|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس (1) أنا رويدة، الموت أخذني، والموت أبقاني... الموت أعطاني صوتاً من هواء... ها أنتم تسمعون صوتي خفيفاً راجفا؟ً طائراً... لن أغفو... لأنني أقف في برزخ اليقظة... لماذا ينام من يرى كل شيء؟... أنا أقف في الحاضر... زمني هو الحاضر فقط... أراكم تترقبون الألم القادم من حروب قادمة... لا تدرون ما تفعلون بأيامكم... لا تعرفون المستقبل... بل إن أكثركم يشك في وجوده مع ما تسمعون... أنا أقف هنا... وأراكم... الكلمات ليست كلماتي... إنها تأتيني من حيث لا أدري من الهواء والمطر... ربما من النجوم... لا أدري... من النار أو الرمل... لا أدري.. أفضل شيء حصلت عليه الآن هو الشجاعة... أنتم تخافون، أنا لا أخاف شيئاً... ما الذي يخيف الإنسان بعد الموت؟ لا أحس بالكلمات تخرج من داخلي... إنها تأتيني من كل الجهات... عندما كنت حية لم أكن أجيد التحدث هكذا عن أشياء كثيرة... كنت خجولة وخوافة... الآن أنا امرأة بشجاعة ما بعد الموت.. كنت أحب الحياة، أحب الحب... زوجي هشام عشقني طويلاً قبل أن نتمكن من الزواج، كان يلتقيني كل يوم بعد خروجنا من الكلية.. كذبنا طويلاً على الجميع وصدقنا مع أنفسنا... كان يقبلني في ظلمات المساء تحت شجرة... أو نختفي وراء جذع نخلة، كان يذوب في قبلاتي... كنت أتلاشى تحت يديه... أريده أن يلمسني... أن يأخذني أن يفنيني... أن يميتني ويحييني، عندما تزوجنا، أغلقنا بابنا أسبوعين، لم نر أحداً، أخبرناهم أننا مسافران إلى الموصل، وإننا سنقيم في أحد الفنادق... اشترى هشام ما يكفينا من الإمدادات لفترة اختفائنا وأسدلنا الستائر وأمضينا أيام عشق لن تخطر على بال أحد... كنت امرأة تحب أشياء كثيرة.. انظر الآن إلى جسدي الشفاف الذي يخترقه الضوء ساقي مبتورة، الأوتار التي تربط العضلات تتدلى متيبسة... نصف وجهي مهشم... لكني عندما ألمسه بيدي لا أجد غير النعومة والرقة القديمة... لا أثر لجرح أو عظام مبتورة أو دم... كنت أقول لهشام: ـ هنيئاً لي لأنني أعيش قربك.. وكان يقول لي: ـ إذا حدث وفارقت الحياة قبلي فسوف ألحق بك بسرعة.. كان يقول: ـ لن تموتي قبلي... ثم يضحك... لا... لا... سأقبل... لكي أتزوج امرأة جديدة تنعش حياتي بشبابها... أنت كبرت.. كنت أضحك من دعابته القاسية وينشق في قلبي صدع... هل حقاً يستطيع العاشق أن يميت ذاكرة روحه ويحتضن امرأة أخرى بعد معشوقته بهذا اليسر؟.. لا أدري... ربما يستطيع الرجال ذلك... أنا نفسي لا أستطيع... ذلك أكثر صعوبة علينا نحن النساء... سوف أخنق نفسي بيدي. كنت أقول سوف أموت فعلاً إذا سبقني هشام إلى القبر... أتسمعون صوتي...!... يا حياة، يا ميساء، يا زياد... أينما كنتم... أنا رويدة عبد الكريم... أم زياد. أنا أراكم وأحدثكم... وصوتي هو غير صوتي القديم فأنا ميتة وأصوات الموتى جوفاء كالهواء وبها رنين.. اسمعوني... اسمعي وحده يطير حولي مثل فراشات الضوء... يلتمع وينطفئ... في الهواء المطر لا يخيفني...(إنها تمطر الآن) ولا الرعد ولا البرق.. أنا الآن غير قابلة للبلل أو الحريق أو الخوف. تحررت من كل الأخطار التي تخشونها.. ولكنكم لو تعرفون أية قوة يمتلك الإنسان الشجاع، لماذا تخافون؟... لماذا؟.. جسدي المهشم لا يؤلمني... وأعرف الآن أن الجسد لا قيمة له... ولا يحزنني هذا لأنني عشت لذائذ الجسد مع هشام طوال خمس عشرة سنة... ذلك يكفي..لدي خزين من المسرات في روحي... لا قيمة الآن لجسد جميل أو غير جميل، القيمة لما تبقى منا... للروح وقدرة الرؤية... ومحاولة إنذار الأحياء بالظهور في أحلامهم.. ـ هل تسمعوني..؟ أنا رويدة... أنا رويدة... حياة... أنا رويدة، أرجوك أنصتي إلي، إنها منهمكة في تصحيح كراسات الطالبات وميساء تعزف على الكمان في غرفتها... إنهم لا يسمعونني ... كيف أجعلهم ينتبهون إلي...؟ كيف... هل أطرق بابها؟.. لا... ذلك سيفزعها... لا أريد أن أوجع قلبها... عمري الآن ثمان وثلاثون سنة حين قتلنا الصاروخ الذي انفجر بعد ارتطامه ببيتنا كان عمري أيضاً ثمان وثلاثون... مرت اثنا عشرة سنة ولكني لم أكبر... أنا لا أزال في الثامنة والثلاثين... هشام كان في الخامسة والأربعين حين قتلونا، لا يزال في الخامسة والأربعين.. ابنتاي التوأم زاهرة وزهاء احتفلنا بعيد ميلادهما العاشر قبل موتنا بأيام... عمرهما الآن عشر سنوات.. أراهما تلعبان لعبة القفز بين الغيوم.. وتضحكان أو تتشاجران... أو تعدان النجوم واحدة... اثنتان... ثلاثة... أربعة... عشرة... مائة ... ألف... شخص واحد من أسرتنا ظل يكبر ويكبر حتى بلغ السابعة والعشرين هو ابني زياد أضحك عندما أتصور الفارق بيني وبينه، إنه تسع سنوات... بالموت أصبحنا شقيقين هو يصغرني بتسع سنوات ياللعجب، زياد لم يسافر معنا في رحلة النهاية.. التي أخذنا إليها الصاروخ (توما هوك).. كان قد ذهب مع صديقه بشار إلى بيتهم في (الحي العربي) ليساعده في ترميم سقف البيت الذي تسرب منه ماء المطر... اشترى كيساً من الاسمنت واستعار عدة بناء من جارنا وذهب معه... كان زياد شجاعاً ومرحاً ولا يتردد في تقديم العون للجميع.. حياة... يا حياة... ـ أنا رويدة.. أتسمعين يا حياة؟ يا الله ما أجمل حديقتك... يا حياة.. كنت أتفرج عليها عندما اتفقتم على خطوبة ميساء وزياد.. رأيت الحفل الصغير الذي أقمتموه في الحديقة، زياد يعلق الزينات الضوئية والبالونات الملونة وأنت تنظمين المائدة، تضعين أنواع الأطعمة والحلويات عليها... وقد زينتها بباقة ورد جميلة وأوقدت الشموع ووضعت صورة غالب على كرسي إلى جوارك.. ميساء كانت ترتدي ثوباً رائعاً، من اختاره لها؟.. أنت؟ .. مؤكد أنت لأن زياد لا يجيد مثل هذه الأشياء... كنت أريد أن اقدم هدية الخطوبة خاتمي الثمين الذي لـه فص من الماس القديم... لكنه ذهب مع ما ذهب تحت أنقاض البيت... زياد كان كريماً واشترى لها خاتماً جميلاً.... حياة... سامحيني كنت أغار منك كثيراً... حتى حديقتك كانت مثار غيرة لي... الآن أرى أشجاراً كثيرة وشجيرات وأحواض زهور... هل زرعت المزيد من شجيرات (الجمال) عند الباب؟ سامحيني... كنت أقطف بعض الزهور من فوق السياج الفاصل بين الحديقتين وأحياناً أقطف حبات تين أو ثمار نارنج كنت أسرقك... كنت أيضاً أخشى شيئاً آخر... اعترف به الآن.. أخشى أن تلفتي انتباه هشام كأنثى وحيدة..كان يعجب بك.. ويمتدح قوتك وجمالك الرصين... كان يقول لي: ـ يالها من امرأة... هذه المرأة أعجوبة... لماذا لا تدعينها لبيتنا؟ فكنت أعتذر عنك: ـ إنها لا تملك فسحة من فراغ لنفسها... ألا تراها تعمل ليل نهار؟ كان ينظر إليها خلسة ... أو هكذا خيل إلي... أراه أحياناً واقفاً لدى الباب عند الشرفة المطلة على الحديقة أو جالساً على كرسي يقرأ الجريدة وهو يختلس النظر إليك وأنت تعملين في الحديقة.. لعله كان يعتزم إقامة علاقة معك... هكذا فكرت.. لكنني كنت مطمئنة لأنك لن تستبدلي ارتباطك بغالب بخيانة خسيسة كهذه التي كنت أفكر فيها.. لم أفاتحه بشكوكي.... لكني كنت متيقنة من أنك شغلت تفكيره على مدى سنوات... أعرف أني أجمل منك وأصغر... لكن أنوثتك وقوتك تجذب إليك الرجال... لقد أخفيت عنك قصة جارنا حمدي... الذي فاتح زوجي هشام ليحدثك عن رغبته بالزواج منك... فما كان من هشام إلا أن رده على أعقابه حين أخبره أن زوجك قد يكون أسيراً... نعرف أنا وهشام أنك لم تصدقي خبر موته الذي شاع بل كتمته عن الجميع ليكفوا عن ملاحقتك.. كان هشام مشغولاً فلم يهتم بحديقتنا لذلك كنا نستمتع بالتفرج على حديقتك... وكنت أراقبه من داخل البيت وهو ينظر إليك... ثم أهملت الأمر، لثقتي بأنك لا ترين أحداً من الرجال جديراً بك بعد غالب... حياة.. عزيزتي... الآن يحق لي أن أكشف لك عن سر: كنا نعرف أنه ميت، وأنك لا تريدين تصديق الأمر حتى لو صدقت فإنك ترفضين إعلانه... غالب هنا... يقيم قربنا في البرزخ الضوئي يتحدثان هو وهشام عنك... وعن ميساء وزياد.... كان غالب رافضاً لسفر زياد، وكذلك هشام أما أنا فأعترف لك الآن: ـ أنا التي دفعته للرحيل ومغادرة البلاد... أريده أن يعيش.. وأعرف أنني حطمت قلب ميساء... سامحيني.. ميساء شابة صغيرة وستنسى ما فعله بها... لكن الحرب لو جاءت فلن تبقي ولدي حياً,... سيأخذونه للحرب... لن تستثني الحرب أي أحد.. أنا.. كنت أدفعه للرحيل، أزين لـه السفر، أدعم أحلامه بالهرب من ارتباطه بميساء رغم علمي بما حدث... سامحيني يا حياة.. لقد لعبت دوراً لا شرف فيه بفعل يأسي وخوفي على ولدي.. غالب وهشام يحاولان تقريب وجهات النظر بين ميساء وزياد... وأنا أحول دون ذلك.. لأنني لا أريد لـه أن يعود... إن شاءت ميساء فلتذهب إليه... ولكنك سترفضين... وسترفض هي.... أعرف كيف ربيتها على العناد.. أقنعيها... دعيها تذهب إليه ويتزوجان... حاولي... هل تسمعيني حياة...؟! أنيسة هنا... أراها وقد استردت شبابها وجمالها.. وهي تتحدث إلى شاب في مثل عمرها وربما كان حبيبها الذي حرمت منه... لا أحد عرف بقصة حبهما القديم... إنها تضحك، والشاب يداعبها... وهي تحدثه عنك... حتى هنا في البرزخ الجميع يتحدث عنك... فكيف لا أشعر بالحنق؟.. أنيسة تروي لغالب كيف كانت حياة تأخذها إلى الحديقة وتقدم لها الطعام تحت شجرة التين، وتبث فيها الأمل... أم غالب هنا... وشقيق هشام يجلس بعيداً في الجوار عند منعطف نهر الضوء كلهم قريبون هنا ومرئيون... عندما سقط الصاروخ كنا نشرب الشاي كان الوقت مساءً سمعنا أزيز الوحش القادم ثم ارتطامه في غمضة عين وانفجاره... كنا نأكل الكعك وقطع الجبن مع الخبز ونشرب الشاي... الصغيرتان كانتا تلعبان بلعبهما القليلة... لديهما دمية طالما كانت سبباً في شجارهما... دمية من القماش اشتريناها من أحد محلات الملابس المستعملة كانت نظيفة وجديدة، ترتدي ثوباً منقطاً ولها وجه مستدير منفوخ وملامحها مرسومة بقلم الماجك والخيوط الملونة... فمها صغير مغلق، وكانت الصغيرتان تحاولان رسم فم ضاحك لها بقلم الماجك الأحمر...كان اسمها (دودو)... لا أدري لماذا أسميتاها (دودو)... و(دودو) لم تكن تحب الضحك، وتصر على العبوس... وتنظر إلينا بغضب... وكانت زاهرة تضربها بعنف: ـ اضحكي... اضحكي.. لكن (دودو) كانت غاضبة وتحدق فينا بنظرات ازدراء كنت أخافها... هشام قال: ـ إنها تتعجب من أحوالنا.. كيف نتحمل كل هذا القصف والموت والجوع والظلمات ونبقى ساكتين كالموتى منتظرين قدرنا بخشوع واستسلام... الدمية يا رويدة تستغرب ما تراه... لأنها دمية جاءت من بلاد أخرى لم يتعود الناس فيها على الإذعان للقدر.. كانت (دودو) تختفي أحياناً تحت المقاعد أو تضيع نفسها بين ثياب الصغيرتين... أو تختبئ في صندوق كارتون بين اللعب المحطمة المنسية وتجعلنا نبحث عنها طويلاً حتى نجدها... ويبدو أنها لم تكن تحب العيش معنا، ولا تحترمنا لكنها كانت تحب الصغيرتين رغم العنف الذي تمارسانه عليها... كانت تحتمل عنف الصغيرتين، وتكره صمتنا.. في لحظة انتهى كل شيء.. انهار سقف البيت علينا ولم نجد ما يكفي من الوقت للاستغاثة.. أو لنلمس بعضنا، لنودع بعضنا... انسحقنا تحت ثقل كتل الكونكريت بقضبانها الحديدية البارزة كأنياب الوحش... اخترق أحدها ذراعي وثقبها... وبترت قطعة حديد ساقي اليمنى من تحت الركبة.... هشام اختفى تحت قطعة كونكريت ضخمة... سمعت أنينه فقط... ثم ناداني مرة واحدة... ـ رويدة... إنني أموت... أين أنت؟.. وبعدها صمت... صمت تماماً.. فعرفت أنه نجا من الألم سريعاً.. أنا لبثت أتألم وأنزف على مدى ساعات في ظلمات المدفن الذي حفره لي الصاروخ، البنتان لم تصرخا... لم أسمع صوتيهما أبداً... عبرت النفق الضوئي... أحسست أنني أعلو وأعلو ثم أرى العالم والبيت المنكوب تحتي... رأيت الناس يتجمعون وقد جاءت سيارات الإطفاء و الإسعاف... بدأت الشفلات عملها بعد ساعات... انتهى الألم عندما صرت أرى الأشياء من مسافة أكثر ارتفاعاً...وجدتني بلا ساق... بحثت عن ساقي فعثرت عليها مهروسة بقطعة من الصاروخ وقد انغرست في قدمي قطعة معدنية مستطيلة مكتوب عليها (U.S.A FORCE) بصعوبة انتزعت القطعة المعدنية منها... وقلت ما نفع ساق مبتورة.. سابقى هكذا... ألقيت القطعة المعدنية وسقطت فوق إحدى المباني الكبيرة، ربما فوق وزارة أو شيء من هذا القبيل.. بعد برهة رأيت زاهرة وزهاء اللتين اختنقتا بفعل الضغط والعصف في غرفتهما لم تتشوها... كان أنف زاهرة ينزف بينما توقف أنف زهاء عن النزف وهي تحمل الدمية (دودو) وقد تشربت دم الصغيرة واختفت ملامحها الغاضبة... سمعت زاهرة تقول لأختها: ـ لماذا نحن بعيدتان عن بيتنا؟ فتقول لها أختها: ـ أين نحن... أنا لا أرى بيتنا... أين نحن.... إنني خائفة.. عندها أسرعت إليهما... أعني طرت بجسدي الشفاف مثل غيمة وهمست لهما: ـ أنا هنا... معكما... لا تخافا... قالت زاهرة: ـ أمي أريد العودة إلى البيت.. نسيت مصاصاتي وجواربي وقطعة الكيك التي بقيت من كعكة عيد ميلادي.. تسألني زهاء: ماما.. أين زياد.... أريد أن أراه... أهمس لها: ـ اسمعي زياد لم يسافر معنا.. إنه هناك... في الحياة.. أما نحن فسنبقى هنا..لكننا سنراه... وسنسمعه.. أنتما ستبقيان هنا ولن تكبرا... هذا أفضل... ستبقيان صغيرتين... ....... أتسمعين حياة...؟ يبدو أن لا أحد يسمعني إنني أتحدث للجدران والأشجار والنوافذ... لبثت محلقة فوق البيت لحين عودة زياد من بيت بشار... كنت أشفق عليه من هول الصدمة، ماذا سيفعل حين يرى دمار البيت وموت الأهل؟ حياة، كنت أملي الوحيد، كنت أراك وقد عدت مع ميساء من زيارة قصيرة لطبيب العيون... فوجدت الكارثة بانتظاركما.. أغمي على ميساء...أسعفوها وأعطوها منوماً، أنت تماسكت وبكيت، ثم بدأت تنظفين غرف بيتك من غبار القصف... انهار جدار غرفة مطلة على بيتنا من غرف بيتك.. كنت تجمعين شظايا الزجاج والأواني المحطمة وتعيدين وضع الخزانات وحدك بعد أن نامت ميساء... أمضيت الليلة تعملين علي إعادة الأشياء إلى مواضعها.. جاءتك (أم نور) لتقديم العون، أحضرت لك طعاماً وذهب ابنها لشراء أدوية لميساء من إحدى الصيدليات الخافرة.... أرسلت لك أمنياتي... ناديتك... ساندت روحك... قولي لميساء أن تنسى... ساعديها لكي تتجاوز محنة حبها لزياد... زياد ولدي وأعرفه ما حدث حدث يا حياة فلا تجعليه يدمر حياتها... كان يحبها حقاً... وخطبها... وكان يحاول التمسك بحبها عرفاناً بالجميل... لكنه لم يتمالك نفسه وفعلها... أنت منحت ولدي عمراً وحياة واحتضنته حين فقد الوعي... وتهاوى أمام المصيبة صباح اليوم التالي لرحيلنا... جاء مع بشار فوجد ما وجد... كان بيتنا قد تحول إلى حفرة فارغة مروعة وحولها الأنقاض، ورائحة الحريق تحوم في الزقاق فوق أشجار النارنج واليوكالبتوس... أنت تعرفين أن لا أقارب لنا في بغداد... أختي (نجود) تقيم في الحلة مع زوجها وأبنائها الخمسة... وعائلة هشام ما تبقى منها أحد... أخوه استشهد في معارك ديزفول في الثمانينات، وأمهما توفيت منذ سنوات، ابن أخ هشام اصطحب أمه ورحل بها إلى أخواله في مدينة شقلاوة الجبلية... أختي (نجود) لم تفلت من الكارثة... أصيب أحد أبنائها باللوكيميا وفقد بصره... وقد رأيته هنا.. كان يلعب مع زاهرة وزهاء... وجدتهم يلعبون معاً عند أشجار الزيزفون الكبيرة.. حياة... سامحيني... أعرف أنك معوزة... فكيف تحملت الإنفاق على ابنتك وابني حتى تخرجا من الجامعة؟... كنت أريد تقديم العون لكني لم أجد الوسيلة.. انطمرت الحلي الذهبية وبعض النقود تحت أنقاض البيت... كان عندنا عشرة آلاف دينار في دفتر التوفير... قلت سيجد زياد طريقه للحصول عليها... لكنها ما عادت تساوي شيئاً الآن... من أفضل عادات زياد إنه كان يحمل في جيب سرواله أوراقه الثبوتية خوفاً من الانضباط العسكري فقد يظنونه هارباً من الخدمة لضخامته وطوله فهو في الخامسة عشرة لكنه يبدو في العشرين... كان يحمل معه هوية الأحوال التي يسميها بطاقة الأهوال المدنية وشهادة الجنسية العراقية.. وكان يقول لي: ـ أمي... لابد للإنسان أن يثبت براءته كل لحظة أمام الشكوك التي تحيط به... كان جريئاً غير هياب... ويمكن أن يدخل في شجار مع من يتصدى له... أعرف.... ذلك... قلت لـه قبل موتي: ـ يجب أن تغادر إلى بلاد أخرى... فقال لي: ـ لن أغادر قبل إكمال دراستي... كان معرضاً للمخاطر... أحدهم قتل في الشارع من أجل سلب سترته الجلدية، وامرأة قتلت بعد أن سلبوها حقيبة يدها وسلسلة ذهب تتدلى من عنقها... المرأة هنا وصاحب السترة الجلدية يقف هناك محدقاً بالأرض... لا أدري ماذا يرى حياة... أنت لا تدركين كم أ نا ممتنة لك... أنت المرأة ا لتي أعادت الحياة إلى ولدي... أنت التي منحته الحنان والمأوى والمستقبل... أدري كم تحملت من أجله... لكنه خذلك ... وخذل ميساء... كنت أنا في موتي أراكم... أنت وزياد تستمعان إلى عزف ميساء، وزياد يفكر بالموت.. موتى أنا وأبيه وشقيقتيه... كان الأمر قاسياً، بالغ القسوة يا حياة... لا يمكن لإنسان أن يحتمله، لكنك بما تملكين من قوة وحنان جعلته يتجاوز المحنة رأيته معكما يقلد شخصيات معروفة، يقلد ممثلين ومطربين وأناساً يتكرر ظهورهم على الشاشات... وكنتم تستغرقون في الضحك... إنه ممثل بارع، مع إنني وأبوه كنا نريد لـه أن يدرس القانون... زرته في حلمه وحاولت أن أثنيه عن دراسة التمثيل لكنه لم يسمعني... عندما قبل في كلية الفنون رأى أنه من الأسلم لكم جميعاً أن ينتقل للعيش مع صديق له... أنت وميساء اعترضتما على ذلك، لكنه مضى في خططه ووجد عملاً مسائياً في محل تجاري... أراد أن يتحرر من إحساسه الطويل بالعجز عن إعالة نفسه وتعويضك عما أنفقته عليه... أنت غضبت عندما عاد ذات مساء إلى البيت وقدم لك مظروفاً به بعض المال.. تركته جالساً هناك ولم تنطقي بكلمة، وانصرفت لتصحيح كراسات الطالبات ثم دخلت إلى المطبخ لإعداد وجبة العشاء. وعندما رأى إهمالك له... اعتذر... قال لك: ـ تحملت الكثير من أجلي... وقالت ميساء: ـ لماذا غادرت بيتك.؟.. ما معنى ارتباطنا أنا وأنت؟ قال: ـ لا يجدر بي أن أبقى عالة عليكما، بل ينبغي لي أن أكون المعيل... فإذا لم أستطع فإن أقل ما يمكن عمله هو أن أعوض بعض ما أخذته... كنت فخورة به... لقد فعل الصواب.. مهما يكن من غضبك فإنه رجل وعليه أن يتحمل المسؤولية كاملة... كان يحب ميساء ولكنه يريد الهرب من أرض المأساة التي سلبه أسرته... كم أشعر بالخجل منك... لا أدري ماذا أفعل أعرف أنه كان يحب ميساء ولا يزال يحبها... أعرف أن ما حدث بينهما كان بدافع الحب... لا سواه... هل أخبرتك ميساء بما حصل بينهما؟... إن لم تخبرك فلا تغضبي ولا تتخذي موقفاً قاسياً من ميساء الرقيقة الجميلة لا تعتبري الأمر سوى خطأ في التوقيت، كان بوسعه أن يتزوجها ويرحلا معاً لكنكما رفضتما ذلك فوجد نفسه مرغماً على السفر بمفرده... أنا حزينة وآسفة لما حصل... وسأحاول أن أعيده إليها... لا بدافع تصحيح غلطته.. بل لأنه يحبها كل الحب ولا يستطيع نسيانها... سأجعله يغير خططه في الغربة، ويعود... ولكني لا أعدك بشيء الآن، فإنه قد يرفض العودة في هذا الظرف القابل للانفجار... سأحاول... سأدفعه للعودة... وإن فشلت، فإني سأفعل ما أعتبره اعتذاراً من ميساء العزيزة... سأبذل كل جهدي لأعيده إليكم... سأعيده يا حياة... لابد أن يعود... سامحيني... هل تسمعين؟ ستسامحيني... على كل ما فعلت ومالم أستطع فعله.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |