|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الوجـه الأول الفــتــــــــاة - ما أروعها بنتاً تشبهك يا حبيبتي!! قال مازن وهو يمسد أعلى بطني براحة كف ملؤها الدفء والحنان!! -ما أروعه صبياً يشبهك يا حبيبي!! رددت بصوت ينضح غبطة وسعادة تصلان حد النشوة، وأنا مازلت مستلقية في سريري أتثاءب والقيلولة الطويلة لما تفك قبضتها عن أجفاني بعد. آه يا للقيلولة كم أحبها!! ترخي ببدنك كله بعد تعب النهار، وقد ملأت معدتك بما لذ وطاب فاسترخى كل ما فيك... ليأتي دور الحب!! فلا قيلولة بلا حب... مازن حريص عليه حرصي أنا أو أكثر. مذ تزوجنا صار ذلك طقساً من طقوسنا والطقوس مقدسة ينبغي الحفاظ عليها. ثمانية عشر شهراً عمر زواجنا وثمانية عشر شهراً ظللنا محافظين على ذلك الطقس. في الشهر الأخير فقط بدأ مازن يخشى الاقتراب مني فأشده إلي، أداعبه، أدغدغه، أَضمه، أقبله، فتذهب خشيته أحياناً ونعود لممارسة طقسنا الجميل ولا تذهب أحياناً أخرى. هو من حقه أن يخشى، فقد كان بطني يندفع أمامي ككوز الماء.. صحيح أنه ليس كبيراً كثيراً إذ هو بطني البكر، لكن الصحيح أيضاً أنه بات يجهدني.. فأتعرق أحياناً وألهث أحياناً أخرى وأنا أتمايل بكوزي المندفع أمامي ولا يملك زوجي وحبيبي إلا أن يشفق علي ويشعر بشيء من الخوف. لكنني لا أستسلم لخوفه. أشعر أن الحياة ينبوع ماء سرعان ما ينضب. بودي لو أمدد كل ثانية من تلك الحياة ساعة أو يوماً أو سنة، لأنهل من ذلك الينبوع وأنهل علني أرتوي.. هي لذيذة، جميلة، شهية هذه الحياة فلماذا لا أغتنم كل لحظة منها، أصنع فيها الفرح والمرح، السعادة والهناء؟ في بلدتنا كان ثمة شيخ عجوز لا يبصر إلا بالكاد، لا يسمع إلا بالكاد، لا يمشي إلا بالكاد... سألوه ذات مرة.. أية لذة تجدها في هذه الحياة؟ فأجاب، وهو يهز رأسه محركاً يديه حوله، "هذا الهواء الذي استنشقه أليس استنشاقه بحد ذاته لذة تفوق كل لذة؟" ذلك العجوز على حق.. الحياة حلوة، فيها الهواء، الماء، النور، وأشياء وأشياء يعجز المرء عن عدّها فكيف لا تكون جميلة؟ كيف لا يتمسك بها ذلك العجوز؟ كيف لا أعمل أنا على اقتناص كل لحظة من لحظاتها؟ -هيا، أيتها الكسول، انهضي!! أنت يا نؤوم العصر يا ريا الحشا والمخلخل!! تابع مازن وهو يدغدغ بشفتيه شحمة أذني فأزداد استرخاء وكسلاً... -تريد الشاي!؟ قلت بنبرة المتدللة المغناج وأنا أعلم طقسه الآخر: شاي العصر... -لا.. لا.. استريحي.. أنا أصنع لك الشاي يا أميرتي الحسناء!! ووثب عن السرير، مهراً سرت في عروقه دماء الربيع.. تلك الوثبة أذكرها في مازن جيداً، صورة ذلك المهر، بل الحصان الجامح، لا تفارق خيالي أبداً... فهي ذاتها كانت نقطة البداية.. وكانت المنعطف الذي غير مجرى حياتي... كنت يومذاك ما أزال طالبة في مدرسة القبالة وكنت أمضي إلى بيت إحدى قريباتي.. أتناول الغداء وأقضي يوم الخميس، عطلتنا الأسبوعية، لديها. في زحام باب الجابية كنت قد انخرطت، شاردة بما لست أدري الآن، لكن فجأة شعرت أن شيئاً سلب مني.. التفت فإذا بحقيبتي اليدوية تطير في الجو وراكب دراجة يبتعد بها شاقاً طريقه عبر الزحام، متلوياً متمعجاً تلوي حية وتمعجها فوق كثيب من الرمال.. صرخت ملء صوتي "حرامي!! حقيبتي..!! حرامي!! "وأنا أشير بيدي إلى راكب الدراجة. وللتو رأيت الوثبة والحصان الذي انطلق يعدو، كأنما ليس هناك زحام.. اثنان أو ثلاثة آخرون انطلقوا إثره؛ لكن شتان ما بين القرد والغزال.. كانت عيناي تلاحقانه وهو يعدو أسرع من الغزال... صوتي ملء باب الجابية، ساقاي أطلقتهما للريح، أصطدم بهذا، أتعثر بذاك لكن دون أن أكف عن الركض.. فالحقيبة التي خطفها راكب الدراجة كانت تحوي كل ما أملك من مال.... أنا التي قبضت راتبها ذلك الصباح بل مع المال ذهب.. هوية.. وأوراق هامة أخرى، فماذا إن ضاع ذلك كله؟ ماذا سيكون رد أبي في بلدتي النائية هناك على شاطئ الفرات؟ ألن يشمت بي؟.. "تريدين تصيرين قابلة قانونية؟ تريدين تذهبين للشام؟ مالك وللشام مدينة كبيرة تضيعين بها. الناس فيها كالنمل.. يأكل بعضهم بعضاً ولا أحد لأحد. ابقي في بلدتك ديمة ودعك من القبالة والتمريض.. تزوجي وأنجبي أطفالاً أليس ذلك خيراً لك ؟ " كنت، وأنا أركض خلف الحصان أسمع كلام أبي يرن في أذني.... هو الذي ردده على مسامعي كثيراً حتى انحفر عميقاً هناك.. لكنني كنت قد تحولت إلى أذن من طين وأذن من عجين ومضيت إلى مدرسة القبالة.. أربع سنوات أصبح فيها قابلة قانونية، يناديني الناس "بالدكتورة". تحتاجني النسوة كلهن، يشرن إلي بالبنان، وأية متعة تفوق متعة أن يشير إليك الناس بالبنان!؟. عند باب الحميدية تماماً استطاع الحصان الإمساك بالمحفظة فيما أفلت منه راكب الدراجة.. لم أره تلك اللحظة، فقد كان يحجبه عن ناظري البعد والناس.. لكنه روى لي فيما بعد كيف تابع الغلام- اللص محاولاً الإمساك به وإنزال العقاب فيه، لكن الغلام الذي سقط المرة تلو الأخرى عن دراجته كان ينهض لينطلق من جديد.. في السقطة الأخيرة أفلتت منه الحقيبة. التفت إلى مطارده، رآه على مقربة فتخلى عن فريسته وامتطى دراجته مسرعاً كالريح. "تفضلي يا آنسة!!" قال الشاب ماداً يده بالحقيبة.. وهو ما يزال يتصبب عرقاً وتتقطع أنفاسه لهاثاً". "أوه!! لا أدري كيف أشكرك أيها الشاب الشهم صاحب المروءة!!". "لا شكر على واجب يا آنسة". وسمّرتني عبارته في مكاني.." كيف يقول والدي إذن...(الشام مدينة كبيرة تضيعين بها.. الناس فيها كالنمل يأكل بعضهم بعضاً ولا أحد لأحد)، وهاهو ذا شاب يندفع لخدمتي ويضحي من أجلي ويقول هذا واجبي!؟". "لكنك عانيت.. تحملت المشقة وتعرضت للخطر"، عدت أخاطب الشاب وقد تخلصت من آثار ذلك الكلام البعيد.. كلام أبي. "المهم عدت لك بالحقيبة.. فتشيها هل فقد منها شيء؟" وبعجالة عجيبة راحت أصابعي تفتش الحقيبة .... "لا... حمداً لله!! الراتب، الهوية، الذهب، كل شيء هنا". قلت فعقب من بين أنفاسه المنقطعة "أكيد، هو لم يجد الوقت لأخذ أي شيء". هذا بفضلك. لو لم تلحق به لضاعت الحقيبة بما فيها وكانت الكارثة". "كارثة!؟ قال رافعاً حاجبيه استغراباً، مبتسماً ابتسامة كثيرة المعاني. بعد ذاك سار إلى جانبي ثم سؤال من هنا، سؤال من هناك أراد منها كلها أن يعرف شيئاً عني. انتبهت لأسئلته وسيره إلى جانبي فتشنجت. شكرته على معروفه من جديد ثم مضى كل في طريقه دون أن يطلب مني وعداً بلقاء. -الشاي يا أميرتي الحسناء. من باحة الدار جاءني صوته الذي يهز كل وتر من أوتاري كلما سمعته. بتثاقل لا يشبه البتة وثبة المهر تلك نهضت عن سريري. كنت قد دخلت شهري التاسع منذ أيام. وكان كوز الماء يزداد ثقلاً وحساسية كل يوم... الجنين في داخله ينمو ويكبر، يرفس ويتحرك، حتى لأشعر به يحتج علي أحياناً، يحاورني أحياناً أخرى، يقرعني على فعلة أزعجته بها أحياناً ثالثة، فيرغمني على مراعاته في كل حركة وسكنة. عند فسقية الماء كان مازن ينتظرني وأمامه كوب الشاي.. "الله!! ما أروع حبيبي!! أي حنان!! أي حب!! أية رعاية!! هو أمي، أبي، أخي، زوجي، حبيبي، هو كل ما أحب في هذه الدنيا لكأنما أراد الله لـه أن يجمع الصفات التي يحبها القلب كلها!" . -ماذا!؟ يزعجك شيء؟ سأل بكثير من التخوف وقد رآني أكثر تثاقلاً. -لا.. أبداً.. فقط هو ابنك يزداد ثقل دم!! رددت ضاحكة، مشيرة بطرف عيني إلى كوز الماء المندفع إلى الأمام. لم يشاركني مازن ضحكتي بل تابع بكثير من الجد. -تعلمين؟ بودي فعلاً أن تأتي أنثى كي تكون امتداداً لك. -وأنا بودي فعلاً أن يكون ذكراً كي يكون امتداداً لك، أراك فيه وأراه فيك... آه!! كم ستكون سعادتي كبيرة إن جاء صبياً!! -النساء كلهن يردن أن يكون بكرهن ذكراً؟! -مجتمعك الشرقي كله هكذا!! أمك لا تحدثني إلا عن الولد كيف الولد؟ تسألني. ما أحواله الليلة ؟ تستفسر. لكنني لم أكمل فقد دلفت حماتي إلى باحة الدار خارجة من باب غرفتها القريب. -ديمة، يابنتي!! متى ستأتين لـه بحاجاته؟ سألت وهي تجلس بجانب ابنها. -له، أسمعت؟ قلت مشددة على الكلمة الأولى وأنا التفت مبتسمة إلى مازن، وما أسرع ما ابتسم هو الآخر.. لكن دونما تعليق.. كان مازن ابنها الوحيد وكانت متعقلة به تعلق الغريق بمنقذه، فأخواته الثلاث كن قد تزوجن ليتركنها الواحدة تلو الأخرى.. وكانت الدار الدمشقية العتيقة قد صارت فارغة... غرف كثيرة تنتظم حول الباحة، حيث بركة الماء وأحواض الزهور وشجرات النارنج تلقي بظلها على ماض ربما كان تليداً حين العائلة كبيرة والعز سامق والخير وفير؛ فلا عجب أن تكون كلها لهفة وتشوقاً للوليد القادم الذي سيملأ الدار حركة وحياة، ولا عجب إن كان بالها مشغولاً على حاجات الطفل الذي ربما سيعيد ذلك العز، فهي لاتنفك تزداد إلحاحاً وإلحافاً "ديارة الصبي يابنتي"... "الجنين حرامي لا تدري متى يفاجئك يا بنتي". "لنذهب إلى السوق نشتر للطفل أغراضه يا ديمة"...إلخ فيما أؤجل أنا نفسي الذهاب إلى السوق كل مرة متذرعة بهذا السبب أو ذاك... إذما إن أشد الهمة حتى أشعر بشيء في داخلي يصدني حائلاً بيني وبين الذهاب. -هه.. لم تجيبيني يا بنتي؟ تساءلت وقد رأت ابتسامتنا وصمتنا. -صحيح..ديمة.. انزلي إلى السوق.. أم نسيت أنك في شهرك الأخير!؟ "أنسى؟ كيف، وكلي توجس من شهري الأخير؟" تساءلت في سري وأنا أرمقه بكل ما في حناياي من حب.. -هه.. مالك؟ -لا.. لم أنس.. سأنزل. -اليوم.. الآن، قاطعتني الأم بإصرار وتوكيد شديدين. - حسن، الآن. بعد أن نشرب الشاي. -نذهب كلنا، بادر مازن متابعاً، كأنما يريد تثبيت وعدي. -لا، لا هذا شأن نساء وأنت مالك وشأن النساء هذا؟ نهرته الأم بكثير من الحب فتبسم دون أن يرد.. هو هكذا دائما.ً وجهه ضحاك، ثغره باسم. ابتسامته الأولى تلك وهو يستغرب قولي "كارثة" ما تزال ترتسم في خيالي.. ابتسامته الثانية وهو يقف على الرصيف بانتظار خروجي من مدرسة القبالة مازالت ترتسم أيضاً في خيالي... ألا يصفون الابتسام أحياناً بأنه ساحر؟ مازن ابتسامته ساحرة بل حقيقة هي سحرتني. معانيها الكثيرة تجعلك تدور في دوامة لغز تبحث عن حله. ماذا يقصد بابتسامته؟ أي مغزى تحمل تلك الابتسامة؟ وتجد نفسك في قلب دردور بحري يدور بك ويدور. في قلب ذلك الدردور وجدت نفسي وأنا أراه متسمراً قرب باب المستشفى، كأنما نحن على موعد يوم خروجي ذلك الخميس. الابتسامة الساحرة، جعلتني أرد بابتسامة... ألم يقل سبحانه... إن حييتم بتحية فردوا بأحسن منها أوردوها ؟ لكن مع ابتسامته كان ثمة نداء.. وكادت قدماي تلبيان النداء متجهتين صوبه.. فجأة خجلت وترددت. لينا، زميلتي، معي... ماذا تفعل إن تركتها وذهبت إليه؟ بماذا أبرر نفسي؟ ما الذي سأقوله لها؟ أنا لا أعرفه إلا بالكاد... قصة الحقيبة كنت قد رويتها لها، لكن دون أن آتي على ذكر شيء خاص بالشاب، فالشاب مضى وانقضى وما كنت أحسب أنني سألقاه ثانية. لكن هاهو ذا قد جاء.. في موعد خروج الطالبات. إذن، هو يريد رؤيتي.. يريد التعرف إلي أكثر، فماذا أفعل؟ لينا معي.. دعتني لقضاء الخميس معها نتغدى ونذهب إلى السينما، نتنزه... ولقد لبيت دعوتها، فكيف أنسحب الآن؟ أأقول لها: هذا الشاب بانتظاري.. أنا ذاهبة معه؟ ستفضحني إذن... هي سفيهة، لسانها بسبعة فراشخ، طولـه عشرة أمتار، لن تدع طالبة في المدرسة إلا وتخبرها بقصتي... فأية فضيحة ستكون ؟" لا... لا.. كل شيء إلا الفضيحة... كل شيء إلا أن تصبحي مضغة تلوكها الألسن يابنت"!! وأطرقت برأسي أرضاً ثم مضيت، لا أنظر يمنة ولا يسرة. طوال الأسبوع التالي ظللت على أحر من الجمر.. أتراه هو فارس الأحلام؟ أهو الذي أنتظره على فرس بيضاء يأتي ليخطفني إلى الغابة البعيدة؟ أم تراه لم يجئ من أجلي بل من أجل سواي؟ صحيح أنه كان قد لحق بي بعض الطريق، لكن الصحيح أيضاً أنه لم يبد إشارة تدل على إصراره ومطاردته لي؟ أسئلة كثيرة ظلت تطاردني طوال ذلك الأسبوع لتجعلني في دوامة من الحيرة والبلبال. الخميس تعمدت أن أخرج بمفردي، بل بالأحرى أن أنسل انسلالاً هاربة من زميلاتي لأمضي إلى الرصيف..هناك، ياللروعة!! كان ينتظر بابتسامته الساحرة ذاتها ونظراته المدوخة ذاتها. وكدت أرقص فرحاً، بل ارتفعت قدمي اليمنى في حركة طيران راقص، لكن سرعان ما تذكرت "على الفتاة أن تبدي عكس ما تبطن". فلويت عنقي جانباً وتكلفت العبوس ثم سرت مطرقة. لكن ما هي إلا خطوات حتى شعرت بشيء كالأمواج الكهرطيسية تكتسحني من خلف، من جانب.. ثم تشتد، تشتد، حتى لكأنها أمواج سيل على وشك أن تأخذني في طريقها. دون أن ألتفت، دون أن انظر، كنت أشعر به يقترب، ثم ما إن صارت الجاذبية بمحاذاتي حتى غدت أقوى بكثير من أن أستطيع مقاومتها... الأوتار تسترخي، الأعصاب تتحلل، المفاصل تتفكك ليحل في الجسم كله نوع من الخدر اللذيذ يزيل كل ما فيه من تشنج. حينذاك بدا عبوسي، لي عنقي، إطراقة رأسي، وقد ذهبت كلها أدراج الرياح. "سلام!!" بادرني بلهجة دافئة مازالت ترتعش لها أذني حتى اليوم ولم أستطع إلا إن أجيب" أليس هو من أنقذك من ورطة؟ من أخرجك من مأزق؟ ثم هو فتى جميل.. حنطي اللون وجنتاه مشربتان بالحمرة، مائل إلى الطول، رشيق أهيف قوي البنيان.. يحمل وجهه سيماء الرجولة كلها، فلماذا لا تردين عليه ياديمة"؟ الواجب، اللياقة، الحضارة كلها تقضي بذلك.. العرفان، الامتنان يفرضان عليك ذلك".. وهكذا رددت، سألني فأجبت، دعاني فلبيت ولم يمض ذلك الخميس حتى عرف كل شيء عني وعرفت.. ثم طلب إلي أن نلتقي الخميس القادم فوعدت. خميساً بعد خميس صرنا نلتقي.. نتنزه في الحدائق نتسكع في الشوارع "آه!! يا للتسكع مع الحبيب ما أجمله!! عبق الياسمين وعبق الحب يجتمعان معاً ليدور معهما الرأس... أنا أذكر جيداً كيف بدأ رأسي يدور كلما نظرت إليه أو لمست يده... نظر إلي أو لمس يدي، ولكي لا أهوي أرضاً كنت أستند على أسيجة الياسمين فأزداد دواراً، يا إلهي؟ ما أجمل ذلك الدوار!!في الجنة أيصاب المرء يا ترى بمثل ذلك الدوار؟ لا.. لا.. جنة الحب أجمل من كل جنة.. أريجها أكثر إنعاشاً، خمرها أكثر سكراً، رحيقها ألذ مذاقاً.... وبدا لي أنني أعيش في حلم..... حلم جميل لم توقظني منه تعليقات لينا ولا تحذيرات سلمى.. فقد غدا حبي لمازن أجمل من أن يشوهه شيء وبدا أكثر طغياناً من أن يقف في وجهه شيء.... - - - الحافلة التي نقلتنا إلى السوق لا يقف في وجهها شيء، سائقها عتلّ عتريس كأنه خريج حبوس، فهو لا يفتأ يكبح سيارته لينطلق من جديد، بقوة ينطلق، بقوة يكبح... لتصبح أنت مثل جرة لمخض اللبن، أمام وراء، أمام وراء، ثم وقفة يدق لها رأسك بالسقف، نظرت الأم إلي، فلم تملك إلا أن تصيح به. -اتق الله يا رجل، وسر على مهلك!! معك حوامل!! وكأنما أفزعه صياحها، استجاب... فبدت الحافلة وكأنها شيء جديد لا علاقة لها بالحافلة السابقة، لينة هينة تسير... "يا إلهي!! كل شيء بيد الإنسان، يصنع بيده الجنة كما يصنع النار. يسعد كما يشقي، يضحك كما يبكي... فلماذا لا يكون مصدر سعادة دائمة ذلك الإنسان؟ -هه... مرتاحة الآن؟ سألتني الأم بعد أن تفرست في وجهي. - أشكرك ماما.. فقد كاد يقطع أحشائي... - رأيته، رأيته!! هذا المتهور الأحمق.... لقد كان وجهك أصفر كالشمع. وحمدت الله في سري أنها كانت معي لتعيد لوجهي حمرته ولسائق الحافلة رويته. هذه المرأة، لا أكتمكم، أحبها.. رغم كل ما في التاريخ من عداء مستحكم بين الحماة والكنة لا أشعر بأي عداء تجاهها.. بل أشعر أكثر الأحيان بالامتنان لها.. أليس مازن من صنعها هي؟ ألم يتكون في رحمها ؟ ألم تحمله تسعة أشهر وفطامه في عامين؟ إذن، لم لا نتحابب بدل التعادي؟ هي تريد تملكه.. ليكن... ما تستطيع تملكه لا يضيرني في شيء لها ملكيتها ولي ملكيتي مثلما لكم دينكم ولي دين... فكيف لأم أن تتعدى على زوجة؟ ما هو من حق الزوجة لا علاقة للأم به وما هو من حق الأم لا يتعارض مع حقوق الزوجة. في أحد الكتب قرأت "الإنسان متعدد الأبعاد.. هو ابن، أخ، زوج، أب... و... و.... و... وما من صفة من هذه الصفات تتعارض مع صفة أخرى.. ما من بعد من هذه الأبعاد إلا ويرغب في تحقيق ذاته، يبتغي أن يكون موجوداً، تماماً كأبعاد المستطيل... طول، عرض، قاعدة، ارتفاع، فأين التعارض؟ لماذا لا يكون الرجل زوجاً وابناً في الآن نفسه..؟ هو مع زوجته شيء ومع أمه شيء آخر.. لكل منهما الحيّز المخصص لـه لا يعتدي أحد على أحد ولا يتطاول أحد على أحد... صحيح.. هي قوية قليلاً، تحب السيطرة قليلاِ، لكن للحقيقة والتاريخ لم تكن يوماً إلا أماً.. منذ لقائي الأول بها أحسست بها مشروع أم يمكن أن تحبني تحرص علي، تفكر بي كما أفكر بنفسي، وأعجبني ذلك. ماذا إن وجدت أماً جديدة لي في دمشق ؟ أمي بعيدة هناك في عروس الفرات، لِمَ لا أجد من يحل محلها هنا ؟ أنا بحاجة ماسة لأم، فلماذا لا تكون هذه أمي... سيما إن ارتبطت بمازن ارتباطا أبدياً؟ لم تكن الأم أقل تجاوباً، بل بدت منذ ذلك اللقاء وكأنها لا تريد لكدر أن يعكر صفوه، ولا لضغينة أن تنمو بيننا.. هي حريصة على إرضائي، باذلة دائماً أقصى جهد لتمتين عرى الحب بيني وبين مازن، أواصر الود بيني وبينها، فلا تتدخل ولا تتطفل.. تعرف ما لها وما عليها فتأخذ مالها وتؤدي ما عليها... أمي، إن أردتم الحقيقة، ليست كذلك.. بل هي تعتبرني ملكاً لها، يوم ولدتني، سجلتني في قيد النفوس ملكية خاصة بها تتصرف بها كما تشاء. بل سمحت لنفسها أن تتدخل في مستقبلي، تهبني للرجل الذي تشاء وتمنع عني الرجل الذي تشاء. أمي، مذ كنت طفلة وسمتني بميسم خاص اسمه: همام... ومن همام هذا؟ إنه ابن أختها الذي وجد نفسه بعد حادث سير بلا أب ولا أم فجاءت به الخالة تحتضنه يتيماً وتغدق عليه حنانها عائزاً! الأب لم يعترض، فهو ابن أخيه أيضاً وعليه تقع مسؤولية تربيته. وهكذا نشأ همام جنباً إلى جنب معي نأكل معاً، نشرب معاً، ننام معاً، ونحن طفلان، حتى إذا ما كبرنا صار لكل مكانه... ينام فيه... لكن كل ما في البيت يجمعنا، كل ما في الحياة يؤلف بيننا... فلا أرى فيه إلا أخاً عزيزاً غالياً ألجأ إليه في الملمات وأحتمي به من المعتدين، أنا التي مات أخوتي وأخواتي أجنة أو أطفالاً فلم يبق لوالدي سواي. همام درس معي في المدرسة لكن لم يفلح قط.. كانت كرة القدم قد أخذت بلبه والرياضة أمسكت بمجامع فؤاده.. يهرب من الدرس ليمارس الرياضة، ينسى وظيفته ليلعب كرة القدم، فلم يصل إلى الصف التاسع إلا بالويل والثبور وعظائم الأمور... لكن في الصف التاسع عقدة الكفاءة.. وعند العقدة يعجز النجار.. أجل.. توقف همام عند العقدة فلم يتجاوزها قط... عمه، خالته بل كلنا كنا نحثه.. نبذل المستحيل كي يتابع درسه. لكن عبثاً.. هو في فريق البلدة لكرة القدم، وهو لا يفتأ يتهرب ويحتج.. حتى بدا عبثاً استمراره فأخرجه العم إلى العمل، يساعده في تجارته: بيع الأقمشة.. كان أبي يحبه كابنه، هو المحروم من الأبناء، لكن هماماً خيب أمله وأحبط خططه، هو الذي كان يريده أن يصبح ضابطاً لامعاً على كتفيه نجوم أو مسؤولاً كبيراً يرفع به رأسه أمام الناس، أو طبيباً ألمعياً تصبح عيادته محجاً لأهل البلد... فصار مجرد لاعب من الدرجة الثالثة في كرة القدم. خيبة أمله فيه جعلته يشدد عليه ويضيّق الخناق، فيما راحت أمي تزداد يوماً بعد يوم إعجاباً بجسده القوي، وكتفيه العريضتين وعضلات ذراعيه. تتعلق به كل يوم أكثر وتحبه أكثر، حتى بات يبدو لي أحياناً أنه هو الابن وأنا ابنة الأخت. ولأنها صارت كذلك رسمت في ذهنها مخططاً نبقى فيه نحن الاثنين إلى الأبد ابناً وابنة لها، لا يفرقنا شيء غير الموت.. "همام لديمة". وديمة لهمام "كانت تردد دائماً". الحمد الله لن ابحث لابنتي عن عريس، عريسها موجود. "كانت تعلن" حظهما في السماء.. همام و ديمة ابنا عم وابنا خالة، فكم سيكون زواجهما موفقاً؟ "كانت تحدث صويحباتها بين الفينة والفينة وكنت اسمع فلا أشعر إلا بالتشنج في داخلي. " همام أخي.. طعامه، ماؤه، ملبسه، ليله، نهاره، كله معي ومن نسيجي.. فكيف يكون لي زوجاً وهو في نظري مجرد أخ؟" كنت أفكر مذ بدأت أعرف التفكير، لكنني لم أجرؤ يوماً على البوح بأفكاري.. كنت أهمهم ببعضها لبعض صويحباتي.. لكن أمي.. نار تكوي فكيف أقترب منها؟ مخططها مرسوم وأفكارها صريحة فكيف أخرج عليها؟ بيد أن المشكلة لم تكن أمي وحسب، بل أبي أيضاً، هو الآخر كان يريد مني زوجة لهمام.. أليس هو ابن أخيه ؟ أليست ابنة العم لابن عمها؟ عرف جارٍ عبر التاريخ، لا أدري كيف سنه العرب بعكس شعوب الأرض كلها، تلك التي تكره زواج الأقارب وتبحث دائماً عن الأباعد؟ في كتاب العلوم ثم في مدرسة القبالة درسنا علم الوراثة وعلم الأجنة، حيث يبين العلم بالدليل القاطع أن زواج الأقارب خطأ بل هو خطر أكيد... إذ يأتي النسل حاملاً أسوأ صفات الأبوين وبذلك يتردى شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى مرحلة يأتي فيها الأولاد مشوهين ومعوقين، مجانين أو منغوليين، ترى لمَ لم يكتشف أجدادنا هذه الحقيقة؟ لم لم يلغوا ذلك العرف ويبطلوا زواج الأقارب ؟ هو حظي السيء، ولاشك وإلا لكانوا قد أبطلوه كما أبطلوا زواج الاخوة والأخوات.. كليوباتره كانت متزوجة من أخيها... المصريون القدماء كانوا يفعلون ذلك فلماذا بطلت هذه العادة؟ لماذا لم تنسحب على أبناء وبنات العم، أبناء وبنات الخالات والعمات.. وكل من يسبب زواجهم تردي النسل؟ بعد أن درست ما درست، ازددت قناعة بأن علي أن ابتعد عن همام.. هو القريب من جهتين، إذن ستكون المصيبة مصيبتين.. فما الذي يضمن ألا يأتي أطفالنا مشوهين معوقين؟ ثم هو أخي.. أمازحه، يمازحني، اضحك عليه، يضحك علي، أخاً وأختاً لا كلفة بينهما ولا حدوداً. لكن لأبي وأمي وجهة نظر أخرى.. "نضرب عصفورين بحجر واحد،" يقول واحدهما للآخر" أجل إن تزوج همام بديمة حللنا مشكلتين معاً." تقول أمي فيرد أبي "بل أضيفي مشكلة ثالثة: المتجر.. يرثه ابن أخي وبنتي معاً فأضمن استمرار اسمنا في السوق". وكانت تلك مشكلة تنغص مضجع والدي. فهو، الذي ورث متجره عن أبيه وهذا عن جده، كان حريصاً كل الحرص أن يستمر معلماً أساسياً من معالم السوق في عروس الفرات ولم يكن يزعجه كأن يتصور متجره باسم ابن الملاح أو الفرهود وقد صار زوجاً لي بدلاً من ابن المشاهدية، ابن عمي. لهذا، ربما ولأسباب أخرى كثيرة أيضاً، كان يريدني أن أتوقف عن الدراسة. همام أخفق في الكفاءة، فلتخفق ديمة إذن.. لكن ديمة لم تخفق. منذ أول دورة نجحت، نلت علامات جيدة سرت لها أمي السرور كله، ولغاية في نفس يعقوب، أو ربما كي تنتقم لبنات جنسها أرادتني أمي أن أتابع دراستي.. دافع مشروع كان يدفعها لمساندتي حين وقفت وجهاً لوجه مع أبي. "حسبك دراسة ديمة"، لا أبي... أريد أن أكمل.. أن آخذ الثانوية". "ثانوية؟ ما الذي تفعلينه بها ديمة؟" "أرجوك يا أبي.. هو ذا حلمي الوحيد.. فهل تستضيع بي هذا الحلم؟" وللتو انتصبت أمي محامية بارعة تدافع عن قضيتي.. نسيت ابن أختها، الزواج، وصار حلمي في الحال حلمها تدافع بالنواجذ والأنياب من أجل تحقيقه.. همام حاول تثبيط عزيمتي ساخراً مني". وإن نلت الثانوية ما الفائدة ؟ تصبحين موظفة ؟ أي سخف أن تكون المرأة موظفة ؟ فاقنعي وارتاحي.. حطي رحالك وحسبك علماً. راح يقول لي مورداً بعد ذلك مائة حجة وحجة، لكنني كنت مصممة وكانت أمي إلى جانبي: حرملك وسلملك صار بيتنا والمعركة حامية الوطيس، لكل فيها أغراضه الخاصة التي يسعى للوصول إليها. أيام الصيف كلها دامت المعركة... كروفر.. السلملك يهجم فينسحب الحرملك مداوراً مراوغاً، مستخدماً كل أسلوب من أساليب الحيلة والمكر. يتراجع السلملك، يكر الحرملك من جديد مشدداً الضغط مضيقاً الخناق إلى أن حسمت المعركة وانتصر الحريم.. للمرة الأولى ربما ينتصر الحريم في بيتنا الشرقي العتيق، لكنها لم تكن الاخيرة.. إذ ما إن ظهرت نتائج الثانوية حتى عادت المعركة للنشوب من جديد. كانت سنوات الدراسة الثلاث هدنة مؤقتة بالحقيقة، أرجأ كل من الطرفين إشعال الحرب مؤقتاً، الطرف الأول يأمل أن يخفق الثاني في معركة الدراسة ويسقط من تلقاء ذاته رافعاً يديه مستسلماً فيكفيه ذلك شر القتال، فيما كان الطرف الثاني يدرس وكله أمل أن يساعده نجاحه المتواصل في فرض الأمر الواقع... وكان أمري الواقع هو أن أصبح طبيبة.. لكن درجاتي في الثانوية لم تسمح بذلك، وكانت المعركة الجديدة أكثر ضراوة فلدى السلملك أسلحة أمضى وأكثر بكثير من الحرملك. زد على ذلك أن الحرملك ذاته كان مزعزع الصفوف مضعضع الهمة... خاصة وقد أعلن الأب عن نيته في عقد قراني سريعاً على همام وإقامة عرس لم تشهد لـه عروس الفرات مثيلاً. ذلك ربما، دغدغ شغاف قلب أمي فوهنت عزيمتها وتراخت قواها موشكة على إلقاء السلاح.. لكنني في هدأة الليل أقبلت عليها، لاثمة خديها مقبلة يديها راجية متوسلة ألا تتخلى عني". إن لم أصر طبيبة سأصير قابلة.. هوذا حلمي ألا تريدين لابنتك أن تحقق حلمها؟" "لكن.. همام ينتظرك.. ثلاث سنوات وهو ينتظرك"، "ينتظر أيضاً بضع سنوات أخرى أمي، وأعود إليك قابلة تعالج النساء، تداوي أمراضهن". وانكببت عليها لثماً وتقبيلاً إلى أن رق قلبها وعادت إلى المعركة حليفاً مدججاً بالسلاح والحجج.. لكن أبي لم يلق السلاح إلا وقد قطعت لـه ما يشبه الوعد بأن يكون همام زوجي. - - - -ديمة... ابنتي.. انتبهي حذرتني حماتي وهي تشير إلى حفرة في الرصيف كدت اسقط فيها.. -أوه!! شكراً ماما.. كنت شاردة!! غمغمت وأنا أتمسك بذراعها خشية الوقوع بالحفرة... -لكن أين تشردين؟ بم تفكرين؟ سألتني بمزيج من الفضول والمداعبة فاكتفيت بأن ألقيت عليها نظرة فيها الكثير من الاستعطاف والضراعة أن تترك لي حرية التفكير على الأقل.. أن لا تتدخل في عالمي الداخلي، ذاك الذي يخصني وحدي، فأفكر بما أشاء وأشرد حيث أشاء. كنا قد غادرنا الحافلة، لنبدأ جولتنا متنقلين من حانوت إلى حانوت ومن محل ألبسة إلى آخر، فالمبدأ الذي تسير عليه حماتي في السوق هو "اذهبي متفرجة وعودي شارية. " وانطلاقاً من ذلك المبدأ، كان علينا أن نتفرج على كل ما في السوق من بضاعة بعدئذ نبدأ بشراء "ديارة" الطفل. هي جدته وهي الخبيرة، وبالتالي هي المسؤولة ولست أنا.. لو صار همام زوجي، لكانت أمي هي التي تقوم مكانها. لكن زوجي مازن.. همام زحلفته.. شيئاً فشيئاً زحلفته بعيداً... فلم يصر ما كان يريد، هو وأمي وأبي. مسكين همام، كم كان يحبني!! أفكاري عن زواج الأقارب وتردي النسل وما إلى ذلك، كلها لم تدخل دماغه. "ما الذي تخرفين به؟ إنا وجدنا آباءنا على سنة وإنا على أثرهم مقتدون. إذن لماذا أنت تخالفين؟" كان يتساءل ويحتج. فشبه الوعد الذي قطعته كان علي أن أفي به. إنه الزمن.. دولاب يدور.. وإن وقفت أنت، هو لا يقف أبداً... مسنناته تعمل، عجلاته تتحرك.. قدماً.. قدماً، وهكذا أغمضت عيناً وفتحت أخرى فإذا بسنوات الدراسة قد انقضت.. وإذا بي على وشك التخرج قابلة قانونية قد الدنيا.. لكن مصيرها محتوم: تعود إلى بلدتها، تعمل هناك، وتتزوج ابن عمها لتلد لـه البنين والبنات. لكن الزمن الذي يمر لا يمر اعتباطاً ولا يكون سدى.. في كل يوم يعيش المرء تجربة جديدة، يكتسب خبرة، يزداد معرفة وعلماً.. ولكم اكتسبت في مدرسة القبالة وازددت !!هنا استبدلت عالماً بعالم كل شيء فيه جديد علي.. عالم لم يكن لي فيه أم ولا أب هما البعيدان كثيراً عني.. هناك حيث الفرات والجسر المعلق، الأقرباء والعشيرة.. عالمي الجديد زميلات مثلي جئن من كل حدب وصوب.. من الشمال من الجنوب، من الساحل من الداخل لا يجمع بينهن إلا حب العلم وتحصيل المعرفة. في القاعات درسنا: أساتذتنا أطباء وطبيبات.. كلهم معنيون مثلنا بالمرأة، مصنع الأطفال. في غرفة التشريح رأينا جثثاً، في العيادات فحصنا الحوامل، في المخابر اطلعنا على العينات، ثم تعلمنا شيئاً فشيئاً كل شيء عن الجنين، مذهو بويضة فنطفة فمضغة فعلقة ... وحتى يخرج من رحم أمه وكان ذلك كله ساحراً بالنسبة إلي. العلم ساحر... المعرفة ساحرة...طوال عمري أحب العلم والمعرفة فكيف وقد صرت عارفة بلغز الألغاز : الجنين البشري. حين كنت طفلة صغيرة كان أشد ما يحيرني: من أين تأتي أمي بأطفالها الذين يموتون؟.. خالتي كيف صار لديها الكثير من الأولاد؟ وكنت كثيراً ما أتساءل نحن المخلوقات البشرية كيف نتكون ننمو ونكبر؟ في المدرسة وجدت جواباً لكل سؤال، وما لم أكن أجد جواباً لـه أسأل عنه، زميلاتي يسألن ونزداد كلنا معرفة. لكن المدرسة لم تكن علماً ومعرفة وحسب،بل هي حياة وخبرات.. مع زميلاتي الجديدات تعرفت على أنماط غريبة عجيبة من الناس... على نماذج بشرية ما كنت لأعرفها لو ظللت هناك في أحضان أمي وأبي.. هي الحياة مدرسة فكيف إن كانت حياة مشتركة مع عشرات الطالبات يعشن حياة واحدة في مدرسة داخلية كل شيء فيها مشترك، الخاص فيها عام، والسرمباح والخفاء جهار؟. الله!! ما أغناها تلك التجربة!! كم هي مليئة تلك السنوات، فالمدرسة التي تكون خلية نحل كل من فيها عامل في النهار، تتحول في الليل إلى جناح للحريم معزول محروم، كل من فيه تفضي بما في صدرها لتسمع ما في صدور الأخريات.. ثماني وأربعين كنا.... على مهجعين توزعنا، لكن كل من في المهجعين يعرف كل من في المهجعين.. الكل زميلات وصديقات، والكل يردن التعرف أكثر ويدفعهن الفضول أكثر. لا سر يمكن إخفاؤه ولا مشكلة لا تعرفها كل طالبة. فجناح الحريم كتلة هلامية واحدة، رجراجة لكنها شديدة التماسك. عن تلك الكتلة عرفت الكثير ومنها تعلمت الكثير... سعاد بسيطة، دلال معقدة،هذه متواضعة تلك متعجرفة، ذكية، بليدة، رخوة صعبة، مائعة، مسترجلة... والحبل طويل.... الكل يحكي وهل تتقن شهرزاد غير فن الحكايات. هدباء عشقت مذ كانت في الثالثة عشرة، بيداء خجول لم تجرؤ يوماً على النظر إلى رجل، سكينة أخت رجال، بثينة مروضة رجال.. بل حكت لنا الكثير عن تجاربها معهم مذ كانت في الرابعة عشرة، أقامت علاقة مع ابن الجيران. عرفت الحب ومارست الجنس ثم صارت تتنقل... على هواها تتنقل وكأنما هي في السويد.. ضحى تعرضت لاغتصاب أحد أقربائها وهي في الصف الخامس... فض بكارتها ثم هددها.. أقتلك إن أفشيت السر فلم تفش ضحى السر، واستمر الذئب يلغ في دمائها حتى باتت تكره ذكر الرجال، وفي عتمة الليالي اكتشفنا أنها تبحث عن هذه الزميلة أو تلك حباً بالنساء.. لينا، صديقتي المفضلة، تعبد الرجال، بل هي في عشقها تصبح أرضاً يدوس عليها الحبيب، جسداً يروض ويعذب. ذات ليلة، وكانت قد مضت علينا سنتان في المدرسة، دعتني لينا إلى العشاء. هناك اكتشفت أن أهلها على سفر وأن هناك مدعوين آخرين: خطيبها وصديقاً لـه آخر، سلوى زميلتنا الأخرى وحبيبها الذي سيخطبها قريباً. لم أعترض إذ لم يكن باستطاعتي الاعتراض، زد على أن حب الاستطلاع، ربما، وثقتي بلينا وسلوى، ربما، جعلاني أتقبل الأمر وكأنما هو عفو الخاطر ليس وراءه غرض. على العشاء فوجئت بالانفتاح على مصراعيه، والحرية على أشدها: ضم، شم، لثم، قبل، همس لمس وكأنما هو أمر طبيعي مارسته لينا أمام سلوى ومارسته سلوى أمام لينا مرات كثيرة من قبل، لكن أشد ما فاجأني: القرص والعقص، الرفسات والصفعات التي كان يكيلها للينا صاحبها. "ما هذا لينا؟" سألتها وكلي استغراب ودهشة، "أحب وضرب ؟" "ضرب الحبيب زبيب ديمة، وأنا أحب الزبيب" ردت وهي تقهقه ثم أدارت لـه خدها الآخر يصفعها عليه صفعة جعلته أشد احمراراً من مؤخرة سعدان. على أن دهشتني اشتدت إلى درجة كادت عيناي تخرجان من محجريهما، حين بدأت أسمع صراخها وهو يعلو من غرفة أخرى دخلت إليها هي وصاحبها، بل كدت أقفز مسرعة لنجدتها حين أمسكت بي سلوى لتجلسني من جديد هامسة في أذني.. "دعيها... إنها تعيش أقصى درجات متعتها, إنها مازوكية وصاحبها سادي.ّ لم أكن قد سمعت من قبل بالسادية ولا المازوكية..سألت، فتطوع من يفترض أنه رفيقي يشرح لي ويفسر لأعلم أخيراً أن للسادية تاريخاً طويلاً في حياة البشرية يقوم على تعذيب الحبيب للحبيب وتقبل ذلك من الحبيب. استخدام الخيزران، السياط، قضبان الرمان.. كل شيء مباح.. ولم أدرِ إن كانت لينا قد أعدت لصاحبها سوطاً كذلك الذي يستخدم للخيل، لم أدرِ إن كانت قد عرت لـه ظهرها أم مؤخرتها. فالضرب، لا شك كان موجعاً وصرخاتها كانت حادة إلى درجة جعلتني أنسل من المنزل كله هاربة. بعد ذاك صرت أعتذر عن دعوات لينا لاحتفالات كهذه، صرت اعتذر عن لقاء رجال كذاك الذي أرادته لي رفيقاً.... فقد كنت أعلم أن مصيري محتوم وأن رجلي هناك...ينتظر عودتي ليبني بي، فكيف أقيم علاقة مع رجل لن يكون يوماً زوجي؟ كيف أبحث عن متعة أعلم أنها زائلة ؟ لا... أنا لست كسلوى.. أو لينا.. صحيح أن الحياة صارت أكثر انفتاحاً والبنت أكثر حرية، لكن الصحيح أيضاً أن بيئتي، تربيتي، كل ما نشأت عليه يفرض علي أن أحافظ على نفسي وديعة آمنة إلى أن يأتي من أحب.. من أريده أن يكون لي زوجاً... "لكنني لا أريد هماما زوجاً"، كنت أحاجج نفسي وزميلاتي يلححن علي "لماذا لا تحبين؟ لماذا لا تمارسين حريتك وتعشقين؟ أنت بعيدة لا حبيب ولا رقيب فلماذا تتزمتين؟" غير أني كنت على قناعة تامة بأن ذلك ليس تزمتاً قط.. صحيح أنني لا أريد هماماً زوجاً لكن الصحيح أيضاً أنني لم أستسغ أحداً ممن قدمته لي رفيقاتي في هذه المناسبة أو تلك. هذا طويل، ذاك قصير، ذلك سمج، هذاك مقرف.... ولم أجد لأحد منهم في نفسي ذرة من قبول. "أنت تحبين ابن عمك إذن!" قالت لي سلوى ذات ليلة ونحن نتهامس في السرير. "طبعاً أحبه، لكن كأخ" قلت وأنا أرتد إلى أعماقي أنبش فيها عن نوع ذلك الحب. "مرحباً أخ!! طالما هنالك حب يمكن لـه أن يلبس اللبوس الذي تشائين". "لا لا"... قلت لها بانفعال مفاجئ "حبي لهمام لا يمكن أن يكون حب الحبيب أو الزوج". "إذن، ابحثي عن ذلك الحب". - - - -لنبحث هنا، قالت حماتي وهي تتقدمني إلى محل لملبوسات الأطفال يبدو صاحبه شديد الاهتمام بالاستعراض والزينات. -لكننا لم ندخل هنا، أجبت وأنا لا أملك إلا أن أتبعها اتباع جارية لسيدتها. كفانا أماكن جديدة.. دعينا ندخل الأماكن القديمة التي رأيناها من قبل. - لا.. لا... سنرى الجديدة والقديمة، تمتمت وهي تنكب على نضد نشر عليه العديد من ملابس الأطفال. كان مشوار الذهاب قد انتهى وبدأ مشوار الإياب، وكان علينا أن نبدأ رحلة الشراء الحقيقية... -ماذا تأمرني الخانم؟ أسرع صاحب المحل يمارس براعته كتاجر دمشقي لا يشق لـه غبار... -"ديارة"، ملابس بيبي كاملة. أجابته حماتي التي نصبت نفسها ناطقة رسمية باسم العائلة المالكة. -زرقاء أم زهرية؟ جاء السؤال الذي جعل حماتي تلتفت إلي هامسة: -صحيح ما رأيك؟ ماذا تريدين لونها؟ -أنا أريد الأزرق... أجبتها مغمغمة، ملابس صبي.. لكن الأمر محيّر وما من أحد على يقين. -أنا أيضاً.. أريد صبياً. -لكن ابنك يريد بنتاً. -لا تصدقيه... الرجل الشرقي لا يحب البنات.. بل هو يدفع كل ما يملك مقابل أن يكون بكره صبياً لا بنتاً.. ألم يكن أجدادنا في الجاهلية يئدون البنات؟ -بلى، لكن الظروف تتغير.. المفاهيم تتغير . -ما عدا هذا.. ألم تسمعيه سبحانه يقول: وللذكر مثل حظ الانثيين؟ "صحيح.. في صلب ثقافتنا، ثمة تمييز بين الأنثى والذكر.. فهذا لا يستوي مع تلك... ولهذا ما ليس لتلك.. رغم أن الميزان في بيتنا كان مقلوباً، فكفتي هي الراجحة وكفة همام هي الشاقلة... لكن أتراها تصح المقارنة؟ أنا ابنة والدي أما هو فيتيم.... صحيح أنه ابن أخ وابن أخت... لكن أياً كان ليس ابن سواك كابنك.. فلذة كبدك. أبي كان يميز بيننا، فهو يضعني في حضنه، يكثر من تقبيلي، يأتي لي بالملبس والكرميلة، ولم يكن يفعل شيئاً من ذلك لهمام. أمي أقل تمييزاً، مع ذلك كان ثمة أثر لفارق.. فهي تنيمني في حضنها ولا تفعل ذلك مع همام.. "آه منك يا همام!! كم عذبتني فيما بعد!! تعلقك بي كم أقض مضجعي!! أقول لك أنت أخي فترغي وتزبد..." "أنا ابن عمك ولن أكون أخاً لك أبداً" كنت تعلم ما تريد تماماً. المنزل الذي احتوانا معاً كنت تريده أن يظل محتوياً لنا معاً.. الأب الذي رعاك، كنت تريده أن يظل أباً لنا كلينا. الأم التي ظللتك بحنانها كنت تريد أن تظللنا معاً مادمنا على قيد الحياة. كرة القدم كنت تركتها وقد علمت أنها للصبية والمراهقين، أما البالغون فعليهم أن يجدوا ويعملوا كي يكسبوا قوت يومهم، يشقوا طريقهم ويبنوا مستقبلهم. مستقبلك مبني جاهز، كنت واثقاً من ذلك، فقط عليك أن تضع يدك بيد عمك لترفع صرح ذلك المستقبل.. يدك وضعت، أوامره أطعت، بانتظار أن أنهي دراستي، أحقق ذاتي، كما كنت دائماً أحتج وأناقش. لا تريد إغضابي كي لا يغضب راعيك وصاحب الفضل عليك. كنت مستعداً لأن تصبر صبر أيوب، فالحب الذي تحمله لي كبير، أنا أعلم ذلك. مئات المرات رأيته يبرق في عينيك برق سحابة ملأى بالكهرباء. مئات المرات حاولت البوح لي، مئات المرات حاولت الانفراد بي، وكل مرة كنت أتهرب، أداور، أناور وكل همي أن يظل حبك المؤطر المحجم. كل همي أن احتفظ بك أخاً هو صنو الروح فلا أفقدك أبداً.. أن أبقيك سنداً حيث لا سند لي، ظهراً حيث لا ظهر لي.. لكن الهيولى لا تظل هيولى بل لا بدلها من أن تتشكل. المداورة المناورة لابد من أن تنتهيا ليبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويكون موقف الحسم. ساعة الحسم جاءت، وشبه الوعد الذي قطعته، بات علي أن أنفذه. كانت سنوات الدراسة قد انتهت وكنت قد تخرجت قابلة قانونية بمرتبة امتياز، بل، ودون أن تحسبوه افتخاراً بالنفس، كنت الأولى على دفعتي، فقدمت لي المدرسة هدية واحتفت بي فيما طلب إلي مديرها، إكراماً لتفوقي، أن يعينني لديه مدرسة للقابلات الجديدات مع الكثير من الامتيازات والإغراءات!! "يا إلهي!! ها هي ذي تأتي برجليها، فرصة ذهبية ليس كمثلها فرصة!!" خاطبت السماء وأنا أغادر المدرسة، دون أن أعطي مديري الجواب. هو يعلم أنني بحاجة لاستشارة أبوي.. يعلم أن لدي ظروفاً قد تسمح لي بالموافقة وقد لا تسمح، وأنا نفسي طلبت مهلة للتفكير.. الحقيقة، أنا لم أكن بحاجة للتفكير، فالأمر محسوم بالنسبة إلي... لكن، أهو محسوم بالنسبة إليك؟؟ إلى أبي؟ أمي؟ لا... لا.... كنت أعلم أن معركة شرسة ستنشب، وأن عاصفة هوجاء ستهب.. أنتم كلكم تريدونني هناك، على ضفة الفرات، فأكون لقمة سائغة تأكلونها كما تشاؤون. التأجيل، التذرع بالذرائع، المداورة، المراوغة، كلها كان عليها أن تنتهي.. حلمي تحقق وأصبحت طبيبة... أو قل نصف طبيبة، فما هي حجتك يا ديمة؟ عليك الآن أن تتزوجي.. تتعيني في بلدك وتعملي.. قابلة كما حلمت فلماذا المماطلة بعد؟ بترحاب شديد استقبلتموني.. بل وجدت ما يشبه العرس في دارنا. زينات، أقرباء، قريبات، والذبائح على قدم وساق، ألم تصبح ديمة قابلة؟ بالهناهين، بالزغاريد استقبلتني النسوة، بالهلا والتحيات استقبلني الرجال.. وأنت!! يالله!! كم كنت رقيقاً حنوناً لطيفاً وأنت تستقبلني، تشرقني عيناك، تلتهمني نظراتك، تريد احتوائي كلي، أجل... أجل... شعرت بك حينذاك تريد إدخالي بين ضلوعك فالقلب فالكبد..تودعني هناك فلا أغادره أبداً.... ولم أجد مناصاً من أن أفر بنفسي.. أجل.. كان علي أن أتهرب منك.. أنت أخي الذي أحب.. ابن عمي الذي عاش معي تحت سقف واحد وعلى أرض واحدة... لم أستطع يوماً أن أتصورك حبيباًٍ معشوقاً والمرأة تريد من تحب وتعشق.. تعريه في خيالها، تلقي بنفسها بين أحضانه، تشم رائحة جسده، تلقمه شفتيها، تذوب معه في لهيب العشق وأتون الغرام. أنت لم تكن كذلك.. اسمح لي يابن عمي وأخي..كنت شيئاً آخر تماماً فهربت منك... لا أريد أن أصدمك فأؤذيك، ولا أريد أن تتمادى فتؤذيني.... كانت ثمة صورة أخرى يابن عمي وأخي... لكنك لم تكن تعلم.. كان هناك شاب هب إلى نجدتي ذات يوم.... في باب الجابية تعرضت للنشل وكان هو من أنقذني... لم يكن قد مر على معرفتي به سوى شهر وبعض الشهر... لكنه كان قد كوَّن صورة.. رسخ قدماً.. أيقاس الحب بالزمن يا ترى؟ رجل تعرفينه مذ خلقت لكن لا يخفق قلبك له. رجل تعرفت عليه بالأمس، ترتعشين كلك تحت وقع نظراته يا ديمة فكيف هذا؟ ماذا تسمينه يا ديمة؟ بل أنت ماذا تسميه يابن عمي؟ الحب من أول نظرة؟ الحظ والنصيب؟ الجاذبية والمغناطيس؟ شيء من هذا القبيل كان قد حدث يا بن عمي، وانطلقت شرارة البرق بين غيمتين عابرتين مشحونتين بالكهرباء، إحداهما سالبة والأخرى موجبة فكيف يحدث هذا؟! تكتمل الدارة وتسري الكهرباء ويحدث برق ورعد... اسمه الحب، أرأيت؟ الحب برق ورعد يابن عمي... إن لم يحدث لم يكن ثمة حب، فهل حدث بيننا ذاك؟ نيّف وعشرون سنة مرت ونحن معاً: غيمتان متلاصقتان متلازمتان، تشرّقان معاً، تغرّبان معاً... لكن ما من يوم انطلقت بينهما شرارة.... ما من لحظة رأى أحد برقاً لهما أو سمع رعداً، فكيف يهطل مطرهما؟ وكيف يكون الحب؟ برقك ؟ " تقول برقك... ربما كان في عينيك برق.. أعترف بذلك، فكثيراً ما رأيته لكنه البرق من جانب واحد، البرق الباطن المكتوم....والبرق هو ما كان مشتركاً بين غيمتين...هو ما يظهر.... ما يلمع مضيئاً ظلمة الليل، ما يرعد مدوياً أرجاء المكان.. فهل أضاءني يوماً يابن عمي؟ هل شعرت معه برعدة أو دوي؟ لا....لا.. مازن هو صاحب البرق والرعد... مرة أو مرتين ثم كرت السبحة مهرجان برق ورعد حدث بعد ذاك... حتى إذا ما جاء يوم تخرجي، كنت على يقين أن مازناً هو فارس أحلامي الذي انتظرت.... حبيبي الذي تصورت، فكيف أتركك تشرقني بعينيك؟ تلتهمني بيديك؟ "ما رأيك ديمة؟" قالت أمي، وقد أخذتني جانباً سارة هامسة "نعمل الفرحة فرحتين وينتهي الأمر". "لنعملها ثلاث، أربع فرحات أمي.. فأنا في قمة السعادة". قلت لأمي متجاهلة مقصدها.. "يعني.. أقول لأبيك يكتب كتابك الليلة؟". أمي... هذا ما تقصدين؟ مهلاً علي إذن، أمي.. بل لم العجلة بحق الله؟" ومن جديد رحت أروغ وأزوغ، منك.. من أبي... من أمي.. لا أريد أن أعكر صفو البيت، ولا أريد أن أدخل معركة أعلم أني فيها خاسرة. لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فالمعركة التي تهرب منها قد يبذل خصمك المستحيل لفرضها عليك...إنها مسألة ظروف وشروط.. هي مواتية لك تدخل المعركة، غير مواتية تهرب منها، والشروط كلها كانت مواتية للطرف الآخر، فلماذا لا يدخلها؟ رأيت الشروط المواتية بأم عينك... وأنت في عجلة من أمرك، بل قل كان قد نفد صبرك، فقلت "اضرب الحديد وهو حام، همام"، وضربته فعلاً. عند العشاء رددت ما رددته أمي وكأنكما على اتفاق فهلل أبي وهللت أمي وكاد يسقط في يدي.. أجل يابن عمي وأخي... كدت أرى نفسي في الفخ، أرنباً أطبق عليه. تلكأت، تلعثمت، تأتأت، وعلى غير عادتي غمغمت بكلام لم تفهموه بادئ الأمر... بل إن أمي حسبته موافقة فبادرت تطلق زغرودة، لكن سرعان ما مددت يدي أطبق براحتي على فمها.. "أمي... أرجوك.. مازالت هناك مشكلة ولابد لها من حل". مشكلة؟ "رد أبي عوضاً عن أمي"، أية مشكلة وقد تخرجت؟" "التعيين"، قلت لـه بصوت بذلت جهدي كي أسكب فيه كل ما بقي لدي من هدوء وضبط أعصاب... "التعيين ليس مشكلة"، بادرت أنت هازاً رأسك ضاحكاً يابن عمي وأخي، وكلك ثقة بالنفس ويقين من الحل". كيف، ليس مشكلة وقد عينوني في دمشق؟" كذبت وأنا أعلم أن تلك هي آخر قشة يمكن للغريق أن يمسك بها: المكان. أجل يابن عمي.. إن فرقنا المكان لم يجمعنا زواج. إذن لأبق في دمشق ولتبق أنت في عروس الفرات فماذا يجمعنا ؟ وكيف نتزوج؟ "هذه حجة واهية" قال أبي "الموظفون يعينون حسب رغبتهم" "صحيح أبي.. ماعدا حالتي أنا... فقانون المدرسة يلزم المتفوقة، أولى دفعتها، بأن تدرّس سنتين على الأقل في المدرسة". "لكنه قانون ظالم". احتجت هذه المرة أمي رافعة صوتها فوق طبقته المعتادة بكثير.... "ظالم أم عادل.. القانون قانون وعلينا جميعاً أن نلتزم به". "لكن هناك قانوناً آخر.. المرأة تلحق بزوجها حيث ذهب وحيث يقيم تقيم". أكدت أنت وأنت أكثر ثقة هذه المرة بحجتك. لكمة قوية شعرت بها تلطم فكي.. مددت يدي إلى أسناني أتحسسها هل كسر منها شيء؟ هل تنزف دماً؟ ولم أجد أثراً... إذن الضربة التي لا تقتلك تقويك.. فتنحنحت وأنا أشعر بأني أزداد قوة "صحيح.. هذا لو كنت متزوجة.. لكنني تخرجت وأنا عزباء والتعيين صدر وانتهى، فماذا أفعل؟" تابعت كذبي الأبيض وأنا أعلم أن تلك هي ورقتي الرابحة الوحيدة. "لسنا بحاجة لوظيفتك هذه كلها"، قلت أنت، وفي ذهنك هدف واحد تريد تحقيقه.. "ماذا تعني؟" سألتك بخوف شديد وقد فاجأني طرحك. "أعني... اعتذري... لا تلتحقي بالوظيفة... ولا تردي عليهم وظلي هنا في بيتك". تابعت حجتك بقوة أكبر. وللتو تابعت أمي "صحيح ما الذي يجبرك أن تقبلي وظيفتهم.. تعالي هنا.. صيري قابلة في بلدتك.. تريحي وتستريحي" "والالتزام؟ أم نسيت أنني ملتزمة بخدمة الدولة ضعف سنوات دراستي؟" أجبت فرحة بوجود هذه الحجة. "وماذا إن لم تفي بالتزامك!" سألت أنت بارماً شفتك استهتاراً. "ماذا؟ يغرمون أبي" قلت وأنا أتوجه إلى أبي بنظرة فيها شرر الترهيب والوعيد فارتد أبي إلى الوراء متوجساً، هو الذي يكره الغرامات والعقوبات. "يغرمونني بماذا!؟" "بثلاثة أضعاف كل ما قبضته من رواتب وتعويضات" قلت وأنا أشدد على عبارة ثلاثة الأضعاف هذه علني أوقع في قلبه الرهبة. "ماذا في ذلك؟ ندفع لهم ثلاثة الأضعاف هذه" قلت باستهتار أكبر، فأنت تعلم أن متجر أبي يدر أرباحاً جيدة، تعرف ظاهرها وباطنها كما تعلم أن بإمكان أبي أن يدفع أية غرامة طالما يمهد ذلك الطريق لك فتبلغ هدفك. "والحبس؟"..هناك عقوبة حبس أيضاً..أم نسيتم أنه كفيلي وضامني؟" "لا... لا.... كل شيء إلا الحبس؟" رد والدي وقد عبس وجهه وقطب جبينه.." هذه وصمة.. أين أذهب منها بين الناس؟" "هذا ما أقوله يا أبي.. تعلق مع الدولة مشكلة.. ورطة من يقع فيها لا يخلص أبداً". "أعلم.. أعلم.. لهذا أنا أكره الدولة.. لا أتعامل معها ولا أعلق في شراكها". أكد أبي وفي نبرة صوته رعشة من خوف... أنت صمت، أمي صمتت، فتابعت، وكل غايتي أن تكون الضربة القاضية، "إذن.. أقبل التعيين وألتحق بالوظيفة.. وحين تحين الفرصة أنتقل إلى هنا". "ومتى تحين هذه الفرصة؟ بعد أن تهر أسناننا؟" "لا.. همام.. لا تتشاءم.." ردت أمي وقد تراجعت عن موقفها خوفاً على أبي.. "ديمة بارعة ولسوف تجد الفرصة بأسرع وقت.. أليس كذلك ديمة؟" "طبعاً أمي طبعاً.. فقط.. لابد من التحاقي إلى أن أثبت قدمي في اختصاصي.. يثبتوني في وظيفتي.. بعدئذ يهون كل صعب". "معقول هذا معقول". قال أبي وهو يهز رأسه أعلى وأسفل شارد الذهن بعيد النظرات. وكدت أقفز فرحاً" هاقد كسبت الجولة يا ديمة فارقصي واهزجي. "لكن أعين الثلاثة كلها كانت ترقبني وكان علي أن أكمم فمي فلا تخرج منه نأمة تدل على فرح، وأن أكتف يدي ورجلي فتتلبث في مكانها لا تتحرك قيد أنملة.. بل كان علي ما هو أكثر من ذلك أن أعبس كاسية سيمائي ببرقع أسود من حزن علهم يقتنعون بأن كل ما أحلم به هو أن أكون بين أحضانهم وفي جنتهم وأنني لا أريد دمشق بل أذهب إليها مكرهة لا بطلة. - - - -الله، امرأة عمي!! ما أبرعك من مساومة!! قلت لحماتي ونحن نغادر المحل الذي أمضينا فيه أكثر من نصف ساعة، نقلب ونتفرج، وحين اتفقنا على حسن النوعية بدأت هي المساومة... ليرة ليرة تساوم إلى أن نفد صبر الرجل فحسم الأمر.. ورفض البيع قاطعاً طريق المساومة. كنا قد أمضينا في السوق أكثر من ساعتين ولم نكن قد اشترينا شيئاً. مع ذلك حماتي فخورة بنفسها مسرورة. -طبعاً يابنتي!! هكذا يجب أن تكوني. تعرفين كيف تساومين وإلا أكلك هؤلاء الباعة بغير ملح. أنا أعرفهم جيداً. عمري كله قضيته في مساومتهم، فتعلمي كيف تأخذين وتعطين معهم. إن طلبوا عشرة أعطيهم ثلاثة. -ثلاثة!؟ سألتها باستغراب. ما أعرفه أن المرء يعطيهم نصف ما يطلبون لا ثلثه. -في بلدكم، نعم. في حمص، في حلب، ربما. لكن هنا في دمشق أعطيهم الثلث ولا تندمي. تعلمين؟ ذات مرة جاءني بائع جوال إلى المنزل، معه طقم شراشف طلب به ثلاثة آلاف ليرة، لكن أتدرين بكم اشتريته ؟ -بكم؟ -بستمائة ليرة. -يا إلهي!! أنت ملكة المساومة إذن!! -وهم أنجس البشر، طماعون هؤلاء التجار جشعون. أرأيت بائع العقابية على عربته؟ تكون الأوقية بخمس ليرات يبيعك إياها بخمس وعشرين. بائع الذرة يكلفه العرنوس نصف ليرة يبيعك إياه بخمس عشرة ليرة!! إنه الجشع يا بنتي.. الجشع المقيت... -صحيح.. ماما.. لكننا على هذه الحال لن نشتري شيئاً..طري يدك قليلاً ماما... أرجوك. وتبسمت غامزة إياها بطرف عيني... متعمدة أن أخاطبها بماما لا بامرأة عمي كي أغريها بالاستجابة لطلبي.. إنه تكتيك ألجأ إليه أكثر الأحيان فهي امرأة عمي حين تكون العلاقة بيننا عادية محايدة لا سالبة ولا موجبة، وهي ماما حين أريد أن أشعرها بأنها قريبة مني حبيبة إلى قلبي، قرب الأم من ابنتها. مازن معجب بتكتيكي هذا، وإن كان يؤثر أن أخاطبها بكلمة ماما دائماً. " هذا سيلغي حالة العداء المستحكمة بين الكنة والحماة." قال لي أول مرة زرت بيتهم فيها ولم أشعر إلا وأنا أقول لها "ماما".كان ذلك بعد شهرين من تعييني في مدرسة القبالة.. إذما إن عدت من بلدتي حتى ذهبت إلى المدير أعلمه بموافقتي على العمل في المدرسة.. ولكم سره ذلك.. عكس همام وأبي وأمي.. فقد تركتهم يا كبداه، يا تعساه! العرس الذي كانوا يحلمون بإقامته أرجئ إلى إشعار آخر، أرادوا أن يأخذوا وعداً مني بتحديد ذلك الإشعار، فأبيت إذ لم أعد راغبة في أن أعدهم بشيء.... كنت أعلم أن الانحراف الذي يبدأ بزاوية حادة صغيرة لا يلبث أن يصبح زاوية منفرجة كبيرة.. وكنت على يقين أن شعوري بهمام أخاً يترسخ يوماً بعد يوم والحواجز التي تحول بيني وبين الزواج منه ترتفع أكثر فأكثر.. لكنني كنت بحاجة إلى الزمن.. الزمن ذلك الساحر العجيب الذي يقلب الدنيا رأساً على عقب، جاعلاً المستحيل ممكنا، والممكن مستحيلاً، الليل نهاراً والنهار ليلاً،فكيف لا يجعل أهلي يقتنعون بما أريد، ويفعلون ما أريد؟ كنت قد أصبحت قابلة قانونية، كل شيء بات جديداً في حياتي إذ لم أعد أنام في مهجع جماعي، أو آكل في مطعم جماعي، ولم تعد الزميلات من حولي يحطنني في كل حركة وسكنة بفضولهن وتطفلهن.. كنت الآن قد صرت مدرّسة ذات كيان مستقل، شخصية معتبرة تحترمها الطالبات، يعاملها الأطباء والطبيبات معاملة الند للند وتأخذ راتباً محترماً أول كل شهر... أجل،لم أعد أمد يدي لأبي من حين إلى حين فيسد ثغرة نفقاتي، ولم أعد بحاجة للتقتير والاقتصاد قرشاً من هنا وقرشاً من هناك كي أحفظ ماء وجهي أمام زميلاتي.. صارت الحياة أرحب وأجمل..نظام المدرسة يطبق على الطالبات وليس على المدرسات، فأنا حرة.. وقتي كله ملكي ما إن أؤدي واجبي التعليمي حتى أستطيع الذهاب أنى شئت. المدير عرض علي أن يعطيني غرفة أنام فيها لكنني اعتذرت. "سأستأجر غرفة أمارس فيها مهنتي" قلت لـه فلم يعد الكرة.هو يعلم أن مهنتي رابحة وأن فرصة العمل متاحة وإن أثبت جدارتي ربما صرت أنافس أطباء النساء، فلماذا يقف حجر عثرة؟ ذهبت أبحث عن مسكن، فلم أجد خيراً من مسكن قريبتي.. كان لديها غرفة شبه مستقلة، مدخل خاص ومنافع خاصة وفي الوقت ذاته هي في حي شعبي، نساؤه يفضلن القابلات على الأطباء، فلماذا أبحث عن مكان آخر؟ ثم هي قريبتي حقاً، يمكنها أن توفر لي شيئاً من الرعاية والأمان، ابنة عم أمي، وهي غريبة مثلي.. أكثر من وشيجة تربط بيننا، فلماذا لا استأجر غرفتها والأقربون أولى بالمعروف؟ مازن اقترح علي أن أسكن في منزلهم ذاته، وكان اقتراحاً مغرياً بالحقيقة، لكنني رفضته آخر لحظة: كبريائي منعني من أن أوافق، إذ سأبدو وكأنني أرمي نفسي عليه رمياً. على باب المسكن الجديد وضعت لوحة، واسمي بالخط العريض يوامق كل ذي عين. "كم هي رائعة اللحظة التي تتحقق فيها الأحلام"!! لقد كنت طوال حياتي أحلم بأن أرى اسمي على لوحة كبيرة تضيء أضواؤها وتنطفئ، فتجذب أنظار المارة وتدعوهم لقراءتها وتبصر ما وراءها. إنك بذلك تلفت النظر ولا تكون سقط متاع.. تغدو كائناً ذا شأن وليس نقطة ماء في بحر لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، وجوداً قائماً بذاته وليس فرداً من قطيع أو مجرد رقم بين أرقام. أمي سرت كل السرور حين علمت بمسكني الجديد. "ابنة عمي" كتبت لي رداً على رسالتي "كأنها أنا.. الحمد الله والشكر له؟! الآن أطمئن عليك". أنا نفسي شعرت بالأمان والاطمئنان، فالخالة، كما كنت أدعوها، راحت تحيطني بكل رعاية وعناية بل غدت تتقمص شخصية أمي ذاتها، تريدني على الفطور، الغداء، العشاء، تغسل ملابسي، تنظف غرفتي، تتفقدني في سريري، حتى بت أشعر بالضيق، أنا التي كانت تحلم بالحرية والاستقلال، بالتفرد والكينونة الخاصة. "خالتي!!" قلت لها ذات يوم وقد حزمت أمري على الدفاع عن حريتي واستقلالي". أنت تتعبين نفسك معي وأنا لا أريد أن أتعبك... ارتاحي... أرجوك دعيني أرتب شؤوني بنفسي.. دعي لي غرفتي، طعامي، شرابي، فأروع أحلامي أن أخدم نفسي بنفسي." لكن الخالة لا تلقي السلاح بسهولة. هي تشعر أنها بمثابة أمي، تحل محلها، بل تشعر أن عليها واجباً مقدساً : أن ترعاني وتحنو علي، هي التي عاشت طوال حياتها غريبة بعيدة لا يرعاها أحد ولا يحنو عليها أحد. لكنني كنت عازمة وكان علي أن أتابع ما عزمت عليه حتى النهاية. لم تجد الخالة بداً من الرضوخ لرغبتي، فقبل أن أذهب إلى المدرسة أنظف غرفتي، أرتب أشيائي، وإذا دعتني إلى الإفطار اعتذرت. "الإفطار يسمن وأنا أتبع ريجيماً أحافظ به على رشاقتي". عند الغداء أتأخر، آكل في الخارج، أذهب مع مازن، لكن لا أتغدى معها في أي حال، وهكذا بدأت أضع حداً لتدخلها شيئاً فشيئاً إلى أن صارت علاقتنا في حدودها الدنيا. قريبتي صحيح.. لكن الصحيح أنني لا أتنازل عن حريتي واستقلالي لقاء ذهب العالم كله، لا أتخلى عن تفردي وكينونتي الخاصة مقابل أموال الدنيا كلها. مهنتي ساعدتني، إذ لم يكن من السهل على الخالة أن تتخلى عن دورها كأم حنون راعية لو لم تر النساء كيف يأتين إلي مستغيثات. لو لم ترهن كم يعاملنني باحترام، كم هن بحاجة إلي!! إذن أنا كائن كبير، كينونة مستقلة، وعليها أن تحترمها وتحسب حسابها. يوم رفعت اللوحة على الباب، لم يأت أحد.. في اليوم الثاني لم يأت أحد أيضاً ولم أشعر بأذى.. لكن في اليوم الثالث شعرت بامتعاض إذ لم يأت أحد.... بعد أسبوع تماماً بدأت النسوة يتوافدن.. وبدأت عملي قابلة قانونية تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وللتو بدأت الخالة تنظر إلي باحترام، وتعاملني باحترام. شيء آخر ساعدني أيضاً: المال، فالمرأة الأولى التي ولدتها جاءت بصبي ولشدة فرحتها سألتني "كم تريدين؟" لكنني لم أكن أعلم كم أريد فأطرقت استحياء وغمغمت "ما يطلع من خاطرك" وطلع من خاطرها ألفا ليرة "يا إلهي!! نصف راتبي!!" لكن ما إن رويت القصة لصديقتي لينا حتى سخرت مني "اطلبي ثلاثة آلاف، وأربعة آلاف. أتعلمين كم يأخذ الطبيب النسائي لقاء عملية الولادة؟" "لا" "خمسة عشر ألفاً، العملية العادية، وخمسة وعشرون العملية القيصرية". لم أناقش لينا، فأنا امرأة تعرف حدودها وتقف عندها... أولئك أطباء ليأخذوا ما يشاؤون أما أنا فمجرد قابلة مبتدئة. ما أعلمه أن مهنتنا ذهب حقاً وأن اختياري كان صحيحاً، إنها المهنة الوحيدة التي لا تعرف الكساد... فالنساء لابد من أن يحبلن.. ومن تحبل لابد من أن تلد.. وبالتالي لابد من القابلة.. لو كنت في أوربا أو أمريكا لاختلف الأمر.. هناك تحديد نسل وضبط حمل، والشعوب تتناقص بدلاً من أن تتزايد... أما لدينا فالتناسل في أعلى نسبه في العالم: 4% إذن لم لا تسرحين وتمرحين يا ديمة؟ اخترت المهنة الصحيحة في المكان الصحيح، وها هو عملك يزدهر يوماً بعد يوم..إذ لم يمض شهر على إقامتي في ذلك المسكن حتى بات لدي زائرة أو اثنتان كل يوم وولادة أو اثنتان كل أسبوع.. وهات يا صنبوراً من ذهب وقد انفتح على امتلائه!! الخالة ترى المال الذي ينصب علي فتزداد احتراماً لي وإكباراً. "فتاة فالحة !! يدها من ذهب !! عقلها من ذهب؟!" كانت تقول لنساء الحي وقد وجدت أن من واجبها أن تقوم بالدعاية لي، والدعاية أحسن أسلحة النجاح. مع أجرة غرفتها الشهرية دفعت لها بمبلغ من المال فتحت لـه عينيها، وفي كل مناسبة كنت أتقدم لها بهدية، بمائة ليرة، بمائتين أحشرها في جيبها فتفرح وتبتهج. "يا للمال!! كم يحمل من فرح وغبطة للناس!!" وكان ذلك كله يرفع من مكانتي لديها، يعزز من حريتي واستقلالي، إذ لم تعد تسألني لم تأخرت، أين كنت، ولم تعد تتدخل في كل شاردة وواردة من حياتي... باتت أكثر حذراً في معاملتي وأقل تطفلاً.. ألست القابلة التي تكسب المال؟ إذن أنا الجديرة بالحرية والاستقلال. مع رسوخ حريتي واستقلالي كان يرسخ شيء آخر بدا يضرب جذوره عميقاً في الأرض كسنديانة عمرها الزمان. إنه حبي لمازن ذاك الذي أنتش وبدأ النمو من أول لحظة. كيف ؟ لماذا؟ لا أدري... ما أدريه أنني بت أشعر بحاجتي لمازن حاجتي للماء والهواء، بت أتشوق لرؤيته فلا أكاد أرتاح حتى أكحل عيني بمرآه، يدغدغ أذني صوته، أتلمس راحة كفه. آه يا لراحة كفه!!كم كانت تبعث فيّ من رعشة ونشوة!! يا لرائحة بشرته !!كم كانت تنفحني لذة ومتعة !! " فلا يكاد يمر يوم حتى أراه. في الصباح وأنا أغادر إلى مستشفاي، عند الظهر، وأنا عائدة، عصراً، مساء.... كنا دائماً، أنا وهو، نجد ذريعة ما لكي نلتقي، نخلق حجة كي نجتمع، وكانت الدنيا ملأى بالذرائع والحجج امتلاءها بالرمل والتراب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |