|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:13 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
على أن الأماسي وحدها كانت أجمل ساعات لقائنا، ففي أماسي دمشق يفوح عبق الياسمين، وإذا ما اختلط بعبق الحب فاضت الدنيا عسلاً ولبناً كجنة الخلد.. كان واحدنا يتأبط ذراع الآخر وكنا نذرع أرصفة دمشق كلاماً وأنغاماً.. لا.. لا.. لم نكن نعزف على عود أو ندق ربابة، بل هي همسات الحب تخرج أحلى من أنغام الموسيقى، غمغمات الحب تفوق أجمل الألحان الإلهية. وكان مازن بارعاً في سكب تلك الهمسات في أذني، ملء الدنيا غمغمات من حولي. كان يحفظ أشعار جميل في بثينة , وقيس في ليلى وقيس الآخر في لبنى وكان لا يفتأ يفاجئني بما يحفظه وكيف يلقيه...هو مساعد المهندس الذي يعمل في البلديات والشؤون التحتية من الحياة الدنيا، يستطيع أن يحلق، يرتفع بأجنحة الحب والشعر طائراً إلى علياء السماء. كنا كلانا قد اعترفنا بحب واحدنا للآخر، وبدا وكأنه لم يعد من خط رجعة.. ففي مازن وجدت ذاتي.. أجل.. صدقوني.... وجدت ذاتي، كأن نصفي الآخر كان ضائعاً فوجدته. في البدء لم أجد تفسيراً لذلك، كيف تجد الأنثى نفسها في الذكر، لكن ذات مساء وكنا نجوب حديقة الجاحظ في أجمل أحياء دمشق، حدثته بالأمر فلم يعجب، بل أكد لي أنه هو الآخر وجد نفسه بي.. لكأن نصفه كان ضائعاً ولقيه. سألته "كيف تفسر ذلك؟" فأجاب "بسيطة.. يونغ يقول إن الإنسان، كل إنسان يتكون من أنيموس وأنيما... "من يونغ؟ وما الأنيموس والأنيما؟" قاطعته وكلي استغراب بما يعرف وما أجهل. "يونغ هو عالم نفس مشهور، كان تلميذ فرويد وصديقه، ثم انفصل عنه وأسس لنفسه مدرسة خاصة به، أما الأنيموس فهو الشطر الذكري من أنا الإنسان فيما الأنيما هي الشطر الأنثوي من تلك الأنا". تعني أن الإنسان نفسه ذكر وأنثى معاً؟" "هكذا يقول يونغ" أجابني. "وقد أثبتت الدراسات اللاحقة أن ذلك صحيح وهو ما يفسر أشياء كثيرة في سلوك الانسان في رأسها وجود الخنثى الذي لا هو ذكر ولاأنثى". "حسن... هذا فهمناه... لكن كيف يجد واحدنا نفسه في الآخر؟" "هي... هي... رد شبه ضاحك " في الأنثى تكون الأنيما هي" الأقوى والأبرز، تطغى على الأنيموس داخلها حتى تلغيها، لكنها تظل بحاجة لأنيموس فتبحث عنها في الخارج، وفي الذكر تكون الأنيموس هي الأقوى والأبرز بحيث تطغى على الأنيما وتلغيها داخل الذات، فتبحث عنها في الخارج، وهكذا كان: أنيماك وجدت أنيموسها لدي، وأنيموسي وجدت أنيماها لديك.. "هكذا، إذن يجد الإنسان نصفه الضائع؟ " قلت شاردة وقد أعجبني تفسيره.. "وهكذا أيضاً يحدث الحب: اتحاد شطرين، أو تماهي كائنين". "رائع!! رائع!!" قلت شبه هاتفة "لكن من أين لك هذا؟" "أي هذا؟" صاح متصنعاً الخوف "الله وكيلك لا أملك سوى راتبي." "أعلم.. أعلم" تابعت ضاحكة "لم أقصد محاسبتك على أموال طائلة أو عقارات فائضة، فليس لديك منها شيء... أقصد من أين لك هذه المعرفة؟" "المعرفة اكتساب. يخلق الإنسان صفحة بيضاء، وبقدر ما يخط عليها من معلومات ومعارف، تمتلئ تلك الصفحة.. ولقد خططت كثيراً، كسبت في حياتي كثيراً ديمة!!" ولم يفاجئني ذلك، إذ كان مازن قد حدثني من قبل عن حبه الشديد للقراءة وولعه بالمطالعة.. مذ كان صغيراً كان يقرأ وكان حلمه أن يصبح كاتباً أو شاعراً، بل هو في يوم من الأيام كتب الشعر، لكن ما إن توفي أبوه وهو يافع فقط، حتى علم أن مسؤوليات كبيرة ألقيت على عاتقه. فهو الموظف في "الطابو" لم يترك من "طابو" لـه سوى راتب تقاعدي لا يكفي أمه إلا بالكاد. أراد أن يدرس الفلسفة فقالوا لـه الفلسفة لا تطعم خبزاً، الشعر، فقالوا لـه، الشعراء يموتون جوعاً. ولم يكن أمامه من خيار سوى معهد متوسط هندسي قذف به لاحقاً إلى أحضان بلدية شاسعة واسعة تدعى أمانة العاصمة، لكن دون أن يثبط ذلك من عزيمته على المطالعة أو اكتسابه المعرفة. كان ذلك يعجبني في مازن، فقد كنت أنا نفسي من عشاق العلم والمعرفة. أنا نفسي كنت أهوى الكتاب والمطالعة، فأستعير هذا الكتاب، أجيء بتلك المجلة وأقرأ، رغم أنه لم يكن لبنت مثلي هناك، في عروس الفرات، أن تبدي مثل ذلك الاهتمام أو تروي مثل ذلك العطش.. كان شغل البيت، الدراسة، أوامر الأم، أوامر الأب، كلها تحول بينك وبين الانفراد بنفسك فكيف بالانفراد بكتاب؟ وإلى متى؟ ساعات. "تصور. في بيتنا، ليس ثمة مكتبة، بل ليس من كتاب سوى القرآن. بيوت أقربائنا كلها لا تحوي مكتبات.. لكأن الجاهلية ما تزال تضرب أطنابها فوق ترابنا وداخل رؤوسنا..."قلت ذلك لمازن ذات يوم فضحك"... بالطبع... ما تزال ونصف.. فنحن مجرد عالم ثالث وهل تدرين ما العالم الثالث؟ أمية وجهل، ضلالة وتخلف. "هذا يثيرني في مازن.. أو الأصح يثير دهشتي.. فكل يوم أكتشف فيه شيئاً جديداً، أغوص إلى عمق جديد فأدهش.. وما الحب؟ القدرة على الإدهاش. هذا يعجبك، إذن يمكنك أن تحبه، فكيف إن أدهشك؟ ولكي يكمل إدهاشي، دعاني مازن إلى منزله. "تتعرفين إلى أمي وترين مكتبتي". دعوة رصينة متوازنة لم أملك معها إلا أن أوافق. في تلك الزيارة دعوت أمه "ماما"، وفي تلك الزيارة استللت إعجابه بي واحترامه لي وهما الركنان الأساسيان للحب، كما استل إعجابي به واحترامي له، حتى بت على يقين أن لقائي بهمام بات من المستحيل، مثلما كان لقاء الشاعر المصري الإمام العبد بالحسناوات من المستحيل. يا خليلي وأنـت خير خليل * * * * * لا تلم زاهداً بغير دليل أنا ليل و كل حسناء شمس * * * * * ولقائي بها من المستحيل - - - لقائي "بالديارة" بات من المستحيل أيضاً، فحماتي المتشددة جعلت أمر الشراء عسيراً كل العسر لكأنها قرأت كتاب البخلاء للجاحظ وحفظته عن ظهر قلب، فهي تطبقه حرفياً بكل ما فيه من فنون اقتصاد وتوفير، ادخار وتقتير.. -حماتي!! ناديتها وقد سبقتني إلى أحد المحلات، وهو النداء الذي يعني أنني منزعجة منها ومغتاظة. -نعم يا بنتي!! ردت وفي نبرة صوتها أثر من احتجاج ثم توقفت قبل أن تدخل المحل الذي بدا شديد الزحام. -أما آن لنا أن نشتري!؟ ألم نشبع "دوارة"؟ -نشبع ؟ لا.... لا.... ما يزال باكراً.. صدقيني.. أنا وحدي كنت أنزل إلى السوق فأظل ست ساعات وسبعاً أيضاً..إنه السوق يابنتي... المحلات.... الأضواء.. الناس.. ألا يغريك هذا كله في أن تغرقي في الزحام أم تراك اشتقت لمازن؟ -أنا أشتاق إليه دائماً... لكن الحقيقة أنني تعبت. - لا... لا يجوز أن تتعبي... أنت في شهرك الأخير والحامل في مثل هذا الشهر تمشي.. الجنين بحاجة لأن تمخضيه، يمين، شمال... فوق... تحت إلى أن تنفصل الزبدة عن المصل.. ألم تريهم في بلدتك يمخضون اللبن؟ -بلى.. رأيتهم. -حسن... الآن أنت تمخضين ما في بطنك.. وبأية وسيلة ؟ بالمشي. إذن تعودي على المشي... لكي تخرجي لنا الزبدة.. أجل..نريد أن تخرج لنا الزبدة صبياً جميلاً كنقطة في المصحف... هذه المرأة أحبها. كما سبق وذكرت، فهي رغم كل ما فيها من صفات، تظل دمثة لطيفة الجانب قريبة إلى القلب.. ستسألني ما هي تلك الصفات؟ أقول لك البخل، والبخل بغيض على قلبي. منذ زيارتي الأولى اكتشفت فيها تلك الصفة، لمحت لمازن عنها في أحد مشاويرنا فأجاب "لا... ليس ذاك بخلاً..هو اقتصاد" وكانت في ذلك وجهة نظر يمكنك قبولها ويمكنك رفضها... تلك المرأة في "بخلاء" الجاحظ كانت تنفي عنها صفة البخل أيضاً. "إنها مقتصدة وحسب." فالذبيحة التي تذبحها ذاهبة إن استفادت منها تلك المرأة أم لم تستفد، إذن لم لا تستفيد من لحمها وشحمها، جلدها وعظمها، بل حتى من قرنها ودمها؟ في زيارتي الثانية لم ألحظ شيئاً من اقتصاد، لكأن مازن نبهها، فبدت أكثر أريحية وكرماً. "وما يعنيني؟" فكرت لنفسي إذ ذاك "بخيلة.. كريمة.. هذا شأنها.. المهم أنها دمثة لطيفة حسنة المعشر، بل إن لحديثها مذاق العسل، فلسانها طلق، وذاكرتها ملأى بقصص وحكايات، على أن الأهم من كل شيء أنها أحبتني، بل وأبدت كل التعلق بي، عارضة علي للتو أن تكون أماً لي، خاصة وأن أمي بعيدة.. صحيح، أمي كانت بعيدة، برارٍ وقفار تفصل بيننا، وحدها الرسائل كانت تقطع تلك البراري والقفار، فقد كنت حريصة أن أظل على تواصل مع أهلي.. أبث لهم مشاعري، أبوح بأفكاري، ففي النهاية لا أهل كالأهل ولا وطن كالوطن. كنت أكتب لأبي كما أكتب لأمي، لكن وحدك همام لم أكتب لك.. لماذا؟ سأقول لك. إذ رغم الدوافع الكثيرة التي كانت تدفعني للكتابة إليك لم أكتب. فالكتابة جسر يربط بين اثنين وأنا أريد أن أقطع ما بيني وبينك من جسور.. الكتابة قرب وتلاق وأنا أريد ك أن تبعد حتى لا نلتقي، صحيح أنني كنت بحاجة لأخ أكتب لـه حاجتي لأمي وأبي، لكن الصحيح أيضاً أنك لم ترد أن تكون ذلك الأخ... لقد رفضتني أختاً يا همام، أنا التي كنت بأمس الحاجة لأخوتك.. لك الله!! لماذا حسبت أنك، زوجاً، أهم عندي من الأخ؟ كم أخطأت يا همام!! أنت الذي رافقتني عمري، حتى شكلت جزءاً لا يتجزأ مني وضعتني بين المطرقة والسندان: إما زوجة أولا شيء!؟ لم فعلت هذا ونسيت أن في صدر الأخت حباً وحناناً قد يفوقان ما في صدر الزوجة من الحب والحنان؟ كنت في رسائلي، أسأل عنك بلغة أقرب للحياد، و كان أبي يجيب بمثل تلك اللغة، لكن أمي كانت أكثر عناداً وإصراراً.. رفضت حياديتي واستنكرت لا مبالاتي بل صارت توبخني أنا عديمة القلب، عديمة الإحساس والمشاعر. "ابن عمك يحبك حب الهيام" كتبت لي ذات يوم.. هي تكتب وتقرأ، إن نسيت أن أخبركم.. تعلمت في المدرسة، لكن كعادة أهل الفرات حتى الصف السادس، ثم كفى الله المؤمنين شر القتال" أليس هو خطيبك؟ ألستما على وشك الزواج؟" سألتني في رسالة ثانية حاثة إياي أن أكتب له. استنكرت في ردي أن تخاطبني بهذه الطريقة أو تسألني تلك الأسئلة "أمي.. نحن ما خطبنا بعد، ولسنا على وشك الزواج، فلماذا تريدين أن أكتب لـه؟" "أنا أعلم. لفك ودورانك هذا كله لكي لا تتزوجيه... لكن اعلمي. لا الأرض تبلعك ولا السماء ترفعك..أنت لـه وهو لك." وبدت الأمور تزداد ضغثاً على أبالة... "أأخبرها بقصة حبي لمازن؟" تساءلت وأنا ألقي برسالتها جانباً. أأقول لها لم يعد هناك تلك الحواجز التي ذكرتها لكم بيني وبين همام وحسب... بل بات الآن ما هو أخطر يا أماه؟!" وانتفضت مجفلة. "إذن، ستكون الكارثة." تحبين وتعشقين؟" ستقول لي صارخة غاضبة .. "لا...لا... المرأة عندنا للزواج والأطفال، لا للحب والعشق. "غير أن الكارثة الأدهى إن سمع بالخبر أبي... إذن، ربما حرمني الوظيفة ودمشق، بل ربما حرمني الحياة ذاتها". وطمرت الفكرة، عميقاً طمرتها تحت التراب "يجب أن تكتمي الأمر أيتها البنت!! ألا يقولون استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؟" وهكذا كتمت. لم أستطع أن أسر لأمي، وقد كنت أسر لها كل شيء، بل آثرت أن أسلك الطريق الآخر: الإنقاص من شأن همام إلى أن أتخلص منه كلياً. ثمة ورقة رابحة بت أشعر أني أمتلكها: فارق التعليم. فهمام الذي لم يستطع إكمال تعليمه ليغرق في لعب الكرة وتجارة القماش لم يكن قد كسب شيئاً من ثقافة، فيما كان يتمه قد جعله يؤثر الانطواء والانزواء، وعقده تجعله أقرب إلى الفجاجة والفظاظة...ولعل جسده الرياضي وبنيته القوية كانا قد جعلاه يؤثر استخدام القبضة على العقل، يفضل الضرب على الحوار.. وبدأت أضرب على ذلك الوتر. في كل رسالة أمرر عبارة أو جملة أعمد فيها إلى الحط من قدر همام، تبيان الفارق الذي كنت أراه يكبر يوماً بعد يوم بيني وبينه. "تريدونني أن أتزوج جاهلاً أمياً؟" "أم تريدون لي حياة بائسة تاعسة مع رجل لم يستطع نيل الكفاءة؟" أنا طبيبة وهو لا يحسن القراءة والكتابة فكيف نتفاهم؟" إلى آخر ما هنالك من حجج كنت أبثها في رسائلي إلى أمي علها تفت في عضدها. رسائلي إلى أبي كانت شيئاً آخر.. حرصت معه على ألا آتي على ذكر همام. اللامبالاة، الإهمال كانا الأسلوب الذي اتبعته مع أبي كأن ليس هناك همام، فأبي لم يكن هو المتحمس لزواجي كما كانت أمي، ولي على أبي دالة ليست على أمي.. فإذا ما هدمت ركن الحماسة ذاك بات يسيراً علي هدم هذا الركن. أسلوبي مع أبي أجدى نفعاً، فهو لم يعد يذكر لي شيئاً عن الزواج وهمام، وكأنما استجاب لرغبتي الخفية في عدم ذكرهما.. لكن أسلوبي مع أمي أدى إلى رد فعل معاكس تماماً، إذ سرعان ما أخذت تثور ثائرتها كلما هاجمت ابن أختها "تهاجمينه!؟ تحطين من قدره؟ لا.. لا.. لا أسمح لك أبداً." كتبت لي أول مرة لكنها في المرة الثانية شددت اللهجة" ديمة، كفي عن إهانة همام والإنقاص من قدره، فهو رجلك ولسوف يكون زوجك.. واعلمي أن الرجل كيفما كان وأياً كان أحسن من المرأة بألف مرة." جوابها ذاك زادني عناداً وإصراراً فازداد هجومي ضراوة على همام. لا لا تؤاخذني يابن عمي وأخي.. كنت مضطرة أن أشدد الهجوم عليك فأفتري وألبسك ما ليس فيك بل في إحدى رسائلي اختلقت قصة لم يكن لها وجود وهي أنك دنيء خسيس منحط الأخلاق، حاولت مرة اغتصابي ونحن يافعان في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، لكن لحسن الحظ أم لسوئه لم تصدقني أمي فنعتتني بالكاذبة المفترية.. كانت غايتي هي أن أؤلبها عليك، أن أزعزع حبها لك، أهدم ثقتها بك فلا تؤاخذني يابن عمي وأخي، أنت الذي لم تكن يوماً معي إلا شهماً شريفاً، ذا نخوة ومروءة. كم مرة حميتني من أذى الأبالسة الأولاد وهم يحاولون الكيد لي والنيل مني !؟ كم مرة استغثت بك فأغثتني، أنت يا عوذ الجاني وغوث الطريد... أخاف فتوفر لي الأمان، أحتاج فتسرع لتلبية حاجتي، أتعرض للعدوان فتهب تدفع عني العدوان، بأسنانك وأظفارك كنت تدفع عني العدوان. ذات مرة، أتذكر؟ تعرضت لي عصابة من ثلاثة صبية يريدون تمريغ أنفي بالوحل، فقط لأنني كنت قد رفضت التكلم مع أحدهم. أحاطوا بي إحاطة السوار بالمعصم وراحوا يشدونني من شعري حيناً ومن ثيابي حيناً آخر، دافعين بي إلى هذا الجانب، لاطمين إياي إلى ذاك الجانب وأنا أصيح. صوتي ملء الزقاق لكن لا أحد في الزقاق. فجأة ظهرت أنت !! لكأنك عفريت خرج من تحت الأرض... وصرخت بك "همام.. أنجدني!!" لكنك لم تكن بحاجة لصراخي فالعفريت فيك كان قد جن جنونه وكان قد انطلق إعصاراً اكتسح أمامه كل شيء.... لأنظر حولي فلا أجد أحداً وأتنفس الصعداء وأنا أراك تحيط كتفي بذراعك ثم تقودني إلى المنزل وأنا أرتعش ارتعاش طائر مقرور.. في مرة ثانية كدت أغرق في الفرات.. أتذكر أيضاً؟ كناقد ذهبنا -أقصد أسرتنا الصغيرة- إلى "الحويجة". طعامنا وشرابنا معنا. التنزه وقضاء ذلك النهار هدفنا. كان الربيع في ريعانه وكان الجسر المعلق على مقربة، نزلنا منه إلى الضفة ثم عبرنا النهر إلى الحويجة..جزيرة صغيرة منعزلة كأنها جنة خضراء. هناك بدأنا نلعب.. في هذا الجانب مرة وفي ذاك الجانب أخرى، أبي كان يشرب النارجيلة فيما أمي تعد طعام الغداء.. في لحظة من اللحظات، وكنت قد ابتعدت عنك شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي، وقد انزلقت عن الحافة الموحلة. حاولت أن أتمالك نفسي لكنني لم أستطع. كان الوحل شديد الانزلاق وقدمي التي تزحلقت جرت القدم الأخرى لأجد نفسي فجأة في قلب الماء وهو يدور ويدور... صرخت: "النجدة!! النجدة!!" لكني لم أصرخ الثالثة، إذ كنت أسرع مني إلي... ألقيت بنفسك في الماء، أتذكر؟ أمسكت بي، علقت بك، بل قل التصقت بك أنت يابن عمي وأخي، وبدأت تجرني إلى الضفة.. لكن التيار القوي المدوم كان لك بالمرصاد.. لم يدعك تنجز مهمتك.. فأنا بثيابي المبللة وهلعي الشديد، صرت أثقل من صخرة بازلت، وأنت صغير.. لم تكن تزيدني سوى سنة... سنة واحدة لم تجعل منك رجلاً.. فبدأت تصرخ.. ثبت قدميك ممسكاً بي إمساكي بك، وبدأت تصرخ إلى أن أسرع أبي فأنقذنا كلينا.. قصص كثيرة حدثت معنا نحن الاثنين، ونحن نعيش معاً حياة كل ما فيها مشترك، فهل علمت الآن لماذا أشعر أنك أخي ؟ لماذا أحبك كأخي والأخ لا يكون يوماً زوجاً ولا معشوقاً ؟ اعذرني همام.. اعذرني يا من وجدت نفسي مرغمة أن أفر منك زوجاً لأحتفظ بك أخاً، أنا التي شعرت دائماً أنها بأمس الحاجة لأخ. ثلاثة، أربعة أشهر ونحن على هذا المنوال، في رسائلنا محور واحد هو أنت، وكانت خالتك تزداد ضراوة في الدفاع عنك، رد فعلها يزداد حدة حتى بدا وكأنني أخطأت السبيل وأخفق مخططي، لكن ما كان باستطاعتي أن أتراجع. فأنت تنتظر، ومازن بجواري يزداد حباً لي يوماً بعد يوم وعلي أن أحسم الأمر، هربت من المشكلة من قبل، أجلت وأرجأت، لكن المشكلة كانت ما تزال قائمة، والهروب من المشكلة لا يزيدها إلا تعقيداً. سئمت أمي ذلك الأخذ والرد، فأرادت أن تفرض علي المعركة بشروطها ومعطياتها هي، لا بشروطي ومعطياتي أنا. وفجأة جاءتني رسالة من أبي "نحن بغاية الشوق إليك، فهل تأتين أم نأتي؟" وأسقط في يدي إذ أدركت أنها ساعة الحسم، وأن علي أن أدخل معركة لم أوفر لها شروط الفوز. هل أذهب إليهم أم أدعهم يأتون؟ رحت أتساءل وأنا أعلم أن لأرض المعركة أهمية بالغة، فالمكان كالزمان، لـه أثره وتأثيره. كان علي أن أختار فقد تركوا لي حرية الاختيار... بحجة الشوق يريدون أن يضعوا حداًَ لمماطلتي وتهربي. تعييني في دمشق كانوا قد قبلوا به على مضض، لكن على أمل أن أنتقل بعد حين... وهاهي ذي الأشهر تمر والانتقال لا يأتي، وأنت تضغط..أمي تضغط.. وأبي بشكل غير مباشر يضغط.."ليأتوا هم إذن" قلت لنفسي، وأنا أقلب الأمر بطناً لظهر وظهراً لبطن... فقد أيقنت أنني إن ذهبت إلى البلد، خسرت الكثير من أسلحتي، بل قل جردت من أسلحتي كلها، فأنا في أرض الخصم. هناك سأكون في حالة حصار كامل وسيسهم الكل: أهلي، بيت عمتي، بيت خالتي، قريباتي، صديقاتي، في قصفي بمختلف صنوف الأسلحة... فكيف أقاوم؟ زد على ذلك أنه سيكون بوسع الخصم قطع الإمدادات عني، فلا طعام ولا شراب ويحل بي ما حل بالحسين في كر بلاء، علاوة على أنه قد يقطع علي طريق العودة فلا أستطيع الرجوع إلى دمشق وأصبح أمام الأمر الواقع: خيار لا ثاني له: الزواج من همام أو الزواج من همام. وكأنهم لم يصدقوا أنني أدعوهم إلى دمشق أسرع أهلي بالمجيء. لم يأت أبي وأمي كما كنت أتوقع فحسب، بل جئت أنت نفسك. جئت ربما لترمي بثقلك كله إلى جانب ثقلهم، طيرانك ودباباتك إلى جانب طيرانهم ودباباتهم فتربح المعركة وأخسر، أنا التي كنت قد غلبت على أمري. إذ ملك علي حب مازن عقلي كله، قلبي كله، كما ملك حبه لي عقله وقلبه وصار من المحال علينا أن ننفصل إلا بانفصال توءمين سياميين. رحبت بكم أجمل ترحيب، وهل كان بوسعي أن أفعل غير ذلك؟ شوقي إلى أمي، أبي، إليك، كان يدفعني دفعاً لأن أهش وأبش، أبتهج وأفرح. لهفي لمعرفة أخبار البلد، أخبارك، تطلعي لجس النبض، لاستقراء إرهاصات المعركة،كله جعلني أنسى حبي وحبيبي وأفرغ لكم...أفرغ بكليتي وكأنني بنت عروس الفرات فقط، تلك التي لا تعرف غير بلدتها وأهلها، لا يشغلها غير بلدتها وأهلها. وكانت الخالة خير عون... فهي الأخرى كانت مشوقة لابنة عمها، لزوج ابنة عمها، وقد مرت عليها سنون لم ترهما فيها. طبخت ونفخت، هيأت الموائد وقدمت الطعام، وكله من حسابي بالطبع، أنا المضيفة وأنا المسؤولة عن كل إنفاق. بعدئذ جاء دور تعريفي لكم بدمشق، أنت الذي لم تزر دمشق من قبل، أبي الذي زارها مرتين أو ثلاثاً، لكن دائماً على عجل فلا يتذكر منها سوى المرجة والحميدية و"كراج السيارات". فيما أمي زارتها مرة واحدة فقط وهي صغيرة. كنتم جميعاً تتوقون لمعرفة المدينة الكبيرة الشهيرة، أقدم مدينة عامرة في التاريخ، وأرجئت المعركة من جديد. كنا كلنا بحاجة للسلام، للصفاء كي نزور الجامع الأموي، ضريح السيدة زينب، التكية السليمانية، المتحف.. الأشياء الكثيرة القديمة والجديدة التي تحويها دمشق. وكنتم ألطف ضيوف وأخفهم روحاً.. أهو الحب يجعل المرء خفيف الظل والدم؟ أنا أحبكم.. فأنتم كل مالي في هذه الدنيا، أهلي وعزوتي وأنتم تحبونني... كل منكم يحبني بطريقته: الأب باعتباري ابنته الوحيدة المدللة، رجاءه وأمله. أمي باعتباري امتدادها الوحيد ومعقد رجائها الوحيد، وأنت.. أأقول ما اعتباري عندك؟ لا، الكل يعلمون ذلك، أنت الذي لم تخف حبك يوماً لي، ولم تبطن تعلقك بي، حتى غدا كل من في البلدة يعلم أني زوجك في المستقبل لا محالة. وكما كنتم خير ضيوف، كنت أنا خير مضيفة.. لم لا وقد رسمت في ذهني لقاءنا خطوة خطوة.. أين نذهب؟ أين نأتي؟ ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ كيف ننام؟ كيف نقوم؟ وقبل كل شيء بما نتحدث وما لا نتحدث. كنت أريد كسب الوقت، وكنت في دمشق قد كسبت مكان المعركة كما كان باستطاعتي أن أفرض الكثير من شروطها، ثم أطعم الفم تستحيي العين، وقد أطعمت.... بكرم حاتمي تصرفت معكم. إلى المتنزهات ذهبت بكم، إلى المطاعم دعوتكم، أتذكر؟ وفي كل ذلك، كنت لك، أنت خصيصاً، خير رفيقة وصديقة، بل كنت الأخت التي تحتضن أخاها، تغدق عليه حنانها ورعايتها.. ها نحن نتذكر أيام زمان، نستعيد ذكريات الطفولة.. أحداث الصبا، ونضحك، أبي، أمي يراقباننا... أنا أعلم أنهما كليهما كانا أعيناً ترمقنا، هل من نفور؟ هل تحول البعد إلى جفاء؟ وكان العكس.أنا أردته أن يكون العكس.. بل قل خططت لـه فبدوت وكلي قبول ومحبة.. لا.. لا... يابن عمي وأخي... أنا لم أتصنع ولم أكذب.... أقسم لك ما تصرفت إلا بعفوية كاملة وبراءة تامة.. على سجيتي وطبيعتي.. فأنت غال علي عزيز... عزيز..وكيف أكون معك إلا راضية ومحبة؟ لكن أيام الضيافة ثلاثة عند العرب وعند بعضهم سبعة، وقد اختارت أمي أن تكون من الأوائل. ففي الليلة الثالثة، جاءت تنفرد بي "أي بنيتي..المقدور ما منه مهروب.. وابن عمك بصراحة ما عاد يستطيع الصبر.. يريد يكتب كتابه عليك وتحددون العرس والدخلة" وأطرقت. كنت أعرف الجواب، لكنني آثرت ألا أجيب، هاربة بعيني من عينيها، متصنعة عمق التأمل والتفكير. "هه.. أنت ساكتة والسكوت علامة الرضى". "لا، أمي..." بادرت إذ ذاك وقد بات لزاماً علي أن أرد. "المسألة ليست مسألة رضى أو رفض... أنت تعلمين ذلك... بل هي مسألة عملي ووظيفتي... مسألة الفارق بيني وبين همام.." "دعك من ذلك الفارق الذين تزعمين.. إنه هراء لا يستحق حتى الذكر..."قاطعتني بغير حدة وكأنما في نيتها أن تحتفظ ببرودة أعصابها حتى النهاية. بعدئذ تابعت "أما وظيفتك فلدى والدك الحل" وللتو أمسكت بذراعي ثم مضت بي إلى حيث كنت أنت ووالدي تجلسان صامتين تتنظران. "لا...لا تخافي..." قال والدي وقد زجته أمي في المعركة على الفور. "أنا بنفسي سأذهب إلى المدير، أشرح لـه المشكلة وأفرض عليه أن يوافق على نقلك إلى الفرات". هكذا كنتم قد خططتم....أنا أعلم أنك أنت الذي فكر ودبر، خطط ثم جاء بعمه للتنفيذ. خفت.. حينذاك، بل للمرة الأولى أشعر بالخوف... الخطة محكمة فكيف الخلاص؟ الحصار لا منفذ منه فكيف أنفذ. "آ.... أ.... بي" رحت أتلعثم وأنا أرد، فيما كانت تلافيفي الدماغية تضرب أخماساً بأسداس بحثاً عن منفذ. أخيراً وجدت ما يشبهه "لا.. لا حاجة لأن تذهب أبي.. من هنا حتى رأس السنة أثبت في وظيفتي ويصبح باستطاعتي أن أنتقل." "رأ س السنة!؟ لكن ما يزال هناك ثمانية أشهر حتى رأس السنة." رددت أنت بنفاد صبر واضح لكن دون انفعال.. "من صبر الكثير يصبر هذا القليل". أجبتك بلطف، وكلي أمل أن أدغدغ حبك لي وعطفك علي فتقبل ما أريد، على الرغم من أنك لا تريد. " لا... لا صبر بعد اليوم،" ردت هذه المرة أمي "لقد طفح الكيل. المسكين صار مثل أيوب، " قالت وهي تشير إليك ثم تابعت."مضغة بين الألسن". "مضغة؟ لماذا أمي؟" "يابنتي، الزمن يمر" قطع أبي الطريق على أمي وبنبرة هادئة متروية بدأ كلامه. "ثم لا أحد يعلم ما تخبئه لنا الأيام.. قد أموت غداً.. قد تموت أمك...فنحن كبرنا..صرنا على حافة القبر." "لا.. لا تقل ذلك أبي... أرجوك" بل سأقول وعليك أن تسمعي.. ديمة.. يابنتي.. أريد أن أطمئن عليك..نريد كلنا أن نفرح بك، أن نضمن مستقبلك.. ومستقبل الفتاة بيتها الزوجي يابنتي، فلماذا لا تفرحيننا؟ لماذا هذا الإرجاء والتسويف؟" لم يكن باستطاعتي أن أقول لـه لماذا ذلك الإرجاء والتسويف. ولم يكن بوسعي أن أقول لـه إنني سأفرحه لكن ليس مع همام بل مع رجل آخر اختاره قلبي وليس أبي، رجل تربع على عرش قلبي آمراً ناهياً لا فكاك لي منه. كان قد مضى علي ثلاثة أيام لم أره، وكنت أموت شوقاً لرؤيته.. لكن ما باليد حيلة "أهلي آتون، فابتعد أنت" كنت قد نبهته. حاول أن يناقشني، يقنعني "بل هي فرصة نتعرف بها إلى بعضنا." "لا، بعرضك مازن، المسألة لا تحتمل أبداً... فانأَ بنفسك عني وعنهم كيلا تكون الطامة الكبرى." وكأنما أرعبته تلك الطامة الكبرى التي كان يعرفها جيداً دون حاجة لشرحها، ابتعد فعلاً. كان يعلم بقصتي مع همام، بضغوط أهلي الشديدة علي، لكنه لم يكن يعلم أن هماماً آتٍ مع والدي، ولعل هذا جعله مطمئن النفس، فلم يحرك ساكناً طوال الأيام الثلاثة تلك. كنت أريد أن أعالج المسألة بنفسي، أن أخوض معركتي بمفردي، لعلمي أن أي تدخل خارجي سيزيد الطين بلة، وقد اقتنع مازن. الرجل فهيم.. بل لم ترعيني أفهم منه.. أشياء كثيرة لا أحدثه عنها لكنه يفهمها، رغبات كثيرة في نفسي لا أبوح لـه بها لكنه يعرفها على الطائر: يا إلهي ما أروع الرجل الذكي!! ما أبدع من يفهم!! أبي يفهم علي. بل الأحرى كان يفهم كل شيء، ما عدا أمر زواجي.. أمي تفهم فقط ما تريد هي أن تفهمه، وكان ما يفهمه كلاهما أن أتزوج ابن عمي فأجعلهما يطمئنان ويفرحان، "حسن أبي"، قلت لـه وأنا أجمع كل ما في جنباتي من هدوء. "أنا معك. لا خلاف بيني وبينك أبداً... فقط المسألة مسألة وقت.. والوقت ليس بيدي أبي.. أنت ترى.. أنا محكومة.. علي التزامات وواجبات..." "نلغيها كلها، لا نريد وظيفة، لا نريد راتباً.." صحت أنت هذه المرة، بشيء من انفعال ونزق. "الله غانينا عن وظيفتك وراتبك". "لا...المسألة ليست مسألة وظيفة أو راتب، "رددت بعنف وقد شعرت أن علي أن أكشر قليلاً عن أنيابي" المسألة مسألة حياة ووجود..... تحقيق ذات، فلا أسمح لأحد أن يلغيني.. أتسمع همام؟ لا أسمح لأحد أن يحولني إلى ذيل تابع.. مجرد حرمة لاطئة في زاوية البيت، أنا لي كياني، ذاتي وأريد أن أعيش هذا الكيان، أحقق تلك الذات". وأجدت صرختي نفعاً.. فقد لمست وتراً حساساً لدى أمي، هي التي كانت دائماً تريدني أن أتعلم وأن أحقق ذاتي، فراحت تتأملني بابتسامة خفية لا أدري ما الذي كانت تخفيه معها. أبي نفسه راح يقلب فيّ النظر، وكأنه يقول "صحيح الجدي لا يظل جدياً، بل يصبح تيساً يناطح، وهاهي ذى سخلتي الصغيرة تصبح عنزة كبيرة ذات قرون تناطح". أنا أقول كأنه، لأنني أفترض افتراضاً، إذ لم يكن باستطاعتي أن أدخل جمجمته وأعرف ما يدور داخل تلافيفه الدماغية. ما رأيته فيما بعد أنه انتظر قليلاً، ريثما تلاشت دوائر صرختي، منقلاًًًُُُُ ناظريه بين أمي وهمام اللذين كانا كلاهما قد لاذا بالصمت، ثم بدأ من جديد بنبرة أكثر هدوءاً أراد منها أن يذكرني بأنه هو الأب المحنك الحكيم الذي ينبغي علي أن أطيع. "حسن، نكتب كتابه عليك ونسجلك على اسمه، يصبح لزاماً عليهم أن ينقلوك". "لكن لماذا يا أبي؟" "هكذا. هو قرار، وعليك تنفيذه. "كانت هذه أمي التي باحت بالسر أخيراً. "إذن جاؤوا بعد أن اتخذوا قراراً: كتب الكتاب والتسجيل على الاسم، فماذا تفعلين ياديمة؟" تلجلجت وتململت لا أدري ما أفعل أو أقول. "هو حل معقول يابنتي". عاد أبي للحديث دون أن يفقد هدوءه وصبره. "ابن عمك يريد أن يطمئن على عروسه وهذا من حقه، وهو على أتم الاستعداد لانتظارك.. ريثما يصبح عملك هناك". "أجل يابنة عمي" تنطحت للرد في تلك اللحظة وكلك لهفة وعجالة "سأنتظرك.. سنة، سنتين ثلاثاً سأنتظرك. فقط أريد أن أستقر على بر". قلت وفي عينيك تضرع واستجداء. وشعرت بنفسي تضعف..نظرة التضرع والاستجداء حلت كل ما كان مشدوداًً في داخلي.. فقد ذكرتني بتضرعاتي الكثيرة لك، باستنجادي بك في كل مأزق كنت أجد نفسي فيه. يوم الحويجة، يوم المدرسة، يوم الحريق.... أنا لم أرو لكم قصة الحريق.... لا.. لا... الوقت غير مناسب ثمة ما يشغل بالي.. أريد أن يذهب انشغال البال ذاك..فالمعركة التي زججت فيها بدت وكأنها تقترب من النهاية.. السلاح الذي كان بيدي فل وتثلم.. حصاني تحتي سقط أرضاً، الخصوم يحدقون بي فأين المفر؟ أنا جريحة أنزف دماً وقواي تخور، فهل يجهزون علي؟ هل يقيدونني بالقيد أسيرة تجرجر أذيال الهزيمة؟ أمامي أمران: أن أجاهر بالحقيقة: حبي لمازن ورفضي لهمام قاطعة مع أهلي كل آصرة أو القبول بهمام مؤقتاً عسى أن أجد الحل فيما بعد... أجل هما أمران أحلاهما مر وعلي أن أختار.... للتو واللحظة علي أن أختار فقلت كما قال أبو فراس الحمداني ذات يوم "وحسبك من أمرين خيرهما الأسر"، رافعة يدي كلتيهما مستسلمة. "حسن، نكتب الكتاب". هللت أمي بل كادت تزغرد، فيما هش أبي وبش، بينما وثبت أنت على قدميك فرحاً، فتابعت وقد استعدت شيئاً من أنفاسي "لكن دون دخلة". "طبعاً يا بنتي، وهل نرضى لك بدخلة دون زفاف؟" قالت أمي بمزيج من زهو المنتصر ورأم الأم. "بل أنا نفسي لا أرضى ولا أريد ذلك. ما أريده فعلاً أن تسجلي على اسمي زوجة أنتظرها حتى تعود." قلت أنت وابتسامتك تشق وجهك حتى الأذنين، كيف لا وقد سجلت نصرك الأول علي؟ طوال حياتنا كنت أنا دائماً المنتصرة، ألست أنا الأصيل وأنت الوكيل؟ أنا ابنتهم الوحيدة المدللة وأنت الدخيل الربيب؟ فلماذا لا يجعلك انتصارك تطير فرحاً كفرخ يطير أول مرة؟ لماذا لا تتابع انتصارك ومبدأك دائماً كان: اطرق الحديد وهو حام؟ في ملعب الرياضة، في العراك مع الآخرين، في متجر القماش، أنت تؤمن بهذا المبدأ، فما إن تجد قبولاً من زبونة لنوع من القماش حتى تبدأ الطرق.. الطرق.. الطرق.. إلى أن تستسلم وتشتري. "إذن ننزل غداً إلى القاضي الشرعي في المحكمة"، قلت تطبيقاً لمبدئك، "معقول؟" رددت وقد شعرت بالأنشوطة تنشد على عنقي مباشرة. "غداً؟ وهنا؟ لا.. لا.. لا يكتب كتابي في دمشق أبداً" قلت بنبرة قاطعة، وأنا آمل أن آخذ فسحة من وقت، فرصة أتدبر فيها المنفذ، أتشاور مع مازن عله يسعفني بحل نجد به معاً خلاصنا. "بيدك حق يا بنتي" أنجدني أبي فتنفست في سري الصعداء "هناك القاضي قاضينا والسجلات سجلاتنا.. نذهب إلى البلد ونكتب الكتاب في البلد." "حسن اتفقنا.. تذهبون غداً وأنا ألحق بكم ؟" "لا.. رجلنا على رجلك". قالت أمي بحزمها الذي أعرفه والذي يعني دائماً أن لا مهرب لك. ناقشت، جادلت، لكن بدا كل تهرب محالاً. أخيراً حسم والدي الأمر "لا عودة بغيرك، ورجلنا على رجلك". - - - -لا، رجلي على رجلك، قالت حماتي، وأنا أحاول التخلص من رحلة الشراء التي غدت مضنية بعد أن أحالتها العجوز إلى أشغال شاقة من المساومة والمعاندة، الحرد والتنقل.. -اسمعي مني.. حماتي.. دعيني هنا.. أسترح قليلاً.. صدقيني أنا أموت تعباً.. قلت ورجلاي تكادان تتقصفان تحتي. -لكنه هنا قريب.. الصائغ روجيه على بعد خطوات فقط.. هلمي.. هيا.. يا بنيتي ولم أجد نفسي إلا وأنا انسحب من يدي وأمشي إلى الصائغ روجيه رغماً عن أنفي. كنا بعد هياط ومياط وشفاعة من قريش، قد اشترينا اللفائف، الثياب الداخلية، الثياب الخارجية.. وكنت أحسب أن الذنب قد حل عني أخيراً، بشراء "الديارة"، وصار كل ما أحلم به أن أعود إلى المنزل، ألقي بنفسي على أول أريكة ثم أغوص في سبات عميق... أربع ساعات كنا قد قضينا في السوق وأنا بكوزي المندفع أمامي أجرجر قدمي ليس مثقلة الخطا فحسب بل منهكة حتى الإعياء. المرة تلو المرة حاولت التدخل، اختصار المساومات، إنقاذ نفسي من الورطة، والمرة تلو المرة كنت أفشل. فالمرأة مستمتعة كل الاستمتاع، هي تجهز لحفيدها من جهة وتثبت جدارتها كامرأة مجربة تعرف الناس والتجار، الشراء والبيع من جهة ثانية. وهكذا صرت في الساعة الأخيرة لا أكاد أصل إلى المحل حتى أبحث عن كرسي، صغير، كبير، عتيق، جديد المهم كرسي ألقي بجثتي عليه. أجل.. جثتي.. أقولها دون مبالغة. فقد صرت أشبه بالجثة، أحملها حملاً وكأنما لا حياة فيها، فيما هي لاهية بفرحها عني، سعيدة بانتصاراتها على التجار ناسية كل ما يتعلق بي. التجار أنفسهم كانوا يرون فيَّ المرأة الحامل المتعبة حتى الإنهاك فيسارعون لتقديم مقعد أو كرسي، بل إن بعضهم قدم لي كأس ماء، وكأنما رأوا ما أنا عليه من جفاف ريق، وانطفاء ما في العين من بريق. - - - تلك كانت حالتي من جفاف ريق وانطفاء ما في العين من بريق، وأنا أركب الحافلة المغادرة إلى عروس الفرات. كيف لا وقد تحولت موافقتي على كتب الكتاب إلى أحبولة تلتف حول عنقي لأجر كما المعزاة؟ "يا إلهي أن تتحول المرأة إلى معزاة، ما أشق على النفس!!" كنت، وأنا أجر بيد أمي، أشعر أني أختنق، فالأحبولة التي أردت منها أن أكسب الوقت وأسوّف، اشتدت جيداً حول عنقي حتى بات من المحال الخلاص منها. لقد انقلب السحر على الساحر والحيلة التي لجأت إليها ارتدت علي فلا أنا قادرة على المضي قدماً ولا أنا قادرة على الرجوع إلى الوراء. قلت لهم أنا بحاجة لبعض الوقت أدبر أموري، اشتري هدايا، آخذ إجازة.. قالوا أمورك كلها مدبرة وهداياك مقبولة فلا تزعجي نفسك ولا تشتري شيئاً، أما الإجازة فنذهب معك ونتوسط لك... لكنني ارتددت مجفلة، آخذ أبي وأمي وابن عمي إلى المدرسة؟ يتوسطون لي لدى المدير؟ لا.. ذلك مستحيل.. فاختزلوا الجماعة إلى فرد..."تذهبين بمفردك؟ لا.. يذهب أحدنا معك".. "أنا أذهب" قالت أمي، "فمنية نفسي أن أرى المكان الذي تعمل فيه ابنتي"... ولم أجد حجة ترد طلبها... في الصباح مضينا، وكل ما يشغل بالي أن أجد فرجة أخرج منها لرؤية مازن، لإخباره بالتطورات الجديدة. أن أجد بضع دقائق أستطيع أن أكلمه ولو بالهاتف. لكن لا الفرجة سنحت ولا الدقائق أتيحت. كانت أمي أشبه بلصقة تضعها على ظهرك، فهي خائفة من أن تدهسها سيارة، خائفة من الزحام، خائفة من الضياع، تمسك بي متأبطة ذراعي كأنما هي ابنتي الصغيرة وأنا أمها. في الحافلة، على الرصيف، في المستشفى، المدرسة، مكاتب الإدارة.. هي معي لا تفارقني إلا مفارقة الجفن للعين. قابلت المدير، قابلته معي، رأيت زملائي رأتهم معي، ودعت طالباتي ودعتهم معي.. وهي فخورة مزدهية، أليست هي أم القابلة؟ ألم تتعب في تربيتها وتنشئتها؟ لولاها ماذا كنت يا ترى؟ ربما لا شيء. وعاد ذلك اللاشيء إلى المنزل دون أن يستطيع فعل شيء. كان قلبي كالنار على مازن.. كم هو مشغول البال يا ترى؟ كم سينشغل باله أكثر وأكثر علي؟ كيف سيتلقى نبأ سفري؟ أسئلة كثيرة راحت تراودني فيما كان شك اسود ينمو داخلي كالفطر "أتراها تعلم بقصة مازن، أمي هذه؟ تمسكها بي، التصاقها هذا ألا يعني شيئاً؟ لعل ابنة عمها سربت لها شيئاً من خبر، الخالة لم تكن تعرف الحقيقة كلها لكنها تعرف جزءاً منها ولا شك. فقد رأته ذات يوم يوصلني إلى المنزل، سمعتني ذات يوم أتحدث معه بالهاتف. فماذا، إن كانت ابنة العم قد همست لابنة عمها بذلك ؟ وحده ذاك كان يفسر إصرارهم على كتب الكتاب والآن وهنا.. محاولتي أن يكون ذلك في بلدي، ربما أكدت لهم شكهم. محاولتي إرسالهم قبلي ثم اللحاق بهم فيما بعد ربما جعلت شكهم يقيناً فأصروا أن تكون رجلهم على رجلي.. وأن لا يدعوا لي فرصة للإفلات من قبضتهم أبداً... أسيرة كنت مقيدة بالسلاسل، مثلي مثل زنوبيا وهم يقيدونها إلى عربة النصر يستعرضها قيصر روما شامخ الرأس وقد هزم ألد أعدائه.وكنت أنت القيصر يا بن عمي وأخي!! حزينة كنت وأنا أتخيل مازناً يأتي إلى المدرسة فيعلم أنني ما زلت في إجازة. يسأل عني في المنزل فتعلمه الخالة بسفري إلى الفرات. سيجن؟ ربما، فهو الذي يقول عن نفسه المجنون وأنني ليلاه كان مجنوناً وأنا بقربه فكيف وقد ابتعدت؟ مجنوناً، وهو يعلم كل حركة وسكنة لي في دمشق، فكيف وقد غادرت دون علم أو خبر؟ يائسة كنت وأنا أرى طرقي كلها مسدودة. فالمعزاة التي تجر بالحبل ليس أمامها سوى المذبح، السكين في يد الجزار والأكلة بانتظار اللحم يشوى ثم يقدم لهم على طبق من فضة. "آه منك أيها اليأس، سددت علي المنافذ كلها.. لو تركت واحداُ فقط، بصيصاً صغيراً من ضوء، إذن لهان الأمر ولكان باستطاعتي أن أضحك.. أتكلم.. لكن دون منفذ، بلا قبس من ضوء.. ما تراني أفعل أيها اليأس ؟ أطرق برأسي ؟ أجل لقد أطرقت.. أصمت؟ أجل لقد صمت... فلم أنبس ببنت شفة طوال ذلك الصباح؟ أبكي؟ أجل.. فلم أستطع أيها اليأس منع نفسي.. وأنا أودع بناظري أطراف دمشق، إلا أن ألتفت إلى الوراء، ليس بناظري فحسب بل بقلبي.. أجل تلفت قلبي أيها اليأس واغرورقت عيناي بالدموع. بكت عيني اليسرى فلما زجرتها * * * * * عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً مسحت أمي دموعي، حاولت أن تسري عني، فقد كانت تعلم ما أنا فيه تماماً، هي المرأة التي كابدت القهر والظلم. أكثر من مرة بادرتني تجاذبني أطراف الحديث، لكنني كل مرة كنت ألوذ بالصمت، أرد بكلمة، أو غمغمة ثم أعود لأخفي رأسي في قوقعتي، سلحفاة وجدت نفسها في قلب الخطر والهلاك. لقد تحول الكون كله، والحافلة تسير بي إلى عروس الفرات، إلى سؤال واحد : كيف تورطت هذه الورطة؟ لقد كنت ذاهبة لكتب كتابي، و ما كتب كتابي؟ ارتباط أبدي بابن عمي، إلغاء كلي لكل ما كنت قد بنيت خلال أشهر وأشهر، دفن لحبي الذي بات حياتي كلها، ماضي ومستقبلي كله. فكيف فعلت هذا ؟ لماذا وافقت يا ديمة؟ لماذا ضعفت؟... كنت، وأنا مطرقة حزينة دامعة العينين، أؤنب نفسي كأنني نسيت الحصار المحكم الذي ضربوه حولي، الضغط الشديد الذي مارسوه علي مذ حشري في الزاوية، ذلك الحشر الذي لم أجد مفراً معه من أن استسلم.. "لكنه استسلام مؤقت"، تذكرت ما قلته لنفسي حينذاك، "استسلام لحين من الزمن فقط، خديعة توفر لك طريقاً للنجاة". ورحت أقلب الفكر بطناً لظهر وظهراً لبطن. "أين طريق النجاة؟ كيف تجدين المهرب يا ديمة؟" وكان ذلك السؤال الوحيد الذي دار في ذهني، لكن بماذا عساه يفكر الأسير؟ المعركة فرضت عليه أن يستسلم كيلا يموت لكن أيعني هذا أنه لن يسعى للخلاص؟ لن يبذل المستحيل للفرار بجلده من جديد؟ لفداء نفسه بأي ثمن؟ على أي حال لم نصل إلى عروس الفرات إلا وقد تخلصت من يأسي، من كل بقية باقية من ضعفي: "الكتاب لن يكتب" قررت وأنا غائصة في أعماق صمتي. "لو اضطررت لقتل نفسي، لن أسمح لهم بكتب كتابي على همام. سأروغ من جديد، أداور، أناور، لكن لن أضع القيد الأبدي في يدي! فكيف سأخلص من همام إن كتب كتابي؟ لا.. لا.. علي أن أمنع هذا، بأي شكل علي أن امنعه، بعدئذ لكل حادث حديث". ووجدتني أرتاح.. ما كان يعصر قلبي ذهب، وما كان يشكل غصة في حلقي زال". إيه، يا للقرارات الذكية كم تريح الإنسان!! يا للحسم كيف ينهي الحيرة والتردد، فتعرف طريقك ولا تعود تتخبط!!" بعد ذاك، رحت أتبادل الحديث مع أمي، أرد على أسئلة أبي، أتجاوب مع ممازحاتك أنت، حتى بدا وكأن كل شيء على ما يرام. في البلدة وجدت نفسي للتو أغرق في طقوس الاستقبال ذاك الذي لم أر مثيلاً لـه، كأن الكل يعلم أنني آتية عروساً، ومن ترى يحتفى به كالعروس؟ الأقرباء، جميعاً، الجيران، الصديقات كلهن يأخذنني بالأحضان، والكل يأتي ليسلم، حتى خيل إلي أن العشيرة، كلها جاءت لترحب بالقابلة التي ابتعدت عن أهلها وعشيرتها. ذلك الترحاب كاد ينسيني مشكلتي.. لكن ما أنسانيها تماماً المفاجأة التي كانت بانتظاري، والتي سرتني كثيراً. فحنان ابنة عمتي كانت تجهز نفسها ليوم زفافها، ومتى الزفاف؟ الخميس الذي لم يكن يفصلنا عنه سوى أربعة أيام. المفاجأة جعلتني اشهق فرحاً.. "هوذا المهرب" وأقسمت لحنان أن أكون معها في كل خطوة تخطوها، تريد أن تشتري ثياباً ؟ أشتري معها الثياب، تبتاع ذهباً أبتاع معها الذهب، أليست هي ابنة عمتي؟ ألم نكن طوال حياتنا رفيقتين متحابتين مخلصتين؟ إذن، الواجب يدعوني أن أكون معها وقت شدتها، وأية شدة بالنسبة إلى فتاة كوقت تجهيزها للعرس؟ فرصة ذهبية كانت، استطعت بها إرجاء الحديث عن كتب الكتاب فيما ظن أهلي أنها خير مناسبة لإعدادي لكتب الكتاب، بل وربما، بالعدوى للدخلة والزفاف. كنت ما إن أفيق، حتى أسرع إلى بيت عمتي في الحي الثاني نتسوق، نتحدث، المهم أن نقطع الوقت فلا أعود إلا آخر الليل، بل في الليلة الأخيرة نمت مع حنان ولم يرني أهلي إلا قبل العرس ببضع ساعات، إذ عدت إلى المنزل أهيئ نفسي للعرس، ألبس، أتزين، أتبرج، وحين انتهيت، خرجت إلى أمي فهتفت "هـه!!"، أرأيت ما أحسن أن تكون الفتاة عروساً!؟ "وهل من شك في ذلك يا أمي؟ حلم كل فتاة أن ترى نفسها عروساً:" "حسن، إذن لماذا لا نجعل العرس عرسين؟" "أمي.. أنسيت شرطي: لا دخلة ولا زفاف"؟. "بل هي مناسبة ديمة، عرس قائم، نكمله بعرس آخر لك". "لا، أمي لا، لن أتزوج إلا بعد أن أنتقل إلى هنا". في تلك اللحظة، دخلت أنت، يكاد خداك يلتهبان انفعالاً وحماسة. "اسمعي، ديمة، أنا مستعد أن أذهب معك إلى الشام ريثما تنتقلين" "ماذا؟ وعمك تدعه وحيداً؟" "عمي، موافق... وأمك موافقة... أليس كذلك، يما؟" "أي شيء يحل المشكلة أوافق عليه.. يما أي شيء، يرضيك يرضيني "قالت أمي مؤكدة على كل حرف لفظته لكأنما تريد إقناعي طوعاً أو كرها". لا.. لا.. همام.. بل أنا أرى أن نؤجل حتى كتب الكتاب، "قلت بنوع من الرغبة في جس النبض" مرة ثانية أيضاً؟" صحت أنت فيما علا صوت أمي مقاطعة "لا، هذا ما لن تفرحي به ديمة. جئنا من أجل كتب الكتاب، إذن سيكتب الكتاب، واعلمي أن أباك سيأتي بالشيخ غداً الجمعة لينتهي كل شيء". "هوذا قراركم إذن!؟" كظمت مخاطبة نفسي، مشيحة بوجهي عنها وعنك، أتذكر يا بن عمي وأخي؟ ثم أسرعت إلى غرفتي. كانت النعامة التي دفنت رأسها في الرمل قد رفعت رأسها، فإذا هي وجها لوجه أمام الصياد والسهم مسدد إلى قلبها، إذن أين المفر؟ "البحر من ورائك والعدو أمامك يا ديمة، وليس لك والله إلا صدق العزيمة والمكر؟" في غرفتي، استلقيت ملء طولي على السرير، وأنا أشعر بوهن شديد في مفاصلي. كنت بحاجة إلى الراحة، إلى التفكير علني استعيد توازني وقد أخلت به الضربة. " لحظة الحسم جاءت فماذا أنت فاعلة يا ديمة؟ أربع وعشرون ساعة أمامك فقط. فغداً، مساء الجمعة، كما قرروا ولا شك، سيأتي وجوه العشيرة، وجوه الأقارب كلهم.. ويأتي الشيخ، يعقد القران، توزع الحلوى، ترش المباركات والتهنئات، لتصبحي زوجة همام بشرع الله وحسب سنة رسوله، ويوم السبت يسجل ذلك رسمياً في سجل النفوس، لتصبحي شرعياً ورسمياً زوجته، فماذا تفعلين؟ الأسيرة تساق مكبلة اليدين والرجلين إلى زنزانتها، حيث تفقد آخر أنسام حريتها، المفتاح بيد همام والباب مرتج ولا نافذة أو شباك.. لا ضوء ولا هواء. هيا اعصري دماغك عله ينبثق عن حيلة، يبين منه قبس أمل، فتنفك قيود الأسر وتعود الأسيرة إلى الحرية، إلى الحب الذي ينتظرها هناك في دمشق، وهو يتقلب على جمر النار.. مازن يتقلب على جمر النار.. بالتأكيد هو كذلك. أنا أعرفه، غيابي ولا شك أشعل النار في صدره، بحث عني، حاول معرفة السر، وربما عرفه.. الخالة ربما أخبرته، أنا لا أدري، ربما نعم وربما لا، فقد حاولت الاتصال به لكنني لم أستطع. العيون من حولي، العشيرة تحيط بي، أمي، أهلي كلهم لا يتركونني لحظة واحدة، فكيف أكلمه ؟ أذهب إلى هاتف البريد؟ أيتركونني؟ هاتف بيت عمتي؟ سينفضح السر.. حتى ابنة عمتي حنان لن تقبل.. كلهم يعلمون أنني لهمام وهماماً لي، فهل أقول لها فجأة: "لا. أنا عاشقة لرجل آخر، أريد أن يكون زوجي رجلاً آخر؟" لا. لا مستحيل.. ولم يبق سوى حل: أتصل بالخالة، واتصلت. لكن الخالة لم تفدني كثيراً. "هل سأل أحد عني؟" سألتها وأنا أقصده هو، فما من أحد في دمشق يعنيني سوى مازن. "أجل، رفيقتك لينا، صديقتك سلوى واثنتان أو ثلاث أخريات.. لا أدري.. لست أنا من فتح الباب لهن". وأسقط في يدي.. الخالة تتكلم عن نون النسوة فأين المذكر السالم؟ عمتي إلى جانبي الأيمن، ابنة عمتي إلى جانبي الأيسر، هما لا تتنصتان، لا تقصدان مراقبتي، بالتأكيد، لكنهما إلى جانبي تسمعان، فهل أسأل الخالة عن مازن؟ إذن سيثير هذا الشكوك ومن ثم الأسئلة وما لا يعلم عقباه إلا الله. كبست الملح على الجرح وودعت الخالة، دون أن أستطيع توجيه السؤال الوحيد الذي أردت توجيهه.. لأعود إلى دوامة حيرتي وبلبالي. مازن بعيد لا صلات بيننا ولا جسوراً، لكأنه في كوكب آخر تعجز حتى الأقمار الصناعية عن نقل الاتصالات إليه، فماذا أنت فاعلة يا ديمة؟ أسيرة مكبلة اليدين، وحيدة حزينة، عليك أن تواجهي مصيرك، فأعملي ذهنك إن استطعت أيتها الفتاة البائسة التي لا تملك من أمرها شيئاً، والتي تساق إلى حتفها سوقاً. في غرفتي أعدت حساباتي.. قلبت أفكاري.لكن لا حساباتي صحت ولا أفكاري أعانتني بشيء. جاء صوت أمي يناديني، كي نذهب إلى العرس فنهضت. متثاقلة نهضت، مهمومة سرت، صامتة مضيت ترى بماذا كان يسعني أن أحدث أمي والهم يطبق على شفتي؟ قبضته محكمة كملزمة من فولاذ، فكيف أفكها ؟ حدقت أمي إلى وجهي ونحن نسير جنباً إلى جنب، ثم ذكرتني "أنت ذاهبة إلى فرح، لا إلى مأتم". أجل.. كنت أعلم أننا ذاهبتان إلى فرح. لكن أمي لم تكن تعلم أنني كنت أنظر إلى ما بعد الفرح وأرى مأتمي، فكيف أفرح؟ "لا تظلي مكشرة هكذا... ابتسمي افرحي.. امرحي". نصحتني أمي فتأوهت في سري "أبتسم؟ ومن أين يأتون بالابتسام؟ أفرح؟ أمرح؟ وهل لمن يرى مأتمه بعينه أن يفرح ويمرح؟" ولا تنسي!! عليك أن تشاركي ابنة عمتك فرحتها.. أن ترقصي في عرسها "عادت تخاطبني فعدت لمخاطبة نفسي" أجل يا أمي.. سأرقص.. ألا يرقص الطير مذبوحاً من الألم ؟ أنا ذلك الطير يا أمي.. أنا تلك الدجاجة التي أعملتم السكين في عنقها حزاً ولزاً حتى جرى الدم، دفاقاً، ثم ألقيتموها أرضاً فراحت تتواثب، تتراقص، هنا هناك، ورأسها لما ينفصم بعد. حين وصلنا، كانت العروس بين يدي "المزينة" تضع آخر لمسات الزينة. رأتني مسكونة بالهم والغم، فهمست، وقد خرجت من بين تينك اليدين، "ديمة مالك؟ تعبسين في عرسي؟" "أنا حزينة عليك.. إنه يوم الفراق.. وهل أصعب من يوم الفراق؟" "أي فراق وأنا سأظل في بلدي وحيي؟" فراقنا كعزباء ومتزوجة، أم نسيت أنه آخر يوم "لعذريتك؟" عقبى لك "ردت ضاحكة". فنحن السابقون وأنتم اللاحقون." "خيب الله رجاءك، فما أبتغي والله أن أكون لاحقة لسابقة". "أيتها الكاذبة!! أليس كتب كتابك غداً؟" وجاءت اللطمة الثانية. هي أيضاً تعلم.. الكل يعلم.. وحدي فقط كنت كالزوج المخدوع آخر من يعلم.. فكظمت من جديد، وقد ازددت هماً على هم. "يا إلهي!! إنه القدر المحتوم، يسير بخطا بطيئة إلي، سيفه مشرع وأنا أنظر إليه، بعيني كلتيهما أحدق إليه وهو يتقدم والسيف مشهر... ثم غدا، في التاسعة مساء يهوي السيف على عنقي، فما عساي أفعل؟ أين أفر؟ أبحث حولي.. الدروب كلها مسدودة، الطوق محكم!! إذن استسلمي لقدرك المحتوم يا ديمة!!" مثقلة، بمثل تلك الأفكار تأبطت ذراع العروس ومضيت بها إلى الغرفة الواسعة حيث "ستصمد" هناك. عالياً فوق فرش منضدة ستتربع ملكة.. ليلة تتويجها: الغرفة الأشبه بالقاعة تعج بالفتيات الصغيرات، والنساء الكبيرات: عجائز وشابات.. الكل يشارك في الأعراس.. ألا يقولون يوم الفرح لا تفته ويوم الحزن آت إليه؟ لكنه ليس يوم فرح بالنسبة إلي. هو يوم حزن شديد، مع ذلك علي ألا أبدي حزني.. علي أن أفرح شأن أولئك الفتيات والنسوة كلهن. الدفوف تدق المزاهر ترق وأصوات الغناء تعلو.. إحداهن تبدأ فتتبعها الأخريات.. الفرحة على الوجوه كلها، فافرحي يا ديمة!! امسحي بممسحة سريعة كل أثر للهم والغم. ارسمي ابتسامة ناصعة على وجهك.. اضحكي لهذه، اضحكي لتلك.. هن يهمسن في أذنيك شيئاً فاهمسي لهن، حدثيهن يا ديمة.. هو عرس ابنة عمتك وحري بك أن تفرحي فرح ابنة عمتك. حنان سعيدة بل هي في غاية الفرح والسعادة. عريسها هو الرجل نفسه الذي أحبته.. حظها في السماء.. كل ما اشتهت نفسها وتمنت نالت.. لم يفرض عليها ابن عم، لم تبتلَ بأخ يصنع منها بديلة، لم يتقدم لها عجوز فاحش الثراء من شيوخ النفط والخليج فتباع بيع الشاة.. بصمت عاشت قصة حبها، وبكتمان شديد سارت هي وحبيبها الطريق، إلى أن جاء اليوم الذي صار بمستطاعه أن يقدم لها المهر، فتقدم لها وكان هذا العرس. الأنغام تتعالى، الغناء يرتفع، وحدة الدفوف تشتد. صبية ملؤها الحيوية تهز خصرها وردفيها على أنغام الدف والفتيات يصفقن ويهزجن، هي ترقص بحماسة شديدة إلى أن تأتي لحظة مناسبة فتمضي إلى فتاة أخرى تمسكها بيدها ساحبة إياها إلى حلبة الرقص. واحدة واحدة يرقصن، كلهن يرقصن، وكأنما هو عرض مهارة تتحدث عنه النسوة فيما بعد: منى راقصة ماهرة، نهلة راقصة فاشلة، هيفاء مبتدئة، نجلاء لا تعرف الرقص أبداً، وهكذا يجري تقويم الفتيات جميعاً فيرتفع سهم واحدة ويهبط سهم أخرى حسب جودة رقصها أو سوئه. ألا يفترض أن تكون النساء كلهن راقصات؟ ألا ينتظر هارون الرشيد من جاريته أن ترقص لـه وتغني! تروي لـه الطرائف وتحكي القصص!؟ آخر فتاة لم ترقص طويلاً، دورتين أو ثلاثاً دارت، قليلاً خصرها هزت، ثم انقضت علي "هيا: ديمة: أرينا رقصك" قالت وهي تمسك بيدي صابة قوتها كلها علي لكي تسحبني "لا.. غادة.. اسمحي لي أرجوك": في العرس، ليس لفتاة أن تستسمح: علينا جميعا أن نرقص" ثم شدتني بقوة جعلتني أقف على قدمي. أمي صفقت لي. عمتي زغردت لي، النظرات كلها انصبت علي، فلم أجد بداً من أن أبدأ الرقص. ببطء بدأت خطواتي، لكن نغمة الدف السريعة، التصفيق الحاد، الأنغام العالية، كلها دفعت بساقي إلى الإسراع. هذه الرقصة أحبها، كم رقصتها من قبل بفرح ونشوة!؟ كل عرس أحضره كنت أشارك فيه، أغني، أصفق، أرقص، فماذا إن لم أشارك الآن؟ سأصبح مضغة في أفواه عروس الفرات. "إنها الغيرة" ستقول إحداهن". ربما كانت تريد العريس، لكن ابنة عمتها جاءت وخطفته" "يا لهذا الجيل!! فتيات يدعين البراءة والعفة، وهن أكثر دنساً ونجساً من خنزيرات. "تقول الأخرى ومن يدري ما تقول الثالثة والرابعة. "إذن ارقصي.. ديمة... كيلا تلوكك الألسن.. ارقصي فهي مناسبة تنسين فيها همك وغمك.. وهل هناك خير من النسيان؟ انفضي عن كاهلك كل شيء.. انسي حتى نفسك. ارقصي... ارقصي. "وأمسك بتلابيبي الحماس، فبدأت أرقص.. ألف... أدور.. أعلو.. أهبط، أتمايل، أهتز.. إلى أن شعرت فجأة أن الأرض تدور بي وتلف، السقف يدور ويلف، الدفوف، المزاهر، الفتيات، العروس كل من حولي يلف ويدور.. ثم غامت عيناي وغاب عني كل شيء. - - - الدوران ذاته حدث في محل الصائغ، المحل ضيق ربما لا يزيد عن متر ونصف بمتر وربع، فيه الصائغ نفسه وثلاث أو أربع نساء أخريات. كنا أنا وحماتي مازلنا نقلب بين أيدينا الخرز الأزرق المذهب والعيون الذهبية التي تقف في وجه الحاسد إذا حسد والنفاثات في العقد وكنت منهكة، منهكة، إلى درجة شعرت أن علي أن أجلس، لكن أين المكان الذي أجلس فيه؟ لم يكن ثمة فراغ لإبرة.. هذا الصائغ العجيب، بمحله الضيق الضيق، يجذب الناس جميعاً. النساء، يحببنه، ويثقن به ".. من أين اشتريت هذا العقد؟ ".. "من عند روجيه"، تسأل إحداهن فتجيب الأخرى "تلك الإسوارة؟" "هذا الخاتم؟" كله من لدن روجيه، وهو حريص على محله، خرم الإبرة ذاك لا يغيره ولا يبدلـه. مرة سألته "لماذا سيد روجيه، لا تستبدله بمحل أكبر؟" "يا سيدتي الرزق أعتاب ووجوه.. عتبة منزل تكون بشير خير.. وعتبة أخرى تكون نذير شر، فهل تبدلين بشير الخير بنذير الشر؟".. "لا" أجبته فتابع "عند هذه العتبة انتصب حظي وأقام سعدي فهل أذهب إلى محل آخر قد لا يكون لي فيه حظ ولا سعد؟" وبدت حجته مقنعة. كان علينا أن نأتي إليه دائماً.. مصاغي كله اشترتيه منه. حماتي قبلي تعرفه، مازن يحبه، بل قل هما صديقان فكيف يشتري من صائغ سواه؟ لكن المكان ضيق، النسوة فيه كيوم الحشر. فجأة شعرت أني بحاجة لهواء، رفعت رأسي كي أعلو على الزحام، كي أتنفس، لكن عبثاً.. الهواء يقل، يتضاءل بل ينعدم، لكأن الجو خلا من الهواء.. أشهق بأقصى طاقة لكن لا فائدة.. أنا أختنق، السقف يدور بي، الأرض تميد تحت قدمي والأساور، العقود، روجيه، النسوة كلهن يدرن ويدرن ثم أسقط أرضاً وقد غاب عني كل شيء. لكن لحسن الحظ لم يكن هناك أرض، فالأجساد من حولي كانت أكثر التصاقاً بي من أن تدعني أصل إليها. "لو وصلت إلى الأرض لأجهضت ما في بطنك، "قالت لي حماتي وقد أفقت من إغمائي". الحمد الله أنك كنت بجانبي فأمسكت بي "رددت واهنة القوى ضعيفة النبرة". لست أنا وحدي. كلنا امسكنا بك.. الزحام نفسه أمسك بك "بعدئذ روت لي كيف كنت مقطوعة الأنفاس، متخشبة الأطراف كأنني فارقت الروح". ثم تابعت "مددناك على ذلك المقعد الصغير في زاوية المحل" رششنا على وجهك الماء، شممناك بصلة لا أدري من أين جاء بها الصائغ، فركنا أنفك بالليمون وأنا أصرخ واستغيث: يا رب، أعدها للحياة يا رب، احفظها من الموت يا رب، هي تحمل في بطنها روحاًُ أخرى.. روحاً بريئة لم تقترف ذنباً يا رب!! وكأن الرب استجاب لدعواتي، رأيتك تفتحين عينيك... على مهل تفتحينهما ثم تأخذين نفساً... نفساً عميقاً كأنك تسحبينه من أعماق المحيط. ذلك النفس العميق ذاته هو ما أتذكر جيداً أني أخذته، وأنا متمددة على الأرض يوم العرس.. نظرت حولي باستغراب. لم النسوة كلهن متجمعات حولي منكبات علي؟ تفحصت وجوههن وأنا مستلقية على ظهري متسائلة ماذا حدث؟ أين أنا؟ لماذا أنا على الأرض؟ الأسئلة لم ينطق لساني بها بالطبع، فقد كنت أتفحصهن بصمت. فجأة ميزت وجه أمي فوق وجهي بيدها بصلة، وبيد عمتي ليمونة، وكان هناك ماء يبلل ثيابي، يبلل الأرض من حولي.. لقد فعلوا الأشياء ذاتها يومذاك، وحين أفقت انطلقت شهقات وترددت حمدلات وبسملات. ثم امتدت الأيدي تنهضني عن الأرض. لم أقف فقد شعرت أن ساقي أوهن من أن تحملاني. غمغمت بشيء لأمي فهزت رأسها "أجل يا ابنتي.. وقعت مغشياً عليك كأنك ميتة". ماذا شعرت؟ كيف وقعت؟ "سألت عمتي، فيما كانت العروس ترتعد خوفاً" ديمة!! أمتني خوفاً؟ تموتين في عرسي!" وتبسمت.. "خائفة على نفسك إذن؟" "وكيف لا أخاف؟ سيخرب كل شيء... ستضيع كل فرحة.. هيا.. انهضي.. " نهضت، لكن بكثير من الخور والضعف وخشية السقوط من جديد اتكأت على كتف أمي التي راحت تزيح الفتيات من حولنا شاقة طريقها إلى الخارج. "طريق، يا بناتي، طريق.. ديمة بحاجة إلى الهواء.. هيا يا ابنتي هيا!" وخرجنا إلى الهواء وأنا اشعر أن ركبتي تكادان تتفككان تحتي." كان وجهك لوحة من الشمع. عيناك بلا بريق، "أخبرتني أمي فيما بعد.. عمري كله لم أخف كما خفت حين ذاك، من قلب العافية تصبحين بلا حياة... ومتى ؟ في عرس ابنة عمتك... وقبل كتب كتابك بيوم واحد؟" أرادت أمي أن تعيدني إلى البيت لكن ما كانت رجلاي تستطيعان السير، وكأنهما قصبتان فارغتان من كل قوة. رأتني عمتي على تلك الحالة فأبت خروجي من المنزل. "دعيها تسترح في غرفة حنان بعض الوقت تعود بإذن الله مهرة أصيلة تتعافى وتتواثب". لكن بعض الوقت مر ثم مر بعض آخر وأنا ممددة على فراش حنان... أمي جاءتني بعصير الليمون، بشنين اللبن، بكل ما يمكن أن ينعشني، لكني لم انتعش. كنت أشعر بجسدي كله ضعيفاً، بقواي منهارة، بأعضاء جسمي كلها محطمة وكأني تعرضت لضرب شديد، ركل ورفس... وتساءلت: "أمي ما الذي حدث لي؟" "إغماء.. مجرد إغماء... وأنت ترقصين رأيناك تتهاوين ساقطة ملء طولك على الأرض؟" "لماذا جسمي كله موهن إذن؟" "وهل هي هينة تلك الخبطة؟ ملء طولك سقطت، وبكل ثقلك، لاشك أن هذا رض عظامك... خلع مفاصلك كلها، صدقيني.. خبطتك على الأرض ما تزال تدوي في أذني، صرختي، صرخات الفتيات كلهن وأنت تسقطين ما تزال تدوي في أذني.. فالحمد الله على سلامتك... ولا تعيديها بعد المرة..." "لا أعيد ماذا أماه؟" "ذلك الرقص المجنون أم نسيت كيف كنت ترقصين؟ لا.. لا بحياتي كلها لم أرك ترقصين هكذا، لم أر فتاة ترقص بتلك القوة وذلك العنف.. وكأنك كنت تريدين أن تخرقي الأرض، أن تطيري عالياً في السماء.. لا شك أن ذلك هد قواك.. استنزفها حتى آخر قطرة". بقواي المستنزفة تلك، كنت أسمع هرج العرس ومرجه وقد عاد إلى عهده السابق. الدفوف تدق الزغاريد تنطلق، والغناء ملء الدار والفضاء، يا الهي!! لم فعلت بي هذا؟! ترى ألا استحق أن افرح كما يفرح الناس كلهم؟ أردت أن أتخلص من حزني، يأسي، ترى ألا تسمح لي بالتخلص منهما؟ هما قدري يلازمني ليل نهار، أكثير إن أخذت إجازة منهما بضع ساعات؟ لكن أحداً لم يرد على أسئلتي، فظللت قابعة في غرفة حنان أنتظر أن تعود إلي قواي، أن أستطيع الرجوع إلى العرس فأشارك ابنة عمتي فرحتها حتى النهاية. لكن قواي لم تعد، والعروس خرجت دون أن أستطيع وداعها. وحدي كنت قد ظللت، إذ ما إن رأتني أمي أغمض عيني حتى آثرت أن تتركني في سكينتي وهدوئي. خرجت على رؤوس أصابعها ولم أشعر بخروجها. كنت قد غفوت.. إغفاءة لذيذة غفوت، أحلاماً جميلة رأيت... فيها كلها كان مازن معي.. نتنزه في حديقة أو نتراكض في حقل كله زهور وورود، أو يلحق بي في غابة وأنا أجري، غزالة تطير مع الريح. آخر حلم كان كابوساً... نمر أرقط ضخم الجثة يظهر فجأة من وراء أشجار الغابة يهجم علينا أنا ومازن فنهرب منه. كلانا أعزل لا يحمل سيفاً ولا رمحاً عيناه تقدحان شرراً لا مناص لك من أن تشعر بالخوف حيالهما... خفت... مازن نفسه خاف... أمسك واحدنا بيد الآخر ومضينا نجري.. نجري... نلتفت وراءنا فنراه مكشراً عن أنيابه مندفعاً في إثرنا فنجري.. جاءت شجرة ففرقتنا... ثم جريت.. وحدي...جريت كأنه لم يعد هنالك مازن، أين تراه اختفى؟ وحده النمر كان يجري ورائي مزمجراً زائراً، وأنا ألهث مقطوعة الأنفاس أجري. ألتفت ورائي فإذا بالنمر همام... وجهه وجه همام أنيابه، مخالبه، كلها أنياب ومخالب نمر وهو ينقض علي يريد التهامي، لكن الروح غالية والأنياب تحمل الموت..." اجري ديمة.. اجري... "كنت أحث نفسي" اجري إلى أبيك... أبوك سينقذك "لكن قبل أن أكمل عبارتي تعثرت بشيء ووجدت نفسي على الأرض لا حول ولا طول ، والنمر يقترب مني إلى أن صار فوقي يهم بغرز أنيابه في عنقي. حينذاك فقط صرخت: "لا.. لا". مع صرختي تلك أفقت.. تلفت يميناً شمالاً، لم يكن هناك نمر ولا همام، لا مازن ولا غابة... بل لم يكن ثمة أحد... "الحمد الله... إذن.. هو مجرد كابوس" لكنني تعجبت "لم أنا في غرفة حنان؟" وتذكرت الرقص، الإغماء. "أنا وحيدة فلماذا؟ أين أمي يا ترى؟ أين عمتي؟؟" كان الضياء ملء الكون، وكانت أشعة الشمس تعبر النافذة الشرقية حاملة معها بشائر يوم جديد. في الفراش، وأنا مسترخية. ما يزال يسري في أوصالي خدر النوم، رحت استعرض أحداث الليل،العرس، الفرح، الرقص، وأنا سعيدة بأنني وحيدة. لم يكن ثمة صوت في الدار.. لا شك أن الناس ما يزالون نياماً... العرس، السهر، التعب، كل ذلك يجعل المرء ينام حتى الضحى... "فلماذا أفقت أنا؟ "تساءلت ثم ضحكت "قولي لماذا نمت هنا؟" لا شك أنهم وجدوني مستغرقة في نومي فأبوا إيقاظي.. هذه الغرفة تألفني وآلفها، فكم مرة نمت فيها مع حنان!؟ نتأخر في السهر لديها فننام.. قريبتين متحابتين وصديقتين حميمتين... "إيه حنان!! هوذا عرسك، والليلة دخلتك، فطمئنيني هل كان فارس الأحلام كما تشتهين؟ هل كان كل شيء كما ترغبين؟ الآن عرفت الرجل... أهو لذيذ الرجل؟ أهو كما تتخيلين وتحلمين؟" لكن، حنان كانت بعيدة لا تسمع ولا تجيب، فأسلمت نفسي لخيالي أتصور ليلة دخلتنا أنا ومازن، نرشف رحيق الحب، لكن سرعان ما انتصب أمامي همام... هو نفسه في الكابوس بأنيابه ومخالبه المشرعة يهم بالانقضاض علي وتذكرت، "اليوم كتب الكتاب، يا للهول؟؟" صرخت دون صوت، وأنا أتململ في الفراش متقلبة يمنة ويسرة. "لا، لن يكتب الكتاب". رددت قراري السابق بصوت مسموع لكأنني أريد لأذني أن تسمعا.. "لكن كل شيء معد فكيف الخلاص؟" تساءلت وأنا أشعر بدفعة من قوة تنطلق في أوصالي "أهرب.. أجل... أتسلل الآن، أمضي إلى مرآب الحافلات، أمتطي حافلة وأمضي إلى دمشق، ولا أحد سمع ولا أحد دري". الفكرة أعجبتني.. بل الحقيقة أعجبتني كثيراً، فقد بدت هينة لينة... كثمرة دانية القطاف. لكن ما إن هممت بالتنفيذ، حتى بدت صعبة نائية كنجمة بعيدة المنال، فجسدي المحطم راح يصر وأنا أحاول النهوض من الفراش، قواي التي انهارت الليلة الفائتة بدت وكأنها لم تعد قط، عيناي اللتان غامتا أمس.. عادتا لتغيما من جديد زائغتين مشوشتي الرؤية، وكأنهما زئبق رجراج، فعدت أجلس وقد أيقنت أن الإغماء لم يكن مجرد عابر سبيل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |