|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كانت غرفة صغيرة متسخة الجدران. وعلى يمين الداخل من الباب كان حسين نائماً في الفراش الممدود على أرض الغرفة. وهنا وهناك أشياء مبعثرة، وفساتين سقطت عن المسامير المعلّقة عليها، وبنطال حسين. رفعت هاجر فتيل مصباح الصيد ذي الضوء الخافت الذي تحمله في يدها، فازدادت إضاءة الغرفة، وبانت الأشياء أكثر. قال حبيب: ـ أليس من الأفضل أن يبقى ضوء المصباح خافتاً؟ فتساءلت هاجر وهي تعلَّق المصباح على مسمار في الحائط: ـ لماذا؟ ماذا هناك؟ ـ لا أعرف. أفكر بالجيران، لكي لا يرتابوا... لم تجبه. واستبدَّ بها الغيظ من الجيران، ومن كل الناس ذوي الألسنة الطويلة. لقد أمضت طيلة سنوات عمرها بشرف واستقامة هكذا، فماذا استفادت؟ ألم يقفوا قبل قليل مع دُوران الأعرج الكلب، ويُسمعوها أقذع الكلمات الجارحة، لكي يكبروا في عينه وينالوا رضاه؟ أشارت إلى أريكة على اليمين وقالت: ـ ادخل واجلس هنا. جلس حبيب. فأردفت قائلة: ـ تمدَّد إن شئت! لن يكون ذلك سيئاً، لكنه استحيا، فقال: ـ هكذا أفضل. ـ لدي ماء ساخن، هل أغسل جرحك وأضمّده؟ ـ ليرضَ الله عنكِ يا أختي، وليعطِكِ على قدر نيّتك... ـ وأنت كذلك. وفيما كانت تغادر لجلب الماء، رمقها الشاب بنظراته الودودة التي لا تنم عن أيّة نوايا سيئة. ولما خرجت جالت نظراته المُشفقة في أرجاء الغرفة. على اليمين، وعند طرف الفراش الذي ينام فيه حسين، يستند سُلَّم للصعود إلى السقيفة. إذن فللغرفة سقيفة؟ نعم كانت للغرفة سقيفة، وكانت أخشاب السقف مخلوعة. هذه الجدران المتسخة، وهذه الأخشاب المخلوعة تنتظر رجل البيت لينظفها ويطليها ويصلح من شأنها، فهذه الأمور ليست من أعمال امرأة مسكينة. عندما عادت إلى الغرفة حاملة طستاً مليئاً بالماء الساخن، سألها: ـ ألا يدلف هذا السقف عند هطول المطر؟ رفعت هاجر رأسها ونظرت إلى الأعلى، وقالت: ـ أيمكن أن لا يدلف؟ ليبلى بالعمى... ـ لماذا لا تصلحينه؟ ـ هكذا يصبح حال البيت الذي لا رجل لـه. وهل لدي القدرة الكافية للإصلاح يميناً وشمالاً؟ ذهبت وأحضرت بعض الخرق النظيفة وقالت: ـ هيا، انزع عنك ثيابك؟ استحيا الرجل الكبير مثل طفل صغير: ـ أنزع ثيابي؟ كيف؟ ـ نصفك العلوي. فهم: ـ سيكون ذلك ثقيلاً عليك ولِك يا أختي... ـ لا لن يكون. انتظر، دعني أساعدك... وفيما هي تساعده في نزع الثياب عن نصفه العلوي، كانت الانفعالات الأنثوية العارمة تجتاح كيانها، قالت وهي تحاول أن تبقى متمالكة نفسها، وأن لا تفكر في أي تصرف غير لائق: ـ وأنت تُعتبر أخي... ـ طبعاً يا أختي طبعاً، وهل كان بإمكاني الدخول إلى هنا، لو لم أُعتبر كذلك؟ ـ ألا أعرف ذلك؟ الوجه مرآة الإنسان... ـ صحيح. ـ عندما لمحت وجهك للوهلة الأولى قلت في نفسي لا يمكن أن يصيبني أي ضرر من هذا الرجل! ـ سلمتِ. ليعطك الله على قدر نيتِكِ! ـ وأنتَ كذلك. أسلَمَ نفسه ليَدَيِّ المرأة المكتنزتين. أمّا هي، فكان كل جهدها منصباً على أن تبقى متمالكة نفسها، كانت تخشى من ملامسة هذا الرجل الذي ظهر الآن بنصفه العلوي العاري تماماً. فراحت تتمتم: ـ لن يسألني الله إلا عن حلالي، طالما أني ما زلت زوجته وعلى عصمته... وأوّلهم دُوران الأعرج الذي سمعته بأذنيك. فكم من مرة عَرَض عليَّ عديمُ الحياء مالاً وملكاً وأطياناً، ووعدني بأن يعقد نكاحه علي. وكأنني بحاجة إلى ماله وملكه ونقوده، والله وبالله لن ألتفت وأنظر إليه حتّى لو متُّ جوعاً! خطرت ببال حبيب زوجته، تلك أيضاً ستصبح وحيدة مع وليدها اعتباراً من الآن، تماماً مثل هذه المرأة. تألّمت نفسه. فعلاً كان تصرفه سيئاً جداً. لماذا قاد عملية إحراق المزرعة الكبيرة؟ ولماذا حرَّض الفلاحين؟ وما هي النتيجة؟ مات مظفّر بيك، وأحرقت مزرعته. ما الذي حصل عليه الفلاحون من جراء ذلك كله؟ سوف تؤول الأراضي والمزرعة والأملاك والأموال الطائلة كلها الآن إلى زوجته. ولابد أن هذه المرأة الشابة الفاتنة سوف تتزوج ثانية، وسوف يحل مظفر آخر محل مظفر، ولنفرض أنه علي أو حسن أو مصطفى أو رجب. لم تكن زوجته الشابة تفارق مخيلته. هل ستبقى هكذا وحيدة في الميدان بعد الآن يا ترى؟ وإذا أفلت ولم يصبح طعاماً لرصاصة ما، وهرب إلى سورية، واضطرته الظروف إلى البقاء فيها سنين طويلة، هل ستستطيع انتظاره طيلة تلك السنين؟ هذه المرأة تنتظر زوجها منذ سبع سنين، فهل ستستطيع زوجته الانتظار أيضاً؟ أم أنها ستأخذ ابنها وتذهب إلى بيت أمها؟ هل ستغسل ملابس الناس وتنتظر مع ابنها عودة زوجها في يوم من الأيام؟ أمّا هاجر فكانت تتكلّم كأنما تخاطب نفسها: ـ ... ... لا أدري ماذا يريد مني. أنت غني، وعمك رجل ذو مركز مرموق. أفلا توجد امرأة أو فتاة لك؟ لو أشرت بيدك لهرعت إليك خمسون، كما يقال. خذ واحدة منهن وابنِ عشَّ زوجية، ودع اللَّف والدوران والجري وراء أعراض الناس. قل أنه نزل إلى المدينة، قل أنه التقى بزملاء زوجي، قل أنهم أخبروه كذا وكذا، وأنه تزوج بفتاة جميلة ذات أموال وأملاك... رفعت رأسها إلى حبيب: ـ كذب، أليس كذلك؟ ـ طبعاً. ـ أعرف أنه كذب، كما أعرف اسمي... ـ لماذا بكيتِ إذن، طالما أنك تعرفين ذلك. ـ هكذا بكيت، رأسٌ مجنونٌ. ـ أتحبيه كثيراً؟ ـ مَن؟ ـ زوجك. نصبت هاجر رأسها مثل فرس جموح: ـ مَن؟ أنا؟ ـ نعم أنتِ. وبدون سبب واضح، ولكي لا تقول "طبعاً إني أحبه" قالت: ـ مَرَّة هو زوجي، وأنا على عصمته، ولن أسمح بأن يقال عن ابني ابن عاهرة! مرَّرت الخرقة المبلَّلة بالماء الساخن ببطء وتؤدة فوق الدماء المتجمدة حول الجرح أولاً. كانت رغبتها في عدم إيلامه تجعلها تتباطأ. ورويداً رويداً تفتتت وذابت الدماء المتجمّدة كقطعة قرميد أحمر. غطست الخرقة الملوّثة بالدماء، في الماء الساخن مجدداً وبلَّلتها ثمّ عصرتها ومسحت حول الجرح ثانية. وبتكرار المسح البطيء، نظفت ما حول الجرح من الدماء المتجمّدة، ولما جاء دور الجرح، بللَّت خرقة أخرى وعصرتها عصراً خفيفاً. تمهّلت. ثمّ وإن وضعتها بخفة ومهارة فوق الجرح، إلا أنه شعر وكأن تياراً كهربائياً يسري في جسمه الضخم المتين كثيف شعر الظهر والكتفين، لكنّه تظاهر باللامبالاة، إذ لا يليق بالرجل الشكوى والأنين أمام امرأة. عضَّ على شفته السفلى، ولتتألّم نفسه كما تشاء، سوف يظل يضغط على أسنانه. ولتنقطع شفته بين أسنانه. سألته بصوت خافت: ـ هل تتألم؟ ومع أنه كان يتألم أجابها: ـ لا يا روحي. ـ إذن، سوف تثأر من أولئك عندما تتماثل للشفاء... كان قد نسي الكذبة التي كذبها عليها، فتساءل: ـ ممن؟ ـ من أولئك. تذكَّر فجأة: ـ ها، من أولئك؟ طبعاً، سوف أمحو أثرهم، وبعدها فلتُعدمِنْي الحكومة. وماذا في ذلك؟ سواء متُّ في الثانية والثلاثين أو في المئة والثانية والثلاثين... ـ هل أنت في الثانية والثلاثين؟ ـ دخلتها حديثاً. زوجها أيضاً في مثل سنه الآن. ـ أليس حراماً؟ إنك شاب، إنك مثل الأسد... ـ دعي عنك ذلك يا أختي، فقد راحت عليَّ. ـ إذن فأنت لست متزوجاً أيضاً؟ كذب مرّة أخرى: ـ لست متزوجاً. لِمَ لمْ تتزوج؟ كذبة جديدة أخرى: ـ تزوجت، لكن أعدائي فصلوا زوجتي عني، ورموا ابني في جب أحد البساتين وخنقوه. أجفلت المرأة وتساءلت: ـ في جب بستان؟ ـ أجل. التفتت ونظرت إلى ابنها حسين الذي ينام هانئاً، وطار صوابها. فدُوران الأعرج عدوها أيضاً، وعندما يُدرك في يوم من الأيام أنه لن يستطيع الوصول إليها... رفعت الخرقة عن الجرح. لم تكن تريد التفكير في ذلك، وكما في كل مرة تحاول فيها طرد فكرة ما، تراودها الفكرة ذاتها، وتلحُّ عليها، وتتجسَّد حيَّة في مخيّلتها، فتزعجها وتقلقها، كذلك حدث الآن أيضاً. فها هي ذي تتخيَّل جبَّاً كبيراً ذا مياه وسخة آسنة في إحدى ساحات القرية. ودُوران الأعرج ورجاله المقربون يخطفون حسيناً، ويكمِّمون فمه بإحكام بحيث لا يستطيع التفوّه بحرف مهما حاول، ويكبلون يديه ورجليه، ويمسكونه من ساقيه ويدلون به إلى غياهب الجب ويخنقونه وهو يتخبّط في الماء! تجسَّدت وتجسَّمت صورة حسين المخنوق في المياه الآسنة! نظرت ثانية إلى حسين، وهبَّت فَزِعَة من مكانها، وهرعت إليه، فقبّلته وقبّلته، وسحبت اللحاف وغطّت كتفيه، وهي تردد: ـ يا فلذتي، يا روحي، يا وحيدي! أدركَ الرجل الموقف فقال: ـ لا تبالي، فنحن كانت بيننا مسألة دم وثأر، ولذلك... اقتربت المرأة برموشها المبللة من الرجل الجريح وقالت: ـ وعدوي؟ ألم تسمع ما قاله في الخارج قبل قليل؟ ـ أعرف ولكن، مهما يكن... ـ ليس هناك مهما يكن. فذاك أفظع من أعدائك. ليُصبه الله بالبلاء، وإن خطر هذا بباله؟ ـ ... ... ... ... ... ـ ... ... ... ... ... وبعد حين من الزمن نهضت نحو الزاوية المقابلة من الغرفة، وأحضرت زجاجة معلقة إلى مسمار في الحائط، بخيط مربوط حول عنقها. سألها: ـ ما هذا؟ ـ هذا؟ هذا يقال لـه قانتورون، كان سيد الأدوية عند المرحومة والدتي، إنه واحد بواحد للجروح. هل تعرفه؟ ابتسم حبيب وقال: ـ الكل في منطقتنا جقورأوفا يعرف هذا. أسالت هاجر كمية كبيرة من سائل القانتورون فوق الجرح الذي نظّفته، ومسحت به الجرح وما حوله. ثمّ مزَّقت الخِرَق بترتيب وإتقان، وأحكمت تضميد الجرح بها. وفيما كانت تفعل ذلك، كانا يتبادلان الحديث: ـ لم يؤلمك، أليس كذلك؟ ـ لا يا روحي. ـ هل تشعر بالنعاس؟ ـ أشعر بالتعب أكثر... ـ غداً تنام طوال النهار! دهش الرجل: ـ أنام؟ ـ طبعاً. ـ كيف يمكن ذلك؟ ـ عادي جداً. ـ أمّا أنا... ـ ماذا؟ ـ أرى أن الرحيل... ـ تفكر بالرحيل ها؟ مجنون! نهضت وغادرت بالزجاجة والخَرق الممزقة، وعندما عادت قالت: ـ إلى أين يمكنك الذهاب وقد فقدت كمية كبيرة من الدم؛ وجرحك يعتبر خطيراً؟ ابق ضيفاً عندي غداً وبعد غد، وإن استدعى الأمر ابق إلى بعد بعد غد. ليلتئم جرحك وبعده ليسهِّل الله طريقك... ثمّ تذكرت فجأة فاستدركت: ـ ها ها، انتظر، واعدل عن مسألة الثأر هذه! كان حبيب قد نسي تقريباً الكذبة التي كذبها، وكاد أن يتساءل "ـ أي ثأر؟" لكنّه تذكَّر، فقال: ـ تعنين أن أنتظر مقتلي على أيديهم ها؟ ـ خذ رأسك وارحل بعيداً! ـ إلى أين مثلاً؟ ـ الدنيا كبيرااا... اذهب إلى أي مكان. إن سألتني فأنا أرى أن قتل الإنسان أمر سهل، لكن إحياءه صعب. القوة والذكاء في الإحياء. القتل لأي سبب كان، يعني هدم بناء بناه الله تعالى، وهذا حرام كبير، هل من الصواب عصيان الله؟ قال مشجّعاً المرأة: ـ أنتِ على حق. ـ سوف أذهب إلى الاحتطاب غداً، أمّا أنت فنم. ابقَ بجانب ابني! نظر حبيب إلى حيث الطفل النائم وقال: ـ بجانب ابنك؟ ـ ماذا هناك؟ ـ ألا يستغربني؟ ـ لا يستغربك. فهو هادئ جداً. وهو عاقل أيضاً ها... ممكن، لكنه طفل مهما يكن، وقد يزلّ لسانه أثناء لعبه مع أترابه. ثمّ مالَه وللأطفال؟ يوم، يومان على الأكثر، بعد ذلك، إن لم يُسلخ جلده ويُمَلَّح، فسوف يمسك الطريق، والوداع يا تراب الوطن! ـ حسناً، وأين سوف أنام؟ ـ في تلك الغرفة الخلفية. فكَّر قليلاً، ولم يرَ ذلك مناسباً. ثمّ رفع رأسه ونظر إلى الأعلى وقال: ـ السقيفة أنسب مكان. نظرت المرأة أيضاً إلى السقيفة وقالت: ـ تلك تعج بالغبار والأتربة. ـ لا ضير في ذلك. نمدّ كيساً... ها؟ كان الأمر سيَّان بالنسبة لها: ـ أنت تعرف. ـ نعم نعم يا أختي، ذلك برأيي أنسب مكان. لقد غسلتِ جرحي ونظفتِه، وداويتِه ثمّ ضمدتِه. ليرضَ الله عنكِ. إن كنتُ موجوداً هنا اليوم فغداً لن أكون، ولا أريد أن أسبب لكِ أيّة أقاويل تضرّ بسمعتك بعد رحيلي! اغرورقت عيناها. يا لـه من رجل طيّب القلب، يا لـه من رجل عقله في رأسه. آه لو استطاعت أن تصدق قصّة زواج ذلك اللعين المسمى عليها زوجها... نظرت بطرف عينيها إلى ساعديه المفتولين، وإلى رجليه الضخمتين، وإلى منكبيه العريضين، وإلى جسمه المتين. كان الرجل أيضاً ينظر إليها دون أن يُشعرها. لا يمكنه أن لا ينظر يا روحي. لكن هل هذه إنسانية؟ يداها المكتنزتان بيضاوان كالثلج ولكن، حتّى مجرد تفكيره... تعلَّقت عيناه للمرة التي لا يعرف كم عددها، بصدرها العامر الذي كان يثيره ويتعبه منذ فترة. ثار على نفسه، طبعاً يثور. فهذا يعني التغوّط على الصحن الذي أكل منه، يعني عض اليد الصديقة التي امتدّت إليه. نعم مجرّد هذا يعني ذلك، مجرّد هذا القدر الصغير من مثل هذا التفكير! ـ نَمْ في السقيفة فوق أنسب حل... زوجها يعتبر عوداً يابساً بجانب هذا. فغمغم متهيّجاً ثانية من منظر صدرها العامر: ـ نعم. ـ لكن يجب أن تنام، فلا يمكن أن أتركك قبل أن يلتئم جرحك تماماً! سرَت قشعريرة في جسم الرجل: ـ تسلَمي. ـ تسلَم أنتَ أيضاً! تحت وطأة الإحساس برجولة الرجل الطاغية، نصبت رأسها مثل فرس جموح، ثمّ رفعته إلى الأعلى بحركة كأنها تريد أن تردَّ إلى الخلف خصلة شعر سقطت على جبينها. هيَّجته هذه الحركة هياجاً طاغياً فالتهب جسده التهاباً، وهو وإن خجل إلا أنه لم يقف عند الخجل. وحين التقت نظراتهما تنهَّد رغماً عنه. سألته بحرارة، وربّما فهمت سبب التنهيدة فهماً خاطئاً: ـ ما هذا؟ ازداد خجله وقد ضُبط متلبساً: ـ لا شيء. ـ هل غرقت سفنك في البحر؟ ضحك وقال: ـ لا لم تغرق، ما زالت تسبح والحمدلله... ـ إذن؟ ـ لا شيء، هكذا. ـ ماذا؟ ـ يعني، إنها تسبح. تثنَّت المرأة وهي تضحك: ـ هل كنت تتكلّم مع زوجتك هكذا أيضاً؟ ـ كيف؟ ـ هل كنت تمازحها وتضحكها هكذا أيضاً؟ تعرَّقت حتّى شحمتا أذنيها وهي تودّ أن تقول لـه بأسلوب لا يفضح أحاسيسها "ـ يا رجل. هل كنت تكلّمها عن كل شيء، عمّا راح وعمّا جاء...". كانت المرأة سكرى برائحة "رجولة" الرجل النَّفَّاذة. فهبّت ونهضت من مكانها. إذ كانت ستُجَنُّ لو لم تنهض، وهي حتّى لو لم تخسر نفسها، لكنها وبتصرف هستيري ربما كانت ستمسك بإحدى يدي الرجل المشعّرتين. ـ فلأجهّز لك فراشك! تطايرت تنورتها، فأظهرت تكسيراتها ثنيات ساقيها البيضاوين، فجُنَّ جنون الرجل. أمّا هي فقد مشت الهوينا إلى حيث يستند السلم. فأخذته، وأسندته إلى فتحة مربّعة في السقف، ثمّ حملت مكنسة وكيساً من القنب وتسلَّقت السلم دفعة واحدة. أغمض الرجل عينيه، وأمال رأسه إلى الأرض، لكن لا فائدة مهما فعل. فثنايا ساقيها البيضاوين، وفخذيها الأبيضين بياض الثلج، الظاهرين تحت تنورتها، كانت داخل عينيه المغمضتين. تسارعت دقّات قلبه. هل هو الشيطان الأعمى؟ هل كان يغويه؟ تنهَّد. فتح عينيه المغمضتين، ونظر رغماً عنه. وكانت نظرته في اللحظة المناسبة تماماً. إذ كانت المرأة تحاول في تلك اللحظة الولوج إلى داخل الفتحة المربّعة بفخذيها المكتنزين اللذين يضجّان حيوية من تحت تنورتها المرفوعة تماماً... نعم لا بأس ولكن، أن يصل بصره إلى كلسونها... لماذا فتح عينيه، هل كان ذلك صواباً؟ لم يكن يريد ذلك. فهذه نذالة. هذا يعني عض اليد الممتدة إليه بالصداقة. هذا يعني التغوُّط في الصحن الذي أكل منه. هذه رذالة وحيوَنة. هذه يقال عنها جحشنة جحش ابن جحش! كانت المرأة فوق تكنس بانفعال أرضية السقيفة المغبرة، وتفكّر متسائلة: "ـ هل نظر يا ترى؟ هل رأى؟ هل أعجبه؟". نعم، فبعد زوجها لم يخطُ رجل خطوة في هذا الحوش، أمّا هذه الغرفة فلم يعتِّب عتبتها رجل. وهذا؟ تنهَّدت "ـ إيه" متحسّرة ومبرّئة نفسها، "ـ حسناً فعلتُ. هو يتزوّج هناك أليس كذلك؟ ألا يسأل عني ولو بسطرين؟ ثمّ ماذا؟ ماذا فعلتُ؟ ألا أعرف نفسي؟ وماذا في ذلك؟ وهل قعد ذلك الحمار ابن الحمار عاقلاً هناك طيلة هذه السنين؟ لا يقعد لا يقعد، لا يمكن أن يقعد عاقلاً!" نظرت إلى الأسفل بشكل طبيعي، كان الرجل واضعاً رأسه بوجهه الملتحي وشعره الأشعث بين كفيه الضخمتين. هل رأى انحناءتها أثناء ولوجها إلى الفتحة فدهش ممّا رأى؟ ربما رأى كلسونها الصغير... "ـ حسناً، لكنه حييٌ جداً. الرجل يجب أن يكون... دُوران الأعرج الكلب... لو أحببته، أو بالأحرى، لو كان هذا مكانه؟ لو كان هذا لاختلف الأمر!". كنست فوق على عجل، ومدَّت كيس القنّب. سوف تتمهّل الآن أثناء نزولها، وكذلك ستفعل أثناء صعودها ثانية حاملة الفراش. "ـ وإذا ما رأى فليرى. زوجي لم يسأل عني طوال هذه السنين. وهذا جاهز، فقد قتلوا زوجته، ولكن لا يجوز يا روحي، فهل أعجب الرجل بي يا ترى؟ إنه لا يبدي شيئاً، لو كان زوجي لما التفت ونظر إلى الجارات. وهل كل الناس مثل الأعرج ذي نَفَس الكلب؟". تقصَّدت التمهّل أثناء نزولها والمكنسة بيدها، وأطالت العملية. نظر الرجل إليها ورأى حتّى كلسونها، ومع رؤيته أعاد خفض رأسه مرتبكاً كمن تلقى صفعة. ثارت المرأة. ربما خجل الرجل. ولم يكن ذلك ذنبها! نزلت، ووضعت المكنسة على جانب، ثمّ دخلت إلى غرفة جانبية صغيرة، تحوي فرشاً ولحفاً وأكياساً، وغسيلاً وسخاً. فرتَّبت فراشاً ذي وجه أزرق مرقَّع برقعة زرقاء أغمق، مع لحاف ووسادة، وحملتها على كتفها. صرخ الرجل من الخارج: ـ دعي الأمر لي، فلأحملها أنا إلى الأعلى. وبدفعة من كتفها أزاحته من طريقها قائلة: ـ عد أنت إلى مكانك! امتثل الرجل لأمر المرأة، وعاد ليجلس حيث كان قبل قليل. أطالت المرأة عملية الصعود وارتقاء السلّم والحمل على كتفها، وجاهد الرجل في أن لا ينظر، لكن عينيه كانتا ترتفعان رغماً عنه فيرى كل شيء. بل، لقد رأى هذه المرة بوضوح مكشوف تلك البقعة الداكنة في كلسونها. ارتجفت يداه المكتنزتان الضخمتان، رغماً عنه، إذ بدأت عينه اليمنى تنظر وترى، ثمّ تبعتها اليسرى. لو تيسَّر لـه بعض الماء البارد لغسل به وجهه ويديه. كان قلبه يدق دقاً! رأت المرأة وأدركت أنه نظر إليها ورأى كل شيء، ثمّ انسحب إلى داخله مثل سلحفاة، وراح يوبّخ نفسه. لماذا؟ وما الداعي؟ وما الذي يستدعي الخجل؟ الحقيقة أنه لا يليق بالرجل كل هذا الخجل! نظرت إلى الأسفل ثانية. كان كما قبل قليل، قد وضع رأسه بشعره الأشعث بين كفّيه الضخمتين، وأنزل رأسه وأسنده إلى ركبتيه. "ـ أحمق!" قالتها في نفسها، "ـ وأنت يقال عنك رجل؟ يجب أن أكون أنا مكانك... ما الداعي للخجل؟ ها إني أمامك امرأة بلا زوج، قلتها لك بوضوح، وسمعت بأذنيك كلام الأعرج الكلب، وفهمت كيف يدور حولي ويلاحقني مثل كلب كلبان. فما بك؟ صحيح أنني لا أحبه، لكن أنت...". أيقنت أن الرجل لن يدرك ذلك بسهولة وبوضوح. مدَّت كيس القنّب، وفرشت الفراش فوقه على عجل، وطوت اللحاف بأسلوب نسائي ووضعته فوق الفراش، ثمّ نزلت السلّم. لم تتبدَّل وضعية رأس الرجل الذي بين كفيه. لم يكن ينظر. كان يخشى الرؤية. فليس من الإنسانية أن يتغوَّط في الصحن الذي أكل منه. وعضُّ اليد التي امتدت إليه بالصداقة حيوَنة لا يمكن أن يفعلها، لا لا، لا يفعلها ولو قُتل. كان قهره وانكساره من الخيالات التي تملأ مخيّلته، ومن المناظر التي لا تفارق ناظريه. وكان أقهرها منظر كلسونها بالبقعة الداكنة هناك، آه لو يستطيع رمي هذه الخيالات من رأسه! لا يستطيع رميها، لا يستطيع! "ـ توبة، أستغفر الله، توبة أستغفر الله... دعوناها أختي... عملت معنا معروفاً إنسانياً. وآوتنا في بيتها، وضمّدت جرحنا، ثمّ ها قد جهّزت الآن فراشاً في بيتها. لا يمكن. مجرّد التفكير بذلك جحشنةُ جحش ابن جحش!". خطرت بباله فجأة سيدة المزرعة التي أحرقها، الخادمة كوللو التي استخلصها مظفّر بيك لنفسه من يد ابن أخيه، وعقد نكاحه عليها. تلك أيضاً كانت ممتلئة الجسم مثل هذه. تلك أيضاً كانت رخصة كالمهلّبية مثل هذه. كانوا قد أحرقوا المزرعة. وفيما كانت المزرعة تحترق بلهيب النيران المتأججة، هاجم مخدع السيدة بقصد استئصال شافة ورثة مظفّر بيك الذي قتله قبلاً. كان الباب مقفلاً، فراح يلكمه ويضربه، بوجه عابس مكفهر، وبعينين جاحظتين تكادان تفرّان من محجريهما... وفي الداخل كانت زوجة مظفّر الشابة في حالة من الرعب والذعر، وطفلها الوليد لا يكفّ عن البكاء، ويبدو أنها كانت في حيرة من أمرها، ومن يدري ربما كانت تفكر في الهرب، وتبحث عن طريقة للهرب. وفجأة خطرت نافذة الغرفة ببال حبيب، نعم نعم، نافذة الغرفة. إذ يمكن للمرأة أن تلقي بنفسها من هذه النافذة إلى الأرض المبللة بمياه الأمطار، فتنجو، مع أنها يجب أن لا تنجو، يجب أن لا يستمر حق مظفّر أو ورثته في "أمواله المنقولة وغير المنقولة". وبدفعة أخرى من كتفه كُسِرت قطعة من خشب باب الغرفة. وتماما كما خطر بباله، كانت المرأة الشابة قد فتحت النافذة وراحت تتهيأ لكي تتدلى من النافذة إلى الأسفل. مدَّ حبيب ذراعه من الفجوة المفتوحة في الباب، وسحب المزلاج الذي يُقفل الباب من الداخل وإذ بالمرأة الشابة نصف العارية في ثياب نومها تلقي بنفسها إلى الأسفل. دخل حبيب كالصاعقة إلى الغرفة التي فتح بابها في اللحظة المناسبة. ودون أن يلحظ الطفل الذي يمزّق بكاؤه في مهده الجو، ودون أن يسمع بكاءه، أسرع إلى النافذة. كانت الطريدة قد ألقت بنفسها إلى الأرض المبللة بماء المطر. وبعد قليل لمحها تركض حافية القدمين في الأراضي المبلَّلة، وتقع وتغطّس في الطين والوحل، وتقوم وتركض. ألقى بنفسه من النافذة مثلها، وجرى وراء طريدته. وبدأت عملية هروب ومطاردة مرعبة لمسافة أربعين خمسين متراً. غطى الوحل والطين والعرق المرأة وثوب نومها الحريري، وقبل مضي وقت طويل لحق بها وأدركها، وقد بلغ بها الإعياء مبلغاً بحيث كادت أن تقع وتتدحرج على الأرض، أمسك برقبتها، وطرحها على الأرض الطينية، وانحنى يريد خنقها والإجهاز عليها، فراحت تتوسل إليه: "ـ أشفق على ولدي، إن كنت تحب الله أشفق على ولدي" لم يبق في عقل حبيب سوى كلماتها "ولدي، أشفق على ولدي!" توقفت أصابع يديه الممتدتين لخنقها ولم تستطع أن تطبق على جيدها الرقيق. ترك المرأة، واستوى وأشعل سيجارة. إنه يذكر ذلك جيداً. رمى السيجارة على الأرض حانقاً. نظر إلى المزرعة التي تحترق بلهيب النيران، ومن خلال اللهيب البرتقالي رأى رفاقه الفلاحين الثائرين يتراكضون هنا وهناك، وكمن يشاهد فيلماً سينمائياً نظر إليهم برهة، ثمّ حمل رأسه و... تنهَّد تنهيدة عميقة. وما زال هروبه هو ذاك الهروب. كانت المرأة الشابة تلملم وترتّب الغرفة، وتدور هنا وهناك، أمّا حبيب فلم يكن ينظر إليها ما وسعه ذلك. لكن ورغماً عنه، كانت الأجزاء المثيرة في المرأة، تتجسَّد في خياله، فتكتسي لحماً وعظاماً وتمسح الحلال والحرام وما يليق وما لايليق. ـ هيا يا أختي، إني صاعد. أجابته هاجر بأسلوب في غاية الإثارة، بل وبشيء من التحدي الأنثوي. ـ نوماً هنيئاً... صعد الشاب السلم ببطء. وألقى بنفسه على فراشه، وتمدَّد على جانبه مستنداً إلى كتفه السليم. لكن ما هذا الذي يرسم المرأة في مخيلته رغماً عنه، بل ويرسم أدق التفاصيل المثيرة في المرأة محاولاً إثارته وإغراءه وإغواءه؟ لا يمكن أن يكون الله. فالله مصدر الخير والحسنات وكل الأشياء الجميلة الصالحة. معنى ذلك أنه الشيطان. نعم إنه الشيطان الأعمى هو الذي يغوي حبيب! اشتهى أن يُشعل سيجارة، لكن لا، يجب أن لا يُشعل سيجارة. حسناً، ولكن ما معنى هذا التحدي الأنثوي المثير وهي تقول لـه "ـ نوماً هنيئاً"؟ إنه في الحقيقة مشتّت حائر في أمره. فماذا لو عمد في ساعة متأخرة جداً من الليل، أي قبيل الصباح، فاندس في الفراش إلى جانبها، وراح يداعبها؟ هل ستصرخ المرأة وتصيح يا ترى؟. وفيما كان قسم من عقله يقول: "أي صراخ وصياح؟" كان القسم الآخر منه يشد لجامه قائلاً: "حذار... فسوف تصرخ وتصيح، ثمّ هل يجوز؟ هل يليق بك؟ كيف تتغوَّط في الصحن الذي أكلت منه؟ كيف تعضّ اليد الصديقة التي تشبّثت بها؟ هل هذا من الإنسانية في شيء؟". كان هذان التفكيران المتناقضان، ينقلبان في داخله، مع مرور الدقائق، إلى شخصين يتناقشان. فكان الجانب الشيطاني فيه يقول: "ـ إنها امرأة بكل معنى الكلمة، امرأة بلا زوج على مدى سنوات. نعم لقد ضمّدت لك جرحك، وجهّزت لك فراشاً، وحمتك من أعدائك. لكن ماذا يعني هذا؟ إن كنت هنا اليوم، فمن يدري أين ستكون غداً؟ أكبر إكرام للمرأة هو أن تستعمل معها رجولتك وتداعبها، وتحبها، لا تنسَ ذلك!". ويرد عليه الجانب الرحماني فيه قائلاً: "لا مجال للجحشنة. فهذه المرأة لا تشبه غيرها من النساء. لقد أسدَت إليك جميلاً إنسانياً. فلا تعضّ يدها، وبطبيعة الحال أنت لا تستطيع عضّ يدها، فذلك مُعيب جداً، إضافة إلى كونه حرام!". "ـ والله لا علاقة لي، فقد تشكُّ في رجولتك بعد مغادرتك!". "ـ ماذا؟ أتشك؟ بي؟ إذا طال الشك رجولتي، فهذا يعني أنه ليس في الدنيا رجال!". "ـ عليك أن تظهر رجولتك للمرأة...". ـ ... ... ... ... ...". ـ ... ... ... ... ...". وفيما كان في دخيلته يتخيَّل مختلف أشكال انحناء المرأة واستقامتها، ويتصوّر أكثر وأكثر تفصيلات فخذيها المكشوفين حتّى الرقعة الداكنة في كلسونها، أثناء صعودها ونزولها السُّلُّم، كانت المرأة بكل أنوثتها الطاغية تتغلغل في أعمق أعماقه. ورغماً عنه، وبتردّد انزاح عن فراشه، ورفع على مهل طرف كيس القنّب، وراح يبحث عن ثقب أو شق ينظر منه إلى الأسفل. وسرعان ما وجد ما يبحث عنه، فما أكثر الثقوب والشقوق في أخشاب السقف! وبألف تردّد وتردّد انحنى على ثقب من أنسب هذه الثقوب. لم تكن المرأة الشابة قد نامت بعد. كانت لا تزال تلملم وترتّب الغرفة. وكانت استدارة وركيها في كل انحناءة واستقامة تقطّع أنفاس الرجل. راوده شيطانه قائلاً: "ـ اسعل" فاعترض الآخر قائلاً: "ـ لا يجوز، فقد يسمعك أحد المارة في الزقاق، أو يسمعك ابنها الذي قد يستيقظ للتبوّل!". رفع رأسه عن الثقب، وهو وإن غطاه بالكيس، إلا أنه ندم على ذلك ففتحه ثانية، وانحنى على الثقب من جديد. كانت المرأة واقفة تحته مباشرة، تفكّر وقد عقدت يديها وراء ظهرها. نظرت للحظة إلى فوق فانسحب حبيب عن الثقب مجفلاً، وسحب الكيس فوق الثقب. حذار من أن يكون قد أحدث صريراً أثناء انحنائه وجلوسه، فسمعت صرير الخشب ونظرت إلى حيث مصدره؟ طاوع عقله فارتمى على فراشه على جنبه. إذا كان الأمر كذلك فسيكون معيباً جداً. لكنه قال في نفسه فيما بعد: "لا، من أين ستعرف أني كنت أراقبها؟ ألا يمكن أن أكون قد تقّلبتُ في فراشي من جنب لجنب؟ ألا يمكن أن تكون هذه الأخشاب قد أصدرت صريراً أثناء تقلّبي في فراشي؟". طاوع عقله أيضاً فانحنى على الثقب من جديد. وكان انحناؤه في الوقت المناسب تماماً، فتح عينيه مدهوشاً ممّا يرى. كانت المرأة تخلع ثوبها في تلك اللحظة. خلعت الثوب ووقفت منتصبة برهة بقميصها الداخلي، ثمّ حكّت جسمها مطولاً. فيمَ كانت تفكر يا ترى؟ أخيراً وبصعوبة انتهت عملية الحك. بدأت هذه المرة تفتّش وتبحث مطوّلاً عن ثوب النوم، بحيث شك الشاب في أن المرأة كانت واثقة من أنه يراقبها فتقصّدت أن تفعل هذا كله دون إطفاء المصباح أو حتّى خفض ضوئه على الأقل. اجتاح حبيب هياج شديد، فشدّ قبضته. نعم إنها امرأة بلا زوج لسنوات طويلة. ولكن هل كان ما سردته عليه صحيحاً يا ترى؟ سبع سنوات تقريباً بلا زوج. ولم تُدخل رجلاً إلى بيتها. هذا ممكن، ولكن هي؟ أيعقل أنها لم تذهب إلى أي رجل غريب؟ بدأت المرأة تحك جسمها مجدّداً. قال حبيب في نفسه: "هل يمكن؟ لتكن اليوم في السابعة والعشرين أو في الثامنة والعشرين من عمرها قبل سبع سنوات. آه يا إلهي آه". ارتدت المرأة ثوب نومها دفعة واحدة وبحدّة، هل كانت حاقدة على بلاهة الرجل يا ترى؟ إذا كانت هي "امرأة" وتفكّر في العيب والحرام وفيما يمكن أن يقال إذا رأوا أو سمعوا، فما به هو؟ إنه رجل، بل وفحل الرجال، أضف إلى أنه سوف يغادر، إن لم يكن اليوم فغداً، وإن لم يكن غداً فبعد غد على أبعد حد، وسوف يفترق طريقاهما، وقد لا يلتقيان ثانية طوال عمريهما في أي مكان، وبأي وسيلة. فجأة وبقرار آني أطفأت مصباح الصيد، واندست في الفراش بجانب ابنها. خيم على الغرفة الآن ظلام دامس. فزاد هذا الظلام من هيجانها، وأثار غريزتها الأنثوية الجامحة... قالت وكأن الرجل بجانبها بكامل رجولته: "ـ أحمق!". وتخيّلت وكأن الرجل يسألها مدهوشاً: "ـ لماذا؟". "ـ وما زال يسأل، لماذا..." "ـ فعلاً لماذا يا بنت؟". "ـ لا تقل يا بنت!". "ـ ماذا أقول؟". "ـ إني امرأة!". "ـ أعرف". "ـ معرفتك واضحة". "ـ ماذا أفعل؟". "ـ سقمٌ وعمى!". "ـ ابنك موجود". "ـ دعك من ابني!". "ـ حسناً؟". "ـ ألن تتأكد من كوني امرأة أو لا؟". "ـ قلت لك أختي...". "ـ لا تقل. ومن يطلب منك الأخوة؟". "ـ ماذا إذن؟". "ـ زقوم. انظر إلى قدّي وقوامي، انظر إلى يديَّ وفخذيَّ. ومن يراك يظنك رجلاً!". "ـ ألستُ برجل؟". "ـ لا أعرف!". "ـ يديَّ، ذراعيَّ، رجليَّ، لحيتي، شاربيَّ؟". "ـ سحقاً!". "ـ لماذا؟". "ـ خلعت ثيابي في الضوء، ولم تتحرك!". "ـ لم أراقبك!". "ـ كذَّاب!". "ـ بشرفي لم أراقبك". "ـ لتُقلَعْ عيناك إن كنت كاذباً؟". "ـ لتُقلَعْ". "ـ الاثنتان معاً؟". "ـ الاثنتان معاً". "ـ لماذا لم تراقبني؟ لقد خلعت ثيابي كي تراقبني وتراني. إذا لم ترَني وقتها، فهيا الآن، ماذا تنتظر؟ أنا لا أعرف أختاً أو غيرها، ثمّ إنني لست بأختك. لا تنظر إلي نظرتك إلى أخت. هيا ضمّني، هيا، لا تقف مشدوهاً هكذا، حيوان!". أدّى صرير الخشب فوق، أثناء تقلب الرجل من جنب لجنب، إلى قطع شريط الخيالات التي كانت تراود ذهن المرأة. مُسح خيال الرجل لبرهة، بدأ قلبها بالخفقان. وخالجها شعور بالخوف. خوف غريب. بعيداً عن الحرام وعن العيب. ربما هو هياج أنثوي ولَّده الأمل بقرب قدوم الرجل هي تريده أن ينزل ويأتي إليها، ولا تريد. جلست تحت اللحاف، وشدَّت ركبتيها إلى بطنها، شدَّتهما جيداً، ووضعت يديها بين فخذيها وراحت تنتظر. وكلّما طالت فترة الانتظار، كانت رغبتها في مجيئه المتمهّل برجليه العاريتين الضخمتين تتغلّب. آه لو يأتي، لو يسرع بالمجيء، سوف تتظاهر بالنوم، ولن تأتي بأدنى حركة. إن شاء ليدسَّ أولاً إحدى يديه الضخمتين المشعّرتين تحت اللحاف. ثمّ ليمسك بفخذها، ليخف، ليحذر، ليسحب يده. ثمّ ليعد الكرَّة من جديد. وليزدد عبث يده. ثمّ ليدسَّ يده الثانية لمساعدة الأولى، وإذا ازداد عبثهما فليزدد. ولتضمها اليدان من طرفين مختلفين، ولتعصراها، ولتطقطقا عظامها... تنهدت تنهيدة حرَّى بصدرها العامر. الوقت ليل، والظلام مُخيِّم، فهي لن ترى وجهه لتستحي منه، حتّى لو استحت "ـ أماناً... هل هذا وقت الحياء؟" هو سوف يغادر غداً، وإن لم يكن غداً فبعد غد، وبعد ذلك من لمن؟ ولكن لا، ليته لا يغادر، ليته يبقى هنا بشكل دائم. ابنها؟ تقول لـه "ـ أبوك"، وما يدريه؟ إنه لا يعرف أباه. أب، أبٌ ما، إنه يريد أباً كائناً من كان، أمّا هل هو أبوه الحقيقي، أم لا... إنه يريد أباً يجلب لـه ألعاباً. وخاصة دراجة بثلاث عجلات، أباً يعود مساء متأبّطاً الخبز مثل آباء بقية الأبناء، فيعطي الخبز لابنه، ويمشيان سوية باتجاه البيت! لم تصدر الأخشاب التي فوق صريراً ثانية. تقلّبت من طرف لطرف بحنق، وهي تردّد في نفسها "ـ حمار،" جحش ابن جحش، يدان قويّتان، ورجلان ضخمتان، وجسم ضخم... فلماذا؟ لماذا لا تأتي؟". لو كان دُوران الأعرج الآن! تجهّم وجهها تحت اللحاف للحظة، هي لا تريد دُوران، لكنّه لو كان مكان هذا "الدب" الآن، لكان... ثلاث مرات على الأقل، وربّما خمس مرّات. لمَ هذا ليس عديم الحياء مثل ذاك؟ إنها لا تريد منه كلمة "أختي، أخت!" كلا، كلا لا تريد، لا تريد أن تكون أخته. سبع سنوات، سبع سنوات طوال... ممَ يخاف؟ أيخاف من أن تصرخ وتقيم الدنيا؟ ربما فعلت ذلك لو كان دُوران الأعرج. ولكن في هذه اللحظة حتّى لو كان دُوران، نعم حتّى لو كان دُوران... لو كان ما قاله دُوران الأعرج صحيحاً، وكان زوجها قد تزوّج عليها عند أمه، لو تأكدت من ذلك، لكانت... مع هذا الذي يطقطق الأخشاب فوق وهو يتقلَّب يمنة ويسرة. طلبٌ للمحكمة، ويُصدر القاضي حكماً بالطلاق في أول جلسة. كانت للمرحومة أمها قريبة، تركها زوجها وغادر، وبعد خمس سنوات تفاهمت المرأة مع رجل آخر، وتقدّمت بطلب للمحكمة، فأعطاها القاضي الحق في طلبها، وحكم بطلاقها من زوجها الذي لم يسأل عنها طيلة هذه السنين. هي أيضاً، أي هاجر، لو تتقدّم بطلب للمحكمة، ولو تطلّقها المحكمة من زوجها في جلسة واحدة. ولكن لكي تتزوج ثانية، يجب على الرجل الضخم اليدين والرجلين أن يذهب إلى دائرة عقد النكاح... كلا كلا، لا يذهب، لن يذهبا إلى دائرة عقد النكاح، ولن يوقّعا على سجل عقود النكاح الكبير. هي راضية بدون عقد. وإن شاء الرجل فليبق في البيت ولا يغادره أبداً. ولينم الليالي في السقيفة فوق. وسوف تذهب هي في النهار وتعمل كالعادة، فتجمع الغسيل الوسخ من الفنادق، وتسهر الليالي حتّى الصباح وهي تغسله. فتؤثث بيتها بما تجنيه من ربح. لماذا كانت أمها تلبي جميع طلبات زوجها؟ ذاك أيضاً كان مثل هذا ضخم اليدين والرجلين. من النوع الذي يهرس ويقطع ما يمسك به من أنحاء الجسم. كذلك ستعمل هي أيضاً مثل أمها برضا وحب من أجل زوجها. فتجمع الغسيل الوسخ، وتغسل أكوامه بالماء والصابون والسودة، دون كل أو ملل ودون أن تقول "أف" ثمّ تجففه وتكويه وتسلّمه لأصحابه. وعند المساء وفي طريق عودتها تشتري اللحم والخبز والخضار، وإن استدعى الأمر تجلب (لزوجها) العرق والشراب وعلب السكائر وتعود إلى بيتها! تنهَّدت بحسرة. من أين سيعرف الجيران؟ ابنها؟ حتّى ابنها لا يعرف الحقيقة. وإذا كشف الجيران الغريب لأنهم يعرفون زوجها، فمن أين سيعرف ابنها؟ سوف تقول لـه "ـ إنه أبوك" سوف تقول لـه "ـ لقد حفر نفقاً وهرب من السجن" سوف نقول لـه "ـ حذار يا ولدي، لا تكلّم أحداً عن أبيك، وإلا والله يعتقلونه ويعيدونه إلى السجن ثانية". والولد عاقل، لن يتفوَّه بكلمة لأحد. أخيراً وفي أحد الأيام، وبعد منتصف ليلة مثل هذه، يغادر ثلاثتهم البلدة. بدلات زوجها الداخلية وحاجياته موجودة في الصندوق، لكنها لا تصلح لهذا. فزوجها ناحل بينما هذا عريض المنكبين، ضخم الجسم صحيحه، إنه الرجل الذي يناسبها تماماً، فإذا ما ضمّها إليه وتشبّث بها بذراعيه تحت اللحاف، وإذا ما أخذها تحت جسمه الضخم... سرَت رجفة في جسدها. إنها الرغبة. كانت رغبتها الأنثوية تتدفق في جوارحها مثل سيل عارم. ارتجفت ثانية. تعرّقت تماماً كما لو أنها تحت الرجل بوزنه وثقله... رمت طرف اللحاف، فابترد جبينها المتعرق في هواء الغرفة المظلمة، وكادت تصيح على من فوق: "إي يا دب هل غفوت؟ تعال إلى هنا.. تعال ننام سوية! مِمَّ؟ ومِمَنْ تخاف؟ هل تخاف مني؟ أنا امرأة، ما الذي يخيفك مني؟ لا تخف، تعال بساقيك الضخمتين! حمار ابن حمار، إني أرغب فيك، أفلا تشتهيني؟ ألستَ رجلاً؟ ألا تسمع صوتي؟ اسمع، تعال، تعال إكراماً لله، أكاد أجن، والله بالله أكاد أجن!". قذفت بساقها المكتنزة الحارة الشديدة البياض خارج اللحاف، كانت تنضح عرقاً، فاضطرها هواء الغرفة اللطيف إلى أن تعطس عطسة خفيفة، سمعها الرجل المستقيظ الذي فوق، وتخيَّلها كحمحمة فرس جموح. هو أيضاً سحب رجليه وشدَّهما إلى بطنه، ولامست ركبتاه ذقنه، ووضع يديه بين فخذيه، وراح ينتظر صعود المرأة السّلم بهدوء وقدومها إليه، فقد زالت الأخت الآن، وما عاد يفكر في التغوّط في الصحن الذي أكل منه أو عدم التغوُّط، ولا في عض اليد الصديقة أو عدم عضها، إذ جعلت عطسة المرأة الخفيفة هذه أذنيه تنتصبان مثل حصان شهواني جامح لا يسعه إهابه، بل لقد صار في هذه الساعة من الليل حصاناً شهوانياً جامحاً احمرَّت عيناه وقد اشتمَّ رائحة فرس! مرَّة أخرى قال شيطانه وهو يبتسم ساخراً: "إياك والبلاهة أفضل ما تقدمه للمرأة مقابل معروف أسدته إليك، هو أن تنام معها، نم معها ولكن إياك أن تشعرها بأنك خدعتها، وأنك إنما قصدت الإساءة إلى زوجها!". ضحك، ونظر من الثقب إلى الأسفل. ما هذا؟ هل قذفت المرأة بإحدى ساقيها خارج اللحاف؟ تشجَّع الجانب الشيطاني فيه، وازدادت شهوانيته الحيوانية، حسناً ولكن ماذا يستطيع أن يفعل؟ يجب أن تحسّ المرأة بالأحاسيس نفسها على الأقل، وإلا فكيف ينزل، وكيف يقترب منها؟ لمعت في ذهنه فكرة: ماذا لو نزل وكأنه ذاهب إلى الخلاء؟ فإن كانت مستيقظة ولديها الرغبة، فسوف تبدي بعض الاهتمام، كأن تدلّه على الطريق عندما تعلم بأنه ذاهب إلى المرحاض، وأن تنتظره في مكان ما حتى يفرغ، وعند العودة، وفي اللحظة التي سيصعد فيها... استمر في تخيلاته.. لو تمسك بذراعه في اللحظة التي سيصعد فيها، أو لو يمسك هو بذراعها. هل ستصرخ؟ لا تستطيع الصراخ، كان واثقاً من أنها لن تصرخ، فهي تخاف من دوران الأعرج، ولو صرخت فسوف يسمع ابنها، وسوف يسمع الجيران ويتجمهرون، وعندها أي مبرر لديها؟ لا شيء، ليس لديها أي مبرر تسوقه لهم.. وسوف تعطي دوران الأعرج مبرراً ليقول لها: "للجميع أهلاً ولي شكراً؟" لذلك فهي لا تستطيع الصراخ، مع ذلك سيكون موقفاً سيئاً، لالا، فهو ليس عدواً للناموس والشرف، لا يستطيع أن يفعل ذلك؟! بدلاً من؟ مدَّ يده إلى بنطاله الذي كان قد خلعه، ورماه جانباً لا على التعيين، اشتهى أن يشعل سيجارة. يكاد يهلك على سيجارة الآن وفي هذه اللحظة، آه على سيجارة واحدة! أحيت طقطقة أخشاب السقيفة آمالاً جديدة جداً في نفس المرأة، سحبت ساقها ودسَّتها تحت اللحاف، وراحت تنتظر قدومه بين لحظة وأخرى، سوف تمتد إحدى رجليه الضخمتين على السلم أولاً، ثم تمتد الثانية، ويبدأ بالنزول ووجهه إليها، أو قد ينزل وظهره إليها. حسناً ولكن لماذا لا تمتد الرِّجل بشكل من الأشكال؟ لماذا لا يجرب النزول؟ في اللحظة التي كاد أن يمدَّ فيها رجله، خانته جرأته ثانية، لا يمكن يا .. ماذا قد تقول في نفسها؟ قد تقول: "يا خسارة، آويته في بيتي، وضمدت جرحه، ومددت لـه فراشاً... وإذ به ذو حليب فاسد. وإذ به كلب، كلب ابن كلب، كلهم هكذا كلهم ليسوا إلا دوران الأعرج، فيما هو يردد أختي أختي... عليه اللعنة!". قذفت المرأة بساقها الثانية هذه المرّة خارج اللحاف. هل رأى الرجل ذلك أم أحسَّ به؟ إذ اجتاحته الرغبة من جديد وبرز الوجه الشيطاني، ليته لم يقل "أختي" ليتها لا تكون مثل عض "اليد الصديقة الممتدة إليه". ليت الأمر لا يكون مثل "التغوُّط في الصحن الذي أكل منه". لو يعرف أن الأمر لن يكون كذلك! نظر ثانية إلى الأسفل، نعم نعم، لا تزال ساق المرأة البيضاء بياض الثلج فوق اللحاف. وعلى الضوء المتسلل من النافذة التي فوق رأسه، والذي يضيء بعض الظلام، تخيل بعض الخيالات، ماذا لو ارتدى بنطاله ونزل إلى الإسفل؟ ليس بدعوى الذهاب إلى الخلاء، وإنما لو يستطيع أن يدَّعي أنه نزل يريد أن يترك البيت ويهرب منه دون أن يُشعر المرأة، وذلك حرصاً منه على سمعتها، وخشية من أن تلوكها الألسن. كيف ستتصرف المرأة يا ترى؟ أعجبته هذه الفكرة أكثر من فكرة الادعاء بالذهاب إلى الخلاء. افترض نفسه الآن قد نزل، وضبط في اللحظة التي كان سيفر فيها.. لا بد أن المرأة سوف يشحب وجهها وتسأله: "ـ إلى أين" فيجيبها قائلاً: "إني ذاهب!" "ـ إلى أين أنت ذاهب؟" ـ "خشيت أن تلحقك الأقاويل والشائعات!" "ـ هكذا؟" "ـ نعم" "ـ وإذا كنت أنا نفسي لا أخاف؟" "ـ مِمَ؟" "ـ من أن تلحقني الأقاويل والشائعات" "ـ حسناً ودروان الأعرج؟" "ـ ليبتليه الله هو وكل ذوي الألسنة السوداء!" "ـ إذن فأنتِ..." "ـ نعم، أحبك!" ثم لو تلتف برقبته، ثم تضع رأسها على صدره، وتبدأ بالبكاء. آه لو تشهق بالبكاء وتقول: "ـ لا تذهب"، "إكراماً لله لا تذهب، حتى لو كنت لا تحبني، إن كنت تحب الله فلا تذهب!" ثم لو ترفع رأسها بارتباك وتسأله: "ـ أم أنك خائف؟" "ـ مِمَ؟" "ـ من القبض عليك" "ـ ...............؟" "ـ لا تخف من سيعرف بوجودك هنا؟ ابني؟ سوف أقول لـه إنه أبوك، حفر نفقاً وهرب من السجن وجاءنا، حذار من أن تتفوّه بكلمة عنه أمام أحد، وإلاّ فإنهم يلقون القبض على أبيك ويأخذونه ويذهبون به، ولن يستطيع أن يهرب ويأتينا ثانية. والطفل يذوب شوقاً لأبيه ولن يتفوه بكلمة لأحد، وعلاقتي بالجيران ليست حميمة، ولا تبادل للزيارات فيما بيننا. ثم في منتصف إحدى الليالي نغادر هذه البلدة أنت وأنا وابني إلى مكان ما بعيد، بعيد جداً، لا يعرفون فيه أنك قتلت شخصاً انتقاماً وثأراً، وبالتالي لا يسلمونك للسلطات، وبطاقة زوجي الشخصية موجودة في صندوقي...". انتَبََه لنفسه، فعلاً لا بد أن تكون بطاقة زوجها الشخصية موجودة في صندوقها، عليه أن يرتدي ثياب زوجها، وأن يدسّ بطاقته الشخصية في جيب السترة الداخلي. عندها حتى لو أرسلت البرقيات إلى كافة نقاط الحدود بأنه قاد عملية إحراق المزرعة، وحتى لو عممت أوصافه، فكيف سيعرفون بأنه حبيب وهو بهذا المظهر الجديد؟ ويحمل هذه البطاقة الشخصية الجديدة؟ اقتنع بذلك تماماً. آه على سيجارة، لو يشعل سيجارة الآن! سوف يخرج من البلدة في صبيحة إحدى الليالي ببطاقته الجديدة، وسوف يسير طويلاً في عكس اتجاه قريته، ثم ينتظر المرأة وابنها في مكان ما، وسوف يأتيان. فيقفز ويمتطى دراجة نارية، ومدِّي يدك يا ديار الغربة، ربما يذهبون إلى أزمير أوأنقرة، أو أفضل شيء ليتهم يذهبون إلى استانبول، ففي استانبول التي ذهب إليها عدة مرات مَنْ لِمن؟ هناك سوف يشتغل هو والمرأة كتفاً لكتف، في أحد المصانع يا ترى، أم في أي عمل من الأعمال الأخرى؟ أفضل شيء أن يحقق هذا.. امتدت رِجله الضخمة بساقها الغليظة على درجة السُّلَّم بتردد، لكن لماذا يخفق قلبه بشدة؟ كان قد ارتدى بنطاله، ودسّ مسدسه في جيبه وسوف يتظاهر بأنه يريد التسلل مثل لص ومغادرة البيت حتى لا تُمسَّ سمعه المرأة بكلمة. لكن ربما هي تغط الآن في نوم عميق، وإذا لم تكن مستيقظة ووقعت خطته في الماء؟ سحب رِجله ثانية.. شاهدته المرأة التي تحت، وراح قلبها يخفق بشدة. فهي تريد من ناحية، ولا تريد من ناحية أخرى، هي تريد نزوله إليها، ولا تريد. وعندما انسحبت الرَّجل احتدت: "جبان! أنا امرأة، فما بالك أنت؟ اخجل من يديك ورجليك الضخمتين، اخجل من لحيتك وشاربيك، ومن جسمك الصحيح، تعال يا حيوان، تعال يا حيوان ابن حيوان تعال!". كأنها سمعت صوت رجل امتدت مجدداً على درجة السلم ثم تبعتها الرِّجل الثانية، توقفت الرِّجلان الضخمتان لحظة جنباً إلى جنب مثل حمامتين ساكنتين. ثم امتدت الرِّجل الأولى على الدرجة الثانية، وتبعتها الثانية فنزلت إلى جانبها، توقفتا، كأنهما تراقبان المحيط، كانت قدما الرَّجل عاريتين، ولكن هل يرتدي بنطالاً؟ إلى أين سيذهب؟ حذار من أن يكون ذاهباً إلى الخلاء، وليس قادماً إلي! بقلبها الخافق، وبعينيها نصف المغمضتين راقبت تحركات الرَّجُل، وبالأصح تحرّكات قدميه. نزلت الرِّجلان درجة أخرى، ثم أخرى، وصار واضحاً الآن البنطال الذي يرتديه. إن كان ذاهباً إلى الخلاء فيجب عليها أن تدلَّه على الطريق، ولكن ما زال هناك وقت، لو كان ينوي القدوم إليَّ لما ارتدى البنطال. جلس على الدرجة السفلية الثالثة، ورغماً عنه تثاءب ثم مسح عينيه بقبضته الضخمة، يبدو أنها نائمة، إن كانت نائمة.. فهذا يعني أنه ظنَّ بها ظنوناً خاطئة، هذه لا تشبه النساء اللواتي عرفهن، لو كانت تشبههن لما بقيت محافظة على شرف زوج هجرها منذ سنين طويلة ولم يسأل عنها بسطرين، ولخانته مع من تصادفه أمامها.. في هذه اللحظة تماماً استوت المرأة في فراشها وصاحت: ـ مَن هذا؟ تجمد الرجل فجأة وأجاب: ـ أنا. ـ إلى أين أنت ذاهب؟ شعر بأن جملة "إني هارب لكيلا يساء إلى سمعتك بكلمة" جملة طويلة، فانزلقت من فمه كلمة: ـ إلى المرحاض. فرحت المرأة، فهو لا ينوي المغادرة، لو أراد أن يغادر لغادر فهو رجل جان ارتكب عدة جنايات ما زال دخانها يلفه، إضافة إلى أنه تكلم عن إبادتهم جميعاً، فمن الطبيعي أن يغادر، ثم إنه لا يعرفها تمام المعرفة، ومن حقه أن يخشى على نفسه من أن تسلمه. ـ انتظر لأنير المصباح. ـ لا ، لا حاجة. ـ لماذا؟ ـ الجيران. ـ صحيح، المرحاض في الطرف الأيسر من نهاية الحوش، إنه محاط بالأخشاب. ـ أعثر عليه. ـ هل ستستطيع فتح الباب؟ ـ سأفتحه ـ إن شئت آتي أنا و... ـ لا حاجة، لا حاجة، سأفتحه. اتجه بهدوء نحو باب الغرفة المغلق، سُرَّت المرأة لأنه لم يخاطبها بقوله: "يا أختي" أختي. هي لم تكن أخته ولا تريد أن تكون كذلك. ابن الناس، ذو يدين ورجلين ضخمتين وذو جسم صحيح وثقيل، إنه تماماً الرجل الذي ترغبه، ولكن لا يمكن، وكيف يمكن لامرأة أن تقول لرجل: "ـ كذا كذا.. إني معجبة جداً بك.. تعال إلي لننام سوية!"؟ تحسَّس الرَّجل الباب بيده ووجد المزلاج الحديدي فرفعه، ففُتحت ضلفة الباب بصرير خفيف. وعلى ضوء النجوم التي تملأ السماء التي لا قمر فيها، عبر الحوش بتؤدة منعطفاً إلى اليسار وعثر بسهولة على المرحاض المسوَّر بالأخشاب. إنه بحاجة إلى تبول خفيف، ولكن عليه أن يستغرق بعض الوقت. دخل المرحاض، فبال وانتظر. آه لو يستطيع أن يشعل سيجارة في هذه الآونة! تحطمت جميع آماله، فالمرأة محافظة على فرجها، وإلا لابتسمت له، ولتحرشت به برغبة وشهوانية، في هذه الساعة من الليل، جيد أنه لم يمد يده ليتحرش بها، وإلا لكان صورة حية للرذيلة، ولكان ارتكب أعلى أشكال الحيونة، أما كان سيقول لها: "ـ إني ذاهب يا أختي، لكيلا يساء إلى سمعتك بكلمة..."؟ لم يستطع أن يقولها، وتحدث عن "المرحاض" الذي فكّر به قبلاً. اخرج علبة السجائر من جيب بنطاله فشممها، ثم دسَّها في جيبه ثانية. ارتبك، إذ سمع فجأة همهمة كلب وراء الجدار، لا بد أنه كلب الجيران. هل شمَّ رائحة غريب؟ وإذا بدأ بالنباح؟ وإذا بدأ يقيم الدنيا ويقعدها؟ من يومه وهو لا يحب الكلاب. لملم نفسه وحاول أن يهرب من همهمة الكلب لكن الحيوان همهم بحدة أكثر مرة أو مرتين ثم بدأ بالنباح. استطاع حبيب برجليه المتعثرتين وبظهره المحني أن يعبر الحوش المضاء بأضواء النجوم، وما إن وصل تماماً إلى باب الغرفة حتى سمع صوت الطفل المرتعد خوفاً: ـ ماما! كان صوت الطفل مرتجفاً خائفاً. لم يستطع الرجل أن يدخل إلى الغرفة، ولا أن يسحب قدمه التي خطا بها خطوة إلى الداخل. أجابت المرأة بصوتها المنفعل: ـ ماذا تريد؟ ـ من هذا؟ أجاب الصوت الحانق بانفعال أشد: ـ نم، هيَّا نم! ـ هل جاء أبي؟ لمعت الفكرة كالبرق في رأسها، مع ذلك لم تستطع أن تقول نعم، ولا أن تقول لا.. نهض الطفل الآن واستوى في الفراش. الكلب ما زال ينبح في الخارج. أمسك الطفل بيد أمه بانفعال: ـ جاء أبي أليس كذلك يا أمي؟ جاء أبي أليس كذلك؟ لماذا لا يدخل؟ لماذا يا أمي؟ كنت تقولين إنه سيأتي، جاء أليس كذلك؟ ماذا جلب لي؟ هل جلب لي ألعاباً؟ مسدساً؟ دفع يد أمه بانفعال محاولاً النهوض ـ لنشعل المصباح يا أمي! اقتنعت المرأة بتمثيلية "الأب" فبها تستطيع إقناع ابنها وليست هناك وسيلة أخرى لإقناعه. فقالت له: ـ اسكت! سكت الطفل، ونظر حوله بخوف، ثم وجه نظراته إلى أمه، وسألها خائفاً وبصوت خافت: ـ لماذا! ماذا هناك؟ اقتنع الرجل أيضاً بتمثيلية "الأب" فلا فائدة من وقوفه منتصباً هكذا أمام الباب، ولج إلى الداخل وتوقف عند طرف الفراش. طار الطفل وهو يصيح: ـ بابا، باباتي! التفّ بفخذي الرجل، كان تماماً كما أراده أباً طويل القامة، عريض المنكبين. لم يكن يرى وجهه، ولكن يكفي أنه طويل القامة عريض المنكبين. لم يكن أبو أحد من الأولاد هكذا مثله طويل القامة عريض المنكبين. لا شك أن أباه أقوى من الجميع، ويستطيع أن يصرع آباء جميع الأولاد. ـ كيف، كيف جاء؟ أما كان الأطفال يقولون بأنه لن يأتي؟ ليروا بأعينهم هل يأتي أم لا؟ ماما، أنت يا ماما، أشعلي هذا المصباح. كان يعرف مكان الثقاب، ترك أباه وركض وعثر على الثقاب وأشعل عوداً، فأضيئت الغرفة لحظة بضوء أصفر مرتجف، تبيّن فيها وجه أبيه الملتحي، ليكن بشعاً بقدر ما يشاء، فهو جاهز جداً للإعجاب به! لحيتك طويلة يا أبي! أمي تحتفظ لك بعدة الحلاقة في الصندوق، غداً تحلق لحيتك أليس كذلك؟ أمي، أشعلي هذا المصباح إني لا أصل إليه، لو وصلت إليه لأشعلته.. نظرت المرأة أيضاً إلى الرجل نظرة خاطفة من خلال الضوء الأصفر، هل يبدو أكثر ضخامة في هذا الضوء المرتجف؟ أم أنه فعلاً أكثر ضخامة؟ لم تقف عند ذلك طويلاً، وجهت لابنها ثانية تنبيه "اسكت!" وذهبت فأشعلت المصباح. صار الطفل يرى أباه بشكل أوضح الآن، يريد أن يصفق، يريد أن يلتف برقبة أبيه ويقبل خديه، لكن ما سبب تنبيه أمه "اسكت!" ماذا هناك؟ لماذا يجب أن يسكت؟ بالرغم من كونها ساعة متأخرة جداً من الليل فهو مستعد لأن يطير الآن إلى الزقاق ليعلن لأولئك الذين كانوا يغيظونه على مدى سنوات بقولهم: "أنت لا أب لك، أبوك لن يأتي أبداً..." أن أباه قد جاء، وأنه هو أيضاً قد صار لـه أب، وأن أباه أيضاً سيكون لـه اعتباراً من الآن ابن يستقبله عندما يعود إلى البيت عند المساءات حاملاً أنواع العلب على كتفه وتحت إبطه! التقط كف أبيه الضخمة المكتنزة، قَبَّلها، ضغط بها على صدره. أوه يا، أوه يا... هو أيضاً لـه أبوه الآن، أبوه الأطول قامة من كل الآباء، والأقوى كثيراً منهم، أبوه القادر على صرع جميع الآباء! ـ اجلس يا باباتي! سحبه إلى الأريكة، وأجلسه وقال: ـ تماماً هكذا.. لن تذهب أبداً بعد الآن، أليس كذلك؟ نظر الرَّجل إلى المرأة، لا جدوى، فقال مبتسماً: ـ لن أذهب. ـ لا تذهب، إن ذهبت فسوف نبكي أنا وأمي! أجاب الرجل إكراماً للطفل: ـ لن أذهب. ـ كل واحد لـه أب، وسيكون لي أب أنا أيضاً اعتباراً من اليوم. هل ستشتري لي دراجة بثلاث عجلات مثل دراجة علي؟ أوضحت المرأة: ـ ابن جيراننا المقابلين لنا، اشترى لـه أبوه دراجة بثلاث عجلات منذ أيام... ـ طبعاً سأشتري. ـ دراجة زَينَلْ أكبر وأجود، لكنها باهظة الثمن، هاشم آغا هو جد زنيلْ، أولئك أغنياء، ربما ليس لديك مال كثير، اشترِ لي دراجة مثل دراجة علي تكفيني، يكفي أن تكون ملكي، إنه يتباهى بأنَّ لديه دراجة بثلاث عجلات، ستشتري أليس كذلك؟ التقت نظرات المرأة الشابة بنظرات الرجل، فقالت: ـ سوف يشتري.. هزَّ الطفل يد أبيه يريد منه تأكيداً على كلام أمه: ـ سوف تشتري أليس كذلك؟ ـ سوف أشتري. ـ مثل دراجة علي؟ ـ مثل دراجة علي. ـ وإذا أراد الأطفال امتطاءها ومنعتُهم؟ ـ تمنعهم. ـ وإذا ضربوني؟ ضحك الرجل ونظر إلى المرأة التي ضحكت وقالت: ـ لن يستطيع أحد أن يضربك، فأبوك موجود من الآن فصاعداً ! راح الطفل يضرب على صدره بقبضتيه بانفعال وهو يصيح: ـ يعيش... لا يستطيع أحد ضربي من الآن فصاعداً، أنا أيضاً لديَّ أب! وبدأ يردد قطعة من كتاب الألف باء يغنيها غناء: بابا اشترِ لي حصاناً بابا اشترِ لي عشباً بابا ضع العشب أمام الحصان بابا ضع العشب ضع... ...... .... ...... نبهته المرأة قائلة: ـ كفى! نظر الطفل مدهوشاً وتساءل: ـ لماذا؟ ـ أبوك متعب ونعسان أيضاً! أدار الطفل نظراته الحائرة صوب أبيه: ـ هل صحيح؟ هل أنت متعب؟ ـ نعم إني متعب. ـ لماذا؟ ـ لأني أتيت من بعيد. ـ هل بعتِ حصتك؟ نظر الرَّجل مجدَّداً إلى المرأة التي أجابت: ـ باعها. ـ من أين أتيتَ؟ ـ من بعيد! حاول الطفل أن يتصور البعيد، جبال. هل يقع البعيد خلف الجبال؟ ـ هل من الطرف الآخر من الجبل؟ ـ من الطرف الآخر. ـ هل جئت على دراجة نارية أم على حصان؟ ـ جئت ماشياً. صاح الطفل مدهوشاً: ـ ماشياً؟ ـ ماشياً. ـ من البعيد، ماشياً؟ ـ ماشياً. ـ لماذا؟ ـ هكذا. ـ لماذا جئت ماشياً ما دمت تملك أجرة دراجة نارية؟ مرة أخرى قالت المرأة: ـ كفى! أسند الطفل رأسه إلى صدر أبيه، وقال لأمه وهو يحاول أن يضم جسم أبيه الضخم بين ذراعيه: ـ مالَكِ أنت؟ سُرَّت المرأة لمنظر ابنها يلتف بأبيه وكأنه زوجها فعلاً، لكنها حاولت ألا تظهر ذلك، فقالت: ـ أبوك متعب وجريح يا بني، يجب أن ينام طويلاً لكي يتماثل للشفاء. ارتخت ذراعا الطفل، وتراجع إلى الوراء قليلاً ونظر إلى أبيه مبهوراً، كمن ينظر إلى جبل، وسأله: ـ هل أنت جريح حقاً؟ هزَّ الرَّجل رأسه بالإيجاب. ـ لماذا؟ لا مفرَّ، ولا جدوى، فقال: ـ لقد صوَّبوني برصاصة. ـ من؟ ـ أعدائي. ـ لماذا أطلقوا عليك الرصاص؟ كيف يستطيع أن يفهمه الآن لماذا أطلقوا عليه الرصاص؟ نظر إلى المرأة طالباً منها المساعدة. مالت المرأة على ابنها قائلة: ـ تعال يا بني، تعال نم في مكانك، لا تتعب أباك. سيبقى عندك باستمرار من الآن فصاعداً، وسوف تتحدثان طويلاً طويلاً، سوف تتحدثان، لكن إياك أن تخبر أحداً عن قدوم أبيك، أليس كذلك؟ ـ لماذا؟ قد يخبرون عنه السلطات فتلقي القبض عليه! نظر الطفل إلى أبيه حائراً وسأل: ـ ماذا فعل أبي كي يخبروا عنه؟ ضاق الخناق على الرجل والمرأة، فأجابت: ـ حفر نفقاً في السجن، وهرب منه. لم يفهم الطفل فتساءل ثانية: ـ السجن؟ وما هو السجن؟ أجاب الرجل: ـ دار العقاب! ـ دار العقاب؟ ـ إنه بيت مقفل! ـ لماذا كنت في بيت مقفل؟ ـ تشاجرت، فقتلت رجلاً... ـ حقاً؟ ـ أولئك كانوا يريدون قتلي، فبادرت أنا... صفَّق الطفل بيديه وصاح: ـ تعيش! واستدار إلى أمه بانفعال وقال: ـ كما في الفيلم ها! ثم التفت إلى أبيه: ـ في الفيلم، أحاطوا بالرجل، لكمة، ولكمة أخرى... أشهروا مسدساتهم، فهجم الرجل عليهم، وسلب أحدهم مسدسه، وراح يطلق عليهم، طاق، طاق، طاق! بدأت مشاهد الفيلم المحلي الذي شاهده مع أمه هذا الصيف تتوالى في مخيلته من جديد. كان الرجل المحاط به يشبه أباه تماماً، بشعره الأشعث وبشاربيه وبلحيته، وبقامته الطويلة، تمكن من حصر خصومه في زاوية، وراح يكيل لـه اللكمات. اهتزت دار السينما بأصوات: "اضرب! اضرب!" هو أيضاً صرخ كالآخرين حتى كادت حنجرته تنشق، وصفق للرجل بيديه الصغيرتين. أخيراً طرح الرجل الرجال الخمسة أرضاً بلكماته، وهجم على الأخير وسلبه مسدسه. بيل ـ كيد كان كذلك، وجيم العجوز، وبيكوس ـ بيل. أبوه من هؤلاء إذن. صفق بيديه ثانية وصاح: يعيش أبي! ثم سأل فجأة: ـ ماذا يحدث إذا ألقوا القبض على أبي؟ يرمونه في السجن ثانية. قالت المرأة: ـ يرمونه في السجن ثانية، قالت المرأة. فكَّر الطفل لحظة. وماذا يحدث إذا رموه في السجن؟ إنَّه أب تصدى لخمسة أشخاص. ـ تحفر نفقاً وتهرب ثانية أليس كذلك؟ فأجابت المرأة: ـ لا يستطيع الهرب ثانية. لم يقتنع الطفل بذلك، فقال: ـ هه. لا يستطيع الهرب... (لأبيه) تحفر وتهرب أليس كذلك يا بابا؟ ـ لا أستطيع الهرب. ـ لا تستطيع الهرب ها؟ ـ لا أستطيع الهرب. ـ هيَّا نَم.. دع الرجل يرتاح. سوف أطفئ المصباح! كان الطفل ينظر إلى أبيه، لم يره منذ سنوات طويلة، يريد أن ينظر إليه طويلاً، هذا القادم ماشياً من بعيد، ربما لم يكونوا خمسة كما في الفيلم، ربما طرح عشرة أو خمسة عشر شخصاً أرضاً وهرب من السجن، الجدران، جدران السجن؟ ـ كانت الجدران التي ثقبتها سميكة جداً أليس كذلك؟ ـ جداً. ـ بماذا ثقبتها؟ ارتبك الرجل، فعلاً بماذا يمكن ثقب جدران السجن؟ أجابت المرأة: ـ سوف يشرح لك ذلك فيما بعد، نم الآن... وفيما هو يندسّ تحت اللحاف، ارتسمت فأس في مخيلته، فلا يمكن ثقب جدار سميك بدون فأس، حسناً، لكن الفأس تحدث جلبة، ألا يسمع حراس السجن جلبة و أصوات الفأس؟ دفع اللحاف الذي سحبته أمه فوق رأسه، وقال: ـ ألم يسمع حراس السجن ... كان يريد أن يكمل سؤاله "الجلبة؟" حين رأى أباه يتسلق السُّلَّم إلى السقيفة: ـ آه... هل سينام أبي في السقيفة؟ ـ سينام في السقيفة؟ ـ لماذا؟ طاش صواب المرأة فصاحت: ـ اقطع يا .... ـ لماذا لا ينام هنا معنا؟ حارت المرأة في الإجابة على هذا السؤال، أما الرجل فكان قد تسلَّق السُّلَّم وتمدَّد على ظهره فوق فراشه. أحَبَّ الطفل كثيراً، عيناه السوداوان تلمعان مثل عينيّ جِنِّي. هل سيصير ابنه أيضاً هكذا بعد ست أو سبع سنوات؟ أما تحت فكان الطفل يلحّ في السؤال: ـ ها ماما؟ لماذا لا ينام معنا؟ الآباء جميعاً ينامون مع الأمهات فلماذا لا ينام أبي؟ حارت الأم في الإجابة وأرتج عليها. ـ ها؟ لماذا لا ينام معنا؟ هكذا هو لا ينام؛ ما أدراها لماذا لا ينام؟ ليأتِ، لينم، هل هناك من يقول له: "لا تأتِ، لا تنم!"؟ إنه لا يأتي، إنه لا ينام. رغم أنه لم يقل لها "أختي". لكن من يدري؟ والمرأة لا تستطيع أن تبادر وتقول للرجل "تعال نم بجانبي"، بينما الرجل عندما يكون رجلاً فعلاً، لتتهرب منه الأنثى ما تشاء، فإنه سوف يجد وسيلة ما، فيأتي يقترب منها، يلتصق بها، يداعبها بيده، ويفعل، ويفعل... ـ لماذا لا ينام معنا يا ماما؟ ثم إن الرجل يفهم من نظرات الأنثى، هذا لا يفهم. هل هو لا يفهم حقاً؟ لا تظن ذلك، لكن من يدري؟ ربما جرحه، هل يؤلمه جرحه يا ترى؟ ممكن . إذا كان جرحه يؤلمه باستمرار، وهو يحاول أن يخفي ألمه، فإنه لا يفكر، لا يفكر في أي شيء.. ـ آباء الجميع ينامون مع أمهاتهم، لماذا أبي لا؟ صاحت وقد طاش صوابها: ـ ما أدراني أنا يا؟ انتصبت أذنا الرجل فوق: " ما أدراني أنا يا؟" تعني: "فليأتِ فلينم، قل لـه تعال، قل لـه نم، ما أدراني؟ مالك تسألني؟ هل جاء ونام وقلت لـه لا تنم معي؟". لمعت عيناه في الظلام ببريق الأمل. فعلاً، عليه هو أن يبادر بعد الآن إلى ما يراه مناسباً. استيقظ شيطانه في داخله وقال له: "حمار!". "حمار ابن حمار! هل اقتنع مخك مخ الثور أخيراً؟ الطفل جاهز ويلح. ولو لم تكن المرأة راغبة لأسكتته، وبما أنها لم تسكته فما بك واقف؟ لقد أطفأت المصباح، وما زال الطفل يلح، قل له: إني قادم يا بني، وانتظر قليلاً، فإذا لم تبدر من المرأة أي بادرة اعتراض، انزل واجلس على طرف الفراش، وانتظر قليلاً أيضاً، فإن كانت المرأة راغبة فسوف تبدي ذلك! تفجر الغليان في داخله. لو أنه ينزل، ويأخذ الطفل ويضمه إلى صدره بحب حتى يغفو، ثم وبحجة أنه سيمدده إلى جانب المرأة... قد تقول لـه المرأة برقة: "انتظر، لنمدده على الأريكة" وتأخذه من حضنه... وفيما هي تحمله قد تلامس يدها يده، وقد تلامس بعض ثنايا جسمها التي تحت ثوب نومها الضيق، بعضاً من جسمه، سوف ينتظر برهة، يُمدَّد الطفل النائم، وتسأله المرأة: "ـ هل طار نومك؟" فيجيبها قائلاً: "ـ طار" "ـ ونومي أيضاً.." "ـ ماذا سنفعل؟" "ـ بماذا؟" "ـ بنومنا الذي طار؟" قد تقول المرأة: "ـ لم يكن بي نوم أبداً، كنت مستيقظة حتى قبل أن تذهب إلى المرحاض، لا أعرف لماذا لم يأتني النوم بشكل من الأشكال، وأنت؟" "ـ أنا أيضاً لم يأتني النوم.." "ـ حقاً؟" "ـ والله." قد تسود فترة صمت بينهما. وقد تمر الخيالات نفسها في مخيلتيهما. وبعد فترة قد تميل المرأة على ابنها، لتتأكد من أنه نائم أم لا. ورغم أنه لن يكون واضحاً تماماً في الظلام، إلا أنه سوف يفهم من نبرات صوتها مدى اهتياجها وهي تقول بفرح بالغ: "ـ إنه نائم!" لم يعد الرجل يسعه إهابه تمطى بلذة ونشوة، وكأنما طقطقت عظام جسمه كلها. واستبدت به رغبة عارمة، رغبة عارية، شهوانية، حيوانية، سوف يتظاهر بأنه سينهض. فتسأله المرأة بصوتها الخافت المليء بالرغبة: "ـ إلى أين؟" "ـ سوف أذهب لأنام، أنتِ أيضاً جاءك النوم!" تمسك المرأة بيده بلهفة وتقول: "ـ لا تذهب!" "ـ حسناً؟" "ـ إبقَ!" "ـ وماذا بعد؟" قد تضغط على روحها بأسنانها وتقول له: "ـ نم هنا!" فيتصرف كمن لم يفهم، فتقول له: "ـ زقوم!" يفهم، يتشبث بها جيداً، ويرتمي عليها. وبصدره الضخم المنتفخ مثل منفاخ، تقلب إلى جانبه الآخر، فصرّت الأخشاب التي تحته، أي أن السقف طقطق أيضاً. عليه أن ينزع بنطاله ويكون جاهزاً. خطرت بباله سيجارة، فأخرج علبة السجائر من جيبه، وفيما كان يشمها سمع صوت الطفل تحت: ـ ماما! ـ نعم؟ ـ السَّقف طقطق! ـ تقلَّب أبوك من جنب لجنب.. ـ ألا توجد فئران في السقيفة؟ ـ توجد.. لتبلى بالعمى.. ـ وإذا أكلت أبي؟ ـ ماذا؟ ـ الفئران.. ـ ما بها الفئران؟ ـ إذا أكلت أبي؟ ضحك الرجل بدون صوت. أما المرأة فقد سمعت السؤال لكنها لم تضحك إذ لم تفهمه فقد كانت منفعلة، فالطفل لا يغفو، بل يلحُّ في الأسئلة، وهي لا تسكته فلماذا لا يفهم ذاك؟ وهل في هذا ما لا يفهم؟ لو لم تكن راغبة لأسكتته بكفين، ولدسَّته تحت اللحاف وتركته يبكي ما شاء البكاء، ثم لو لم تكن راغبة ما لها ولجرحه ولأعدائه؟ كان بإمكانها بعد تنظيف الجرح وتضميده أن تقول له: "ـ هيا بالتوفيق" وأن تغلق باب باحة الدار خلفه بإحكام. ـ ها ماما؟ ـ ماذا؟ ـ وإذا أكلت فئران السقيفة أبي؟ ـ إذا أكلته، أكلته، هيا نم! أدرك الرجل المغزى الخفي لهذه الجملة وفهمها هكذا: "ـ إذا أكلته فلتأكله، فلتذهب إلى الجحيم روح الأب الذي لا فائدة منه لأمك! أجل إلى جهنم، لقد نظرت إلى شكله وقوامه، وإلى يديه ورجليه الضخمتين فحسبته رجلاً. وإذ به... اجتاحته مرة أخرى رغبة عارمة في إشعال سيجارة، دسَّ يده في جيب بنطاله وأخرج منه علبة السجائر وعلبة الثقاب. السجائر مفتتة تماماً، لا يمكن إشعالها، توقف الكلب عن النباح من خلف جدار الصفيح، لكنه كان يهمر بين الحين والآخر. شمَّ السجائر، وشمَّ علبة السجائر مطوَّلاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |