حديقة حياة ـــ لطيفة الدليمي

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع

من أوراق ميساء..‏

(1)‏

لعبة الحرية المؤقتة تعرضها الحمائم المدجنة في هواء النهار، أراقبها من النافذة وأتابع ألعابها المرحة.. ذات نهار ستراقبني الحمائم.‏

سرب الحمام يرسم قوساً مائلاً ثم يستقيم ويتجه مثل سهم على الأعالي فلا أعود أراه في وهج الشمس، بعد برهة يظهر السرب في قوس أبيض يلتمع في الشمس وينحدر نحو الأفق متجاوزاً رؤوس النخل لينطلق ثانية.‏

الحمائم ترتضى حريتها المؤقتة وتمارسها لأنها أصبحت عادة يومية وليس هما مقلقاً تضطرب به قلوبها. وعندما تتحول الأشياء الثمينة إلى عادات تفقد أهميتها وتتساوى مع الأشياء الأخرى..‏

الحمائم تتخلى عن هذه الحرية بإشارة من راعيها المروض، تحلق في زرقة النهار وعيونها متجهة صوب الراية التي يلوح بها الرجل فوق سطح بيته، يرسم الدعوة في الهواء: يرسم كميناً.‏

يفهم الحمام إشارات الراية التي تدعوه لدخول القفص وكالعادة يستجيب الحمام للتخلي عن حريته ويعرف أن عليه العودة إلى القفص بديل أفق وسماء وريح وغيوم.‏

كان زياد مولعاً بالطيور فاشترى لنا أزواجاً من الحمام الزاجل والأورفلي والهنداوي وأنواع أخرى لا أذكرها، فيم يعنيني الاسم؟ ما يعنيني هو الكائن الحي، وضع الحمام في قفص فوق سطح البيت وبنى لها برجاً من الطين تحسباً لتغيرات الطقس...‏

حاول تلقينها الأوامر عن طريق الراية التي يلوح بها لكنه أخفق في ذلك ثم قررنا أن نطلقها في لعبة الحرية المؤقتة ونرى، رفرفت الحمائم الفاتنة واصطفقت الأجنحة واتجه السرب نحو الشمس..‏

مضت نحو أقاصي الأفق وتلاشت في زرقة السماوات، ثم ظهرت في الشرق واختفت في ندف الغيوم المتناثرة.‏

انتظرنا عودتها.. لوحنا بالراية طويلاً.. أطلق زياد صفيراً خاصاً يعرفه مربو الحمام.. لم تعد أية حمامة، غابت الحمائم وبدا أنها لن تعود أبداً...‏

انتظرنا طيلة الظهيرة، أحضرت لنا أمي الطعام إلى سطح البيت لكننا لم نذقه فقد أفسد الإحباط شهيتنا، خسرنا الحمائم فربحت حريتها.‏

قال زياد: إنها مهنة فاشلة.. أخطأنا عندما أطلقناها اليوم، كان علينا أن نروضها جيداً لتعود إلينا.‏

ضحكت أمي وهي تقدم لنا الشاي:‏

-كان عليكما فعلاً أن تدرباها جيداً لتمضي فلا تعود.. إنها لم تخلق لهذا.‏

عندما أقام عندنا أفردت لـه أمي غرفة في الطابق الثاني جعلتها أفضل غرف البيت أناقة وتنظيماً، وضعت لـه أصص نباتات ظل وعلقت على النوافذ ستائر جميلة وطلبت إليه أن يقوم بارواء النباتات كلما جف تراب الأصص.‏

ولكي تنسيه قصة الحمائم بدأت أمي تعلمه كيف يحب النباتات ويتأمل سحر الزهور ويعرف أسماءها ويميز روائحها وأهدته (موسوعة الفصول الأربعة للزهور البرية) وبالتدريج أصبح شريكها في عالم النبات العجيب الرقيق المفعم بالمفاجآت.‏

كانا يذهبان معاً لشراء الشتلات وأبصال النرجس ودرنات الداليا وكورمات الزعفران من مشاتل الزهور في شارع (قطر الندى) الممتد من جسر الجادرية إلى حي السيدية.‏

واقترحت أمي أن نزرع ثلاثتنا شجيرات جوري تسمى لمن زرعها، واستمتع زياد بهذه المحاولات التي زجته بها أمي، وأذكر أنه هو من أطلق على حديقتنا اسم حديقة حياة..‏

عندما سافر زياد تعهدت شجيرته برعاية مضاعفة فكنت أرويها عندما تبزغ نجمة المساء معتقدة أن اقتران الرى بظهور كوكب عشتار سيمنح النباتات خصباً فتنتج وفرة من زهور..‏

كم كنت أعلق آمالاً على إشارات الأرض أو علامات الكواكب أو نذر السماء...‏

تعلمت لغة العشب وتحركات النجوم في أفلاكها حتى استغرقني ذلك طويلاً مع انهماكي في الموسيقى مما غيّب عن وعيي أية إمكانية لتحليل الأحداث تحليلاً منطقياً..‏

لكنني من جهة أخرى استطعت فهم أسرار الطبيعة وألغازها وملاحقة إشارات الأفلاك وتحولات الفصول، ومنحتني هذه الاهتمامات مفاتيح سحرية لأحاجى الوجود، بينما كان زياد يقف عاجزاً أمام الكثير من الظواهر ويسخر من انصرافي إلى هذه العوالم الغامضة ويقول:‏

-أنا لا أؤمن بغير حسابات الواقع واحد زائد واحد يساوي اثنان.. لا أعول على شطحات الخيال أو التصورات الذهنية..‏

لم يقتنع طوال سنوات عيشه معنا بغير الحسابات المنطقية الجامدة والنتائج المحددة لواحد زائد واحد.. وكان يفهم الجسد الإنساني باعتباره آلة حية ينبغي إطعامها وخدمتها وإدامتها لتواصل أداءها على أحسن وجه...‏

بينما كنت أرى الجسد مأوى الروح التي تتصل بالأكوان والطبيعة وهي التي تتلقى الإشارات من السنبلة وذرة التراب.. من النهر والنملة والعشبة والموسيقى..‏

حينما تشط بي الأحلام وتأخذني الروح في معراج الموسيقى أعزف تقاسيم روحانية يشف جسدي وأصير.. ماذا؟ لا أدري أصير ماءً، أصير أجنحة ضوء أصير نفسي التي تحب ويثقلها الحزن وأتساءل: هل يعودان؟‏

-لا أدري... كلاهما ذهبا.. أحدهما غاب في الغرب... والآخر غرب في الغرب وأنا في سرة العالم أتلقى إشارات الزمان... أسمع الموسيقى ثم أستفيق من انسحاري أنا أحب.... وأعرف كيف يحب الإنسان، لا أعرف كيف أنسى، ولا أعرف كيف يكون الإنسان عندما يذوي الحب...‏

أتساءل كيف يصير زياد فناناً وهو لا يقيم صلات مع أشياء الكون؟... لا أسأله اصمت...‏

رسالته الأخيرة وصلتني بالأمس، كشفت لي عن معاناته من التشتت، انعدام الثقة ربما اللا ثبات... أحدس ذلك من ارتباك خطه، من كتابته لمقاطع باللغة الإنكليزية لماذا يستعير لغة ليخاطب حبيبته؟ ذلك يعمق المسافة، يجرح الشوق... ذلك يحاذي الهجران...‏

مزهواً بما حققه يكتب لي:‏

(.. حبيبتي ميساء... بدأت أجني ثمار جهودي.. سيعرض عملي المسرحي الجديد قريباً..‏

تذكرين حديثنا عن ملحمة كلكامش ومغامرته في بحر مياه الموت؟‏

ها أنا قد عبرت مياه بحر الموت وبلغت أول عتبات الشهرة.. وسأحظى بالمجد... وسيعرفني العالم... ستكونين معي، سنكون معاً.... وسنحتفل بالنجاح وسيضعون إكليل الغار على جبيني، إني أرى تلك اللحظة وأحس عظمتها.. سترين ذلك بنفسك لأنك ستكونين معي...).‏

(زياد)‏

كنا نتحدث عن الموت الذي صار يعيش في بيوتنا وحدائقنا ويتغذى على أرواحنا ويقاسمنا الأحلام ويجري وراء خطواتنا ولا يبتعد عنا إلاّ عندما يشم رائحة الحب تنبعث من أجسادنا.. الحب مضاد فعال للموت،...‏

يسألني:‏

-ألم يكن بطل الملحمة يعرف ذلك؟‏

-كلكامش؟... ربما لم يكن قادراً على اجتراح فعل الحب، لذلك أقلقه الموت، وأرعبه موت صديقه وجعله يواجه فكرة الموت الذي يحاصره...‏

أفهم من زياد أنه يعشق فكرة الخلود وما اتجاهه إلى فن التمثيل إلا سعياً وراء خلود شخصي عبر الفن...‏

أقول له: الخلود كلمة ذات وجود متعددة، مثل بلورة ذات أسطح صقيله...‏

-أنا أحببت كلكامش، وأعدت قراءة الملحمة مرات ومرات..‏

-من أجل استيعاب فكرة الخلود؟‏

-ربما... لكني أحببت مجازفاته أكثر... أحببت شجاعته...‏

ربما فيما مضى كانت تستهويني فكرة الخلود بتأثير من زياد... أحلم معه، نحلم معاً.. البقاء في الأبدية بعد فناء الجسد... أحلم به.‏

الطيور بفعل انتشائها بأشذاء زهور البرتقال تتقافز مجنونة وتتصادم ثم تجثم على فرع شجرة تنشد أغاريد عجيبة، نداءات حب تتعالى من الحديقة.. صراع من أجل أنثى ومجثم فوق شجرة...‏

شذا زهور البرتقال يهيج أشجان قلبي... اسحق زهرتين بين أصابعي فتفوح الأشذاء أقوى، تخترق حواسي، ارتعش... ابتعد عن زياد... اجلس قبالته... يلحق بي ويمسك يدي المعطرة، يتشمم العبير ويقبل راحة اليد....‏

-اذهب... ابتعد عني... اجلس أمامي... لا تقترب..‏

-أردت أن أخبرك أنني أحب الأفاعي، لكني لا أعرف عن علاقتها بتاريخ البشر.. استغرق في الصمت... أسمع ترنيمات... تهتز سعفات النخل.. أسمع نداء أمي... أسمع نبرة أبي.. اسمع.. اسمع..‏

-ميساء... ألا تحدثيني عن تاريخ الأفاعي؟‏

انظر إليه بعينين غائبتين... أريد أن أقول لـه أحبك أكثر الموسيقى تهب من أصابعي أريد أن أعزف... سأعزف...‏

-حدثيني عن الأفعى..‏

-اللوحة.. أنت تعرف هذه اللوحة.. الرجل والمرأة والنخلة والأفعى آدم وحواء السومريان... ليس من خطيئة، هكذا الأمر.. يفوز العاشقان بالمعرفة ويخسران الفردوس..‏

-وما دور الأفعى؟‏

-حين تتصل الاثنان من المسؤولية.. ألقيا التهمة على الأفعى... بدآ حياتهما بتزوير الحقيقة... من أخطأ ومن أغوى.. الثأر بدأ من هناك..‏

-وكلكامش ألم تسرق منه الأفعى عشبة الخلود؟‏

-أخطأ مرتين، مرة عندما تلقى قصة العشبة من جد البشر أوتانبشتم وفهمها حرفياً‏

-قال لـه أن النبتة موجودة في أعمق أعماق مياه البحر المالحة ولها جذر زنبق وأشواك ورد الجوري.. جميلة وجارحة.. إذا حصلت عليها ستنال الأبدية... كان الجد يدعوه للتأمل في أعماق نفسه واقتلاع ما بداخلها من أدغال غرور وشر وشهوات سلطة..‏

-أهذا فهمك الشخصي للقصة؟‏

-نعم... أراد لـه الجد أن يعود بشراً سوياً قادراً على الحب، هو الذي رفض حب عشتار لـه والدليل عند صاحبة الحانة البحرية سيدوري التي تلقن الناس أسرار الحياة البشرية...‏

والخطأ الآخر: والأخطاء الأخرى؟‏

-لن أكشف عنها الآن... سوف أحاول أن أكتب لك مشهداً مسرحياً يتضمن رؤيتي لأحداث لم تذكرها الملحمة..‏

-متى؟‏

-سيحدث ذلك في أوانه...‏

-قد نفقد الفردوس مثلهما...‏

-أنت معي... فأي فردوس بعد هذا؟‏

يقترب مني، يمسك بكتفي ويرفع رأسي نحوه أهب واقفة لأبعده عني فيلتقي وجهانا‏

-أريد حبك أكثر من أي شيء آخر.. ربما كان هو الخلود الذي أنشده...‏

-سوف تعاقب بالنزول إلى الأرض... وسوف تفقد ما سعيت لأجله..‏

-ليكن إذا أخذني حبك إليك.. ما أريده هو أن تكوني لي... عديني أنك ستكونين لي..‏

لبث يتشبث بي مثل غريق يمسك يدي... طفل تائه عثر على أمه وسط زحام العالم... ينحني علي ويقبل مفرق شعري ويضمني ويهمس:‏

-ميساء ساعديني، أنا عاجز عن الاستمرار لا أستطيع نسيان كارثة أهلي... تعرفين ما أعاني قد يكون رحيلي علاجاً لعذابات روحي...‏

-لا أعتقد أن الرحيل سيجدي.. آلامنا ترقد في أعماقنا ولا علاقة للأمكنة بالموضوع..‏

أقرأ صفحة أخرى من رسالته..‏

[.. حبيبتي ميساء.. متى تأتين؟ متى؟‏

نجحت في كورس اللغة بامتياز.. ستفتح أمامي أبواب التقدم والنجاح..‏

سأقدم عملاً مسرحياً بالإنكليزية، لو كنت معي لساعدتني في اختيار النص.. سأختار نصاً للكاتب (هارولد بنتر) وأقدم العمل في جامعة (اكستر).‏

أشعر بالمرارة لأنك لست معي.. أحبك.. أشتاق لشذا البرتقال والشاي الشهي من يد أمنا حياة...‏

متى.. متى تأتين؟‏

زياد]‏

كيف يمكنني أن أحب رجلاً سواه؟‏

كيف لي أن أدع يداً غريبة تلمسني؟‏

وكيف سأمضي سنواتي القادمة في وحشة القلب؟‏

أكتب له:‏

زياد...‏

أراك كل ليلة في الموعد ذاته، أشم في الهواء أريج الحب الذي يشع في أجواء الربيع ويفوح من الأرض المحروثة ومياه النهر...‏

أشتاق إليك، أشتاق لمشاهدك المسرحية البارعة، كنت تقدمها لي وكأني مرآة نفسك لتلمس ما ينعكس علي من أدائك، هل تذكر؟ كنت أهمس لك:‏

-أحب نبرة صوتك العميقة.. أحب نظرتك وأنت تحدثني عن غدٍ محتمل لنا فأرى الغد في عينيك...‏

كم أحب إنصاتك لعزفي، كم أحب حياتنا معاً؟‏

شجيرة الجوري أزهرت وكأنها تعلن ضحكتك..‏

أحب صوتك بلغتنا لأن الكلمات تصبح حية ولها حجم ولون حين ينطقها المحبون..‏

زياد..‏

تعرف أن الإنسان لا يسكن أرضاً ولا بيتاً فخماً مشيداً كالقلاع ولا داراً ريفية تطل على البحيرات والغابات، روح الإنسان لا تسكن الأمكنة لأن بيته الحقيقي الأول والأخير هو لغته، فلماذا تكتب لي بلغة أخرى؟؟‏

أكتب بلغتنا التي تنبض في الدم وتعتاش على الذكرى وأصداء حكايا الأمهات التي سمعناها عند عتبات النوم... لا تتوهم أنك باللغة الأخرى تستطيع أن تحبني.. كلمات الحب لا تستعار من القواميس لأنها لا بد أن تتفجر من أعماقنا فتتدفق بأشواقنا وأحلامنا..‏

بحثك المضنى عن الشهرة وتوقك للخلود دفعاني إلى كتابة مشهد مسرحي عن ذلك المغامر العجيب الذي تسعى للتشبه به وتتماهى مع مجازفاته.. أحبك‏

ميساء]‏

يداهمني طرق عنيف على بوابة الحديقة.. أنظر من النافذة فأرى رجلاً ضخماً بديناً يضع نظارات قاتمة وعلى مبعدة منه يقف رجلان آخران...‏

ما أن يراني وراء النافذة حتى يصرخ بصوت سميك:‏

-أنت يا ست حياة أنت.. افتحي لنتحدث‏

-من أنت؟؟‏

-أين أمك يا بنت..؟‏

-من أنت وماذا تريد؟؟؟‏

-أين هي ست النسوان... أمك؟‏

-ماذا تريد منها؟‏

-ألا تعرفين؟.. أريد أن أنهي الموضوع... ثلاث سنوات وأنا أنتظر ولم تقتنع...‏

-أي موضوع...؟‏

-شراء هذه الخربة.. حديقة أمك التي لا تريد التنازل عنها...‏

-ولن تتنازل..‏

-اسمعي يا بنت.. أنتِ.. أخبري أمك أن العناد لن يوصلها إلى نتيجة.. اسمعي.. قولي لها أن يدي تصلَ إلى أي مكان.. وسترون.. فهمتِ؟‏

-لن تستطيع فعل شيء... ما أدراك أن يدنا أطول من يدكَ؟‏

-تهدديني؟‏

-أنا أرد على تهديدك..‏

-نسوان آخر زمان.. ماذا تفعلين يا بنت حياة؟... لو كان في البيت رجل لتفاهمت معه، لكن.. أتفاهم مع نسوان؟.. سترون ماذا يفعل كايد الحردان بأمثالكم...‏

أغلق النافذة وأبكي:‏

لو كان في البيت سواي، زياد أو أبي.. إذن لما حدث لنا كل هذا...‏

(2)‏

من أوراق ميساء:‏

حبيبي زياد..‏

ها قد تحولت الآثارية العاطلة عن العمل إلى مشروع كاتبة.. لكنها تبقى في حدود اختصاصها.. رسالتي إليك هذا النص:‏

(كلكامش وشجرة الصفصاف)‏

على ضفاف الفرات في البراري.. نرى زورقاً يتهادى في النهر... تخفق طيور مائية قرب سطح الماء... نشاهد أجمات القصب والبردي إلى اليسار، عن اليمين غيضة صفصاف تتناثر على المدى المكشوف أمامنا هياكل عظمية.. قرون ثيران وغزلان.. جماجم بشرية.. مع مسلات مرموقة بعلامات مسمارية واضحة.. ضباب أو دخان يلف المشهد...‏

أصوات حفيف الشجر، اضطراب الموج.. اصطفاف أجنحة مع أصوات مبهمة يرافقها أنين... يصل كلكامش منهكاً بادي التعب لكنه يقاوم تعبه، ثم يجلس ليرتاح عند أجمة الصفصاف... يسمع همهمة أصوات وضجة خفيفة...‏

صوت أو صدى: عد من حيث أتيت‏

قدر الإنسان الموت‏

هذا مضيعة للوقت‏

عد... عد...‏

لا شيء سوى الموت..‏

عد من حيث أتيت..‏

(تتلاشى الأصوات في تردد الصدى ثم تختفي)‏

يسمع كلكامش حركة بين الشجر وأنيناً غامضاً... ينظر إلى العظام والقرون المتناثرة‏

كلكامش: أينما وليت وجهي أجد نذر المصير... كل شيء إلى فناء.. وأنا؟.. أنا كلكامش... أأغدو عظاماً وتراباً تذروه الرياح؟‏

لا.. يا لـه من مصير يليق بالزواحف... هذا خطأ جسيم في نظام الكون.. لماذا؟... أين أجد الجواب؟... أين؟.. ما أضيق الدنيا، ما أشد مخاوفي..‏

صوت هامس‏

مرتعش: أأنت خائف؟.. هل أدلك على ما يهزم فيك الخوف؟‏

كلكامش‏

مباغتاً: من؟ من هذا الذي أسمع؟ ما الذي يهزم خوفي؟‏

الصوت: اعمل.. غير نفسك فيتغير العالم.. اعمل تبعد عن قلبك هذا الخوف..‏

كلكامش: من يتحدث؟.. من تكونين؟.. ما أنت؟..‏

الصوت: اسمع أولاً... اسمعني...‏

كلكامش: أأنت امرأة.. أم أنت من آلهة الكون؟.. أم أنك ريح الجنوب؟ أم أنك سيدة الماء؟‏

الصوت: ولم التعجل؟.. وعلام تعذبك الأسئلة؟ وما هذا التعب الذي يعلو وجهك وينهك جسدك؟‏

كلكامش: متعجل لأني أروم السفر في مياه بحر الموت... والأسئلة تعذبني.. لأنني أنا سؤال حائر يطوف العالم بحثاً عن جواب... وأنا حزين لأنني فقدت خلي وصديقي أنكيدو الذي أصابه الموت.. فخفت ومضيت هائماً على وجهي الأسئلة تأكل قلبي، أما من جواب؟‏

الصوت: لو أمعنت النظر إلى نفسك لعثرت على الجواب... إن الأهم لدي أن يتساءل الإنسان.. السؤال أجدى من الجواب...‏

كلكامش: لا.. أيها الصوت، فأنا أبحث عن الجواب، وسأظل أبحث عنه في تجوالي ولا بد أن أعثر عليه..‏

الصوت: أما أنا أيها الحائر فإني أنظر إلى نفسي فأعرف الإجابة...‏

كلكامش: ما أنت؟‏

الصوت: أنا شجرة الصفصاف... انظر إلى جسدي الخشبي فأعرف الإجابة...‏

كلكامش: جسدك؟ أنت أيتها الصفصافة؟‏

الصوت: نعم.. هذا الجذع الموصول إلى أعماق الأرض، الممتد إلى مديات الشمس...‏

كلكامش: ما به؟‏

الصوت: تأملني، وانظر كم مرة قطعوا جذوعي.. قاومت الموت، قاومت الفأس، لكني في يوم آت سأموت... انظر كم جذمة مقطوعة تحيط بي؟‏

كلكامش: ..جذمات كثيرة...‏

الصوت: مرة أخذوا بعض خشبي وصنعوا لك مهداً حين ولدت...‏

كلكامش: لي أنا؟..‏

الصوت: نعم، ثم لما صرت صبياً صنعوا لك دمية من خشبي، ثم لما نضجت وصرت رجلاً صنعوا لك سريراً من خشبي لليالي حبك...‏

كلكامش: كل ذلك ولم تجفي؟.. كيف تحملت كل هذا؟ كيف؟..‏

الصوت: ثم صنعوا عرشاً لملوكيتك.. وما تبقى مني، ما تراه الآن سيصنعون منه نعشاً لما تبقى منك..‏

كلكامش: لا لن يحدث ذلك أبداً... لا... لن يصنعوا النعش..‏

الصوت: بل سيفعلون، لا بد من نهاية لكلينا.. لا بد من نهاية للجميع..‏

كلكامش: لا.. لا أريد أن أسمع.. لا..‏

الصوت: أنت بحاجة لأن تسمع.. لا بد أن تعترف بأنك تتجاهل الحقيقة..‏

كلكامش: أنا أعرف وأتجاهل وإني لحزين لهذا..‏

الصوت: ما علمت أن المعرفة تثمر أحزاناً، المتع وحدها هي التي تنضج أحزان القلب.. لا بد أنك نلت الكثير من المتع لتحزن كلكامش: هذا الحزن..‏

كلكامش: اطمئني يا صديقتي شجرة الصفصاف لن يقطعك أحد.. ولن يصنعوا النعش من جذعك الباقي..‏

الصوت: وهم.. وهم.. أنا لا أخشى قدري..‏

كلكامش: لا بد لي أن أعرف طريق البقاء، لا أريد أن أفنى لا أريد أن أتحول إلى تراب...‏

الصوت: ستعرف المزيد كل يوم وكلما ازددت معرفة تكاثرت الأسئلة.‏

(تجلجل ضحكة امرأة مرحة سرعان ما تدخل مجال الضوء)‏

سيدوري: نعم المعرفة لا نهاية لها وكذلك الفرح يا كلكامش..‏

الصوت: تعنين المتع أيتها المرأة.‏

سيدوري: بل الفرح الصافي..‏

كلكامش: ما الذي أتى بك إلى هنا يا سيدوري يا صاحبة الحانة؟‏

سيدوري: جئت لأبوح لك بالسر، هناك في مياه بحر الموت لا شيء سوى الأفعى والتنين وحية البحر ذات القرون تلك التي قوتها لا تقاوم...‏

كلكامش: إن لقيت هذه الوحوش سأخمد قوتها ببسالة قلبي..‏

سيدوري: هناك لن تجد الجواب بل اضطراب القلب والعاصفة التي لا تقهر..‏

كلكامش: هذا أعرفه يا سيدوري.. أعرفه..‏

سيدوري: علام تمضي إذن في رحلة الموت؟‏

كلكامش: لا بد من إجابة وعندئذ سيفعم قلبي الرضا..‏

سيدوري: تخطئ يا ملك أوروك الجواب هنا على أرض البشر، هل عرفت الفرح؟‏

كلكامش: جربت كل شيء.. كل شيء.‏

سيدوري: إذن دع الرحيل وليبتهج قلبك ولتفرح بما وهبتك الحياة. (تظهر نيسابا)‏

نيسابا: لا.. لا تصدق يا كلكامش ما تقوله هذه المرأة، لا تصدق ما رددته الحكايات والقصص القديمة، لا تأخذ ما يقوله الرواة مأخذ الجد إنهم يبالغون ويكذبون ويزيفون الحقائق، أنا نيسابا سيدة المعرفة حذفوا وجودي من نص الملحمة فلبثت حبيسة العدم لكنني سكنت ذاكرة الكاتبة السومرية وأوحيت لها أن تظهرني خلال عصر من العصور.‏

لو كنت ظهرت آنئذ لتغيرت أحداث الملحمة ولتبدلت أحوال البلد وأخبار الملوك وتحركاتهم..‏

سيدوري: لا تستمع لسواي.. ما الذي يدفعك لتغامر بحياتك؟ لا تنصت إلى من تثير الاضطراب في النفوس..‏

كلكامش: مات صديقي ولا أطيق البقاء في أي مكان.. حل الاضطراب في قلبي وزلزلني الخوف.. أريد النجاة يا سيدوري.. أريد الحياة وحدها.‏

سيدوري: الحياة التي تنشد لن تجدها فحين خلقت الآلهة البشر قدرت عليهم الموت واستأثرت بالخلود لنفسها.‏

كلكامش: لماذا يفنى ملك مثلي؟ لماذا؟‏

سيدوري: لا تقلق أيها الملك الجميل..‏

لك أن تفرح، كن فرحاً، لم لا تفرح؟‏

هي ذي حال الدنيا ألم وهناء، فرح وبكاء ونهايات..‏

كلكامش: لا شيء سوى الموت..‏

سيدوري: أما أنا فمن باب الحانة أرقب هذي الدنيا‏

وأرى كل مصير الإنسان‏

صرخات أسمع وأغاني‏

كلكامش: والموت الموت ألن نهزمه؟‏

سيدوري: ستحيا قدرك وستموت مثل الآخرين لذا عليك أن تستمع بما وهب لك..‏

كلكامش: لن أموت مثله، لا لن أدع جسدي للدود وأغدو تراباً فلا أقوم إلى الأبد.. لماذا أقمت الأسوار؟‏

لماذا شيدت المعابد؟ لماذا صرعت الوحش، الأجل أن أغدو تراباً؟؟‏

سيدوري: افرح يا كلكامش..‏

افرح هو ذا قدر الناس، لم لا تفرح؟؟‏

زهر حولك يتفتح‏

وشموس تتألق‏

وغدير يتدفق‏

فافرح لم لا تفرح؟‏

وجه حبيبتك يلوح على الأفق‏

والليل يراود جمر الشفق‏

وأنا؟ أتراني؟.. أرقب هذي الدنيا من باب الحانة‏

وحدود البحرِ‏

أنسى ما مر‏

وانتظر الآتي‏

فاملأ يومك بالحب‏

وتوهج ليلاً كالشمس‏

وعانق سيدة القلب..‏

افرح يا كلكامش..‏

تنشد زمناً آخر للإنسان؟‏

تطمح في عمر ثان؟‏

عد من حيث أتيت!‏

قدر الإنسان الموت‏

لا شيء سوى الموت‏

فافرح وتناسى ما مر‏

وترقب هذا الآتي من عمق البحر..‏

تقدم لـه الشراب وتعبث بخصلات شعره الطويلة...‏

سيدوري: لحظة زمن في اليد خير من وهم قاتل... عش يومك فالدنيا زائلة، إلا لإله قادر... خذ اشرب رحيق الآلهة.. ستهز البهجة أعطافك، سترقص أمامك الأشجار...‏

وسيطربك غناء العرس... وتتفتح أمامك زنابق الماء... وتشرق الدنيا بألوان قوس قزح...‏

نيسابا: كلا يا كلكامش، هذه المرأة تبيعك فرحاً زائلاً وبعده يأتي الحزن ويملأ قلبك كالدخان... إنها هي الدخان يحجب عنك الحقيقة..‏

كلكامش: من يقول هذا؟ سيدة المعرفة؟‏

الصوت: نعم، من علمتك أن تعرف وتكون!‏

سيدوري: هراء، لا تستمع إليها إنها ستسحبك إلى بئر النسيان... تعال إلي... سأقص عليك أناشيد الحب، سأغني لك... سأسقيك رحيق الآلهة... وستنام على ذراعي...‏

كلكامش: أنا ما عدت أعرف شيئاً.. ولكن ماذا يعرف الجميع؟ كلهم يجهرون بحقيقة الموت...‏

نيسابا: سأعلمك المزيد، المعرفة لا نهاية لها، تبدأ كل يوم ولا تنتهي مثل الحياة...‏

كلكامش: ولكن لماذا؟.. لماذا قدرت الآلهة علينا الموت؟‏

نيسابا: ألا تعرف؟ لأنها أوجدت الزمن..‏

كلكامش: أي زمن؟‏

نيسابا: الأيام، الليل والنهار، والشهور والسنوات..‏

كلكامش: أكانت الحياة ستدوم لو لم يوجد الزمن؟ هل يجب أن أفتك بالزمن؟...‏

نيسابا: لا حياة بلا زمن... نحن نولد ونكبر ونتعلم ونحب ونتكاثر ونشيخ فيه... هذه أجسادنا، ووجوهنا انظر إلى نفسك.. انظر إلي.. كل ما فينا من صنع الزمن..‏

كلكامش: بل من صنع الآلهة..‏

نيسابا: وهي التي سلطت علينا وحش الزمن..‏

سيدوري: دعيه لا تحرضيه ضد الحياة... الحياة ممتعة وكل شيء في متناول يديه، يكفيه ما عرف، هنا كل المتع..‏

كلكامش: لولا النهاية...‏

نيسابا: ذلك لأننا من البشر..‏

كلكامش: ما جدوى ما عرفت؟.. وإلى أين أفضت بي المعرفة؟ حل الموت بصديقي ورأيت الدود يأكله أمامي.. فهجرت الدنيا وهمت على وجهي بحثاً عن جواب..‏

نيسابا: بالعمل سيبقى اسمك متلألأً على حجارة الأسوار في أوروك المقدسة، وبالمعرفة ستنكشف لك أسرار الوجود وسيدوم ذكرك، فليهدأ قلبك..‏

كلكامش: هل ترافقيني في رحلتي إلى جد البشر؟‏

نيسابا: ربما سأذهب معك لأحول بينك وبين أشياء كثيرة، ولنغير معاً أحداث الملحمة وقد نغير مصائرنا فتغدو سيد المعرفة ويتوجونني ملكة لأوروك بدلاً عنك..‏

كلكامش: أتمزحين؟.. هيا... رافقيني وليحدث ما يحدث.. أيها الملاح (أورشنابي) هيء المركب والمرادي سنرحل إلى هناك..‏

صوت الملاح‏

(أورشنابي): لا أريد الرحيل مرة أخرى... سئمت المغامرة في مياه بحر الموت... أريد الحياة هنا..‏

كلكامش: سترافقنا وستجد الحياة التي تريد..‏

سيدوري: وهم.. وهم... الحياة.‏

بين أيدي الجميع... لا تطاردوا سراباً ستعودون في أيديكم رماد الخسران وفي القلب غصة الحزن.. انظروا إلي...‏

أنا أنتظر هنا ولا أبحث...‏

عن زمن ثان للإنسان فلدي العمر، لدي الفرح... النشوات... وماء البحر كل صباح أنسى ما مر..‏

وابدأ عند شروق الشمس.. اذهبوا ولكنكم ستعودون أخيراً ليدي...‏

إني حارسة حدود الدنيا..‏

والكل يمر ببابي... ستعودين إلي...‏

(3)‏

من أوراق ميساء...‏

أمي محطة عزاء الحزانى، وكاتمة أسرار الناس، وسوزان... وسوزان الجميلة كما أسميها، تأتينا منذ الصباح.. أسمع بوق سيارتها.. وطرقات يدها على باب الحديقة.. اسمع خطواتها على الممر.. أسمع أمي ترحب بها وتتعانقان..‏

تقول أمي:‏

-ما بك سوزان؟ ما الذي أتى بك الآن؟‏

-حياة حدثت المعجزة..‏

-أية معجزة؟‏

-وهل هناك سوى معجزة واحدة أنتظرها؟‏

-هل حدث الأمر؟ هل تحولت إلى رجل؟‏

-حياة ليس هذا وقت المزاح..‏

-لا أمزح، لم تخطر على بالي إلا هذه المعجزة التي ستحل مشكلات النساء كما تظنين..‏

-عبد المقصود الغنام عبد المقصود مات.. أنا مرتبكة اتصلت بي ابنة أخيه (لمى) فأتيت مباشرة إليك.. تقول أنهم عثروا عليه مقتولاً في طريق التاجي وقد سرقوا سيارته (الشيروكي) وساعة يده ومحفظته...‏

أذهلني الخبر... بقيت مذهولة لبعض الوقت، لا أعرف لمن أذهب، أم توماس مريضة، ولا أحد لي سواك.. وسوى غسان.. لم أجد من اللائق الذهاب إليه الآن.. قلت آتي إلى حياة.. لتهديني إلى ما أفعله...‏

-لمى... هل داومت على صلتها بك؟‏

-نعم... إنها تحبني وتحقد على عمها الذي خاصم والدها حتى مماته..‏

-سوزان استريحي.. يجب أن تهدأي.. سأهيء لك مغلي الأعشاب، أنت مرتبكة كنت أعتقد أنك ستفرحين...‏

-لا أعرف أية مشاعر تنتابني، لفرط المفاجأة.. لم أصدق... ولا شماتة بالموتى.. لكل قدره ونهايته، هل نذهب إلى مجلس الفاتحة؟‏

-أرى ذلك مناسباً، أين تقام الفاتحة؟‏

-في بيت أخيه والد لمى في الوزيرية..‏

-هل تريدين الذهاب الآن..‏

-أريد أن أغير ثيابي.. هل لديك قميص أسود وتنورة مناسبة؟.. لا يليق بي الذهاب هكذا..‏

كانت سوزان ترتدي سروالاً من الجينز المبقع مع قميص من الجرسيه بلون الخشب وحزام مزين بأحجار زرقاء وشعرها الأشقر متناثر كأنه هالة ضوء تحيط بوجهها الشاحب..‏

تدخل غرفة أمي وتستبدل ثيابها.. ثم تمسح ما تبقى من آثار زينة وعلى وجهها ريثما تعد أمي مغلي الأعشاب..‏

قوة أمي تخدم كل الحالات.. أعمال السعادة وأعمال الحزن وأعمال النسيان وأعمال التحرر من أغلال الماضي..‏

أفكر بسوزان الجميلة التي تبدو لي أكثر هشاشة من قبضة قش، أكثر نزقاً من عصفور.. أفكر بها، بضعفها الذي يعلنه جمالها البارد وكلماتها المتكسرة بصوتها المغوي..‏

-أنت قوية حياة.. تستطيعين تحمل كل ما يطرأ من أحداث.. أتدرين لقد كنت مجروحة الفؤاد دوماً سأحاول الآن أن أشفى..‏

لقد تحملت الكثير لأنجو بنفسي.. لو أنني تسرعت لكان نصف بيتي الآن إرثاً لابنتيه الصغيرتين.. أظن أنني أفعل أشياء صحيحة..‏

-نعم.. تستطيعين ذلك، لأنك تعرفين أحياناً كيف تجري أمور الدنيا.. أم أنك لا تعرفين؟‏

-كيف لا أعرف وقد علمتني قضيتي مع عبد المقصود كيف أتصرف بدهاء الأثرياء ولكن بغباء من لا خبرة لهم أحياناً.‏

-لست غبية يا سوزان إنما أنت ذاهلة عما يدور حولك في الدنيا..‏

-أتساءل هل لي الحق أن أحب غسان الذي عبثت به؟‏

-لم لا؟.. غيري قواعد اللعبة، كافئي نفسك برجل مثل غسان.. عيشي عالم الشاعر تعلمي كيف تحيين..‏

-هل سيغفر لي؟.. أم تراه سيثأر لنفسه؟‏

-غسان كما أعرفه لن يلعب لعبتك ويعرف ما يريد ولا يلجأ إلى الخداع.‏

-أنا نفسي لا أستطيع مسامحة نفسي فكيف سيسامحني؟‏

-سوزان، تحدثي بثقة عن نفسك..‏

-لا أثق بها.. لطالما أوقعتني في المآزق.. أريد أحداً يساعدني لأثق بنفسي، ترى هل أستطيع البدء من جديد؟‏

-الأفضل لكما تجاوز الماضي..‏

-ذلك ليس بالأمر الهين.. أخشى أن يكون كعادته صعب المراس..‏

-مبدئياً يبدو أنه ارتضى الأمر..‏

-لكنه يرفض فكرة الرحيل..‏

-أنت تريدين الحصول على كل شيء دون أن تخسري شيئاً، هذا ليس عدلاً يا سوزان..‏

تلتفت سوزان نحوي وتقول لي:‏

-ميساء هل أنت راضية عن موقفك؟‏

-أي موقف؟‏

-بشأن رفضك فكرة سفر زياد وتمسكك بالبقاء هنا..‏

-لكل إنسان رؤيته الخاصة للأشياء..‏

-أأنت مقتنعة؟‏

-حتى وإن لم أقتنع، لقد ارتضى زياد أن يكون في موضع مستحيل ويصعب عليه التراجع بعد كل شيء..‏

-أأنت متمسكة به؟‏

-حتى أفقد قدرتي على الحب..‏

-أما أنا فلا أحتمل وضعاً كهذا أنت إنسانة مدللة تطلبين فيلبي الجميع أو تأمر الثروة فيصير الكل طوع بنانك..‏

تقول أمي:‏

-هل تريدين أن نذهب؟‏

تنتظر سوزان إليّ نظرة متشككة.. لأنها أرادت أن تقول لي:‏

-أنت قوية مثل أمك لكنك مخطئة..‏

-ست سوزان أنت تحبين الانتصارات ولو على حساب وجودك نفسه..‏

-ربما.. هذا هو اختلافنا، أنت على ما يبدو تحبين الاستسلام..‏

-بل التماسك في موضعي..‏

تذهبان معاً، كل منهما تنوء تحت أحمال هموم من نوع مختلف.. لكن ذلك لا يمنع أن تتوحد خطواتهما في ظروف معينة، وأن تعين إحداهما الأخرى، (وهي في الأغلب أمي) على تحمل هموم صاحبتها..‏

أنا؟.. أختار طريقي.. اخترته.. لم يعد لدي وقت لإعادة النظر في قضيتي.. الحب؟.. لا شأن لـه بكل هذا، أنا أحببت زياداً وسأواصل حبه.. نعم لأنني أجيد العيش في المنطقة الأكثر خيالاً والأشد ضوءاً وفتنة.. منطقة الحلم..‏

لا أريد أن أصحو من حلم عودة أبي وعودة زياد.. أنا ما زلت فتية وسوزان تكبرني بسنوات عشر وربما أكثر من ذلك..‏

وبوسعي احتمال الصبر، والشوق، والانتظار.. بوسعي التوغل في ضفاف الموسيقى والتجول في أزمنة الحضارات الغابرة، بإمكاني التحليق في مقطوعة موسيقية أو العوم في نهر الماضي لأصطاد خلاصات التاريخ.. وأعزز الحب..‏

أرى سوزان عاجزة عن الحب لأنها تريد الامتلاك.. من يهوى الامتلاك يعجز عن الحب.. لا يريد أن يضحي بشيء، بل أن يفوز بالمزيد وكلما حصل على شيء ازداد نهمه للأخذ والتملك..‏

أعطيت لزياد كل ما بوسعي أن أقدمه له.. وأخذ ما كان يريده وما زاد عن ذلك لكنه إزاء كارثة الذاكرة المجروحة، آثر أن يتحول إلى البحث عن مستقبل لـه بعيداً عن ساحة المأساة التي سقط فيها أهله..‏

تخلى عني، وعن أمي، أمه التي أعادته إلى الحياة..‏

كان يتوقع أن يجري كل شيء بصورة فائقة، سيضع قدمه على بوابات الفردوس..سيفوز بالمجد والخلود والنساء.. نعم أعرف ذلك.. سيدهش بجمال أؤلئك النساء ببشراتهن الناصعة وأجسادهن المعراة وجرأتهن في الكشف اللامشروط عن أنوثتهن..‏

سوف يحدث أنه لن يتورط بإخلاصه لي.. يدعوني إليه لكنه لن يصون حباً ولد في ظل الماسآة ونما في حديقة أمي التي زرعناها معاً وروينا نباتاتها في الأماسي الربيعية وليالي الصيف الساخنة حين ينقطع التيار الكهربائي فنخرج لاهثين وقد تفصدت أجسادنا بالعرق لنتنسم هواء الليل ونسمع الزيزان والضفادع ونرى النجوم ترش غبارها الكوني على عالمنا..‏

أمي تعرف أنه لن يعود، لكنها لا تعلن هذا لي.. تدعني أتوصل إلى النتائج بمفردي..‏

تقول لي أحياناً: الذين درجوا على تغيير خطاهم، لا يتوقفون عند عتبة من العتبات، إنهم أبناء القلق لهم قلوب مضطربة لا تعينهم على التأمل أو الصبر.‏

أفهم إنها تدس تلك العبارات في مسافات ثقتي بمن لا تثق به..‏

أتغاضى عما تقول وأواصل الكتابة إليه ويواصل الكتابة لي، أصبحت الكتابة عادة مستحكمة تسير هبوب الشوق وفورات الغضب وعذابات الليل الموحش..‏

ماذا تفعل العادة المستحكمة الشبيهة بتدخين النيكوتين الذي يسمم الدم ويتلف الرئتين ويستعبد العقل؟‏

لا يمكن الخلاص منها، لا يمكن تعديلها، لا يمكن استبدالها، البديل الوحيد لمثل هذه العادات هو اللقاء وطالما أصبح الأمر في غاية الاستحالة فإن كتابة الرسائل تبقى الإمكان الوحيد للبقاء في أوهام الحب..‏

يكتب لي:‏

حبيبتي ميساء..‏

أحبك.. أشتاق لوجهك يا أجمل نساء العالم..‏

أين أنت؟ أتمنى أن تراودك رغبة السفر إليّ.. أن تسافري إليّ وكأنك تحلمين.. لا تفكري طويلاً بالأمر، جازفي وتعالي..‏

أحبك لهذا المشهد الجميل الذي كتبته لي عن بطلي المفضل كلكامش، نهاية النص أوحت لي بأنك ستفعلين مثلما فعلت نيسابا.. أم أن ذلك مجرد تخمين؟‏

أنت دعوتني للحياة.. هل أنت سيدوري أم نيسابا؟‏

لقد وضعتني في الحيرة من جديد.. اكتبي لي.. سأحاول إعداد المشهد وتهيئة أجواء مناسبة لتقديمه في أحد مهرجانات المسرح التجريبي، سأكتب لك رسالة أخرى لأنني مسافر غداً إلى ويلز لألتقي أصدقاء عرب في جامعة بريستول وأعرض عليهم المشروع.. مشهدنا المسرح الذي أعتز به وسأحاول تقديمه بما يليق به وبنا تحياتي إلى أمنا حياة، أعلم أنها لا يمكن أن تسامحني، لكما أشواقي ولك أنت كل الحب الذي تستحقينه..‏

زياد‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244