|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:13 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثامن (1) كل ما يسمعه غسان يقال بصيغة الماضي.. كان، كانوا، كانت، كنا.. يردد وهو يرنو إلى الصور التي التقطها: -يا لها من لغة راعشة، أن تكون الحياة كلها بصيغة فعل ماضي.. -ماذا عن الحاضر؟.. من أين يأتي المستقبل إذا لم يكن ثمة حاضر يحمله في أحشاءه الحاضر الموؤود شغله الشاغل ومبتغى روحه سيكون له، وسيحتجزه في لقطات حية ويدخره في خزانة الرؤيا؟.. سوزان تريد القفز إلى المستقبل، وجودها يتكثف في رغبة واحدة.. الرحيل نحو مستقبل ترسمه أحلامها المكسورة في حاضر لا تملك منه شيئاً.. أمه، تبدد الحاضر بتذكر ما مضى.. حياة أيضاً على ما عرف عنها أخيراً تعيش حاضراً معلقاً بخيط واهٍ إلى الماضي المحطم.. لكل واحدة طريقتها لنسف الحاضر ودحضه، فإما قفز إلى المستقبل المجهول وإما التريث في الماضي والالتفات الدائم إلى ما وراء الأمس.. على ما عرف من سوزان، إن ميساء ابنة حياة تعيش الانفصال ذاته مثلهن، تحيا ذاكرتها على تاريخ البلاد العتيق وتدمر الحاضر بالعيش في أمل عودة زياد أو لقائهما بفضل معجزة في زمن ما. وأرض ما.. تحيا الارتداد في ماضيين ماضي البلاد وماضي الآسرة.. الحضارة الغائبة. والأب الغائب.. وحده سوف يأخذ الحاضر إليه ويحياه برغم عسره، سوف يدونهُ في صور، ويحفظه لكي لا تغيب علامات العذابات عن ذاكرة الآتين إليه في الغد.. سيحياه مع سوزان أو بدونها، مع أمه أو بدونها مع كامرته ولا سواها.. سيكون الحاضر مسافة فعله الذي يقاوم به فناء الأشياء وتحللها.. بعضهم يرى الحاضر مثل معزلٍ لمرضى أصابهم البرص فينأى عنه، الآخرون يبقون أمام نافذة محمية بزجاج لا يشمون رائحة ولا يلامسون هبة ريح من حاضرهم، غيرهم يحيونه بكل عذاباته وعوزه وأوجاع الحروب، هو من الفئة الأخيرة، لا يبدد اللحظة ولا يذكرها.. الصور ملآى بساعات الزمان.. الصور مكتظة بالعيون، مزحومة بالخطى.. الصور تئن لفرط المتألمين فيها، يسمع أنين الورق في الليل عندما يعلق الصور المطبوعة على حبل لتجف بعد انتشالها من حوض التحميض.. يرى العالم أكثر عرياً.. يرى الغبار أكثر قتامة والأرواح أضحيات تعلق على حبل في صورة تقطر نوراً لتضيء الحقيقة.. سئم تكرار الألم، سئم عذابات الحرب التي التهمت شبابه.. قاتل فيها وعاش في مواضع تحت القصف أو وراء المتاريس في البراري تحت الشمس وأمطار الشتاء.. كان يحتمي جيداً وراء خطوط الموت بنظرته التي تلقط ما وراء القذيفة وما بعد لحظة الانفجار.. يخزن الصور في ذاكرته ويعيد صنعها في كولاجات يتقنها ليقدم صورة الحرب على حقيقته سوادها.. نظرته الكاسرة نظرة صقر ينظر إلى الأرض في زرقة السماوات ويرى الكآبة تتدحرج في القلوب، ونظرته تكنس الظلمات وتكشف عما خفي وراء لحظة الحشرجة تحفظ عيناه آخر صورة للراحلين في شهقة الاحتضار.. يشعل الضوء الأحمر في الاستديو، ويعيد صياغة شكل الصرخة وألم اختراق الإطلاقة للجسد.. حرقة وجع وجنون.. وعطل في منطقة الخرق.. أي ألم سيظهر على الوجه أية أوجاع ستقلص الملامح.. تعلم في القتال المراوغة.. كانت شجاعته تدفعه ليتعرف أساليب المواجهة والمشاغلة أو الانسحاب يعرف قواعد الأمن في الثكنات المؤقتة ليديم حياته خارج الألم.. يتعلم كل آونة كيف يحرس حياته، فإن تهاون لحظة فإن الآخر فائز لا محالة بدلالة موته هو.. مدن للموت، مدن للشمس، ومدن للمطر، ومدن للخوف، وكلها مدن تولد من كامرته، يصير الإنسان معلقاً على تسديد نظرة يقظة أو تصويب إطلاقة معينة. هناك تحت البروق الليلية وأنوار القنابل الكشافة والسحب السوداء كان في موضع دفاعي عن مخفر حدودي.. معه كتاب أو مجلة يروي فيها الكاتب والمصور حكايات عن ذئاب القطب الشمالي البيضاء بالصورة والنص أمضى غسان ليلته يتابع النص والصور العجيبة للذئاب الفاتنة الفائقة الجمال وهي تشم عطر زهرة تفتحت جوار الموت والفريسة، أو تقضم عشبة عطرة بخطوطها الملوثة بدم الفرائس النقائض تصنع الصورة الجيدة، هكذا يفهم الفن.. أضف النقيض لتعرف حقيقة العالم.. الذئب يصيح بوجه القمر فتنزف النساء ويتفجر رعاف الأنف لدى الأطفال ويستذئب بعض البشر.. ويطوفون في الظلمات مسبوقين برائحة الوحش.. من نافذة الموضع الصغيرة يرى عينين متوهجتيّن تحدقان فيه.. عينا عاشق أضناه الشغف، عينا ذئب جميل وصل إلى غاياته بتحديد موقع الفريسة هذا الإنسان القابع في قلب الحرب وبين مخلبي الوحش الأكبر.. الموت.. كان تراث القصص والحكايات لوثت ذاكرة غسان بأباطيل كثيرة عن الذئاب.. هاهو الذئب الجميل ينظر إليه، ويلحق العار بالقصص القديمة، يحبه ويتعاطف معه يعرض عليه صداقة الكائن في جوهر حقيقته.. قبل أن يشوهه خوف البشر.. كل ينظر إليه مفتوناً، لحظة عيش في الحاضر لا علاقة لها بتراث الإنسان الخائف ومفصولة عن علاقة الذئب بتاريخ القتل.. القتل شيء مؤجل بين الإنسان والذئب.. يتقدم كل منهما بروحه نحو الآخر.. يتواصلان بعيداً عن الحذر والخوف.. يرنو الذئب مثل رجل يسير نائماً.. ذئب لا أول لـه ولا آخر.. يجتمع فيه تاريخ الضواري المظلومة بتصورات البشر منها.. اتهموه بدماء أنبياء، ومصائر أمم، وعجائز ينتظرون كعك الحفيدة المحمول في سلة معطرة بشذا الغابات.. إنه الآن أمامه، مثال البراءة الأولى الحية التي دمرها الإنسان بحروبه من أول الكهف حتى التهديد بآخر غزوات رعاة البقر.. تنقلب صورة الوحش في ذاكرة غسان الوحش في رأس الإنسان لا في رأس الذئاب.. يهمهم الذئب ويسدل جفنيه على النظرة، يميل رأسه مثل طفل طري العظام.. ويبطل آخر أكاذيب الإنسان عن ضراوته.. كان يقول لغسان: -أنا غير مصدق ولا مكترث لما يقال عني.. تقول لـه دهشة غسان: -نحن، أنا وأنت نتاج هدنة بين ذئب غافل وصياد أخطأ التصويب.. ابتسامة الذئب تقول له: -نحن مصادفة لن تتكرر.. -ما نحن فيه هو فعل الحاضر.. أنا وأنت والحاضر.. انعقد اتفاقاً؟ -قانون الذئاب ارتياب دائم بالإنسان.. -أنت محكوم بضرورة المخلب.. -أنت تحكم عليّ بماض صنعه الإنسان عن سلالة الذئاب ولم يؤخذ رأينا فيه. -لعبة القتل والإماتة والفتك قياس الوجود الحي للإنسان والذئب على حد سواء.. -تلك لعبة البشر.. -وسر بقاء الضواري. -أنت تحكم ببراهين مستعارة من أكاذيب الإنسان عن الوحوش. -لكني أراك والحاضر مجرداً من تاريخ الذئاب.. -أنا ارتاب بكل شيء.. -دائماً؟ -الديمومة تعني الاهتمام بما يأتي بعد الحاضر بالزمن وأنا لا أعترف بالزمن.. -أين أنت من الزمن.. هل أنت فيه؟ -أنا فوق الزمن.. لأن الزمن من لعبة إنسانية.. -أنت تحب اللعب والذئب مولعة باللعب.. -وماذا يفعل البشر؟ -نحن نمسك بالزمن ونغلق عليه لحظة الحاضر.. -أرأيت أنتم مولعون بالأوهام ورثة الأقفال والقضبان.. -ألا تقبل الهدنة بيننا؟ -أنا أنقض أي شيء متى أشاء.. -ولكني أؤمن ببراءتك.. أسقط عنك بإعجابي تاريخ القتل الذي ألصقوه بك. -أنتم تروجون للأكاذيب والظلمات.. -وأنت؟ -أروج للنوم.. أريد أن أذهب.. -لا.. لا تذهب.. -أريد أن أنام.. لماذا تريد أن تحرمني من لذة النوم وقد أقضت حروبكم أحلامي؟ -دعنا نتحدث قليلاً.. -سئمت الحديث مع البشر، إنكم تملكون قناعات مليئة بالأخطاء وأنا لا أبالي بقناعاتكم.. أريد أن أستغرق في لذة النوم.. -لماذا جئت إليّ؟ -أخطأت الطريق.. كنت أظنني سأحظى بفريسة.. فوجدت صديقاً.. -انعقد اتفاقاً. -الصداقة تحدث دونما اتفاق.. هكذا.. تحدث من تلقاء نفسها.. وداعاً.. بعد برهة، يفتح غسان عينيه، لا يرى ذئباً ولا نهاراً إنه الليل، وعليه أن يذهب إلى نوبة حراسته.. وعواء الذئب البعيد يهز ساحة الحرب البشرية، يهرب من حرب البشر إلى براءته من كل دم بشري.. اتهموه به.. ود غسان لو كان الحلم ممكن التحقق إذن لصور ذلك الذئب الساحر واقتطع تلك اللحظة العجيبة من تاريخ الوحش، وادّخرها على ورق صقيل.. همهم: أيها الذئب الغائب، أحبك ولن أقتلك فلا تقتلني.. يسقط الكتاب المخصص لذئاب القطب الشمالي تنطبع صورة وحش الحلم الذئبي على حدقتي غسان.. يغدو ذئباً بريئاً يقتص من كائنات لا يعرفها مدفوعاً بشهية القتل الذئبي.. يطل من النافذة فيرى المعجزة: ذئب نائم على الهشيم اليابس، ونبضه يتردد تحت الفراء الأغبر في استرخاء العنق على التراب.. عندما يسمع الذئب حركة الإنسان عند النافذة يهب من نومته ويمضي في مدى الفجر غير آبه لشيء وكأنه وقع على وثيقة الهدنة المستحيلة بين الذئب والإنسان.. صور ذئاباً مختلفة في البراري، في أقفاص حديقة الحيوان ومتحف التاريخ الطبيعي لكنه لم يعثر على ذئب بهي الجمال مثل ذئبه الذي قلب معادلة الوحش والفريسة إلى معادلة الألفة وتجاوز الغريزة.. ابتدأت الحرب مرة ولم تنته.. وغسان عاد إلى الحياة، مثلوم القلب بموت أصدقاء وأحبة، سنوات في التصوير وعمل أشياء لا رابط بينها، سنوات يستغرقها لترميم الروح بالصور والغيوم والجمال.. بالحب أولاً، بسوزان الجميلة التي التقاها مصادفة مثلما يحدث أن يبزغ الجمال في اللحظة الخارقة.. لم ينكسر حلمه، لبث واقفاً على حافات المخيلة رغم الشظايا.. في اللحظة الخارجة عن مرض الزمان المستديم بالحرب.. وجدها.. السعادة التي انبثقت من لقائهما قامت على تدمير كل احتمال لارتباطهما.. لا يعرف كيف حدث هذا. كانا يسيران في ممشى واسع يقطع متنزه جزيرة بغداد.. وعلى جانبي الممشى أحواض زهور ومروج ثم مرسى للزوارق، والنهر ينحرف إلى بساتين (التاجي) ليتألق ظل النخيل في مياهه الراجفة كانا يسيران وحدهما تقريباً دون وجود بشري في الفضاء الأقرب إليهما. تحدثه عن حياته هي المنفية عن المجتمع لسبب لا تدركه بل لا تفكر فيه كثيراً، إذ تكتفي ببعض صديقات وأحلام، وممتلكات، معها مربية العائلة المسنة (أم توماس).. معها حارس وبستاني، معها كلب من فصيلة البولدوغ وآخر من كلاب الصوصج الطويلة قصيرة الأرجل.. معها ببغاوات وطيور حب، وبركة أوز في حديقتها المنحدرة نحو دجلة.. تقول له: -رأيتك في أحلامي.. كنت مجرد حلم، ثم أمسكت بك.. إنك حقيقة.. شيء مبهم وغامض تحول إلى حقيقة.. -أول مرة التقيتك فيها كرهتك.. -ألم أعجبك..؟ -ربما كموديل لصور مدهشة، ربما.. -ألم تعشقني من النظرة الأولى؟ -كيف يعشق من تغمره مشاعر الكراهية أولاً؟ -إذن كيف تقبلت صحبتي؟ -بحكم الاعتياد.. -لماذا تقابلني هنا وهناك؟ -بحكم الاعتياد أيضاً.. -أنت تعاملني كصورة فوتوغرافية تعلقها أمامك على جدار فتعتاد على رؤيتها.. -حتى إني لا أعود أراها.. -لكنك لا تستطيع الاستغناء عنها.. -تحكم العادات الموجع.. -من أنت غسان؟ -أنا.. عابر في الزمن، يترك على الريح رائحته وعلى التراب آثار قديمة.. -وماذا ستترك لي؟ -الغياب.. غيابي.. فأنا غير قابل للحضور دائماً بين يدي الجمال.. تتمسك بهذا الرجل الذي يغيب نفسه ويترك لها ظلاله المتعددة مثلما يترك ظلال الأشياء على الورق.. تعامله على هذا الأساس مثلما يعاملها باعتبارها موديلاً صالحاً للتصوير.. هو بينه وبين نفسه لا يقبل غيابها، يكابر في حضورها، ويعمل في الظل والعتمة والصمت ليحتفظ بها.. -الشمس.. (تقول سوزان).. حارقة، لنجلس في هذه الكافتيريا.. يجلسان بين الشمس والظل، يرقط ثيابهما الضوء، مستديرات صغيرة تجعلهما يبدوان مثل فهدين متحفزين.. يرى يدها اليمنى، على الساعد خدش قديم، الأظفار مطلية بشعاعات شمس مذهبة.. يمد يده عبر المائدة المستديرة ويلمس أطراف أصابعها.. تقدم لـه يدها كاملة فيحسب يده.. تضحك من تردده.. -أنت تريد أن تلمسني.. فلماذا لا تفعل؟ يسرعان في سيرهما بين الشمس والظل وحفيف النخيل وتمايل الأشجار المزهرة.. يشعر غسان أنه يتحرك حقاً في منطقة الحاضر الخطرة.. لم يعد للزمن من أبعاد سوى لحظة الحاضر وحدها.. سنة واثنتان.. وربما ثلاثة وغسان يفسخ خطبة ابنة خاله له، ويبتر علاقة بامرأة أخرى.. سوزان في بيته، أمه في عرس ابن أخيها.. سوزان معه.. يفكر: ما اسم هذه السعادة الصاعقة؟ تعانقه وترى في عينيه صورة أخرى لها.. تراها في مرآة رغبته.. ترى نفسها في ارتعاشة فمه.. ترى وجهاً، ترى يدين ترى فماً ثم لا تعود ترى في الغرفة غير صورة قديمة لرجل ملتحٍ يرتدي بيريه سوداء تثقبها نجمة وفي فمه سيجار وله نظرة عاشق أندلسي.. -من هذا؟.. -ظل من ظلال الإنسان الكبيرة.. -أنت تحول كل شيء إلى ظلال.. -هذه هي الحقيقة، كلنا ظلال لظلال.. لا شيء يمكن الإمساك به.. لولا الكاميرا. -لكنك تمسك بي الآن؟ -من قال أنني أمسك بك؟.. ألا يمكن أن تكوني شبحاً شبيهاً بامرأة جميلة.. صورة شفافة سرعان ما تتلاشى.. شهران، وأربعة، وربما ستة أشهر.. لا يعود يراها.. تقطع خطوط هاتفها.. لا ترد على مكالماته.. تختفي، تصمت، تختفي.. تخمد صورتها.. ولا يبقى سوى شيء من دخان.. تهاتفه ذات مساء: تقول له: لقد خطبني عبد المقصود الغنام.. أتعرفه؟ إنه أثرى أثرياء بغداد في السنوات الأخيرة..؟ -..؟ يقول لنفسه: ها قد نقض الوحش الهدنة.. العالم مشوش بدخان أسود.. الجمال يبدد هيبته والموت يسري في يده وجسده ويتوغل ألماً في أحشائه وسوزان تأتي إليه في الاستديو تحمل علبة كارتون كبيرة ومغلفات هدايا.. -أنت كنت سلبياً جداً، لم تسأل.. لم تتقدم خطوة، لم تمنحني أي أمل.. كنت منشغلاً بالظلال لم تبذل أي جهد للاحتفاظ بي.. أنا امرأة متطلبة.. يصعب إرضائي.. أنت رجل غير مبال.. تنتظر أن يطلبك الآخرون، ولا تجيد التعامل مع امرأة من طرازي، لكني أحببتك.. سأواصل حبك.. يصعب نسيانك.. -استيقظ الوحش فيك.. أهنئك على أية حال.. تجلس قبالته غير آبهة بعذابه وتخرج قالب حلوى كبير من العلبة وتضعه أمامه.. -ألن تحضر لي القهوة، أشتاق لقهوتك.. يلبث مذهولاً أمام صفاقة مشاعرها وأقنعتها المتغيرة وهي تثرثر وتضحك وتتحدث عن عبد المقصود وكأنه إحدى مقتنياتها. -أتريد أن أعرفك به؟ إنه من أثرى أثرياء بغداد بوسعه تمويل أي مشروع يخطر على بالك، معرضك الذي تحلم به على بغداد، ألا تريد رؤيته؟ -خذي أشياءك وغادري.. -أردت للقائنا الأخير أن يكون احتفالاً استثنائياً بحبنا.. سأبقى أحبك أنت رجل لا ينسى، يطفئ أضواء الاستديو ويرتدي سترته.. -على أن أذهب، لدي عمل.. خذي أشياءك وارحلي.. -لن تلتقط لي صورة لذكرى وداعنا؟ -أرجوك.. خذي أشياءك وارحلي.. (2) بإمكان حب مستعاد من العدم أن يحيى في الإنسان غريزة السعادة وينشط حاسة البقاء. شيء ما في سوزان يجعله يمضي مسحوراً مغمض العينين نحو وديان الجن و يسير منتشياً على انحناءات قوس قزح، شيء ما لا يعرفه في هذه المرأة يدفعه ليتثبت بالحاضر ويتحكم به كيفما شاءت أحلامه. صوت سوزان يثير لديه اضطرابات العشق وحالاته المتناقضة، فما بين لهفة ونفور وما بين مقت ورغبة ومرح وأسى.. يلاحقه الصوت ويرنح خطوته ويشوش وعيه لكنه يقاوم هذا كله ويحاول التحكم بإمكاناته ليسيطر على طاقة هذا الصوت المتدفق من بئر أنوثتها ويوجهها حيث يشاء. يكتشف بعد هذا التماسك والثبات أن بإمكانه تحويل صوتها إلى ظلال لونية على درجات مبتاينة من اللون الأسود والأبيض تتوالى على ورق التصوير الحساس، ويعرف أنه طالما وقع على سر قوتها في هذا الصوت فسوف يتحكم بالنبرة ويجعلها فيض نور ينهمر على الورق ويشكل تخطيطاً عجائبياً للكلمات، ما كان أمامه إلا أن يحب سوزان التي أزاحت صور سواها من النساء اللائي عبرن ماضيه واستقرت وحدها ماثلة في عينيه. عندما هجرته استبقى لديه صورتها الأخرى التي استطاع الإمساك بها في لحظة من لحظات الحقيقة واقتنصتها عدسة كاميرته، إنها الصورة الإنسانية الخفية المغايرة لصورة سوزان المرئية وسوف تكون مثيل كلمة سحرية ما أن يرددها المرء أمام شخص مسحور حتى يعيده إلى حقيقته الأولى. سوف يعمل على تحوير صفاتها وتعديل سجاياها على امتداد سنوات انفصالهما فكأنه بعيد بناء شخصيتها عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية البارعة. هذه التجارب والمحاولات توصل إلى نتائج مدهشة ونجح في إدخال ظلال متنوعة من المؤثرات على ملامحها المتعالية وتعبيراتها غير المستقرة.. أضاف لبعض صورها زرقة الفيروز وعلى بعضها الآخر احمرار الشفق.. بينما أغرق الصور الأخرى في الأصفر الشمسي.. جرب كل ألوان الطيف، ثم منحها القليل وعندما أطلق النور عليها تلاءمت التعابير القاسية وأمحى شيء من الملامح وطغت في العينين البراقتين نظرة شغف تبث أنوثة الوجود إلى رجولة العالم الوعرة.. امتلأت جدران الاستديو بهذه التنويعات المتكاثرة لصور سوزان فاقترح عليه أحد أصدقائهما أن يقيم معرضاً لها بعنوان (استحالات).. يضحك غسان ويقول: -صور سوزان شأن شخصي جداً لا علاقة للآخرين به، هذا عمل قمت به لنفسي ولو عرفت سوزان بالأمر لرحبت بفكرة المعرض.. لن يحدث شيء من هذا. نجحت الصور إلى أقصى الحدود في إعادة توازنه إزاء موضوعة حبه المفقود وساعدته لإبقاء هذا الحب مكنوناً في مدخرات فنه. عندما فاجأته في تلك الظهيرة الصيفية بزيارتها حاملة اللوحة، كان قد أنجز مشروع صورها الألف وغمره إحساس غامض يسنده حدس قوي بأن شيئاً ما غريباً ومفاجئاً سيحدث له.. لم يخبرها بما صنعه ولم يحاول المزايدة على حبه لها أو الكشف عن أوراقه السرية كلها، ولم يفصح عن جميع أحلامه التي ساندته ليبقى في عداد الأحياء بعد هجرها المفاجئ له.. يعرف غسان أشياء عن طبائع النساء.. يعرف أن امرأة مثل سوزان ستكون عرضة للتغيرات، والتحول المفاجئ في حالاتها، وسوف تباغته كل حين بنوبات شغف أو انتقاضات غضب، أو تمضي معه إلى أقصى نهايات الحب، لتعود فنهجره أياماً، وتستغرق في أحلامها الأنثوية عن تغيير مصيرها أو صنع مستقبل في بلاد نائية مع شخص مجهول. سوزان الحقيقة لا تظهر إلا نادراً وما يرى منها غير وجوهها الزائفة وصورها المتبدلة، يراها بصورة امرأة متصنعة الأناقة ثم يراها في ظهور رومانسي بثياب ناعمة هفهافة مستغرقة في الاستماع إلى الموسيقى ثم يرى صورتها الأخرى التي ترتدي فيها قناع المرأة الجادة وهي تضع نظاراتها وتنهمك في القراءة أو تتعلم لغة جديدة وفجأة تطغى صورة المرأة المضطربة المغلولة إلى أنوثتها على الصور كلها وتندفع سوزان حينئذ إلى التفكير بالخلاص عن طريق التحول إلى رجل لتسقط كل الأحكام والأغلال التي ابتدعت لترويض النساء. حياتها على هذا لا تزيد عن كونها ألبوماً لحالات اجتماعية ونفسية متراكمة تخفى تحت تنوعها المربك سوزان الأخرى، الرقيقة، المهدورة الزمن المحرومة من الألفة والحب والحلم.. غسان بغرابة حياته وعزلته وتوازنه وسوزان بانفتاح آفاق حياتها وافتقارها إلى التوازن سيصنعان ثنائياً متناقضاً ومتناغماً في الوقت ذاته.. هو بصمته وانشغالاته وهي بترفها وضجرها وحيويتها اكتشفا وعرفا أن للاختلاف فعل السحر الذي يسعف حباً أصابه الإغماء وإعادته عن طريق صدمة سحرية إلى الحياة.. طوال أسبوع تجولا معاً في أنحاء بغداد ما بين الكاظمية وبغداد القديمة وما بين الكرادة والجعيفر وشارع غازي وما بين أسواق السمك في الشواكة والدورة حتى المدائن وبوابة بغداد وحصن الباب الوسطاني ومسطر العمال في ساحة الطيران إلى الباب المعظم، التقط غسان صوراً للأشخاص في إطار من مؤثرات المكان.. صور الحيوات المتداعية لأناس محاصرين ونساء سحقهن غياب الرجال والعوز تغلغل بين المستولين والشحاذات وباعة الطمأنينة الذين يلوحون بالأدعية والأحجبة لمن اضطربت قلوبهم وتناوشتهم الهموم وانقطع عنهم الرجاء.. صور وجوهاً لآخرين في جولات قام بها منفرداً وتابع اختلاج الحياة وتعاقب الأزمان عليها وصور الخطى ملاحقاً أقدام العابرين من الرجال والنساء وهي تنتقل ما بين الأرصفة والشوارع كل خطوة لها اتجاه يتقاطع مع اتجاهات الخطى الأخرى. صور خطى مخذولة وأخرى مرتخية أو مترددة وخطى راسخة.. صور أقداماً بأحذية بالية وأقداماً لرجال حفاة وأقداماً تنتعل أخفافاً من البلاستك وأخرى تتنعم بأحذية ثمينة من الجلد الطبيعي يباع الزوج منها بخمسمائة دولار أو أكثر بكثير كما صور أقداماً ببساطيل عسكرية وأقدام فتيات بأحذية ذات كعوب عالية متآكلة. أمضى الظهيرات في الأزقة المنسية وعثر فيها على وجوه ترتسم المأساة في أخاديدها والتقط صوراً لوجوه بنات صغيرات يتراكضن في العشيات بين تقاطعات الطرق وتحرشات العابرين وبعض سائقي السيارات وهن يعرضن بضاعة هزيلة من العلك والسجائر وعيدان البخور والمناديل الورقية وصور أقداماً موحلة لصبيان يخوضون في مياه دجلة وهم ينخلون تراب دكاكين صاغة الذهب ويحلمون بالعثور على ذرات هاربة من المعدن الأصفر. قبل عودته إلى البيت يلتقي بصديق في أحد شوارع حي المنصور ويدعوه لتناول وجبة خفيفة في أحد مطاعم شارع (14 رمضان) أمام المطعم دكات مصبوبة من الإسمنت والحصى البارز وعلى إحداها كان يجلس رجل يرتدي ملابس بالغة الرثاثة ويعتمر (كاسكيت) رمادية اللون ويدخن بنهم وهو ذاهل عما حوله، ما أن رآه غسان حتى تملكته شهوة التصوير ونسى الصديق ووجبة الطعام واقترب من الرجل وقال له: -أتسمح أن ألتقط لك صورة؟ -لم يعبأ الرجل بالسؤال وصاحبه بل أشاح بوجهه عنه وواصل تدخين سيجارته بشيء من التوتر والنهم العصبي ثم حرك يده بما يعني: (إنك بطران ماذا تفعل بصورة رجل مثلي؟) يضبط غسان أبعاد الصورة ويصور الرجل بلقطات متعددة مقربة أو متوسطة من جميع الزوايا وعندما يتمادى في التصوير يضجر الرجل منه فيغادر الدكة ويده تقبض على كيس عتيق ظهرت منه أطراف ثياب مهترئة وصحف قديمة. يتبعه غسان ويتمتم باعتذاره: -أعتذر ما قصدت إزعاجك.. أحببت ملامحك الحزينة فصورتك.. -ماذا تفعل بوجه رجل تائه لا يدري من هو وإلى أين يمضي!! -أستطيع أن أساعدك؟ ألا تتذكر شيئاً؟ ألا تعرف بيتك؟ -لا أعرف شيئاً.. سرت وسرت منذ زمن لا أدريه لا أدري كم من الليالي مشيت سرت مع مسير الأنهار ومررت بمدن وقرى لكني لم أتعرف إلى شيء.. ولم أعثر على علامة.. لا بد أن أواصل.. أمشي.. أمشي.. لم تكن أنت السبب.. تعرف أنت وأعرف أنا سبب هذا الذي أنا فيه.. لذلك علي أن أمشي.. أواصل السير، ربما أعثر على أمل أو شيء.. لا أدري لا أدري.. -ألا يمكنني مساعدتك؟ -لا.. كيف تساعدني وأنا لا أعلم شيئاً عن نفسي؟ سأمضي وحيداً ولا بد أن أصل إلى شيء. -لكنك مرهق فكيف ستواصل السير وأنت بهذه الحالة؟؟ هل تقبل دعوتي لتناول الغداء معاً؟؟ -لست متسولاً يا رجل اتركني لحالي.. أمضيت دهراً وأنا أتجول في الأرض نمت وصحوت وجعت ومرضت.. ولم أعرف شيئاً كل ما عرفته أنني تبعت سير نهر لا أعرفه عند خروجي من إيران فوجدت نفسي بعد زمن هنا.. -سأعطيك صورك غداً، هل سأجدك هنا؟ -لا أدري أين ستجدني.. أنا نفسي لا أدري أين سأكون.. يفترق الرجلان.. غسان إلى المطعم حيث ينتظره صديقه والرجل التائه إلى لا مكان حيث تقوده خطاه الضالة.. عندما يسود الظلام غرفة التحميض وتنغمر بدفء اللون الأحمر يتحدد العالم بين يدي غسان بتلك اللقطات التي تتضح معالمها بالتدريج في حوض التحميض.. يعلقها على الحبل.. الدنيا مغسولة بالحامض ومنشورة في العراء.. يحس غسان بنعمة الحب التي تسند يقين الوجود، وربما تثير شهوة الأبدية.. لديه إيمانه بما يفعل.. طوال سنوات وهو يهيء نفسه لإنجاز هذا المعرض.. كان مجرد حلم يراوده.. انتظر بإخلاص هذه اللحظات التي ستغير حياته.. وتضعه على حافة اليقين.. ترك الاستديو ولبث يعمل في البيت، لم يشأ أن يتطفل على عمله أحد من زبائن أو أصدقاء.. ..الآن، اليوم.. فقط سيعبر من ضفة الأحلام إلى لحظة التحقق.. وسوف يضع نظرته موضع اختبار، وإنجازه موضع فحص ونقد.. سوف يتيح لـه عمله أن يوجد حقاً في الحاضر، أن يغوص عميقاً في مادته ويتقمصه ويتلذذ به. يخبره صنع الأطر الخشبية أن الأسعار قد ارتفعت كثيراً خلال الأسبوع الأخير في ظل التهديد المتزايد بالحرب.. وسوف يكلفك ذلك ثمناً مضاعفاً. -لا بأس.. هيء الأطر وستدبر أمري.. لا عليك.. أريدها في الغد.. تبيع والدته إحدى الأسورتين المبرومتين من الذهب القديم اللتين تحتفظ بهما لأمرين: أداء فريضة الحج إن تيسر لها ذلك.. أو لتكاليف الجنازة عندما تحين ساعتها.. -أمي.. سوف أعوضك عنها.. وسترين.. -الأسورة الأخرى تكفي.. الأحياء أحق بها مني.. فلا تقلق من أجل الموتى.. (3) تضيء حياة مصباح غرفة الضيوف، منذ زمن لم يزرها أحد.. تتغير العلاقات في أزمنة الحروب، يبتعد الأقربون ويدنو.. الأبعدون.. شيء من هذا يحدث الآن.. تدخل سوزان مشرقة كالنهار أنيقة ومعتنى بجمالها، تبتسم بمقدار مقنن لتتألق قسمات وجهها، ابتسامتها مصطنعة وهي تتخذ وضع سيدة مترفة ببدلتها الرمادية ومجوهراتها المصنوعة من الذهب الأبيض والأصفر. تجلس على الأريكة المصنوعة من مخمل بلون الرمل قبالة اللوحة السومرية التي تحتل مركز الجدار أمامها.. -لوحة رائعة.. من أين حصلت عليها؟ -إنها هدية غالب لي في ذكرى زواجنا الأولى، رسمها صديق له.. هاجر إلى بلد أوروبي ولم نعد نسمع أخباره.. في ركن الغرفة الأبعد منضدة مستطيلة وضع عليها صندوق كمان ميساء المغلف بالجلد الأسود ومعه دفتر النوتات.. -حياة.. غسان يريد أن يزورك.. -وقتما يشاء.. غسان يريد أن يزورك.. -أيناسبك مساء غد؟ -على الرحب، سأكون بانتظاركما وسنتناول العشاء معاً.. -لا.. سوف أدعوكم إلى بيتي أنت وميساء وغسان. -أخشى أن لا تكون ميساء متفرغة مساء الغد قلديها تدريبات في قاعة الرباط.. -هل ستعزف مع الفرقة السمفونية؟ -مع الفرقة، نعم، وستقدم أمسية منفردة في حفل مستقل.. -وأخيراً تحققت أمنيتك، يا لـه من خبر سعيد، سنحضرها كلنا.. -مؤكد، سيسعدنا ذلك. -حياة، هل أستطيع مساعدتك في شيء؟.. أعرف أنك منهمكة في أشياء كثيرة أقصد أن أساعدك في إعداد العشاء.. -شكراً، كل ما أريده أن أراك بخير.. -أعتقد أنني سأكون بخير في الأيام القادمة.. -وماذا عن اليوم؟.. ما هذا التوتر الذي يفضح ما بداخلك؟ -إنه أمر طارئ سيزول.. -ما الأمر يا سوزان؟ -غسان يرفض فكرة السفر معي.. -أما زلت مسحورة بفكرة الرحيل؟ -ألست على حق؟ -المسألة ليست في من هو على حق ومن هو على خطأ.. الموضوع أعقد من ذلك بكثير.. -كنت أتوقع أن أجده متغيراً.. أن أراه واقعياً ويناقش معي الموضوع بطريقة عملية. -حاوريه.. -يرفض أي حوار في موضوع الرحيل إلى الخارج.. -دعيه إذن، لا تواصلي الضغط عليه أكثر من ذلك.. -لم أعد أطيق البقاء هنا.. لا أريد.. أحس دوماً أن حياتي مؤقتة هنا.. أريد الاستقرار في بلد مستقر.. -وإذا رفض غسان، لن يمكنك السفر بمفردك.. ألهذا تتمسكين به؟ -لا.. حياة.. أنا أحبه، تعرفين ذلك.. -هذا لا يمنع أن تستفيدي من وجود رجل في حياتك.. -يرفض غسان أن نتزوج الآن.. يقول لم يحن الوقت بعد.. أمامنا الحياة بكاملها. -وإذا لم تتزوجا؟ -لا أدري ماذا سأفعل؟ -قد تجدين طريقة.. مثل سعيك المجنون للتحول إلى رجل.. -كان عليّ العثور على وسيلة، أية وسيلة لإنقاذ نفسي من كابوس عبد المقصود.. -وبعد أن أسعفك القدر بأن تكوني أرملة عبد المقصود.. تريدين السفر لسبب آخر تخترعين لنفسك مشكلات خرافية، ثم تعيشين في ملابساتها وتنهار أعصابك وتبدأ الدوامة من جديد.. -حياة.. دعينا من هذا الآن، كل شيء يحدث في أوانه.. حقاً أخشى أن نسبب لك إرباكاً وتعباً بزيارتنا.. اقترح أن تكون جلستنا في الحديقة، لدى غسان فضول كبير لرؤية (حديقة حياة).. -كما تشائين.. البيت تحت تصرفكما الحديقة تزدهر هذه الأيام.. فقد تفتحت زهور المرجان الأحمر وبعض الزنابق.. كم أنا سعيدة بهذه الزيارة.. لم أرَ غسان منذ وفاة والده.. لا. لا.. زارنا مرة مع والدته عندما سمعا بسقوط الصاروخ على بيت زياد.. وبعدها لم نرهم.. قبل أن تقدم العشاء لغسان وسوزان.. عادت ميساء في وقت غير متوقع، فتحت بوابة الحديقة وهي مضطربة مبهورة الأنفاس شاحبة الوجه لاحظت حياة أنها ألقت صندوق الكمان بعصبية على أول مقعد ويداها ترتجفان.. هرعت إليها: -ما بك ابنتي ميساء.. ماذا حصل؟ -هذا الوحش (كايد) اعترض طريقي وحاول التعرض لي.. -هل لمسك؟ -لا.. لم أمكنه من ذلك. -وماذا فعل؟ -شتمته وبصقت عليه، ليس من طريقة أخرى للتعامل مع شخص مثله.. يتدخل غسان: -من هو هذا الرجل؟ تروي لـه حياة القصة بتفاصيلها والضغوط التي تتعرض لها مع ابنتها منذ نحو ثلاث سنوات لإرغامها على بيع الحديقة لتوسيع مطعمه ورفضها لكل عروضه وإغراءاته بدفع مبلغ خيالي.. -ست حياة.. أرجوك دعيني أتصرف.. -لا.. لا تعرض نفسك للأذى، دع الأمر لي.. -لكنه تمادى، لا يمكن أن تتعرضا لمثل هذه المواقف.. سوف أتصرف.. -ماذا ستفعل؟ -سيكون لدي ما أفعله، أعرف كيف يفكر هؤلاء.. -دع ذلك الآن.. تقول ميساء.. -لقد غادر.. استقل سيارته وذهب.. تقول سوزان: -ست حياة.. عزيزتي كوني امرأة عملية.. إنها ثروة.. لماذا لا تبيعين؟ -للسبب نفسه الذي يجعل غسان رافضاً للرحيل.. -وما علاقة هذا بذاك؟ -إنهما شيء واحد يا سوزان.. يقول غسان: -من الصعب أن يتخلى الإنسان عن ذكرياته وأشيائه العزيزة التي تمثل لـه الأمان والاستمرار والقيمة.. -لكنها تتعرض مع ميساء للأذى، وغير مستبعد أن يتمادى أكثر من هذا.. تقول ميساء: -لأمي أفكار مثالية، فهي معتدة بنفسها وقد أوقعها هذا الاعتداد في مآزق، قلت لها إننا لا نملك ما يعيننا على مقاومته.. لديه المال والقوة، وكوننا نساء يتيح لأمثاله من الجهلة أن يستضعفوا النساء ويحققوا رجولتهم بالإساءة إليهن.. -ابنتي ميساء.. لو كنت تنازلت عن الحديقة.. هل كان الأمر سيتوقف عند هذا الحد؟ سيأتي بعد أيام ليساومني على بيع البيت.. أعرف إلى أين تؤدي التنازلات.. يسأل غسان ميساء.. -متى الحفل الموسيقي؟ -حفل الفرقة السمفونية بعد أسبوعين أما أمسيتي فإنها في الأول من أيلول.. -سنحضر حفلك وسأصورك، أم أنك سترفضين؟ -يشرفني ذلك أستاذ غسان.. تنظر حياة إلى ابنتها، كم تغير العالم! هاقد نضجت وأصبحت عازفة كمان ستقدم حفلاً بمفردها.. هاهي ابنتي وتغيم عيناها بالدموع.. تلمح ميساء التماعة الدمع المكبوح في عيني أمها: -أمي.. هذا ليس موعد البكاء.. الساعة لم تبلغ الحادية عشرة بعد.. -كفي عن سخريتك.. -أمي تبكي كل ليلة في الموعد نفسه منذ سنوات.. -أشعر بالارتباك.. شيء ما لا أستطيع تمييزه يقترب.. حدسي لا يخطئ سيحدث لي شيء ما.. قلبي ينبؤني بذلك.. كانت سوزان هي التي اقترحت هذه الزيارة على غسان بعد أن تعذر عليه العثور على قاعة شاغرة لإقامة معرض لصوره.. كانت سوزان قد اقترحت عليه أن يستأجرا قاعة فخمة في أحد الفنادق الكبرى وستقوم هي بدعوة مصورين وصحفيين وأصدقاء لحضور حفل الافتتاح. قال لها: -دعيني من اقتراحاتك الغريبة.. صوري ليست لهؤلاء.. إنها عن أناس لا علاقة لهم بمن ستدعينهم أنت.. -لماذا لا نقيم المعرض في بيتي؟ يضحك غسان: -بيتك؟.. من بوسعه الوصول إلى هناك في منطقة المسبح، طرق مغلقة، ولافتات ممنوع التصوير.. لا مقترحك غير قابل للتنفيذ.. -إذن سنرى حديقة حياة.. -يا لها من فكرة.. كنت أريد أن أقابلها.. جميل، سنقيم المعرض في حديقة حياة.. قدمت لهم الشاي، بعد العشاء وقالت: -هذا شرف لي.. أن يقيم غسان معرضه الأول في حديقتنا.. -سأحضر القواطع والمساند غداً وإن سمحت سأصطحب معي أحد أصدقائي لتصميم إضاءة الصور.. -بالتأكيد.. البيت بيتك.. -ألم أقل لك إن حياة امرأة لا مثيل لها.. أحبك حياة.. أحبك.. يضحك الجميع لهذه الفيوض العاطفية المفاجئة.. يقول غسان: تحدثني عن حياة وكأني لا أعرفها، وكأنها اكتشاف شخصي لها.. تحبها لأنها وافقت على إقامة المعرض في حديقتها.. أترون إن النفعية تتحكم بكل شيء من حولنا.. -وأنت؟.. ما تكون؟ -اسألي ذاكرتك وستجيب.. -أنا أتمتع بمقدرة هائلة على النسيان.. -ذلك أفضل.. -أن أنسى؟ -بالتأكيد.. ليأتي يوم فتنسيننا جميعاً.. -ها قد بدأت تنال مني.. -وهل تظنيني قادراً على ذلك؟ (4) زيارة غسان وسوزان لها جعلت حياة ترى نفسها وعالمها في ضوء جديد.. أحست بشيء من الزهو لكل ما حدث، وغمرها شعور بالأمان لعرض غسان التصدي لـ(كايد).. بدا أنهم جميعاً كانوا بحاجة لمثل هذا اللقاء الذي تأخر كثيراً وكأنهم لم يتوقعوا إمكانية حدوثه، ففي اليوم التالي جاء غسان مصطحباً أمه فاحتفت بهما حياة وتعلقت ميساء بالمرأة التي بدأت تروي لها حكايات لا نهاية لها عن عائلتهما الكبيرة التي تشتت أفرادها في زمن الحرب هنا وهناك.. بدت ميساء سعيدة بوجود هؤلاء الأقارب الذين استعادوا رابطة القرابة فمسحوا عنها غبار الزمن ودفعوا بها لتكون محور أيامهم القادمات.. طرأت تغييرات سريعة على الحياة في البيت، وطلبت حياة من والدة غسان أن تسعدهما بزيارات أخرى.. بعد الظهر أحضر غسان القواطع والمساند ومعه سوزان الجميلة.. وحدث حياة عن حياته مع والدته بعد سفر أخته الطبيبة (إيمان) مع زوجها الطبيب للعمل في إحدى مستشفيات (أبو ظبي). لبثت حياة تراقب انفعالات غسان وحركة يديه، بدا لها مثقلاً بالهموم، وتمنت لو تستطيع التخفيف عنه.. رأت فيه شخصاً مناقضاً لسوزان فهو يرى الأشياء تتجه إلى نهايات محتومة وما على الإنسان إلا أن يكثف وجوده في الحاضر، ويترك فيه أثراً ما، بصمة أو علامة تدل عليه.. حدثها عن ولعه بتوثيق الزمان واحتجاز اللحظات الهاربة في صور، حدثها عن حتمية التغييرات في العالم وتسارع ذلك في أجواء النظام العالمي الجديد.. -هناك حتميات كثيرة تفرض ضرورتها على البشر.. ما علينا نحن إلا أن نعمل لتسريع حدوث الأشياء، تدخل في مسار التحولات والتطورات.. تقول ميساء: -هذه فكرة غريبة علي.. دراستي للآثار جعلت رؤيتي للعالم شبه مستقرة، هناك أسباب ونتائج، ولكن هناك المسارات الخفية للأحداث، هناك الحلم الإنساني، هناك الرؤى وتداخلات المخيلة.. -الحتميات لا تتعارض مع الحلم، ولا مع المخيلة، بل إنها تستند إلى قوة الحلم.. لا تتغير من غير حلم مسبق.. تقول حياة: -غسان، أنت درست الاقتصاد، أليس كذلك؟ -نعم، لكني هربت منه إلى الفن.. -تسأله ميساء: -هل كنت مرغماً على دراسته..؟ -لا.. اخترت دراستي بمحض رغبتي لكني اكتشفت شغفي بالتصوير.. فقررت أن أكمل دراسة الاقتصاد ثم أتفرغ للتصوير.. -هل هناك دافع قوي لهذا التحول؟ -نعم.. الحرب.. ففي ظروف القهر الإنساني حيث يكون الموت أعلى درجاته، علينا أن نلوذ بالفن.. -هذا ما أحسسته أنا.. لكني لا أجيد التعبير عنه مثلك.. -مع علمي أن الفن لا يشكل حلاً للموت لكنه في الأقل يمنحنا العزاء ويعيننا على تحمل المأساة ووطأة الزمن.. تتدخل سوزان التي لبثت تستمع إلى الحوار الجاري بينهم. -لا شيء يستطيع التخفيف من العذاب لا الفن ولا الاقتصاد ولا التاريخ الخروج من دائرة المأساة هو الحل.. يضحك غسان ويقول: -الحضارات تقول نقيض هذا الذي أدليت به.. كل حضارة بلا فن انتهت كما تنتهي جمرة متوهجة إلى رماد تذروه رياح التاريخ.. -ما بك غسان؟.. تحول كل شيء إلى قضية كبرى..؟ -هذه هي الحال يا سوزان، كل تفاصيل حياتنا في زمن الحروب تتحول إلى قضايا أساسية، لا شيء يمكن إغفاله ولا شيء إلا ويؤثر فيما حوله.. تقول ميساء: -منذ عصور الحضارات الكبرى في سومر وبابل والأشياء تحدث بالطريقة نفسها: الصراع الأبدي بين الإنسان والموت هو المحرك الأساسي لازدهار الحضارات.. تقاطعها سوزان: -إنكم تناقضون أنفسكم، أنا أرى أن المال هو محرك الحضارات ما من أمة معدمة قدمت حضارة ذات قيمة للإنسانية.. -هذا جزء من الحقيقة –يقول غسان- لكن المال وحده لا يصنع حضارة، لا بد من وجود صراع ما وحلم بما سيأتي، بدون صراعات تذوى الحضارات وبدون حلم ينتهي التاريخ إلى مجرد عماء.. تهمس لـه سوزان: -أنت تجهر بماديتك.. -أنا لست مادياً بل أنا شديد الاعتداد بالنفس الإنسانية وأحلامها وقدراتها اللامحدودة. -أنت حالم كبير وطوباوي.. -ليكن.. من منا لم يحلم بالفردوس الذي تسوده العدالة والحب والرفاه؟ تقول حياة: -من غير أحلامنا كيف كانت ستعاش الحياة؟ يقول غسان: -لقد نسيت أن أخبرك ست حياة أنا لن أدعو غير عدد محدود من الأصدقاء فقد وضعت في اعتباري طبيعة المكان ولأنني سأقيم المعرض مرة أخرى ليشاهده الباقون. -كما ترى أنت تقدر الأمور جيداً.. تعترف سوزان: -أردت أن أدعو أصدقائي ومعارفي لكنه رفض وقال سندعوهم في المرة القادمة، لا عمل لـه إلا إحباط خططي.. بدا عليها الإحباط ورأت أن هناك تقاطعات كثيرة تتكشف في علاقتها المستعادة بغسان، فقد خططت لحفل كبير واشترت للمناسبة ملابس باهرة وأوصت أحد محلات الزهور ليهيء لها ثلاث سلال من زهور الجربيرا والقرنفل والجبسوفيلا واتفقت مع أحد مطاعم الدرجة الأولى لإعداد أطباق كوكتيل من المشهيات ذات القطع الصغيرة والتي تؤكل بعيدان خشبية رقيقة ويسهل تناولها وقوفاً مع المرطبات.. في صباح اليوم التالي أحضرت معها أم توماس لتساعد حياة في الإعداد للحديقة والتنظيف وسوى ذلك وعادت مع غسان إلى بيته.. في الطريق قال لها غسان: -حدث الأمر كله بطريقة غير متوقعة إنني مندهش لهذا.. -ألا تعترف؟ لسوزان أفكار هائلة.. -ليتك تصيبي دائماً.. -سأحاول فيما سيأتي من زمان، لأن حبي لك سيسدد خطواتي، أريد لحياتنا المشتركة أن تنجح.. -ستنجح عندما تكفي عن التفكير بالرحيل.. -البقاء سيجعلها حياة مأساوية.. -يتوقف هذا على الزاوية التي ننظر بها إليها.. -هناك زاوية واحدة للنظر إلى الموضوع.. هي زاوية الخطر.. -الخطر؟.. إنه موجود في كل زمان ومكان.. -لكن علينا أن نستخدم قدراتنا لنتجنبه.. -حتى لو هربنا منه فإنه سيكون في انتظارنا.. -أتطلب مني البقاء حتى لو تأكد وجود الخطر؟ -لا أطلب شيئاً، أنت تتحملين مسؤولية قرارك واختيارك.. -أنت تضعني على خط المستحيل.. -هل سمعت بقصة الرجل الثري الذي قرر السفر مع عائلته قبل أسابيع لينجو بابنه الصغير الوحيد من احتمالات الموت في القصف وأنفق مبالغ طائلة ليصحب معه أختيه ووالده، ولم يمضِ أكثر من أسبوع واحد حتى جاء خبر موت الطفل الوحيد الذي سقط من الطابق الرابع للعمارة التي يقيمون فيها.. -هذه مصادفة، إهمال، سوء تدبير.. -لم أكمل الحكاية بعد.. وهم في عمان شب حريق بتماس كهربائي في بيتهم وأتى على الحارس وكل ما في البيت.. وكأن الموت كان يتربص بهم دون اعتبار للمكان. -من أسمع؟ غسان يتحول إلى التسليم بسلطة القدر؟.. *** ظهيرة اليوم التالي أحضر الصور المؤطرة في سيارة سوزان.. فوجدا حياة منهمكة بإعداد وليمة لهما.. تقول حياة: -لن أتفرج على الصور الآن، أريد رؤيتها مكتملة تحت الإضاءة عندما يحضر المدعوون.. -هذا أفضل، وأنت يا سوزان، ابقي مع ست حياة، ولا تنظري إلى الصور حتى يكتمل عملنا.. -ألن تعرض بعض صوري؟ -سوزان هذا معرض مختلف.. ألم تقرأي الدليل؟ -لأنني قرأته أطالبك بأن تضع صوري بين هذه الصور.. أنت أسميت المعرض (وجوه وخطى) ألا أملك وجهاً جديراً بالعرض في معرض؟ -ذلك موضوع مختلف، لسنا في مسابقة جمال أو اختبار للعثور على نجمة سينمائية. -لكنك تملك صوراً فنية رائعة لي.. -لماذا تصرين دوماً على أن يدور العالم حولك وكأنك محور الوجود؟ -ألست كذلك بالنسبة لك؟ -ربما.. لست أكيداً من ذلك.. *** (5) استوت صور الوجوه والأقدام على مساندها ووجهت المصابيح ذات الإنارة المحددة والمصابيح ذات الإنارة الفيضية في حديقة حياة كان طقس ذلك المساء يعلن أجمل يوم في فصل الصيف. أحضرت سوزان أطباق المشهيات ووضعتها على مائدة في ركنِ الحديقة مع المرطبات ووزعت سلال الزهور في الزوايا فوق مناضد صغيرة سلطت عليها الإضاءة بينما لبثت حياة داخل البيت تهيء ثياب ميساء وثيابها.. توافد المدعوون وهمست سوزان لحياة: -لا يريد غسان أن يفتح المعرض قبل قدوم صديقه الشاعر..؟ أين ميساء؟ -في غرفتها.. تقول سوزان لميساء: -أليست فكرة رائعة أن تعزفي في افتتاح المعرض؟ تتردد ميساء قبل أن توافق.. تقول لسوزان: -سأهدي المقطوعة إلى أبي.. ولكن ماذا سأرتدي.. بالتأكيد لن أرتدي بدلة حفلتي.. -يمكنك ارتداء قميص وسروال أسودين وضعي وشاحاً ملوناً على عنقك.. -فكرة جيدة.. -هل تحبين أن أضع لك بعض الزينة على وجهك؟ -لا.. لم أعتد ذلك ولا أحبه.. أفضل أن أظهر كما أنا.. -إذن أقترح أن نرفع شعرك في (شينيون) ذلك أكثر كلاسيكية ورصانة وينسجم مع عزفك.. -ألا تلاحظين أنني أطيعك هذا اليوم بصورة لا يتوقعها أحد؟ -المناسبة تستحق هذا التعاون منا.. عندما أكملت ميساء إعداد نفسها رأتها أمها في مظهرها الأنيق البسيط أحست بالزهو والارتباك.. فهذا البيت لم يألف الأفراح ولا الحفلات ولم يدخله هذا العدد من الضيوف منذ عرسها وميلاد ميساء.. خرجت النساء الثلاث إلى الحديقة ثم وقفن حيث ستقف ميساء وتعزف على درج الشرفة.. تقدمت حياة خطوتين على المرج فقدمها غسان للحضور.. - ألست حياة، مدرسة اللغة العربية، مالكة هذه الحديقة الجميلة، ولولا كرمها لما استطعت إقامة هذا المعرض.. عرض الصور في حديقة عائلية، سابقة جميلة تربط الحياة اليومية بالفن وتحقق لقاء الفن بالطبيعة والطبيعة بالجمال والإنسان.. يصافحها غسان ويقول لها: -الآن سترون الصور، سنشاهد أولاً صور (الخطى). في هذه اللحظة تأتي أم توماس وتهمس لحياة بشيء فتعتذر حياة وترافق المرأة إلى داخل المنزل.. تستغرب سوزان ما يجري وتلحق بهما. -ماذا حدث؟ -أم توماس متعبة يبدو أن ضغطها ارتفع فجأة سأقيس لها ضغطها وأعطيها حبة مهدئة، اذهبي أنت لا تتركي غسان وحيداً مع الضيوف.. تبدأ ميساء بعزف مقطوعتها فيسود الصمت عندما تتدفق موسيقاها وتغمر الشجر والعشب والنفوس التي انسحرت بعذوبة عزفها.. تقبل حياة سعيدة بابنتها وأصدقائها وتتجه نحو غسان وهو يقف بين حشد الأصدقاء وهم يتأملون صوراً لوجه رجل التقطها غسان من زوايا متعددة ترى أولاً رأس الرجل يتوسط الصورة وعندما تقترب أكثر، يقول لها غسان: -هذه الصورة أفضل ما حصلت عليه خلال الأيام الأخيرة.. وتقترب حياة وتحدق في الصورة ترى الوجه الناحل والنظرة الضائعة في العينين الغائرتين وتتأمل الفم المزموم على عقب سيجارة، والحزن الذي يحدد تعابير الوجه بنوع من القسوة واللامبالاة، تحدق بالملامح وترى أخيراً الندبة الصغيرة عند طرف الحاجب الأيسر والخال الصغير عند الصدغ، فيشحب وجهها وتغيم عيناها وتترنح وقبل أن تهوي إلى الأرض يسندها غسان وتمسك بها سوزان.. -حياة.. حياة. حياة لا تسمع ولا ترى ولا تدرك ما يدور حولها.. يأخذها الاثنان إلى داخل البيت وتمددها سوزان على الأريكة.. تسقيها ماءً.. تقول أم توماس: -افركي يديها.. تمسد لها سوزان جبينها ويديها.. -حياة.. حياة.. ما بك؟ تفتح حياة عينيها وتقول بشفتين راعشتين وصوت مختنق: -غسان.. إنه هو.. أين عثرت على هذا الرجل؟ -أي رجل؟ -رجل الصورة.. -لا أدري.. -كيف لا تدري؟ -والله لا أدري.. بم يعنيك هذا الرجل؟ -أقول لك إنه هو.. إنه غالب.. -مستحيل.. أهذا هو غالب؟.. لا.. لا يمكن.. -أنا أعرف غالب.. -إنه هو أرجوك خذني إليه.. - أين آخذك.. لقد صورته مصادفة عندما كان جالساً على دكةٍ في شارع 14 رمضان.. -أرجوك سوزان.. أرجوك غسان خذاني إليه.. تقول ميساء: -أمي.. كيف تقولين أن هذا هو أبي؟.. هذا المشرّد لا يشبهه-إنه لا يشبه هذا المشرّد. -إنه هو.. لا أحد يعرفه كما أعرفه أنا.. أريد أن أبحث عنه.. -سترتاحين قليلاً ثم نرى ما نفعله.. سأخرج لأطمئن الحاضرين.. ابقي معها سوزان.. يقول غسان لضيوفه: -حدثت معجزة.. كنت أقول دوماً إن المعجزة تحدث في أوانها المناسب.. تخرج سوزان مسرعة: -إنها تصر على الخروج الآن.. -لا بأس.. فليكن.. فلنخرج الآن.. هيا أنت وميساء.. سنذهب للبحث عنه.. -أين؟ تقول ميساء.. -في مدينتنا.. سنمشطها شارعاً شارِعاً وزقاقاً بعد زقاق.. -وكم يستغرق هذا.. -قد يستغرق ساعة.. وقد يستغرق سنة.. لا أدري المهم أن نبدأ.. تقول حياة: -سنجده.. لقد أحسست به منذ الأمس كان قريباً مني.. وارتبكت روحي واضطرب فؤادي.. -سنجده.. المهم أن نبدأ.. أنت تؤمنين بالمعجزات أليس كذلك؟ -أنت صنعت لي هذه المعجزة.. سأبقى مدينة لك طوال حياتي.. -بل أنا مدين لك بكل شيء.. -سدد دينك بالبحث عن غالب.. تقول ميساء: -أنا لا أحتمل كل هذا.. سأبقى هنا.. اذهبوا أنتم، وسأنتظر عند النافذة كما كنت أفعل دوماً.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |