|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كانت الأيام تمضي مسرعة بلا توقّف. لم يكن هناك قمر فوق، في هذه الليلة. هناك نجوم كبيرة تتلألأ في السماء اللازوردية الصافية. وعلى ضوء هذه النجوم المتلألئة في السماء، كان هو يجري لاهثاً، يجري والأعشاب والشجيرات تحفّ حفيفاً. إلى أين سيصل به هذا الجري؟ هل هناك مكان يجب عليه الوصول إليه؟ لا يعرف. فقط كان يجري، والأصح، كان يجري هارباً، خوفاً من الاعتقال. كانت الدغلة كثيفة، والشجيرات كثيرة متراصّة, وكانت دغلة الشجيرات هذه تسمى "مرعى النمر"، وأوراق شجيراتها تلمع برّاقة تحت ضوء النجوم. توقّف برهة، يلتقط أنفاسه، ونظر فيما حوله، ثمّ التفت بغتة إلى الخلف، وراح ينظر إلى ما خلَّفه بعيداً وراءه، يلفّه حَذَر وحشٍ مجفل، وفي وجهه المتصبّب عرقاً لهيب حرائق، وفي عينيه ألسِنة من ذلك اللهيب... هل هو خائف؟ لا يعرف، لأنه لم يكن يفكر في شيء تقريباً في تلك اللحظة. الشيء الوحيد الذي يفكر فيه هو أن لا يُعتقل بسبب قيادته للفلاحين الذين أقدموا على إحراق المزرعة. وماذا بعد؟ بعد... قد يسهل الأمر، قد يعبُر جبال كاوور، ويجتاز أرض الوطن، ويُلقي بنفسه إلى عربستان. كانت سورية تعني لديه عربستان، وكذلك العراق عربستان، ومصر عربستان، والأردن، ولبنان. محصّلة الكلام، كل ما خلف جبال كاوور من أوّله إلى آخره يعني لديه عربستان. وما أن يُلقي بنفسه إلى عربستان، يكون قد نجا. خمس سنوات، عشر سنوات، عشرين سنة إذا اضطره الأمر... ولابد من صدور عفو حتّى ذلك الحين، عندها يعود إلى وطنه. طبعاً سوف يعود. واستهان بكل شيء. استهان حتّى بعبور جبال كاوور، وحتى بغربته في عربستان، واختبائه هنا وهناك، وجوعه وعطشه، وطول شَعره ولحيته بسبب اختفائه حتّى عن عيون الطيور الطائرة. كان بطوله وبمنكبيه العريضين يبدو كعملاق، يحسب الناظر إليه أنه يأكل خروفاً صغيراً مشوياً مع عدّة أرغفة من الخبز، ثمّ يشرب بعد ذلك سطلاً كبيراً من الماء. وجهه غير الواضح القسمات تحت ضوء النجوم، لم يكن جميلاً، لكنه لم يكن قبيحاً أيضاً، إنما ينمّ عن رجولة تامة. أمّا جسمه الضخم فيعبِّر عن بأس وقوة رجل حقيقي، يبدو كأنه لو أمسك بيده بلطة ودخل الغابة، لرمى الأشجار المتطاولة ذوات الجذوع الضخمة، أرضاً واحدة إثر الأخرى، لوحده ودون أية صعوبة. أو أنه يستطيع أن يرفع بكتفيه عربة محمَّلة سقطت في الوحل، وعجزت الثيران عن سحبها وانتشالها. كان يبعث في النفس هذا الشعور! فهل هو كذلك تماماً؟ وهل يستطيع القيام بكل ذلك فعلاً؟ بحذر غير محدود، مجفل من أدنى حركة، حاول التقاط أنفاسه، ثمّ دخل وغاب في غياهب ظلام بحر الدغلة الكثيفة. وحين خرج كان على أطراف بلدة كبيرة خالها قرية. أنفاسه تتتابع. توقَّف. رائحة غريبة. استمع إلى نباح بعيد لكلاب كبيرة. كل الكلاب التي على وجه الأرض تتشابه تقريباً. إنه يعرف الكلاب جيداً! حذار من أن تشمَّ رائحة غريبة... فإذا ما شمَّ أحدها هذه الرائحة يبدأ بالنباح. وعندها، فكأن أمراً قد صدر إليها، إذ يبدأ كلب آخر بالنباح، وبعد قليل آخر غيره، وفي النهاية تنبح الكلاب جميعاً، كبارها وصغارها، ذكورها وإناثها. كائناً من كان الغريب، وأينما كان مختبئاً أو مختفياً، حتّى لو أشهر مسدسه وصوَّبه عليها! كان قد نسي مسدسه العاري الذي يحمله في يده، حقيقة نسي هذا المسدس الأسود الذي بقيت فيه رصاصة واحدة أخيرة، مع أنه نفعه كثيراً في الهرب والإفلات من مطارديه، بعد أن أحرق المزرعة. وفجأة شعر بألم جرح الرصاصة في كتفه، وبلا إرادة منه تسلَّلت يده من تحت قميصه الممزق الدامي وزحفت نحو الجرح الذي في كتفه، سحب يده، ونظر: دم! أهو من الرصاص الذي أطلقه عليه رجال الدرك، أم من رصاص حرّاس المزرعة التي أحرقها؟ كائناً ما كان، لا وقت لديه للتفكير بهذا أيضاً. فهو مُنهك جداً، وحالته لا تسمح لـه بمتابعة الهرب ولكن، عليه أن يجري هارباً، عليه أن يتخلّص من الاعتقال، ومن الرمي في السجن، ثمّ من حبل المشنقة بسبب جريمته الكبرى! ومن أعماق البعيد، إنما أقرب كثيراً من ذي قبل، تعالى فجأة نباح كلب. طار صوابه، وازداد اضطرابه إذ لاحظ أن هذا النباح كأنه جواب للنباح الأول. وزاد حذره، فشهر المسدس الذي في يده. حسناً ولكن ألن يكون في استعمال المسدس ضد الكلاب مخاطرة كبيرة؟ هذا النباح الذي يقترب ممزقاً هدوء ليل القرية ـ لم يكن يعرف أنها بلدة، وكان يظنّها قرية ـ والذي يتضخم كلّما اقترب بانضمام نباح كلاب أخرى وأخرى، ألا يعني أن خطراً ما يقترب منه؟ إذن فقد شمَّت الكلاب رائحته، وعليه الآن أن يعرض عن استعمال المسدس أو غيره، وأن يطلق ساقيه للريح من جديد. غاب ثانية في غياهب ظلام بحر الدغلة الكثيفة. وحين خرج كان قد وصل إلى مشارف البلدة، ونباح الكلاب المتكاثرة خلفه. وقف متقطع الأنفاس. جرحه يؤلمه، ورأسه يدور، وعيناه تسودَّان، وساقاه تعلنان العصيان وعدم قدرتهما على حمل جسمه الضخم. جلس القرفصاء. جرحه يؤلمه بشدّة. هل كان خَوْرُ قواه ناجماً عن جرحه يا ترى؟ ربّما كان ناجماً عن نزفه للدم. نزيف الدم، والجرح الذي بدأ يبرد، والذي لن يستطيع تحمّل آلامه المُبرحة إذا ما برد تماماً، والذي قد تسوء حالته، وقد ينتن ويلتهب إذا ما بقي بضعة أيام بلا عناية وتنظيف، وإذا لم يُدهن بالمراهم. وللحظة خطرت بباله زوجته التي تركها في قريته مع طفله الوليد."ـ حبيب" كانت قد قالت له: "... إني أرى أن عاقبة هذا الأمر ستكون وخيمة. سوف تفتح على رأسك باباً. أنا فداك. لقد قتلت مظفَّر بيك وألقيت به جثّة هامدة، لأنه صفعك، ونمت على ذلك ومرَّت المسألة ولم تُكشف. لكن دعك من إحراق مزرعته. فيد الحكومة طويلة، وذراعها طويلة. وسوف يكشفون ويعرفون الذي حرَّض الفلاحين، وسوف تُلقى تبعة الجريمة على كاهلك وحدك، وسوف تنفجر القرعة فوق رأسك. وغداً عندما تحلّ المصيبة، فإن أباك وأشقاءك سوف يجد كل منهم مبرراً ويتنصّلون منا. إن كنت لا تهتم بي فارحم ابنك!". لم يكن هذا وقت التفكير بهذه الأمور، فقد صار الذي صار، ومضى الذي مضى. الشيء الوحيد الذي يجب التفكير فيه الآن هو كيفيّة إيجاد مكان لـه للاختباء فيه بضعة أيام، ثمّ الفرار من أراضي الوطن! نظر إلى المسدس الذي في يده: هذا هو المسدس الذي أدّى حق المزارع الكبير مظفّر بيك! المزارع الكبير، مظفّر بيك الذي وصل طنينه ورنينه إلى السماء! فعلاً كان الرجل أشبه بملك خلق الجبال الصغيرة. فهو يملك آلاف الدونمات من الأرض، ومثلها من أراضي أملاك الدولة، وبقدرها أراضي الفلاحين. جُهْدُ وتعب آلاف العمال سنوياً. آلاف بالات القطن التي تباع وتُوضع أثمانها مئات آلاف الليرات في حسابه الجاري في المصرف. سيارته الخاصة الحديثة، اليوم هنا، وغداً في أنقره، وبعد غد في استنبول، باريس، روما، مونت كارلو... أمامه كل ما يشتهيه من طعام وشراب، وخلفه ما لا يشتهيه. أعلى وأرقى مظاهر الأبّهة والترف. الأسبوع ثمانية وأيامه تسعة والسيارات الخاصة الملأى بالنساء الفاتنات لا تفتأ تنقلهن إلى المزرعة التي تمور بهن وتضجّ بأصواتهن الناعمة الساحرة. فعلاً كان الرجل يظن نفسه مَلِكاً، ويتصرف على هذا الأساس. وكان الفلاحون يغضّون الطرف نوعاً ما عن كل هذا. لكن الرجل ازدادت غطرسته، وازداد جبروته، ولم يعد بالإمكان إيقافه عند حد، ولو لم يضم أراضي وأملاك الفلاحين المسجلة بأسمائهم في سجلات الطابو إلى أراضيه وأملاكه، ثمّ ينتسب أخيراً إلى الحزب الديمقراطي المؤسَّس حديثاً... امتقع وجه حبيب. مع أنهم كم من الإنجازات كانوا ينتظرون من هذا الحزب الجديد. فكم وكم من الظالمين الكُثر أمثال مظفّر سوف يحاسبهم هذا الحزب، وسوف يُخرج من أنوفهم الحليب الذي رضعوه من أمهاتهم، حسبما يقال. ولكن عندما نشرت إحدى الصحف الديمقراطية في المدينة في صبيحة أحد الأيام بعنوان عريض نبأ انتساب مظفّر إلى الحزب... خاب أمل حبيب وأمثاله ممّن كانوا يفكرون مثله، وأيقنوا أنه "لا فائدة من هؤلاء أيضاً!" إذ كيف يمكن للمظلومين أن يروا أولئك الذين ظلموهم على مدى سنين طويلة، وقد صعدوا فجأة فوق رؤوسهم في قيادة حزب "الحق" الذي تجمّع فيه المظلومون؟ كانت هذه هي القطرة الأخيرة. ورغماً عنه، تذكَّر حبيب صقرَ الظالمين مظفَّر، وتذكَّر الليلة التي قُتل فيها صقر الظالمين هذا. كانت ليلة كهذه الليلة تتلألأ سماؤها بالنجوم، بلا قمر. وكانت هناك دغلات مكوَّرة كثيرة في الفضاء الممتد بين قريتهم والمدينة. كَمُن حبيب للرجل في إحدى هذه الدغلات. ودخل الرجل البدين القصير بسيارته الكاديلاك السوداء في الطريق الذي يمرّ بين الدغلات. وقبل مضي وقت طويل أنيرت المنطقة وصارت نهاراً بفعل أضواء السيارة الكاديلاك القوية. في تلك اللحظة أبصر الرجل كيساً مليئاً ببذور القطن مُلقى على الأرض على بعد أمتار قليلة أمام سيارته، ضغط على الفرامل بشدّة. وقفزَ من السيارة، يريد أن يسحب كيس بذور القطن إلى حافة الطريق، ويفتح الطريق لمرور سيارته. كان الدَّيوث مثل البهلوان، فبسحبة واحدة سحب الكيس إلى حافة الطريق تماماً، لحظتها أيضاً هكذا كان في يده هذا المسدس نفسه الذي في يده الآن، وعلى بعد خمسة أمتار من الكاديلاك، ومن خلف إحدى الدغلات صرخ به حبيب: "ـ مظفَّر!" استدار مظفّر القوي البدين القصير ربما بخوف من هذا الصوت الهادر، في هذه الساعة من الليل، وتحت ضوء النجوم، ربما كان سيمدُّ يده إلى مسدسه، لكن حبيباً لم يُمهله، إذ سرعان ما ضغط على زناد المسدس الذي في يده. طار صوابه وقد انتبه فجأة إلى نباح كلاب. أواه. الكلاب مرَّة أخرى، ولكن بمجموعات أكبر من المرّات الأخرى، وأقرب كثيراً هذه المرّة. إنها قادمة وهي تنبح. ليست قادمة، بل مهاجمة. عليه أن يهرب وينجو. الشيء الوحيد الذي يتوجب عليه فعله هو الهروب والنجاة. وإلاَّ فهناك رجال الدرك، والسجن، والمحكمة، والمحاكمة، والحبل في صبيحة إحدى الليالي! كان متعباً، منهكاً، خائر القوى، لكنه رغم ذلك، نهض من مكانه، وبقوة فوق طاقة البشر، التقط أنفاسه واستجمع قواه المتهالكة، ومن جديد راح يجري هارباً. كان يظن أنه هرب ونجا من الكلاب. ولكن من أين؟ وليس هناك مكان يلجأ إليه. يكاد يسقط، وعيناه تسودَّان، وخيالات سوداء تتطاير أمام عينيه المسودَّتين. وفيما هو يجري في طرف البلدة التي لا يعرف أحد في أي درجة من درجات النوم تغط بيوتها المُعتمة النوافذ. لفت انتباهه فجأة ضوء أصفر. توقف. هناك إذن بيوت مستيقظة في هذا الحي المتطرّف من البلدة الغافية. كان ضوء البيت المستيقظ الأصفر، ينبعث من مصباح صيد لدى هاجر. وهو بالكاد يضيء صدرها نصف المكشوف وهي منحنية تغسل الغسيل، ويضيء طست الغسيل الذي أمامها. كانت هاجر، كما هي دائماً تغسل فرش ولحف ووسائد وملاءات أحد فنادق البلدة، وتغسل غيارات زبائن الفندق المتَّسخة. فتأخذ بين قبضيتها قطعة الغسيل المنقوعة جيداً بالماء والصفية وتفركها وتدعكها بقوّة، ثمّ تغطسها في الماء وتقلِّبها، ثمّ تأخذها ثانية بين قبضتيها... مسحت بظاهر قبضتها الملأى بالصابون حبّات العرق المتجمّعة على نحرها. بعد أن استلم هؤلاء "الديمقراطيون" من أمثال عم الخنزير دُوران الأعرج، السلطة، أثروا واغتنوا بحصولهم بسهولة على اعتمادات من المصارف، فاستبدلوا بيوتهم العتيقة المهترئة، وبنوا أبنية من طابقين أو ثلاثة، واقتنوا السيارات، والبرادات، وأجهزة الراديو، واشتروا لأولادهم ولأحفادهم درّاجات بعجلتين وبثلاث عجلات، ولأنهم اشتروا فوق كل ذلك غسالات كهربائية، ما عادوا يسمحون للنساء الغسالات أمثال هاجر بغسل غسيلهم، مع أنها كانت سابقاً تذهب إلى بيت هاشم آغا عم دُوران الأعرج، وتغسل جبال غسيلهم، من طلوع الفجر حتّى ساعات متأخرة من الليل ثمّ تغادر. لو وضعنا دُوران الأعرج على طرف، فإن هاشم آغا وزوجته وبناته، أناس كرماء لطفاء يقدّرون مشاعر الآخرين. فقط دُوران... وهاجر ترغب دوماً في الذهاب إليهم، لولا وجود ذلك السافل الكبير. فهناك على الأقل يلعب حسين مع زَينل إبن إبن هاشم آغا كأخوين، ويمتطي درّاجة زَينل من الصباح حتّى المساء فيبتهج ويُسَرُّ. هل كان يبتهج ويُسَرُّ فعلاً؟ لا تعتقد. لأنه في مساءات مثل تلك النهارات كان يعود إلى البيت مقطِّباً، فلا يأكل ولا يشرب، ويندس في فراشه، فسند رأسه إلى صدر أمّه الواسع، ويغفو. نصبت جذعها فوق طست الغسيل. اووووووف ظهرها... يا للوجع القاسي! عدم وجود زوج من ناحية، وهذا الغسيل الذي لا ينفد ولا ينتهي من ناحية أخرى، والتعب... مَمَّن، ومن زوجة من هي أبشع؟ وكما في كثير من الليالي، اجتاحتها بقوة نيران رغبة أنثوية عارمة... لقد رأت زوجها في الحلم ليلة البارحة أيضاً. هل كان زوجها عائداً من حيث ذهب، أم أنه لم يذهب أبداً؟ لا تعرف. الرجل عندها، وابنها حسين يغفو نائماً بقربهما. يدا زوجها المفتولتان المشعّرتان بساعديهما القويّين تتجوّلان في جسدها، وتتحسَّسان أكثر الأماكن الأنثوية حساسية وأكثرها إثارة، وأكثرها تهييجاً. فكادت تجن هيجاناً وقد التصقت بالرجل التصاقاً شديداً. ومن ناحية أخرى كانت تعرف أنها إنما ترى حلماً، وتجاهد نفسها كيلا تفيق منه، لذلك لم تسأله "ـ لقد ذهبت لتحصيل حصّتك من ميراث أمك، فمتى عدت؟". فهي تريد لهذا الحلم أن يطول ويطول ويستمر، وأن تبقى يداه القويتان تتجوّلان في المنابع الأكثر حساسية وإثارة وتهييجاً. ما صار. صوت ابنها حسين: "ـ ماما!" استوت مرّة أخرى فوق طست الغسيل، ثمّ مالت عليه ثانية وعادت تغسل. ففي كل مرَّة ترى فيها زوجها في الحلم، وفي اللحظة التي يهمَّان فيها بفعل الحب، يأتي صوت ابنها ويبعثر الحلم: "ـ ماما!" وقد علمت من أحاديث الجارات العرائس الشابات، والأرامل المسنَّات أنهنَّ جميعاً يعانين من هذه الحالة. فما أن يدخل زوج إحداهنّ أو عشيقها أو حبيبها في حلمها وما أن يبدأ بالعربدة حتّى يظهر من لم يكن في الحسبان ويبعثر الحلم ويشتته. فهل هذا هو سحر الحلم يا ترى؟ لكنها وإلى أن صاح حسين "ـ ماما!" كانت في منتهى الهيجان بلمسات زوجها. ولو لم يصرخ الطفل في اللحظة المناسبة تماماً، لكان الرجل... استوت مجفلة فجأة فوق طست الغسيل. إذ دلف أحدهم من باب الحوش مثل طائر ضخم وسقط عند المدخل. قفزت من مكانها وهي تردّد "بسم الله الرحمن الرحيم!". كان رجلاً غريباً ممدَّداً على ظهره على الأرض بلا حراك، عند الطرف الداخلي لباب باحة الدّار المفتوح، ومصباح الصيد المعلَّق بمسمار على باب الغرفة، يضيء الغريب بضوئه الأصفر الباهت، وبالأصح يضيء التلّة الصغيرة الغريبة التي سقطت وتمدَّدت على الأرض. قفزت هاجر من مكانها وهي ترتعد، وصاحت: ـ من أنت يا هذا؟ من أنت؟ نظرت فيما حولها حائرة مذعورة، ويداها مغطاتان برغوة الصابون وصدرها الواسع يعلو ويهبط. راودتها فكرة الاستغاثة وطلب النجدة من الجيران. وتبيّنت على ضوء مصباح الصيد المضيء من بعيد، أن هذا الممدّد على ظهره على الأرض رجل ضخم. وبرق في ذهنها بريق: حذار، هل هي حيلة من حيل دُوران الأعرج؟ نظرت فيما حولها خائفة، وقبضتاها مضمومتان بقوة. لماذا لم تغلق باب باحة الدار هذه الليلة، وهي التي تغلقه بإحكام كل ليلة؟ ألا تعرف كيف يدور دُوران الأعرج الكلب حولها؟ لو كان الباب مغلقاً لما استطاع هذا الرجل كائناً من كان أن يدخل إلى الداخل، ويرتمي عند حافة الباحة. فدّوران الكلب ابن الكلب لا يفتأ يدور حولها ويلاحقها تماماً مثل كلب ضال، ويهدّدها قائلاً: "ـ هاجر... تعالي بالحسنى، وإلا والله، بالله لأكنَّ زانياً بأمي سوف آخذك بالقوة وبالشر!". ولشدّة حنقها تنقلب هاجر إلى مجنونة هائجة وتصيح فيه: "ـ امشِ في طريقك أيّها الكلب الضال، فأنا لست ممّن تعرفهنّ، يدك طويلة، وذراعك طويلة، ألم يبق في هذه البلدة الكبيرة غيري؟". "ـ لم يبقَ يا هاجر. إن كان هناك أحد فأنتِ، وإن لم يكن فأنتِ!" "ـ اغسل يديك مني، فلا خير لك مني يا دُوران، عملك هذا لن يوصلك إلى نتيجة حسنة. أنا لن ألتفت وأنظر إلى رجل غريب، طالما أن لي زوج مثل الأسد على قيد الحياة!". فيطلق دُوران قهقهة ويقول: "ـ لو كان حيَّاً لسأل عنك بسطرين يا ساقطة!" "ـ إن كان ميتاً يجب عليّ أن أتأكد من موته. لكني عندئذ أيضاً لن أقول لك نعم، لتعلم هذا!" "ـ لماذا؟ ما الذي لا يعجبك في شخصي؟". "ـ أنا أيضاً لا أعرف، لكني أحسّ عندما أراك كأنني أرى خطيئة أمي...". "ـ خلاصة القول؟". "ـ لا خير لك مني!". "ـ حسناً، إن كنتُ دُوران فسوف أوقع بكِ...". "ـ ... ... ... ... ... ... ...". "ـ ... ... ... ...". تذكُّرُها لكل هذه الأمور كوميض البرق، زاد من خوفها، وراحت ترتعد، كيف لا، وها هو قد أوقع بها، وأدخل شخصاً غريباً إلى باحة دارها. ومن يدري أنه لن يحضر هو بعد قليل، وربما مصطحباً معه بعض أصدقائه السفلة أمثاله، ويحدث إساءة ما؟ وماذا لو أمسكت بالرجل الآن، وصاحت وصرخت وجمعت الجيران جميعاً في باحة دارها، وألقي القبض عليه، وفي المخفر قال الرجل: "ـ هاجر هي التي أدخلتني إلى بيتها!"؟ احتدّت وتأثرت لدرجة البكاء. "ـ الوحدة، أه من الوحدة، وعدم وجود أحد!" قالت في نفسها وأردفت: "ـ لو كان لي زوج أو أب أو أم أو أخ مثل الأخريات، فمن كان يستطيع أن يخدشني؟ بل من كان يجرؤ على ذلك؟". لسنوات وسنوات لم تُدخل إلى هذا البيت رجلاً آخر غير زوجها إذ كانت واثقة أن زوجها سوف يظهر ويعود في يوم من الأيام، وهي ما زالت على عصمته، بمعنى أنها شرفه، والمحافظة على هذا الشّرف حتّى النهاية دَين في عنقها. والله يعلم دخيلة نفسها. ولم تكن على غير علم بالتصرّفات الشائنة التي تتصرفها النساء اللواتي لا أزواج لهنَّ، بل وبعض الزوجات مِن خلف أزواجهن. لكن ليكن، فهي مع غير زوجها.... نظرت مجدَّداً بخوف وارتياب إلى الرجل الممدَّد على الأرض. من هذا الرجل؟ ما شأنه؟ إذا كان مأجوراً لدُوران فلماذا ينام؟ لماذا لا يتحرك؟ لماذا لا يتكلم؟ هل هو جريح ينازع؟ هل رموه بالرصاص؟ لو أنهم رموه بالرصاص لكان المفروض أن تسمع صوت إطلاق الرصاص. حسناً وبعد؟ وتحسُّباً لأي طارئ تناولت بهدوء فأساً صدئاً مرمياً في أحد الجوانب وبحذر شديد اتَّجهت نحو الرجل الممدَّد على الأرض بلا حراك قُرب الجهة الداخلية للباب. فإذا كان الرجل مأجوراً لدُوران الأعرج، ونهض وأراد أن يحتضنها فسوف تعمل اللازم بالفأس دون أي تردّد أو تفكير. لكن الرجل الممدَّد على الأرض لم ينهض، بل ولم يتحرك. مالت هاجر عليه، وحاولت أن ترى وتتبيّن وجهه، لكنها لم تستطع التعرّف عليه على ضوء مصباح الصيد الأصفر الباهت. إنه رجل ضخم ذو لحية سوداء خفيفة تغطي وجهه العريض. هل هو مسن؟ أم أنه شاب أطلق لحيته؟ على كل حال هو ليس من الناس المعروفين في البلدة. ولكن من هو؟ ما شأنه؟ ما عمله؟ وللحظة تصرّفت بعصبية مفاجئة. فسواء كان من هذه البلدة أم لم يكن، هو في النهاية رجل غريب! لماذا جاء وارتمى في باحة بيتها الذي لم يجرؤ أي رجل على أن يخطو فيه خطوة واحدة على مدى سنوات طويلة؟ وماذا لو أن جاراتها ذوات الألسنة الطويلة، اللواتي يغرن على أزواجهن منها رأينَه ورحن يتقوَّلن عليها؟ لكزت الرجل بطرف قدمها: ـ هيا، انهض من هنا! لم تبدر عن الرجل أية حركة. فازدادت حدَّتها: ـ أقول لك انهض من هنا، وإلا فوالله وبالله سوف أصرخ الآن وأجمع الدنيا! ـ ... ... ...؟ ـ انهض، انهض، هيا يا هذا! ـ ... ... ...؟ ـ إني امرأة أرملة، ولا أريد أن تشاع الأحاديث والأقاويل عني، انهض، هيا انهض! حبيب الذي قتل رجلاً، والذي قاد عملية إحراق مزرعة، حاول بضعف يثير الشفقة، أن ينهض. لمح الفأس في يد هاجر، فارتسم للحظة طيف ابتسامة طفولية على وجهه الملتحي الذي يضيئه ضوء مصباح الصيد الصغير المعلّق على باب البيت، ثمّ استند على الأرض بيديه الضخمتين وساعديه القويين محاولاً النهوض: ـ لا تخافي يا أختي، فلن يصيبك مني أي ضرر! لا يمكن معرفة ذلك: ـ يصيبني أو لا يصيبني. هيا انهض واذهب من هنا، فأنا امرأة وحيدة، ولا أريد أن أكون عرضة للأقاويل والاتهامات بسببك! ـ صحيح يا أختي، أنت محقَّة. وفيما كان ينهض، يبدو أن أحد ساعديه القويين لم يتحمل ثقل جسمه فالتوى تماماً عند الرسغ، وهوى جسمه على التراب ثانية، فأنَّ الرجل أنيناً نابعاً من أعماقه: ـ اوووووف يا أمي اوف. ليتك لم تلديني! هذا الأنين، وهذه الكلمات المقهورة، أعاد هاجر إلى اتزانها. هذا إنسان متعب فعلاً، أو مريض. ربما كان غريباً، ولا يمكن أن يكون عميلاً لدُوران الأعرج. ولم تفكر، ولم تستطع أن تفكر في كيف ولماذا لا يمكن أن يكون عميلاً لدُوران. ألقت الفأس من يدها إلى جانب. التصقت بالغريب الضخم تريد مساعدته في محاولته الثانية للنهوض، فأحاطت بكتفيه بقوة وسحبته من يده اليسرى دفعة واحدة. أنَّ الرجل ثانية أنيناً مجلجلاً: ـ اووووووف يا أمي! نظرت هاجر إلى يده. كانت يده اليسرى غارقة بالدم. سألته بتأثّر: ـ هل أنت جريح؟ تنهَّد الرجل: ـ أنا جريح يا أختي. ـ لماذا؟ هل تشاجرت؟ ـ تشاجرت يا أختي، فصوَّبوني. تراجعت هاجر: ـ صوَّبوك؟ ـ صوَّبوني. أمسك بغتة عن الكلام، وفكَّر في أنه إذا أخبرها بأن رجال الدرك أو حراس المزرعة التي قاد عملية إحراقها، هم الذين صوَّبوه. وبما أن كل الأطراف محاصرة، فقد يلقى القبض عليه، وإذا ما ألقي القبض عليه فهناك السجن، ثمّ الحبل! فابتدع: ـ لي أعداء، إما دمي وإما دمهم. إنها مسألة ثأر. وهم خلفي وسوف يقتلونني إذا ما لحقوا بي. الموت أمر الله. لكنه سيكون محزناً جداً إذا متُّ قبل أن آخذ بثأري وأنجز ما بدأته. أيقنت هاجر أنه ليس عميلاً مأجوراً لدُوران الأعرج: ـ هكذا إذن؟ ـ هكذا يا أختي. ـ لماذا لجأت وارتميت في داري؟ ـ لا أعرف. لابدّ أنني لمحت ضوءاً. ـ هي مسألة ثأر إذن؟ ـ مسألة ثأر. أنَّ حبيب مرة أخرى تحت وطأة ألم شديد. جثت هاجر بلهفة قربه: ـ ما بك؟ ـ جرحي. ـ هل يؤلمك؟ ـ يؤلمني. ـ هل يؤلمك كثيراً؟ ـ لا يمكن أن تتصوري، فقد مضت عليه عدّة أيام، وقد يلتهب إذا لم يُغسل ويُنظّف. آه ممّا يمر برأسي... لكني حتّى ذلك الحين، سوف أنهي عملي وأقطع خبرهم، ثمّ بعد ذلك... أسندَ ساعديه القويين على الأرض وهمَّ بالنهوض: ـ يا الله! بصعوبة، وبصعوبة بالغة جداً، نهض. كان متعباً منهكاً خائر القوى بحيث لا يستطيع الوقوف على قدميه. وهو وإن خطا مترنّحاً بضع خطوات نحو باب الدار، أمام نظرات المرأة المشفقة، إلا أن عدم قدرة ساقيه المتعبتين على حمل جسمه الثقيل، جعله ينقلب ويهوي على الأرض، مثل شجرة دلبة ضخمة. أسرعت هاجر إليه: ـ هل أنت منهك جداً؟ ـ جداً. ـ لماذا؟ ـ ركضتُ طويلاً، طويلاً، وفقدتُ دماً كثيراً يا أختي. هاجر التي ما زالت حذرة، قالت بعد أن نظرت حولها بارتياب: ـ أنت لست من هنا، أليس كذلك؟ ـ لستُ من هنا يا أختي. ـ ماذا تفعل هنا؟ ابتدع ثانية: ـ أعدائي هنا. خطر دُوران الأعرج ببالها. حذار من أن يكون هو عدوه! ـ إذن عدوّك هنا؟ ـ هنا. ـ من هو؟ ـ لا تعرفينه. حب الاستطلاع زاد من لهفتها: ـ ربما أعرفه. وبدلاً من الإجابة تعمَّد حبيب الأنين. أصغت هاجر للحظة إلى الليل الذي يردّد أصداء نباحات كلاب من بعيد، ثمّ سألته: ـ هل رأى أحد دخولك إلى هنا؟ لم يفهم حبيب السؤال: ـ إلى هذه البلدة؟ ـ لا. إلى بيتي. ـ لا يا أختي. ـ هل يعرفك أحد في هذه البلدة غير أعدائك؟ فَهِمَ خشية وحذر المرأة فأجاب: ـ لا أحد يا أختي. لا تخافي. وبأمل يملأ نفسها، وبلهفة سألته: ـ هل تعرف دُوران الأعرج؟ فكَّر لحظة: ـ لا أعرفه. ـ إذن فقد ارتكبت جناية أخذاً بالثأر؟ تنهَّد: ـ لم يكن الأمر بيدي يا أختي. لقد انطلق السهم من القوس، ولم يكن أمامي إلا أن ألطِّخ يدي بالدم، لذلك عليّ أن أنجز ما بدأته. أولئك قتلوا أبي وأشقائي منذ زمن، كنت صغيراً حينها. الدَّور عليَّ الآن. لابدّ أن أطفئ جذوة نارهم! قبَّل المسدس الذي في يده. حارت هاجر في أمرها. فهي وإن كانت تريد للرجل أن يخرج ويغادر قبل لحظة، لكن لسانها لم يطاوعها، ليقينها بأن ذلك سوف يكون شكلاً من أشكال الطرد. هل هي مشفقة عليه؟ أم أنها خائفة من أن تراه أثناء خروجه من الدار، أم علي أو إحدى جاراتها السليطات اللسان ـ اللواتي لا يفتأن يحفرن لها بئراً ـ فيطلقن ألسنتهنَّ بالأقاويل؟ كان نباح الكلاب قد اختفى تقريباً. مهما يكن، يجب عليها إخراج الرجل. هيئته، شكله، قوامه... لحيته السوداء تدل على أنه شاب. من بين كل البيوت الموجودة رمى بنفسه من باب باحة دارها إلى الداخل. أي أن الله أرسل هذا الرجل المسكين إليها هي. هل يليق بالإنسانية أن تُلقي برجل غريب جريح، خائر القوى إلى أعدائه المحيطين به من كافة الجهات؟ تنهَّدت. طبعاً لا يليق ولكن، ماذا يمكنها أن تفعل؟ فهي امرأة عاشت بلا زوج لسنوات عديدة، وتعرَّضت بسبب ذلك للأقاويل والإشاعات، وتشاجرت عدة شجارات. الله تعالى يعرف دخيلتها قطعاً. لكنها مُجبرة على إيضاح ذلك لعبيد الله. من ناحية أخرى هناك هذه المسألة: كيف تتصرّف بما يعارض أمر الله الذي رأى بيتها الأجدر من بين بيوت البلدة الكبيرة؟ كيف تطرد رجلاً غريباً جريحاً مريضاً مُتعباً... انقطع شريط أفكارها، وقد طرق مسامعها ضجيج سيارة جيب مصحوب بأغاني سكارى. ويبدو أن ذلك طرق مسامع الغريب أيضاً، إذ نظر إلى المرأة بارتباك. كانت المرأة تعرف هذه الأصوات جيداً، فقالت: ـ إنه دُوران. دُوران الأعرج وأصدقاؤه، لابدّ أنهم عائدون من المدينة... سألها حبيب بلا مبالاة: ـ دُوران؟ من هذا؟ ـ في البلدة رجل غني جداً وذو نفوذ يُدعى هاشم آغا صاحب محلجة قطن، ورئيس الديمقراطيين هنا. وهذا ابن أخيه طائش يعيش على هواه فلا ضابط ولا رابط، مستهتر لم يترك ما لم يفعله معتمداً على نفوذ عمّه! اقترب صوت سيارة الجيب المحمَّلة بأغاني السكارى. بدأ قلب هاجر يخفق من جديد. أيمكن أن يكون هذا الغريب من رجال دُوران الأعرج؟ إنها متأكّدة أنه ليس كذلك، فالرجل جريح، بلا حول، رجل مشغول بهمّه، مع ذلك من يدري؟ فهذه الدنيا دنيا عجيبة. والحجر الذي لا يعجب يشجّ الرأس. ذهبت وأغلقت باب باحة الدار المفتوح. فقال حبيب: ـ أرى أني بقيت هنا؟ بحركة آنية أخذت المسدس من يد الرجل: ـ هاتِ هذا... ـ حسناً، ولكن يا أختي... ـ لا تخف، لن تمسَّك مني ذرة سوء. لكني لا أعرفك، تداخلني الريبة، سامحني. أنت لستَ كما أتخيّل، وسيبقى المسدس مسدسك! هزَّ حبيب رأسه ضاحكاً: ـ إني أفهمك يا أختي. أنت مثلي إذن لك أعداء أيضاً؟ ـ وأي أعداء! ـ حسناً، فليبقَ المسدس معك، أنا أيضاً لن أمسَّك بسوء فاطمئني. بقيت في المخزن رصاصة وحيدة، إذا استدعى الأمر... لا يا صديقي لا. لا أنوي تلطيخ يدي بالدم. ولكن كما قلت، الدنيا غدَّارة، وأمورها غامضة! أقبلت سيارة الجيب المحمَّلة بأصوات الأغاني والموسيقى، مُسرعة وتوقفت أمام باب باحة دار هاجر. تعالى صوت دُوران الأجش: ـ في بيتها ضوء، طير ليل، هل تنام تلك أبداً؟ سمعت هاجر وحبيب الحديث، فقطعا أنفاسهما، وصارا آذاناً صاغية. ثمّ ذهبت هاجر بهدوء، وأنزلت فتيل مصباح الصيد الصغير. انتبه دُوران الأعرج إلى ذلك، فصاح في الخارج: ـ هاها. هكذا إذن؟ (ركل الباب برجله) هي إذن تغسل الغسيل في الداخل؟ انتقل حبيب من مكانه إلى نقطة أكثر ظلمة في طرف الباحة. بينما انتصبت هاجر بحدّة في الضوء الخافت والمسدس في يدها. وبعد فترة جاء صوت دُوران الأعرج هامساً: ـ ولِك هاجر، افتحي هذا الباب! خطرت خواطر سيئة في ذهن حبيب. المرأة هكذا إذن؟ لو لم تكن هكذا لما تجوّل السكارى بالسيارة الجيب أمام باب بيتها في هذه الساعة المتقدَّمة من الليل. ولمّا طلبوا منها هذا الطلب: "ـ ولِك هاجر، افتحي هذا الباب!". صحيح أنها تحدّثت قبل قليل عن دُوران الأعرج وعن عمّه الغني ذي النفوذ، رئيس الحزب هاشم آغا. على أن هذا لا يعدو أن يكون نوعاً من أنواع التبرير تلجأ إليه مثل هؤلاء النسوة. لكن هذه المرأة المنتصبة بحدّة قريباً منه وإلى الأمام قليلاً، قد شحب وجهها تحت ضوء النجوم وصار كورقة بيضاء، فيما كانت رموشها تلتمع مبللة. وهذا يعني أنها استاءت منهم، وطالما استاءت منهم فهي إذن ليست من تلك النوعية من النساء. اقتربت منه المرأة بانفعال، ومدَّت إليه مسدسه وهمست: ـ خذ، فقد أرتكب جناية الآن! ثمّ أردفت وكأنها أدركت ما كان يجول في خاطر الرجل الجريح: ـ لا تحسبني من تلك النساء أرجوك، فأنا ليست لي أدنى علاقة لا بهذا ولا بغيره، إن كنت تؤمن بالله فصدِّقني. منذ سنوات وكلّما شرب هذا الكلب كأساً ودارت الخمرة برأسه يأتي ويزعجني ويضايقني هكذا! في هذه اللحظة تماماً رُكل الباب مرّة أخرى: ـ افتحي، ولِك يا عاهرة! اضطربت المرأة واهتزّت، وفيما كانت تبحث فيما حولها عن أي شيء يمكن أن تلجأ وتستند إليه، لامست يدها يد الرجل. أمسك الرجل بهذه اليد وقد أدرك ما تعانيه المرأة، ولم تجد المرأة حرجاً في عدم سحبها. كانت يدها باردة مثل الثلج. وفي الخارج كان دُوران الأعرج يتابع كلامه: ـ ولِك أي امرأة ساذجة أنتِ يا؟ هل تظنين أني أطلب منك فتح الباب بقصد الإساءة؟ لقد جئتك بخبر من زوجك يا سافلة. الرجل تزوج في بلدته، تحدَّثت إلى زملائه الذين رأوه بأعينهم. وأنت امكثي هنا وانتظري... سرت قشعريرة باردة كالثلج في جسد هاجر، وقد ضُغط على وترها الحساس. وأحسَّ حبيب بذلك من يدها التي في كفه. كلا كلا، هذه المرأة لا يمكن أن تكون من "أولئك النسوة". جاء الآن دور أصدقاء دُوران الأعرج في قذف الكلام يميناً ويساراً: ـ إذن فقد قال زملاءه كذا وكذا؟ أجاب دُوران: ـ نعم بشرفي. ـ هذا ظلم للمرأة! ـ طبعاً ظلم. ولكن كونوا شهوداً، بأنني موافق عندما تقول هي نعم. هل سمعتم؟ ـ سمعنا. ـ نحن شهود على ذلك إكراماً لله. ـ وإذا طلبت عقد نكاح؟ فأجاب دُوران: ـ أنا موافق على ذلك أيضاً. وجاء صوت أحدهم: ـ يا روحي ما الداعي للنكاح والمكاح؟ لتوافق هي، فتسرع أنت وتملأ ساعديها حتّى المرفقين بالمبرومات الذهبية! ـ هكذا تماماً... وجاء صوت آخر: ـ حسناً، ولكن الطفل، ماذا سيكون مصير الطفل؟ ـ وماذا سيكون؟ ذاك سيصبح ابني. وسيصبح مفضَّلاً على ابني الفعلي! اهتزّ جسد المرأة وهي تشهق بالبكاء. وصعد الدم إلى رأس حبيب. نسي مشكلته، وجُنَّ جنونه للإهانات التي أُمطرت بها هذه المرأة المسكينة التي لا حامي لها. ـ طيب لماذا لا تتزوجك؟ ـ ربما كان لها حبيب آخر... فجاء صوت دُوران مغضباً: ـ مَن؟ فلأعرفه، والله برصاصتين... ـ ... ... ... ... ـ ... ... ... كانت هاجر تبكي وجسمها يهتزّ ويختلج. ولم تكن قادرة على الكف عن البكاء. فجأة صارت يدها التي نسيتها في يد الغريب، تلتهب نيراناً. كان نصف هذا اللهيب نابعاً من غضب وانفعال الغريب، ونصفه الآخر من النيران التي تدبّ في جسمها كله، والتي يغذّيها الحقد فتزيد يوماً بعد يوم. هي تستطيع قلع عيني الرجل الذي يقف أمام باب بيتها ويُمطرها بوابل من الإهانات، وتستطيع ذبحه. ولكن ماذا تفعل بالآخرين؟ إنها تحقد على أولئك أكثر من حقدها على الأعرج. فهم يتبعونه ويقفون أمام بابها وهي المرأة المسكينة ويحرقونها بكلامهم الزائد والناقص لكي يأكلوا ويشربوا مجاناً على حسابه. ألا ما أسفل هؤلاء الناس! شهقت بالبكاء. ضغط حبيب على اليد المنسية في كفّه، وقال: ـ كفى يا أختي، لا تبكي. حرام على دمع عينيك! سحبت هاجر يدها، وهمست وهي تمسح دموعها: ـ هكذا مرّتان أو ثلاث مرّات على الأقل في الأسبوع، لقد سئمتُ ومللتُ من روحي وحياتي. ما هذا الذي أقاسيه من هؤلاء الأوغاد وأنا قابعة في بيتي المتطرّف هذا أغسل ملابس الناس المتّسخة لكي أتمكّن من تربية ابني اليتيم رغم وجود أب له؟ قد تكون المرأة لعوباً مستهترة فتنحرف يميناً ويساراً، وتكلّم هذا وتحدّث ذاك. هذه المرأة يمكن ملاحقتها لأنها سيئة السلوك. أمّا أنا فأنسحب إلى بيتي منذ ساعات المساء الأولى وأغلق بابي على الدنيا. مع ذلك... استمر الصياح والصراخ في الخارج، وتتابعت أصوات الأغاني والموسيقى والكلمات المبطَّنة والمهينة. واستيقظ جيران هاجر ذوو الألسنة الطويلة وتجمهروا شبه عُراة على النوافذ والأبواب. ولم يكونوا خالين ممن يلعنون في أعماقهم هذه السَّفالة في مثل هذا الوقت من الليل، لكنّهم كانوا يخافون من أن يساندوا هذه المرأة المسكينة التي تُجابَه وحيدة، مع ابنها الصغير، هذه الحياة التي لا تطاق. كانوا يخشون من أن يحشروا أنفسهم مع كلب في كيس واحد. أمّا الذين يأملون فائدة من كسب رضاء دُوران الأعرج، فقد هرعوا إلى النار بالمنفاخ: ـ إذن فقد تزوّج الرجل؟ ـ طبعاً يا ناس، وهل يسأل عنها؟ ـ وهل التي تزوّجها مجدَّداً جميلة يا ترى؟ ـ وهل تفي كلمة جميلة.؟ سمعت من زملائه أنها رشفة ماء زلال! ـ وإذا كانت ذات أموال وأملاك إضافة إلى ذلك... ـ يا لحلاوتها! ارتفع صوت دُوران الأعرج ثانية: ـ هي ذات أموال وأملاك لا تعدُّ ولا تُحصى. صار الرجل يزن ذهبها بالميزان. مال ومُلك وطعام وشراب ولباس وزينة... ـ ... ... ... ...؟ ـ ... ... ... ... ـ ... ... ... همس حبيب ثانية: ـ لا تبالي يا أختي. فالكلاب تنبح والقافلة تسير! زفرت هاجر: ـ صحيح ولكن... ـ بدون لكن. اسكتي! ـ ليتني أستطيع السكوت، ليت الله يأخذ روحي فأسكت إلى الأبد دون أي صوت... تضايق حبيب من كلامها: ـ افتحي فمك على خير. انظري، ولديكِ ابن أيضاً... ـ سكتت هاجر ولم تُجب. وبعد أن حقق الواقفون أمام باب بيتها رغبة "دُوران آغا" بإلقاء الأسئلة التي يريدها دُوران الأعرج، والإجابة عليها الإجابات المناسبة، ابتعدت سيارة الجيب رويداً رويداً بصوتها المترافق بروائح البنزين. وكذلك انسحب الجيران الفضوليون أو المهووسون بالشماتة الذين هرعوا من مراقدهم شبه عراة، وعادوا الآن إلى مراقدهم. كانت هاجر تبكي بلا انقطاع. أمّا حبيب فقد انتصب ناسياً تعبه، غير مكترث بألم جرحه الذي بدأ يشتد، حائراً فيما يجب عليه فعله. هل يجب عليه الرحيل؟ أم يجب عليه البقاء وبذل روحه برفقة هذه المرأة؟ وقد بدأ يحسُّ في داخله باهتمام غريب بها، اهتمام تغلب عليه مشاعر الأخوة والإشفاق على إنسان ضعيف عاجز. كان يظن أنه إذا رحل وترك هذه المرأة التي قاست وعانت الكثير من التحقير والإهانة على مدى سنوات، فإن أولئك الرجال سوف يعودون ثانية فيخلعون الباب، ويدخلون إلى البيت عنوة ويغتصبون المرأة. نعم، ولكن ألم جرحه... تلوَّى ألماً رغماً عنه. وأدركت هاجر أن جرحه يؤلمه، فنسيت فوراً مصيبتها التي فوق رأسها، ووضعت يدها برفق فوق كتف الرجل السليمة، وسألته: ـ هل يؤلمك؟ فأنَّ الرجل قائلاً: ـ جداً. ـ كم مضى على إصابتك؟... ـ عدَّة أيام. ـ عدَّة أيام؟ لمست الجرح بيدها وقالت: ـ إنه ينزف. ـ إنه ينزف يا أختي. ـ لماذا؟ ـ لابدّ لأنني ركضت طويلاً. جوفي يحترق أيضاً... ـ هل تقصد أنك عطشان؟ ـ نعم، إن كان لديك بعض الماء، ولو أثقلت عليك... ـ الماء موجود، ولكن... ـ أعرف أن شرب الجريح للماء... ـ ليس صواباً أبداً! جوفي يحترق! ـ ليحترق، لا تشرب. أود أن أضمد جرحك، لكني لا أعرف... هزَّ. حبيب رأسه يمنة ويسرة وقال: ـ سلمتِ يا أختي، ليعطك الله على قدر نيّتك. إنه لا يستحق... ـ ما هو؟ ـ أن تنظّفي جرحي وتضمديه. ـ لماذا؟ ـ لأنني لن أعيش طويلاً... استاءت هاجر من كلامه: ـ افتح فمك على خير. ما هذا الكلام؟ ولماذا لن تعيش؟ ـ أنا أعرف حالتي يا أختي! انقلبت هاجر الآن إلى أنثى نسر، وقرّرت أن تمدَّ يد المساعدة لهذا الإنسان الشريف اليائس من حياته، وأن تحبِّب إليه الحياة، مهما كانت النتائج والعواقب. قد تكون النتائج سيّئة، وقد يراه من يراه فتلوكها الألسن من جديد. ليكن، فالله الذي فوق يعرف دخيلتها وإن لم يعرف العبد فلا يعرف. فكم سمعت من أمّها قولها "ـ اعمل المعروف وارمهِ في البحر، فإن لم يعرفه السمك يعرفه خالق السمك". ـ هيا... نظر حبيب حائراً وقال: ـ إلى أين؟ ـ إلى الداخل، إلى الغرفة! ـ إلى الداخل؟ إلى الغرفة؟ ـ نعم، ماذا هناك؟ ـ أيمكن؟ ـ لماذا لا يمكن؟ ـ سوف تتعرضين للشائعات وللأقاويل بسببي... ـ ومن سيراك في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ ـ ... ... ... ...؟ ـ ثمّ إنك ذكَّرتَني بالمرحوم أخي... ـ أنا؟ ـ هو أيضاً مثلك كان يناديني يا أختي. حتّى أنه، أستغفر الله عندما أصيب، هو أيضاً مثلك طلب مني ماء! ـ إذن... ـ أجل. ـ وهل أعطيتِهِ؟ ـ ماذا؟ ـ ماء. ـ ليتني لم أعطه. ـ هل مات إذن؟ ـ مات، ولكن إصابته لم تكن في الكتف مثلك. ـ أين كانت؟ ـ كانت الرصاصة، بسم الله، قد اخترقت الرئة تماماً. هيا انهض، تمسَّك بي، تمسَّك بي جيداً يا أخي. نعم هكذا... كانا يتبادلان اختلاق القصص. إذ لم يكن لهاجر أخ مات من جرّاء رصاصة اخترقت رئته، بل لم يكن لها أخ مطلقاً. إنما كانت قد سمعت هذه القصة منذ سنوات طويلة من إحدى صديقاتها المقرَّبات، وبقيت القصة ماثلة في ذهنها. ولكن لماذا أطلقتها ونسبتها لنفسها الآن؟ لماذا رفعت معنويات الرجل هكذا؟ أمن أجل شبابه؟ أم لمساندته إياها؟ أم لأن لـه أعداء كما لها؟ أم لأنها...؟ لم تكن تريد التفكير بالسبب، كائناً ما كان السبب، هي لا تريد للغريب الجريح أن يرحل. حبيب أيضاً، لم يكن يريد الرحيل لسبب ما. اختلق قائلاً: ـ أنا أيضاً كانت لي أخت في مثل سنك. ـ هكذا. وماذا جرى لها؟ ـ لاشيء. هي عند زوجها. ـ هل كانت تحبك؟ ـ كثيراً. ورغماً عنها قالت: ـ وأي أخت يمكنها أن لا تحب أخاً مثلك؟ نسي حبيب آلام جرحه، وتشبث تماماً وبغرور بالمرأة. وخطر بباله رغماً عنه أن هذه العبارة قد تحمل معنى "ـ وأيُّ امرأة يمكنها أن لا تحب رجلاً مثلك؟". ـ دمتِ سالمة! ـ دمتَ سالماً أنت أيضاً! سارا سوية وببط باتجاه باب الغرفة، حيث تطاولت هاجر وأنزلت مصباح الصيد الصغير الخافت الضوء، المعلّق بمسمار على باب الغرفة، ودخلا إلى الغرفة ببطء وتؤدة. كان ابن هاجر الصغير ينام هانئاً قرير العين في فراشه الممدود على أرض الغرفة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |