا ما رددته عليها... تفتح النافذة... يا لطول ما نامت... ويا لتعب الجسد المسحوق... يا لذبول الجمال... يا لفقر الروح... تغشي الدموع عينيها ولا تعود تبصر شجرة التوت الضخمة التي تكدست حول جذعها الأوراق الصفر الذابلة وما عادت ترى الأوز في البركة الصغيرة جوار النهر... اضطراب جسدها أضفى عليها هيأة امرأة ذاهلة تتحرك بعشوائية في أروقة البيت الكبير... جسدها ثقيل وموجوع... لا تؤثر فيه الموسيقى الناعمة التي تنبعث من المسجل... ترى أم توماس ما بها... الألم الدوري... والهالات الزرق تحت العينين... البثرة الوردية في وجنتها... تعرف أم توماس تقاويم جسد المرأة... وسطوة القمر... تعرف كيف يرتفع مد الدم الأنثوي وينحسر بفعل اكتمال القمر أو تبدله في منازله... كانت تروي لها في طفولتها عن نساء أهملهن القمر في قرى الجبال البعيدة فلم يحظين بمد الدم ولم ينجبن القمر تجاهلهن بفعل خطيئة ارتكبنها... وخدعن الرجال وجعلن بيوت أزواجهن قاحلة من غير أبناء... كانت البنات يقدمن الهدايا للقمر أو يذهبن إلى دير (مار متي) يستعطفن العذراء فترأف بأحوالهن وترمي في أحشائهن بذرة الولد... لكنهن كن قد ارتكبن خطايا لا يعرفها أحد ووقفن بين نسيان القمر وجذب الجسد... تقدم لها أم توماس فنجاناً من مغلي النعناع فقد أدركت مرضها الدوري من هذه العلامات: الهالة الزرقاء والبثرة الصغيرة والدموع... عينا سوزان لم تعودا عينا تلك الشابة السعيدة الحالمة... ثلاثون أو أكثر من دورات القمر مرت في جسدها وآلام لا تعد هصرت أحشاءها كلما اكتمل البدر أو ظهر الهلال... سبعون سنة خبرت أم توماس وجع النساء وآلام الجسد وعرفت سوزان أكثر مما تعرف سواها... ـ خذي اشربي... قد ينفع هذا... ـ مذاقه مر... لا أحتمل المزيد من المرارة... أضيفي لـه ملعقة من العسل... ـ لا بأس... ولكن العسل يزيد آلامك... سأعصر فيه نصف ليمونة... ذلك أحسن... ـ أم توماس... سأخرج... هيئي وجبة غذاء تليق بضيف عزيز... ـ هل أعرفه؟ ـ ستعرفينه عندما أعود... تخرج سوزان وقد ارتدت ثياباً اعتيادية... خلواً من البهرجة وربطت شعرها وراء عنقها ولم تتزين بأية حلي واكتفت بلمسة كحل ومسحة من لون وردي على شفتيها وأخفت عينيها المتورمتين وراء نظارة قاتمة... تقطع شوارع (المسبح) ثم تسير في الشارع المؤدي على المسرح الوطني لتدور حول الساحة وتدخل زقاقاً يأخذها إلى شارع (أبو نواس) حيث تغمرها أفياء أشجار اللبح الريشية الأوراق وأشجار السدر والكاليبتوس المغبرة ترش ظلالها على إسفلت الشارع والأرصفة. في لحظة تفكر أن تذهب إلى حياة في حي (المأمون) ثم تغير فكرتها.. تجتاز فندق الشيراتون وفندق الميريديان وتتوقف عند قاعة (دجلة للفنون)... تسأل السيدة صاحبة القاعة عن لوحة لرسامة عراقية ذات قطع متحركة تشبه الرايات أعجبتها قبل شهرين... ـ نعم إنها لوحة الفنانة هناء مال الله... أعتقد أنني بعتها لأحد الهواة الأجانب... تعرفين اللوحة لا تمكث طويلاً، تبقى متنقلة من يد إلى أخرى، لدي لوحة تشبهها للفنانة نفسها... تبحثان في اللوحات الممسندة إلى الجدران في المخزن.. ـ ها هي... ـ أريدها... سأكتب لك شيكاً بثمنها... لا تندهش صاحبة القاعة... فقد ألفت نزوات سوزان وغرامها المفاجئ باللوحات التي تعجبها ولكنها كانت تستغرب كل مرة لأن سوزان لا تساوم بل تدفع الثمن المثبت على (الفولدر) دون أن تنطق بكلمة... تمضي... تدخل زقاقاً يأخذها على شارع السعدون حتى تبلغ ساحة القصر ومن هناك تنعطف يساراً ثم يميناً لتدخل سوق (البتاويين)... هنا كانت تأتي مع أم توماس لتشتري لها العصافير وتطبخها مع البرغل أو تشتري المونة الموصلية والزيتون وهي تعرف ضجة الباعة في محلات الخضار واللحوم... تنعطف إلى زقاق يقع بعيداً عن السوق إلى اليسار توقف السيارة أمام باب حديدي مزود بنهايات حادة كالأسهم تتكرر على السياج الحديدي وبعد الممر باب خشبي بطلفتين لـه نافذة مروحية بشكل نصف دائرة وعلى الجانبين نوافذ مستطيلة وفي الشرفة العلوية محجرات مصبوبة وتظلل البيت والشرفة شجرة سدر ومتسلقات نيلوفر بأزهار زرقاء بوقية الشكل... اصبعها على الجرس... قلبها يخفق، الروائح تنهمر عليها من الهواء الساخن... روائح رز زكية، روائح سمك مقلي ومخلللات... روائح ظهيرة بغدادية تتردد وتتكاثر وتتلون... رائحة البامياء والمحشيات... عشرات الروائح تتحد لتصنع تلك الرائحة التي تميز زقاقات بغداد في الظهيرة... تفتح الباب الخشبي سيدة مسنة بدينة لها وجه مستدير أبيض تزيده الفوطة السوداء ألقاً لا يظهر جسدها في عتمة المجاز الباردة... عرفت سوزان أنها ازدادت بدانة عندما رأت ذراعها ويدها التي تمسك بظلفة الباب... ـ مساء الخير... ـ أهلاً... تفضلي بنتي.. ـ أنا سوزان... نسيتني؟... أستاذ غسان موجود؟ ـ نعم... تفضلي بنتي، مرحباً.. مرحباً أين كل هذه الغيبة؟ تنسحب المرأة وتفتح الباب الموارب لتتبعها سوزان في المجاز البارد نصف المعتم وتفتح باب غرفة الضيوف... أثاث تقليدي أنيق ونظيف وتفوح منه رائحة صباغ الخشب والهواء البارد... ما أن تدخل حاملة اللوحة حتى يأتي غسان... ـ سوزان؟ ... هل هي ليلة القدر؟ ـ بل ظهيرة القدر... قدري أنا.. ـ ماذا يجري في هذه الدنيا؟ .. ماالذي أتى بك إلينا؟ ... كيف تذكرت؟ أية عاصفة ألقت بك فوق بيتنا المنسي؟.. ـ متى تتوقف عن طرح أسئلتك؟ ـ عندما تجلسين وأراك.. وأتيقن من أنك حاضرة أمامي... أنت سوزان بهجت أمين.. تعودين إلي... هكذا بدون مقدمات... لا أصدق.... لابد إن في الأمر خطأ ما... أو سراً ما لا ... لا أصدق... ـ لا تسخر... توقف عن هزئك... ليس من خطأ... ـ إذن... لماذا يحدث أن تأتي سوزان إلي بعد هذه السنوات؟ ـ خذ... افتح هذه... - ما هذه؟ ـ افتحها وسترى... يمزق الغلاف الورقي الأبيض، يقلب اللوحة ويراها: لا يقول شيئاً، تلتمع مقلتاه بنظرة دهشة ممزوجة بالإعجاب والامتنان... ـ أهذا ما أتى بك إلي... ـ ألا يكفي سبب واحد... ـ ربما يكفي... ولكن هناك سبب آخر... ـ أأنت بحاجة إلى أسباب أخرى؟ ـ نوع من الطمع الإنساني والفضول البشري... ـ أعرفك أنت غير هذا الذي يصرح بمطامعه... ـ المطامع أنواع يا سوزان... وأنت تعرفين أن مطامعي غير مطامعك... ـ بدأت تشتمني... لن أفاجأ... هذا أنت... ولن أتحدث أكثر. ـ لسنا بحاجة إلى الكلمات... ـ نحن نعرف حقيقة... حقيقتنا... ـ حقيقتنا؟.. أتعنين أنك تعرفين حقيقة غسان؟ ـ قد أكون واهمة... هل تأتي معي؟ ـ إلى أي مكان تشائين.. يروق لي اليوم أن أغامر... ـ حتى لو رافقتني إلى المجهول... ـ وهل أنت إلا المجهول أو اللعنة؟ ـ إذن هيا... مع اللعنة... ـ سأكون جاهزاً في دقيقتين واستخرج الصور من حوض التحميض... لن أتأخر أكثر من دقيقتين... تقول السيدة الكبيرة: ـ هيأت لك ولضيفتنا الغداء... ـ أمي... سنخرج أنا وسوزان... لدينا أمر نريد أن نحسمه... تسأله وهي في السيارة... ـ ماذا ستقول عني؟.. ـ سأكرر ما قتله مراراً... أنت امرأة لا تعرف ماذا تريد من الحياة... ـ أتؤمن بالمعجزات؟ ـ دائماً، هناك فرصة واحدة في حياة كل إنسان لحدوث معجزة ما... ـ وإذن... ـ أنا أترك كل شيء للقدر ليمنحني معجزتي.. ـ متى صرت قدرياً يا غسان؟.. أحقاً هذا أنت؟ ـ صرت قدرياً عندما أمضيت كل تلك السنوات أنتظر هذه اللحظة... ـ أكنت تتوقع عودتي؟ ـ كل يوم... وأنا لم أفاجأ بشيء... ـ تذكرني بالست حياة... ـ ست حياة؟.. أتعرفينها؟ ـ أتعرفها أنت؟ ـ إنها قريبة أمي... ابنة عم الوالدة... ـ حياة أم ميساء؟ ـ نعم... نعم... ـ ولكني... ـ نعم نحن في شبه قطيعة... حياة لا تزور أحداً... ولا تزار... منهمكة في حياتها وانشغالاتها... ـ حياة... حياة هي التي أعادتني إليك... ـ ماذا؟ ... ما شأنها بك وبي؟ ـ هي التي هدتني إلى التشبث بإنسان بمعنى فما وجدت كائناً جديراً بهذا سواك... ـ وها أنت تعودين إلى الرجل الاحتياطي... أليس كذلك؟ ـ لا تسخر، ولا تقتص مني ـ لا أسخر.. لكنك جعلت مني كائناً تحت الطلب... تندفعين على سواه ثم تعودين إليه... ـ أنت إنسان مطلوب كل لحظة ولم يغب وجهك عني أبداً... أنت تعلم جيداً كم أحبك... تعلم كم أنا مولعة بك... ـ لم أكن أعلم ذلك... فخلال السنوات الثلاث الماضيات لم يحدث شيء يشير إلى هذا... ـ ها أنا الآن... أمد لك يدي وما تبقى لي من حياتي... ـ ولكن... ما الذي تعرفينه الآن عني... ما الذي تبقى منى فعلاً كي تحاولين الإمساك به. ـ إني أحبك كما عرفتك... هكذا، كما كنا سابقاً... ـ ولكن.. سوزان.. هل سألت نفسك إن كنت مرتبطاً بامرأة أخرى... وإن كنت تغيرت كل هذه السنوات؟ ـ ستهجرها من أجلي... من هي المرأة التي توازيني... قل لي؟ ـ الكثيرات، لكن المرأة التي أحب لا توازيها أية امرأة... ـ وأين هي.. أين هي هذه المرأة؟ ـ لا شأن لك بهذا.. ـ أهي هنا في بغداد؟ ـ متى ستتوقفين عن طرح الأسئلة؟ يمران أمام المسرح الوطني، النافورات قباب مائية من قطرات ضوئية. النباتات نضرة مغسولة... والشارع باسفلته الذائب وأرصفته ذات الآجر الأحمر الرمادي المعشق تحتله عربات باعة الفواكه النادرة والسمك والروبيان.. يخيم الصمت عليهما طويلاً.. ينظر خلسة إلى جانب وجهها، يراها من الجهة اليمنى... الملامح الرقيقة الفاتنة التي تجمع بين وسامة الدم العراقي وشقرة العرق الأيرلندي الباردة، العنق الغرنوقي الطويل... الذقن المستدير... الأنف في استقامته والرموش في كثافتها المثيرة... زغب ناعم ذهبي يلتمع على الوجه مثل ضوء ذائب... فمها مزموم، يود لو يقبلها... يتجاوز كل ما سببته لـه من آلام... يود لو يعانقها... يبدو خائفاً، ومرتبكاً.. لماذا استجاب لنزوتها وصحبها؟ تختلس نظرة جانبية إلى وجهه المكدر وتتجه إلى الشارع المؤدي نحو المسبح... ـ أستبقى صامتاً؟ ـ أتعلم كيف أغوص في عالمي وأفلت من عالمك.. ـ لكنك معي... فكيف ستفلت مني... ـ سأعلمك كيف يفلت الإنسان من الفخاخ... سترين.. تضحك سوزان ضحكتها الصريحة الصداحة... تضحك وهي تنظر إليه نظرة استغراب... استدارت ثانية فرأى خط عرق رفيع جداً يسيل على عنقها... ويرطب ياقة قميصها... ـ سنصل... أ ظنك تذكر بيتنا.. ـ تقصدين قصر بهجت الأمين... ـ ما عاد كالسابق... لقد نال منه الزمن والأمطار والوحشة... قامتها الرشيقة وجسدها الشهواني الغريب وآفة الزمن تنام في خلاياها، وهي تكافح الزمن بكل قواها... بعمليات التجميل والرياضة والوقوف عند عتبة الشباب التي امتدت بها ولبثت تتشبث بها... لايبدو أنها ستتعرض لما تتعرض لـه النساء الأخريات من ذبول وترهلات لأنها تسخر ثرواتها وخبرتها لصيانة هذا الجمال ونحته وتطويره كأنها تملك منحوتة أو مادة قابلة للتبدل والتعديل والإضافة.... قال لنفسه: ـ مع ذلك... فإنها ستشيخ في يوم ما... تفاجأ أم توماس بدخول غسان إلى قاعة الضيوف... تقول له: ـ مرحباً، منذ زمن لم تشرفنا.. كيف أحوالك أستاذ غسان؟ ـ بخير... كيف أنت أم توماس...؟ ـ مثلما ترى... ها أنا.. عجوز تقترب من الموت. ـ أطال الله عمرك... ـ أتسمع الموسيقى؟... أعرف ماذا تحب... اسمع... أتريد أن تسمع... ـ لا... لا أريد أن أسمع شيئاً... ـ مابك؟ ـ حسب ما أذكر... دعوتني للغداء... فلنتحدث على المائدة... دعينا نستمع إلى صوتينا، هذا أفضل... ـ أين تحب أن تجلس... هنا على الكرسي الرئيسي عند طرف المائدة... أم تجلس قبالتي... ـ أجلس قبالتك... لست رب العائلة لأجلس عند طرف المائدة... ـ حسناً سأراك أفضل... ـ أم توماس قدمي المشهيات والحساء... ـ لا أريد حساء... سأكتفي بالسلطات... ـ أتحب لحم الديك الرومي؟ ـ لا... أحب الروم دون الديكة... ـ دعني إذن أقدم لك الأشياء دون أن أسألك... إنك لاذع السخرية هذا اليوم... (4) بعد احتساء القهوة التي أعدتها أم توماس لهم.. تعلن سوزان: ـ أمنيتي منذ امتلكت هذا اليخت أن يضمني أنا وأنت في رحيل مؤقت وسط مياه دجلة... ـ هل هناك فكرة رحيل مستديم؟ ـ ما رأيك؟... ـ بماذا؟ ـ باليخت والرحيل.. ـ أفضل الوقوف على الأرض التي أعرفها... ـ ألن ترحل معي؟ ـ أين؟ ـ في اليخت وسواه؟ ـ ولماذا لا تلبثين معي ها هنا؟ الأرض أكثر منحاً للأمان... أكون ممتناً وسعيداً في حالة الثبات... لا أطيق التأرجح في المياه... ـ مشكلتك الثبات أما مشكلتي فإنها شهوة الترنح... ـ أنا أعرف ما أريد... ـ وأنا أعرف ما تريد... ـ الأهم لدي أن تعرفي أنت ما تريدين.. ـ أنت تتعبني وتتعب نفسك... ـ أحاول نسيان الألم الذي سببته لي طوال سنوات.. ـ وهل نجحت الآن في محو آلامك؟ ـ هناك سلسلة من الآلام لم تضعي يدك على أي منها بعد. ـ سأحاول... وسأنجح... أريد أن أكفر عن أخطائي... ـ وإلى ماذا ستصلين..؟ ماهو الهدف الأخير؟ ـ أن نكون معاً... ـ لأي سبب نكون معاً؟ ـ أتحتاج إلى إيضاحات؟ ـ أكثر من أي وقت مضى.. ـ أريد أن نتزوج ... أتقبلني زوجة لك..؟ ـ لا.. ـ لماذا؟ ـ لأنني مرتبط بامرأة أخرى.. ـ خطيبة أم زوجة؟ ـ ليست هذه ولا تلك.. ـ ماهي إذن؟ ـ امرأة حياتي... ـ وأنا؟ ... ماذا أكون بالنسبة لك؟ ـ امرأة أحببتها ذات جنون... ـ سأحصل على الطلاق ونتزوج... ـ لكني لا أريد الزواج.. ـ ألم تعد تحبني؟ ـ أيعنيك الأمر إلى هذا الحد؟ ـ أ كثر مما تتخيل.. ـ أحبك... نعم لأنني لا أجيد الكراهية... ـ وهل كنت ستكرهني لو استطعت؟ ـ لا أدري... لا أستطيع حتى لو كنت أهلاً للكراهية.. ـ ولكن... عندما نكون معاً أعني عندما نرحل عن هذه المدينة... ونذهب إلى أي بلد. ـ إذا شئت أن نواصل الحوار فتجنبي نطق كلمة الرحيل... ـ لكن رحيلك معي سيختلف تماماً، سنذهب إلى بلد نختاره... ولا نضطر إلى الارتماء عند حدوده، لدي بطاقة تجارة واستيراد وتصدير، وأستطيع الحصول على فيزا لنا من كل البلاد... سنذهب إلى بلد جميل، المغرب مثلاً... سنعيش أجمل حياة يمكن أن يحلم بها عاشقان... نشتري بيتاً مطلاً على المحيط عند مصب نهر الرقراق قرب الرباط هناك سترى أجمل غروب في العالم... عندما تذوب الشمس في المحيط... سنتجول في يخوت ومقاهي عائمة ويداعبنا مدُ المحيط الداخل إلى النهر... هناك سأكون معك ملكة العالم.. ـ ومن أين امتلكت هذه الثقة بقبولي فكرة الرحيل؟ ـ ستغير رأيك... أنا أكيدة من هذا... ستكون مصوراً شهيراً... وتقيم معارض. ـ في طنجة ومدريد وبروكسل وباريس... وستفوز بجوائز كبرى... سترى وسوف تشتري صورك صحف العالم... ـ أتعلمين... افضل الموت هنا، في زاوية منسية على أن أغادر موقعي... ـ أحبك... أنا أسعد ما أكون... لم أكن بهذه السعادة في أي لحظة من حياتي... أريد أن تستمر هذه السعادة... أنت تعيد لي توازني وتملأني بالثقة بنفسي... ـ لماذا تفكرين بالرحيل إذن؟ ـ وهذه الماسأة الكبرى... الحرب؟ التي تكمن لنا في كل نفس من أنفاسنا؟ ـ الموت أيسر علي من المغادرة... ألا تدركين فكرتي؟ صوري هي لهؤلاء الناس لأنها عنهم... وبهم تكون... ـ أهي والدتك؟ ـ لا علاقة لأي أحد بهذا الاختيار، إنه أنا... أنا الذي لا يمكنه أن يحيا بعيداً عن كل هذا الاحتدام وهؤلاء البشر الذين ينوؤون تحت وطأة عذابات الحروب... ـ لكن... كل رفض منك أو تأجيل لمشروع ارتباطنا... يعني لي الانتحار... ألن تتزوجني...؟ ـ كأنك تسألين أ تريد شرب الشاي؟ ـ أنا لا أسمع تبريراتك... إن شئت نعقد من الغد... سوف أمنح عبد المقصود ما يريده لأكون معك ونرحل بعيداً... ـ هل انتهيت من حديثك؟ ـ لا... لدي الكثير لأقوله... ـ ولا أملك الآن سوى كلمة واحدة... لا... ـ غسان أما زلت تحبني؟... ـ يمكنك معرفة ذلك بنفسك... ـ لماذا تبلبلني؟ ـ لماذا تداهميني بكل هذه الأسئلة؟ ـ سأصمت.. إذا كان هذا يريحك... ـ اصمتي... اصمتي... أريد أن أستمتع بالصمت. يدير غسان وجهه صوب النهر... تلفحه رائحة الماء الثقيلة، بخار النباتات التي تطلق روائحها المالحة والحلوة في شمس العصر... كرسي الخيزران الذي يجلس عليه رطب بما يكفي ليتندى قميصه من الخلف... يتناول وسادة ويدسها وراء ظهره... تقف سوزان وراءه... تنظر إلى النهر... ربما لا يكون هو النهر ذاته الذي تنظر إليه... أمواج النهر التي ترسمها الريح تتكسر على حاجز من كتل الحجر... طيور الماء، النوارس ودجاج الماء... والغاق، تصرخ كلها ثم تطير... ببطء تنشر أجنحتها وتطير أو تنقض على سطح الماء.. أو تعوم فوق أعراف الموج ثم تنزلق على الموجة إلى قرارها... الموجات الصغيرة تلتمع تحت الشمس... يدا سوزان تلمسان صدغي غسان... تنحني وتقبل جبينه... يحس برودة عرق يديها على وجهه... تقبله مرة أخرى وهي مغمضة العينين... لا تريد أن ترى نظرته أو ردة فعله، تريد أن ترى ما تراه هي، عيناه تبدوان مثل جرحين مضيئين والنظرة ألم شهي... لهب في الجسد... والروح تحاول استبعاد السعادة وإيقاف تدفقها في الجسد.... يسمع أنفاسها المتسارعة، يداها تهبطان إلى عنقه تغوصان في العرق الناضج وراء قبة القميص... فمه يختنق بالرغبة وأظفارها تنغرس في كتفه وشعرها يطوقه... يغمض عينيه مستسلماً لحنان أصابعها... ثم بغتة ينهض كالملسوع محاولاً الإفلات من رغبته وحنانها... وجهه يقابل وجهها... تقبله ثم تبدأ بالنحيب... يجلسها على الأريكة التي تتسع لعاشقين اثنين ويجلس إلى جانبها.. ـ أرجوك كفي عن البكاء... ـ أحبك.. ـ ربما كان ما تشعرين به نحوي ليس حباً... ـ ماذا إذن؟... ما الذي أحمله لك بحق السماوات..؟ ـ شيء شبيه بالحب، التعلق، رغبة الثأر من الرجل الآخر... ربما... ـ أحبك... وسأحبك دائماً.. ـ لكنك تمزجين الحب بشرط الرحيل... ـ ألا تريد السفر معي حقاً؟.. ـ أريدك أن تسافري معي إلى... إلى هذه الروح التي هي بنت المكان، وثمرة العيش فيه... ـ إن لم نرحل... ستأخذك الحرب مني... ـ لن يأخذني شيء من الحياة إلا إذا كنت مهيأً للموت... تأتي أم توماس حاملة طبقاً بلورياً مليئاً بالفاكهة وتضعه على إحدى الموائد الصغيرة الموضوعة عند زوايا الأرائك... ـ أم توماس... نريد شاياً كالذي كنت تصنعينه لنا من قبل.. مع أوراق نعناع طرية... ـ هيأت كل شيء يا ابنتي... أعرف أن الأستاذ غسان يحب الشاي المنعنع... سأحضره حالاً... أعرف كل ما يحبه... لتبارككم العذراء... ـ ما الذي يبقيك هنا... قل لي الحقيقة... ما الذي يشدك إلى هذا المكان؟ خضت الحرب مرتين.. فهل ستخوضها مرة ثالثة؟.. ـ لا أدري... لست متأكداً... لكن إذا استدعى الأمر الوقوف بوجه غزو... سأخوض ألف حرب.. ـ أريد أن ننجو بأنفسنا... أريدك أن تأتي معي لنحيا ما تبقى لنا هناك... ـ هناك أشياء في الحياة لا يمكن فهمها ولا تفسيرها وبالمقابل يصعب على الآخرين قبولها.. ـ ماهي... ـ أشياء مثل الذكريات، التعلقات الصغيرة بالأماكن والروائح والفصول... بالأمل الذي نريده أن لا يموت ولا يغيب عن أيامنا... عندما أغادر كل هذه الأشياء... أجدني مهزوماً من المهزومين... ضائعاً بين الضائعين.. ـ وتلك المرأة..؟ ـ أية امرأة؟ ـ التي ليست بالخطيبة ولا الزوجة، فمن تكون إذاً؟ ـ امرأة قد تعرفينها في يوم ما... قد تكتشفينها ذات صحوة.. ـ هل هي إحدى أكاذيبك وحكايات زهوك، تهدف بها إلى إثارة آلامي وربما غيرتي... ـ ربما كان الأمر كذلك، وربما كان نقيض هذا... ـ إنك تحيرني... أتريد إنزال العقاب بي؟ ـ ليتني أستطيع... ـ أتحب أن تثأر؟... ـ أكره فكرة الثأر... إنها تمثل لي سلوكاً عتيقاً تسود معه قوانين الغاب... أنا لا أؤمن بالانتقام، بل أدع القدر يتكفل بكل شيء.. ـ في هذا الزمن الذي تفوق أحداثه الخرافة تتحدث بمنطق مثالي لا أراه مناسباً لما يجري.. ـ لو سلكنا طريق الثأر لأفرغت الأرض من أناسها.. ـ علينا أن ننجو بأنفسنا أولاً... علينا أن نذهب بعيداً... لماذا لا تريد أن تصدق جنون القتلة؟.. ـ من أنبأك بأني لا أصدق.. أصدق... رأيت بعيني كيف غطى الأمريكيون لوحة الغورنيكا لبيكاسو بشرشف أزرق وراء ظهر (كولن باول) وهو يلقي معلوماته لكيلا تظهر ورائه صور الأشلاء وضحايا الفاشية... هكذا تخفى الحقائق... ويشوه الفن... ويحولون بينه وبين إبلاغ حقيقة الأمر... الحرب... حربهم محو للإنسان والفن والحقيقة... ـ معنى هذا أن حربهم قادمة لا محالة.. فلماذا لا تطاوعني ونهرب بعيداً؟... لماذا يا غسان... لماذا؟.. ـ أينما ذهبنا فسنجد حروباً بأشكال مختلفة... أينما نذهب سنجدهم يهيئون لنا ما يفوق الخيال من أشكال القهر والإبادة... لا تصدقي أن الأرض ستكون آمنة بعد اليوم.. ـ ولكن هناك درجات من الخطر... ـ الخطر واحد في كل مكان... ثم إنهم مصممون على إبادتنا... حربهم كما يقول أحد كتابهم، تبيد الحياة وتحفظها في آن معاً... ـ كيف؟ الحرب تقتل... هذا بديهي... فكيف تحفظ حروبهم الحياة.؟ وكيف؟..ما هذه المفارقة؟ ـ مثل قصص الخيال العلمي التي لم نكن نصدقها، هاهم جنود المارينز يقفون في طوابير أمام ثلاجات المختبرات لأخذ عينات من سائلهم المنوي لحفظها تحسباً من إصابتهم بالأسلحة النووية والبيولوجية والكيمياوية... يحفظون سلالة القتل ويبيدون كل من عداهم... ـ هذا مروع.. إن جسدي يقشعر لمثل هذه الفكرة... فطيع.. وحشي... إنه شيء مفجع... ـ لطالما سمعنا عن أعاجيب وابتكارات علمية، لكننا لم نسمع عن مثل هذا الفعل العنصري... أيتها الحضارة المتفوقة كم أنت خسيسة ووحشية.. ـ غسان... دعنا نفكر في طريقة للخلاص.. ـ لا خلاص إلا بالبقاء هنا، فإن أبيدت سلالتنا نباد معها.. وإن نجت ننجو... ـ لكن.. أنا وأنت ما مصلحتنا في كل هذا؟ ـ لن أجادل بعد في هذا... ـ ألأنك تريد البقاء من أجل تلك المرأة؟ ـ أجل... ربما لا ثبت لها أنني ما تغيرت... وإنني ذلك الذي كانت تعرفه... أنا الذي سأغيرها... أنت التي توصلت إلى الاعتراف بأخطاء الأمس... فمن الذي تغير؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |