حديقة حياة ـــ لطيفة الدليمي

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس

(2)‏

مثلما اعتادت حياة في ليالي تبتلها الطويلة. تقوم بتصحيح توقيت الساعات وتضبط حركتها ليتسق سريان الزمن مع جريان الدم في عروق النساء، عروقها هي وعروق ميساء، أو لعلها تسعى إلى ضبط اندفاعات الحياة في دمائها بضبط حركة الساعات وتقنين الزمان...‏

العناكب الصغيرة الخوافة التي تنسج لها غرفات مستديرة في زوايا الجدران عند التقاء جدار بآخر كانت تتهاوى هي ونسيجها على الأرض عندما يبدأ القصف وتهتز الأرض وما عليها، كذلك كانت الصور العائلية صورة زفاف حياة وغالب وصور أهلها الراحلين وابنتها وهي رضيعة أو وهي طفلة في الروضة كانت ترتجف وقبل أن تسقط تنزلها حياة وتضعها فوق المنضدة ثم تعلقها بعد توقف الانفجارات..‏

لم يكن الحاضر وحده مهدداً... بل إن الخراب كان يطال كل ما تبقى من الماضي فتمتد براثن الحرب إلى الذاكرة المؤطرة في الصور الفوتوغرافية... تمتد البراثن إلى المقتنيات الصغيرة والثياب مثلما ستمتد إلى أحلام غدهم المتهاوية بفعل ارتباك الحاضر وعذاباته وتشوشه...‏

عنكبوت واحد بقي متشبثاً بعرشه المهلهل في حين ذوت نباتات الحديقة ومات خلال ليلة أو اثنتين وتيبست بعض البراعم وأدركت حياة أن الأشجار يطالها الرعب في ليالي القصف وتعبر عنه بمساقطة أوراقها في غير أوانها...‏

في الحرب السابقة قبل أن يغادرها غالب في ميادين الحرب، كان الحب شغلهما الشمسي وكان كل ما يدور سبباً في انشدادهما إلى بعضهما، الموت والقصف و الحرائق كل ما يحدث يدفعهما باتجاه النجاة في مياه الحب المضيئة... ليوقفا تدفق النيران الموت باتجاه الحياة..‏

الآن تنشغل بتصحيح الزمان التي اضطربت وتناثرت لحظاته، تقوم بذلك عندما يستتب الهدوء الحزين بعد القصف، وينتشر ذلك السكون الأسود فوق جنبات الليل تحدث أشياء كثيرة بعد القصف... تمر سيارات الإسعاف...‏

يتساقط الليل من ثقب الأوزون مجروحاً... يتساقط الحاضر مضرجاً ليصير ماضياً تمحى بيوت بمن فيها... يتفجر نهر من دم طفلة في أواسط الحلم... حرائق تتعالى مسقطة ظلال النار على رماد الموت..‏

تنظر حياة إلى جسد ابنتها الصغير المرتعش، تضمها إلى صدرها وتحضن الجسد المرعوب، تدعك بأصابعها البشرة الناعمة ليسري الدفء من أمومتها إلى أعضاء الفتاة الراعشة...‏

حين يطول ارتعاشها تعطيها حبوباً مهدئة...‏

تدثرها في السرير، فتدخل ميساء عتبة الكابوس الأول... تخرج منها إلى عتبة الكابوس الثاني ويتشنج وجهها ربما تصرخ بلا صوت... ربما كانت تسقط من مبنى مرتفع، أو تتعثر بجثة...‏

الأم تستعد وتتفانى في أداء دور المضحية...‏

وتقدم كل ما يمكنها لتكتمل حياة الابنة ونضجها..‏

تفكر حياة بأنها هي التي ارتضت كل هذا الذي تكابده الآن... أن تموت في انتظاره أن تموت وهي ترعى ابنته، أن تموت موتها هي آخر الأمر..‏

وكانت ستموت في كل الأحوال، فلماذا لا تقدم ما تقدمه للاثنين العزيزين قبل أن تموت؟‏

نادراً ما كانت تفكر بنفسها، لم تسمع ما تقوله النساء الأخريات عن الحياة، حياتهن:‏

إنها حياة واحدة نحياها.. فلماذا هذا الجنون؟..‏

أي جنون يقصدن؟ لم تكن تدري، أهو استشهادها اليوم في إدامة حياة ابنتها وأمل عودة غالب وخدمة حديقتها؟... أم هذا الإغفال الطهراني لنفسها ومطالب النفس؟‏

ترى الأمهات الأصغر (كانت هي في نحو الرابعة والثلاثين حين قامت الحرب الثانية) يحملن صغارهن والصغار يتغذون من أجسادهن... ينمون مثل نبات طفيلي على جذع لشجرة ناضجة ويمتصون النسغ من البراعم والأوراق والثمار...‏

يرضع الطفل وينام ... يرضع ويتبول، يرضع ويصرخ، يرضع ويتبرز ... ويرضع ليكبر ثم تتحول المرأة إلى شيء آخر منسي بعد أن كانت تغذية العالم وتنمية الكائنات شغلها الشاغل...‏

العالم الذي غذته وغسلت أوضاره وتحملت سوءه.. يساقط عليها ثمار عقول عباقرة الموت قذائف باهرة الانفجار وصواريخ تخرق الأرض. وهي تغذي الوقت ببذور روحها وبراعم جسدها الشمسي...‏

ترى الأمهات الأكبر سناً في ثياب الحداد بعد موت الرجال والأبناء في الحروب وسواها... واجبهن الأخير المضي في الحداد حتى آخر نفس....‏

الأصغر سناً يفركن الثياب من قذارات النهار الدنيوية ومن إفرازات الجسد الحي في شهوات الليل... والطفل يرضع وهن يعملن ليذوي الجسد وينسيهن السعادات التي وعدتهن بها السماء...‏

ـ أين أنا؟... ما الذي فعلته وأفعله لنفسي...؟‏

لا تعرف جسدها إلا حين يصاب بعارض ألم أو عندما يهده العياء... لا تذكر جسدها إلا حين تغتسل في المساء بل إنها تتجنب التفكير فيه...‏

ـ أين أنا؟...‏

في ليالي القصف في الحرب السابقة كانت ترضع ميساء من ثديها الممتلئ، وكانت أمها تخدرها:‏

ـ لا ترضعي الصغيرة هذا الحليب الخوف يحوله إلى سم.‏

تستبدل رحيق الجسد بحليب مجفف حتى جف حليبها وضمر النهدان الممتلئان... لم يتبق من ذلك النبع الأبيض سوى قطرات شحيحة... كانت ميساء تعافها بعد أن اعتادت الحليب المجفف... تذوق غالب تلك القطرات وانتشى بها كانت تعصر حلمتها في فم الصغيرة عندما باغتها وارتشف آخر القطرات... قال لها أنت أم الكون كله..‏

تلتصق ميساء بجسد أمها وتطوقها بذراعيها... تتوق إلى أمان ما قبل الولادة، يوم لم يكن هناك خوف ولا جوع ولا كوابيس ولا إدراك لما يحدث في العالم...‏

النساء وحدهن يعرفن ما يحدث لها في الليالي الممتدة من أول الحرب حتى آخر ليلة قصف الساعات تعرف أيضاً... وهي تقوم الآن لتصحيح جنون الزمان، ستوقت الساعة المنبهة، وساعة الجدار المربعة، ستوقت كل الساعات، لتنسى ساعة جسدها التي تنبض بلا توقف وتشير إلى عمرها المهدور مع كل نبضة.‏

تغبطها النساء الأخريات على بسالة القلب واصطبار الجسد، يحسدنها على صمتها المكابر وينسين جرس صوتها المجروح...‏

صلف الحياة يدفعها إلى قسوة التعامل مع نفسها، وبعض الرجال يتشهون أنوثتها الموشومة بالأسى ويلوحون لها بما زهدت فيه.‏

تشتري لميساء حمالات صدر، (منهدة) صغيرة من نسيج قطني موشى بتطريز رقيق... تقول لها‏

ـ جربيها، هيا لا تخجلي...‏

ـ لماذا؟ ألم يخلقنا الله هكذا؟..‏

ـ ينسى الناس هذا ولا يتذكرون غير ما يريدونه من النساء...‏

ـ لا أريدها، ستخنقني..‏

ـ لابد أن ترتديها، ستمنع تحرك صدرك عندما تسيرين.‏

تحس ميساء وكأنها تهيأ للتضحية بها.‏

كانت أمها قد رأتها تسير وهي تضع محفظة كتبها على صدرها شأن المراهقات حين يخفين براعم الأنوثة عن عيون العابرين.‏

ذباب الربيع يتجمع حول زهور البتونيا والأقحوان ويواصل الطنين حتى الظهيرة، يتدفق في جسد الفتاة سيل من الارتباك وما يشبه الأنين وتترقرق في روحها مياه الحنين لأشياء مجهولة.‏

لا تجرؤ على قول ما تحسه والربيع يؤجج جمراته في فؤادها، لسعة حارقة في الأحشاء، بشيء ما يكتسح الجسد والدم، شيء غامض وشهي يستيقظ مع شذا قداح البرتقال والجوري... وحياة تضبط الساعات..‏

عينا غالب في صورة زفافهما تنظران إليها، عيناه تثيران في ربيعها المستفيق كل ماكانت تثيره لمسة أصابعه..‏

كان يتشمم عبير أنوثتها الصافي يفوح من الجلد الدافئ المغسول... ويتنشق أنفاسها التي من نعناع ومسك... فإذا ارتشفها تحولت إلى شهد ورحيق...‏

ـ تحدثي إلي... أحب الكلمات التي تشتقينها ببراعة من اللغة القديمة المألوفة... اسمعيني كلمات لم ينطقها أحد....‏

تهمس لـه بكلمات لا معنى لها... تراكيب من الحروف الموسوسة، (سناسيما)... (وسونا)... (سيما)... (سابيس)...‏

وكان ينفجر بالضحك وينتشي... يقترح معنى لكل كلمة مبهمة ويسجل ابتكاراتها في دفتر صغير أسماه(لغة حياة)...‏

قاموس لحظات الحب الذي تتهاوى فيه أصوات الحروف مطراً وتلتصق بالجسد والحواس أو تمتصها الشفاه قطعة حلوى..‏

(سروسا)... (سماووسي)...‏

رحيق لغة، يذوب... على اللسان‏

تنكب الكلمات على سفح الليل وتتشبث بهما...‏

تمضي بهما إلى حيث شاءت، إلى حيث شاءا معاً...‏

يفيضان لغة سماع، تطربهما الوساوس...‏

سكر الأنوثة يتقطر على راحة يده...‏

الكلمات الرحيقية تنسكب على مديات الليل...‏

خلال ساعات الليل تجن الساعات..‏

تضطرب وتتسارع أو تتوقف وتطلق المنبهات رنينها المعدني أو صريرها الإلكتروني... ساعة يد حياة تطلق نبضاً مثل وخزة خفيفة يسري من يدها إلى معصمها فتدرك حياة أن قذيفة ما أو صاروخاً يتجه نحو منطقة قريبة...‏

أو أن أرواحاً اغتيلت في جولة الموت وهاهي تحوم في منعرجات الكون أو تتعذب في مرتقيات الاحتضار...‏

ساعة غريبة هي تحفة البيت الوحيدة الباقية من زمن السعادات الآفل... كانت هدية غالب لحياة في الذكرى الأولى لزواجهما...‏

نسيتها حياة ردحاً من زمن الرعب، كانت الساعة مخبأة في خزانة الثياب، لكنها تتذكرها عندما تنهار الخزانة بعد سقوط الصاروخ على بيت زياد...‏

تجدها متوقفة خرساء، لا تشرق فيها شمس ولا قمر وهي التي تقود أيام الحب في مرتقيات الشمس والأقمار وتضبط مواقيت الأيام والشهور والسنين والهفوات والأشواق... كانت أعجوبة ميساء في طفولتها وهي ترى فيها شمساً ذهبية تشرق في أعلى مينائها البيضوي الذي لـه لون السماء وتدور الشمس على قدر ساعات النهار وعند الغسق تحمر حوافها وتضرب في محيط معتم وسرعان ما يبزغ قمر فضي ينير الأعالي ويتبدل في منازله حتى ينتهي الشهر القمري...‏

كانت حياة تحدد ميعاد دورتها على حسب تحولات القمر في منازله، وتعرف متى يتعالى المد في البحار وجسد المرأة....‏

قال لها غالب:‏

ـ صنعت في إحدى مدن الهند ربما في حيدر آباد، أو كيرالا... أحضرها أبي من إحدى رحلاته إلى الهند، كان يطيل مكوثه هناك حتى ارتابت أمي بوجود زوجة هندية يزورها كل عام...‏

وعندما أحضر هذه الساعة لم يعد بعدها إلى الهند لعله (كما كانت تتمنى أمي) انفصل عن تلك الهندية الجميلة ذات الساري المطرز و الضفيرة السوداء.. كانت أمي تشم في ثيابه رائحة الياسمين والزعفران وهما لا يستخدمان إلا لتجميل العرائس في الهند، يدعك جلد العروس بعجينة من الياسمين والزعفران لينعم ويطري ويتعطر...‏

كانت تتراءى لها حفلات عرس هندية وفتاة محمولة على هودج فوق فيل أبيض... (بالأحرى كانت تعيد صنع المشهد الذي رواه لنا والدي عن أعراس الهنود) وكان الوالد راوياً بارعاً... ولطالما روى لنا قصصاً مدهشة عن بلاد الهند ونساء الهند الجميلات...‏

كان يقول:‏

ـ إنهن أجمل نساء الأرض...‏

وكنا نشاكسه:‏

ـ وماذا عن أمنا؟‏

كان يضحك ويقول:‏

ـ لو رأيتم جمال نساء كيرالان، ونساء مدراس وكوجرات... إنهن لا يوصفن لجمالهن الفائق... أجمل نساء العالم..‏

كان يحدثنا عن الفتيات في ثياب الساري الشفافة المطرزة بالبروق وهن يجمعن زهور (الجكرندة) و(الموهور) وينظمنها في عقود وأكاليل للأفراح واستقبال الضيوف أو لارتدائها في الأعياد، أو لوضعها على جثمان ميت قبل حرقه..‏

كان يقول لي:‏

ـ سأزوجك من فتاة هندية، إنهن حوريات الأرض...‏

يضحك غالب وهو يتذكر أحاديث أبيه عن جمال النساء، يقول لها:‏

ـ تزوجت هنديتي حياة... أنت تشبهين نساء الهند...‏

ماكانا في ذلك العهد يعبأان بحركة الزمان، فكل الزمان ملك أناملهما ومباهج القلب...‏

وكانت ساعات السعادة تمر خطفاً كالبرق أو تذوب ذوباناً في الهواء أو أقداح الشاي... ساعات شفافة كالغيم الوردي ورقيقة كجناح فراشة سرعان ما يتفتت عند أول لمسة ويتلاشى في الفناء...‏

(3)‏

القمر مقتحم بغمائم زرقاء.. خطوط من غمامة رمادية تشطر البدر النحاسي وحياة تحمل طبقاً بلورياً صغيراً به بضع ثمرات من المشمش، إحدى الثمرات لها لون كهرمان مضيء وبها أخدود فاتن الاستدارة مرقط بنقاط أرجوانية...‏

تناغم مدهش بين اللون واستدارات الشكل بين عبير الثمرة والنور الذي يشع من لونها الشمسي...‏

تحمل حياة الثمرة بين الإبهام والسبابة، ترى فيما وراء القشرة نبضة الضوء الخفية التي ما بين شهوتها ولذة الثمرة...‏

تعزف عن تناول الثمرة، الجمال لا يؤكل والفتنة تغري بالنظر والشم والسمع، الفم يستغرق في الصمت... طائر الرغبة يغفو على الأصابع الفم صائم صموت.. وحياة ذاهلة عما يرى والثمار مغوية لليد والفم صائم صموت...‏

الصوت الذي كان يأتيها في ليلة الأمس من حيث لا تعلم... الصوت الغريب كان يتجول في ذاكرتها... يوقظ كآبات الروح ويرجف الجسد... الصوت حرب أخرى عليها...‏

تنصت الآن، تصغي بالحواس كلها...‏

لا همسة تنبع من السكون، لا نبرة تعلو على هسيس الصمت...‏

القمر يتعالى ويزداد سطوعه الأحمر، تفض السحب عنه حصار الماء... أكان صوت رويدة حقاً...‏

يا للأصوات كم هي خادعة‍!. صوت رويدة الآتي من وراء برزخ الموتى أحدث صدعاً مرعباً في نفسها... لا.. ليس للموتى أصوات، وحياة تحاول التثبت في موقعها من الليل وتنصت، تنصت لتتيقن من وجود ذلك الصوت...‏

هل جعلتها أحزانها ونفاذ الصبر تتوهم سماع تلك الكلمات؟...‏

قال الصوت أشياء لا تعرفها، قال الصوت أسراراً.. فكيف لها أن تختلق ما لا تعرف؟..‏

نبرة الصوت فارغة هواء، أثارت غثيان حياة، ميزت في النبرة شماتة المراوغ والمحبة الزائفة..‏

أتراها هي التي تتخيل صوتاً وتنسبه لرويدة؟‏

لا تدري... أيكون هذا بداية التدهور في قواها؟... لعلها لوعة أمومتها وهي ترى ميساء تتآكل في أشواق الحب المنكسر تدفعها لاختراع كل هذا الوهم ولكن لو كان بوسعي سماع رويدة، وهي تدعي أن غالباً معهم في برزخ الموتى فلماذا لا يخاطبني غالب؟‏

هل يحاول الصوت تدميرها هي الأخرى وإسقاط حجة الأمل، وإيصاد كل باب للرجاء؟‏

لماذا لم يحدثها إذن؟‏

كان يناجيها بصوته الذي تحبه، الصوت الذي فيه خشونة وعنفوان ورقة هوىً... كان يسكن صحوها ومنامات الليل، فلماذا لا يخاطبها الآن ويهتف بها...‏

-ها أنذا آت إليك، حياة... اشرعي النوافذ والأبواب،... زيني السرير بزهور البرتقال... اغتسلي وأسدلي شعرك الطويل... ثم ألبسي قميص المسرات وانتظريني....‏

كانت تنتظر كل ليلة أمام النافذة، وتتوقع أن تطرق يده الباب... أن يبشرها بانتهاء الحروب، ويهتف بها:‏

-ها أنا عائد إلى الحياة.. مضى عصر الخراب والجنون الأسود...‏

كانا سيتبادلان القبل، ستكون قبلاً أشهى وأمتع بعد سنوات الأشواق العسيرة سوف يلمس عنقها، ويضع إصبعه في التجويف الصغير أسفل عنقها وتحس بالدغدغة العذبة الحنون... سوف تسأله:‏

-ما الذي أخرك كل هذه السنوات؟‏

قد يشاكسها على ما اعتادت منه ويقول:‏

-ضللت الطريق إلى الحياة.. إليك...‏

وكانت ستغضب، وإلا فكيف يتيه الحي في حياته ويستبقيه هاجس الفرار إلى الموت؟‏

ربما كان سيحدثها عن سنوات الأسر الفاجعة، عن انمساخ الإنسان في شهوات وحشيته...‏

وقد يروي لها حكايات لا تتوقعها، عجائب وأساطير عن أشواقه ولوعة الجسد المهجور في الكهوف، سيقول لها أشياء لا رابط بينها، تداعيات عقل مضطرب ألمت به بلايا الحرب، حكاياته مفككة وصوته مخذول، ونبرته كأنين القصب في الأهوار ستصغي إلى هذياناته ولن تتفوه بكلمة...‏

ستقول لنفسها:‏

-حسبي أنه عاد إلي...‏

ستلوم القلب لأنه يتبع فضولها ويسعى إلى معرفة كل شيء عن سنوات الغياب... ليلتهما الأولى ستكون ليلة عشق...‏

سوف تتعرف فيه إلى الرجل الجديد الذي صار إليه...‏

ربما ستنفر من رائحته الغريبة، الرائحة ألفة سنوات واشتباك خلايا الجلد مع العطر والصابون والجلد الآخر... سوف تصدمها الرائحة، لذا ستطلب منه أن يستحم طويلاً ليلقي بأوضار الحرب في المجاري ويقف طاهراً من سبة القتل... لن تلمسه قبل ذلك... عليه أن يتطهر من سنوات الفتك والأسر والعذاب...‏

سيحدثها عن الأماكن المريعة التي افترست أيامه.. عن تلك السجون أو الكهوف التي كان يلقي فيها الأسرى ويحرمون داخلها من الرؤية والسماع والاتصال بالعالم الخارجي، نقطة ضوء واحدة من سماء قاصية كانت تنعش الأمل في قلوبهم لذلك كانت رؤية سماء أو شمس أو نهار إحدى وسائل المكافأة على السلوك القويم حسب ما يراه السجانون..‏

لم يشم هناك رائحة عشب ولا عطر زهرة ولم يستمتع بدفء نار ولا برد نسيم ولا لذة مذاق، كل ما وهبته الأرض للإنسان يسلب منه، كل ما أتاحته الحضارة ليده، يمنع عنه... وشيئاً فشيئاً تتبدد الحياة في ذلك الجب، وتذوي الذاكرة، وتشحب المخيلة التي تنشط في بادئ الأمر، وتستحضر المتع والنساء والمذاقات... ثم تتهاوى ويرفرف طائر الهذيان الأغبر بين العينين والحواس..‏

هل تسمعه الآن؟..‏

لا.. إنها تتخيل صوته الأليف الذي يثير أشجانها ويرعش جوانحها..‏

يسمي البلاد التي بددته غابة النار، أو أرض الملح السوداء، يسميها دار الارتداد يسميها ويسميها..‏

ستراه وهو يدير رأسه باتجاه شروق الشمس فلا يرى غير الظلمات التي تصوغ هيآت الجبال ولا يرى غير الرماد يحدد أشكال الأجساد والغيم يحدد آفاق السماوات كل شيء محدد بشيء... لا شيء حر بذاته ولا أفق طليق بأبعاده...‏

تراه ينحدر على جرف ويسير أياماً في شعاب جافة بين الأشواك والحجارة والأفاعي تراه يتسلق جبالاً وتنهكه المسيرة الطويلة فيتهاوى على السفح الآخر في المجهول...‏

هل أسروه حقاً؟... من يدري..‏

غير أنها بعيني حدوسها تراه في قرية صغيرة بائسة، تتعطف عليه امرأة في ثياب غجر الشرق وتسأله وهو يفيق من العياء...‏

-آب..؟‏

-يومئ لها بعطشه الدهري... أن نعم.. أريد ماء‏

تسأله: نان؟‏

يومئ لها بجوعه.. إن نعم أريد كسرة خبز...‏

لا.. لا.. تفضل أن.. لا.. هي لا تفضل شيئاً.. فالتفضيل بين تنويعات العذاب والغياب أمر مضحك.. فأما الحياة وأما الموت.. لا.. إنها تريد الحياة.‏

عليها أن تهيء عجين خبز الغد، وستعود إلى هنا لتنتظر لعل الأصوات تأتي..‏

(ولكن ما الذي سترويه لي يا غالب عندما تعود؟)‏

تحاول أن تضع وعيها للأشياء في وعي الغائب الخاسر وتستدرج صوته لما تتمنى أن يحدثها به..‏

وجهه.. وجهه الوسيم الذي ستفنى العذابات رونقه، تحاول أن ترى ما آل إليه الوجه وما جرى لوسامته..‏

سيكون لـه وجه كهل مهدم... ستبدو عيناه المشعتان مطفأتين وقد غارتا في محجريهما وتيبس جلد وجهه وتغضن...‏

(يا إلهي...! هكذا سأراه؟)‏

كيف سأراك عاجزاً ومنهكاً ومحطماً وربما معوقاً تقود خطاه عكازتان هما آخر ما منحته الحرب من مكارم البقاء...‏

شبح.. سيعود إليها شبحاً لرجل كانت تعرفه ولن تعرفه... كيف لا تعرفه؟‏

الرائحة تتغير في عذابات الحجر وظلمة الكهوف...‏

اللون يتبدل، النظرة تقتلها ارتداداتها عن الجدران...‏

غالب ألا تسمعني صوتك...‏

رأت أسرى كثيرين عادوا بلا ذاكرة، وقد تساقطت أسنانهم وابيضت رؤوسهم وجحظت عيونهم وتضاءلت أجسادهم كأن الحرب حشرتهم في آلة للمسخ وطحنتهم وأعادت تشكيلهم من بقايا ما تبقى منهم.. يد مبتورة أو ذراع بلا معصم، قدم مهروسة وجذمة ساق.. نصف وجه وعين لا ترى غير الذي يراد لها أن تراه... لا شيء يرى غير الظلام... مسوخ تقوم من أضرحة الأسر، تشق الأكفان واتفاقيات جنيف لتبادل الأسرى وتعود لا كما كانت بل كما شاءت لها شرعة الحرب أن تعود... مغسولة الذاكرة.. مثقوبة الروح.. كل ما يأتي يتساقط من ثقوب النفس، الجسد منخل لا يستبقي سوى الكلمات التي ترسبت في القعر كلمات عتيقة منسية لا معنى لها... يجدون فيها راحة غير مشروطة، وقد دفعوا الأثمان منذ ولادتهم الأولى وولادتهم الثانية وولادتهم الثالثة...‏

زارها قبل يومين ضيوف من أقارب منسيين، امرأة بمثابة عمة لها وهي ابنة عم أبيها ومعها أخ لها اسمه (سعدي) عرفت فيه حياة حطام أسير أعيد إلى الوجود بعد إتمام مسخه وضبط إجراءات دمجه في الحياة الساكنة المستتبة التي تقع حدودها ما بين مقبرة وحبسٍ...‏

عجبت حياة للزيارة.. ورحبت بالضيفين ودعتهما للجلوس تحت شجرة التين الوارفة الظلال...‏

أضواء الغروب أحالت السماء إلى أرباض قرمزية... غابات وجبال وهضاب من ذهب وجعلت جدران البيت الخارجية تسبح في مياه وردية وظلال شفافة...‏

شربوا الشاي وتناولوا معه الكعك وطلبوا ماء بارداً، وأرادت العمة (سميرة) رؤية صورة ميساء، فأحضرتها لها حياة، وبسملت وقالت:‏

-ما شاء الله... ليحفظك الله يا ميساء، يا بنت حياة، ولتحرسك الأسماء الحسنى من كل عين حاسدة...‏

بعدما انتهت العمة سميرة من أداء مشهدها هذا التفتت إلى حياة وهمست:‏

-حياة تبدين في عمر ابنتك.. أنت شابة وجميلة...‏

صوت العمه (سميرة) كان جميلاً وعميق النبرة ورقراقاً تذكر حياة أنها غنت لها في حفل زواجها أغنية لأسمهان... كانوا يطلبون منها أن تردد أغنيات لأسمهان فالصوتان يتشاركان في الصداح والنقاء...‏

غنت في العرس أغنية (يا طيور)... و (ليالي الأنس) فأثارت من حولها اضطراباً في نفوس النساء وارتباكاً في شهوات الرجال وأيقظت حواس الشابات.‏

طرب الجميع لصوت (سميرة) وأدائها المذهل في تقليد أسمهان... ولم يتمالك أحد الكهول العزاب نفسه فتقدم لخطبتها أمام الجميع... تذكر حياة أنها قالت له:‏

-إن كنت عشقت صوتي فسأسجل لك شريطاً لتسمعني... أنت أخ مديحة أليس كذلك؟ سأعطي الشريط لمديحة...‏

قال:‏

-بل أريدك أنت...‏

-ولكنك لا تعرفني وأنا لا أريدك...‏

-صوتك هو الذي كشف لي عن كل شيء... صوتك مهد الطريق إلى أسرارك...‏

-لم تسألني إن كنت أحب رجلاً؟‏

-لم يخطر هذا على بالي... أنت فتاة فاضلة من عائلة محترمة... لم أفكر بهذا‏

قالت بسخريتها:‏

-وهل يتقاطع الحب مع الفضيلة؟... عزيزي أنا فتاة فاضلة تحب رجلاً فاضلاً اسمه فاضل... ولست أسمهان أو فائزة أحمد... فهل تتزوج صوتاً فاضلاً؟‏

-صوتك كشف لي عما هو أثمن منه...‏

-وتسرعك كشف لي عما هو أسوأ ما في الرجال...‏

تذكر حياة أنها أثارت حماس الرجال والنساء في الحفل وتسابق النساء لتهدئتها وإرضائها لتواصل تقديم أغنيات أسمهان.. حتى يحين موعد الزفاف...‏

تقول سميرة:‏

-حياة، تعرفين الدنيا هذه الأيام وأنت شابة جميلة وأرملة وحيدة، نحن...‏

-لست أرملة عمة سميرة.. لأن غالب لم يمت.. وأنا في انتظار عودته‏

-أعتذر... حياة.. ولكن.. تعلمين..‏

-أعلم شيئاً واحداً هو أنك أخطأت الطريق...‏

-أنت لا تدرين ماذا أريد...‏

-واضح ما تريدين عمة سميرة...‏

-أخي سعدي مقتدر ولديه بيت ومورد ثابت... تعرفين المرحوم والدي أورثنا عمارة وبساتين في (الفحامة)...‏

-وما دخل هذا في ما جئت من أجله؟‏

-أنت وحيدة، وتحملت الكثير مع ابنتك خمس عشرة سنة... هذا لا يحتمل..‏

هذا ظلم...‏

-ما شكوت حالي لأحد...‏

-ولكن لا يجوز أن تعيشي وحدك... الناس تطمع... الناس لا تسكت...‏

-وهل ستسكتين عمة سميرة؟..‏

-ما هذا الذي تقولينه؟‏

-لا أريد أن أسمع كلمة أخرى...‏

تحمل صينية الشاي وتمضي إلى داخل البيت، وقبل أن تدخل تلتفت إلى سعدي وسميرة:‏

-معذرة.. لا وقت لدي... أريد الذهاب إلى عملي...‏

-وعندك عمل بالليل؟... تعملين في الليل؟‏

-أعمل في أي وقت أريد... ألديك مانع؟‏

-حرام... والله حرام... نريد أن نسترك أنت وابنتك..‏

-أنا أبيع الستر للجميع... أتريدين شراء شيء منه لك ولأخيك سعدي؟‏

-حياة عيب هذا الكلام أنا أكبر منك...‏

-ولكنك أصغر عقلاً من صبية اذهبي وابحثي لسعدي عن عروس تناسبه في غير هذا البيت...‏

-تتبطرين؟.. ارملة وتتبطر... يا الله سعدي.‏

لم ينطق سعدي بكلمة، كان منصاعاً لصمته وتدابير أخته وهو ينقل نظراته الحائرة بين المرأتين.‏

تقوده سميرة وتمضي به بينما تصفق حياة الباب وراءهما..‏

لم يحضر الصوت.. لا صوت رويدة ولا صوت غالب...‏

تريد لصوت رويدة أن يعود لتستوثق منها ما بذرته من ظنون ومخاوف، أحقاً حدث ما حدث؟‏

منذ الأمس واضطراب هائل في عالمها جعل مسألة ضبط الساعات عملاً هازلاً لا معنى له...‏

نشاز النظام وسط التداعي الذي صار قاعدة للأشياء... سيادة سلطة الموت على سلطة الحياة...‏

هبت نسمات هواء.. ربما سمعت همسة ما في المرور الهوائي السريع إزاءها... لم تسمع...‏

صوت رويدة أشعل حريقاً في الزمان... وحفر أخدوداً من الألم في لحمها...‏

ما الذي فعله زياد بها وبابنتها؟‏

هل قصدت رويدة إلى إدامة عذابها بما باحت به أم أن كل ذلك جسدته انهيارات عقلها المرهق.‏

ربما.. من يدري... لقد تقدم زياد إلى هدفه فوق جثث الجميع...‏

استعبدته رغبة الفرار إلى عالم بلا كوارث وزمن بلا حروب..‏

عرفت ذلك أو استقرأته عندما باع البيت بالمزاد.. عرضه على مستثمرين، وتسابق أصحاب الأموال في الحصول عليه، ثم فاز به أحدهم ليقيم بناية تجارية ومطعماً ومكاتب عقارات.. تسلم الثمن وحزم حقائبه ورحل..‏

بعد كل هذه السنوات الثلاث يساومها المستثمر على شراء نصف حديقتها لإضافتها إلى فضاء المطعم الصيفي الذي سيحتل الرصيف وناصية الشارع الذي يقع عليه بيت حياة وحديقتها..‏

قال لها الرجل:‏

-سأعوضك بثمن لا يصدقه أحد... سأعطيك بيتاً صغيراً أنيقاً في شارع الأميرات... أو شقة حديثة في شارع حيفا... مقابل الحديقة..‏

-انس الأمر... لن أبيع.. انتهى الموضوع...‏

-أمي.. كيف ستواجهين من يملك القوة والمال؟‏

بماذا سنقاوم أنا وأنت؟‏

-بحقنا.. ألسنا أصحاب حق؟‏

-أي حق؟.. أنت لا بد تحلمين.. عالمنا تغير... أعني عالمك.. أفيقي من مثاليتك.. أمي يا حياة.. سيحول هذا الرجل حياتنا إلى جحيم..‏

-أكثر من جحيمنا الراهن؟ ما الذي سيتغير؟‏

-سيزعجنا وجود المطعم، وزحام الزبائن وسترين...‏

-لا يبرر كل هذا تخلينا عن صديقتنا، انظري لقد كبرت النخلة وحملت للمرة الأولى... انظري أحواض الزنبق، وخطوط الجوري وحوض القرنفل.. ألا ترين معي أن حديقتنا أثمن من كل مال؟‏

-لم أتحدث عن المال.. إنما عن القوة التي يملكها مثل هذا الرجل...‏

-سترين أنني لن أتراجع... سترين..‏

لم يأت الصوت الهوائي، لم يظهر صوت رويدة ولا سمعت صوتاً لغالب، وقد انقضى معظم الليل.. لم يكن هناك غير الصمت الليلي السميك... المشبع بالظلمات....‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244