وجهان لعنقاء واحدة ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الوجــــه الثانـــــي الـفـتــــــــى

-أف!! أي رنين مزعج!؟ أي صباح مشؤوم، رحت أغمغم وأنا أرفع رأسي فأشعر كأن طبلاً زنجياً يعلن الحرب. دقة سريعة.. شبه متواصلة... من تراه يدق؟‏

فتحت عيني متلفتاً حولي. أين خالتي إذن؟ أين عمي؟ لم لا يرد أحد؟‏

صحت عبر الباب المفتوح، لكن لا الدق توقف ولا أحد رد. متثاقلاً نهضت وأنا ألعن من اخترع تلك الآلة البغيضة التي لا تحمل إلا الإزعاج. كان المنزل خالياً، وكان الهاتف ملحاحاً، ربما مضت عليه دقائق طويلة وهو يرن....‏

آه لولا هذا الهاتف اللعين لظللت مستغرقاً في أعذب نوم... ولكان باستطاعتي أن أتابع حلمي الجميل لكن الطبل الزنجي البغيض قطع علي حلمي بل أنساني حتى ما رأيت فيه.‏

-آلو!! قلت بتراخ وأنا أرفع السماعة.‏

-آلو!! همام!! جاءني صوت بعيد أعرفه ولا أعرفه.. أنا مازن، أكلمك من دمشق.. صباح الخير!!‏

-صباح الخير!! رددت وأنا أكتم حنقي وامتعاضي، "لكن أي خير سألقاه وقد سمعت صوتك؟" تساءلت في سري وأنا أستعيد صورة صاحب الصوت الذي أكرهه حتى الموت.‏

-همام، أين عمي؟ امرأة عمي؟‏

-لا أحد في المنزل، أهناك شيء؟ سألته وقد شعرت أن في صوته رعشة خوف قفزت إثرها أمام عيني صورة ديمة، فتسلل إلي الخوف أيضاً.‏

-أجل.. همام... قل لامرأة عمي أن تأتي إلى دمشق حالاً... ديمة بحاجة ماسة إليها..‏

-ما بها ديمة؟ قل... مريضة..؟. على وشك الوضع؟‏

-أجل.. أجل... كلاهما معاً... قل لها يجب أن تأتي بأقصى سرعة.. هذا اليوم إن أمكن...‏

وحين أغلق السماعة كنت أردد لنفسي وقد تنبهت تماماً من النوم "بأقصى سرعة... هذا اليوم إن أمكن!!.. إذن الأمر خطير.. بل هو أكد لي... مريضة... وعلى وشك الوضع.. كلاهما معاً.. أهو الخطر القديم عينه يا ترى؟ قصور القلب وخطر الحمل والولادة؟" وجلست على أقرب كرسي، كأن رجلي لا تحملانني، أفكر بخبر الشؤم الذي نقله إلي الهاتف المزعج.‏

"لكن أين امرأة عمي؟" تساءلت وأنا أعاود التلفت حولي. كنت أعلم أن عمي يخرج باكراً، لديه دائماً جولة صباحية يمشي فيها ساعة أو أكثر... متريضاً، مكافحاً داء السكري الذي لا دواء لـه إلا المشي. ثم يمضي إلى محله، يفتحه ريثما ألحق به... أنا أحب النوم عند الصباح. هو يعرف عادتي، فيترك لي الصباح أنام فيه ملء عيني. خالتي قلما تزعجني... الحق، هي تحب راحتي... تذهب إلى السوق، تتبضع حاجتها من الخضار والفواكه ثم تعود... توقظني على مهل، تسقيني فنجان قهوة بالهال، نتحدث معاً، نفطر ثم أمضي إلى المحل، حيث عمي يكون بانتظاري، وحيث العمل يكون قد بدأ. تلك العادة صارت جزءاً من طبيعتنا أو قل صارت طبعاً ثانياً لنا والمرء رهن عاداته وطباعه. لا عمي يوقظني باكراً ولا خالتي... بل كلاهما حريص على راحتي. خالتي، على وجه الخصوص، تحبني حب العبادة... تحبني أكثر حتى مما لو كنت قد نزلت من بطنها. بعضهم يشك أنها خالتي سيما وأنا حريص كل الحرص على أن أناديها "يما"... أنا أشعر أنها "يما" وأكثر... فحين حملوني إليها كنت في أواخر عامي الثاني، النطق، لا أحسنه جيداً. المشي أمشي خطوتين وأتعثر في الثالثة. وأمي لم تكن قد فطمتني بعد... كانت، كما رووا لي، حريصة أن ترضع أطفالها عامين كاملين، فالرضاع رحمها الله، كان يقيها من الحمل، لكنها هذه المرة فطمتني قبل العامين كرهاً، ذلك أن السيارة التي انقلبت بها ظهراً لبطن قلبت معها الموازين كلها...‏

جعلتني أحرم الحليب فيما حرمت هي الحياة... ومعها، أبي، أختي، أخي، لقد ماتوا جميعاً... وحدي أنا انقذفت من السيارة، عشرين، ثلاثين متراً لا أدري... ليجدني من جاؤوا للنجدة، أصرخ باكياً ليس لجرح أصابني بل لجوع شديد ربما حل بي، وحاجة ماسة لثدي أمي، ذاك الذي لم أمسه بعدئذ قط.‏

صدر خالتي استقبلني، ذراعاها حضنتاني. فقد كان زوجها عمي وكانا معاً أقرب الناس إلي، إذن أين يأخذونني وقد ذهبت أسرتي كلها؟ بعين الرعاية راحت تكلؤني، بحضن الرأفة والرأمة تضمني، هي التي حرمت من الأولاد... إذ كان الموت لها بالمرصاد، كلما جاءها ولد حصده بمنجله.. خمسة أو ستة ذكوراً وإناثاً، كانت قد دفنت قبل أن أجيء، وكانت طفلة صغيرة على حضنها لما تكمل عامها الأول بعد، ترضعها وتنتظر كل يوم أن يأتي منجل الموت لحصادها. لكن الطفلة لم تمت... وحدها أثبتت أنها قادرة على الحياة فنمونا معاً... ديمة عينها اليمنى وهمام عينها اليسرى، تطعمنا بملعقة واحدة، تسقينا من كأس واحدة، بل تنيمنا في فراش واحد، كل منا إلى جانب من جانبيها، فلم أر نفسي إلا وأنا أناديها "يما"..‏

كبرت قليلاً فروى لي أكثر من فاعل خير كيف قضى أهلي نحبهم في السيارة، إلا أنني لم أغير سلوكي تجاهها ولم أبدل... فقد ظلت بالنسبة إلي الأم التي تحنو علي وتحبوني كل عطف وعناية، ظل تعلق كل منا بالآخر مثالاً فريداً يحكي عنه الأهل والعشيرة.‏

"الله!! من قال إن أمك وحدها هي التي تلدك!؟ لا.. لا.. ثمة قلوب يعمرها الحب إلى درجة تستطيع أن تكون المرأة بها أماً لمن لم تلد..." وهكذا كانت خالتي: حضناً دافئاً وصدراً حنوناً وقلباً مترعاً بالحب: الأكل المفضل لهمام، الشراب الأجود لهمام، المصروف الأكبر لـه، حتى كانت ديمة تغار مني أحياناً، وتبكي احتجاجاً على ذلك.‏

فتح الباب ودخلت خالتي محملة بأكياس الخضار فانقبضت أساريري قليلاً. هي تتبضع، تحمل الخضار وأنا نائم!؟ لكن مائة مرة قلت لها: دعي عنك هذه المهمة، أنا أجيء لك بكل شيء لكنها كانت تأبى.. فأحب شيء على قلبها أن تنتقي حاجاتها بنفسها فلا تأتي إلا بأجود ما في السوق.‏

-صباح الخير، يما، بادرتها وأنا أسرع إليها أحمل عنها أكياس الخضار.‏

-صباح النور... أنت مستيقظ باكراً؟ أيقظتك الأخبار؟‏

-أية أخبار؟‏

-العراق... السوق كله يضج بالحديث... افتح المذياع... افتحه... بدأ الأمريكان الحرب... وأسرعت إلى المذياع!! كانت قد مضت علينا أشهر ونحن بانتظار الحرب... أمريكا تهدد، بريطانيا تتوعد وكلتاهما ترسل ببوارجها وغواصاتها، صواريخها وطائراتها إلى مياه الخليج كله ودول الخليج، تحشد وتحشد بانتظار اللحظة المناسبة التي تنقض فيها على العراق.‏

الخبر الأول في المذياع كان: في الساعة الخامسة وخمس وثلاثين دقيقة قصفت صواريخنا بغداد... وكانت ثمة فرحة... الإذاعة تهلل وتهزج وهي تفصل الأخبار: بناء على معلومات استخبارية دقيقة تؤكد وجود صدام حسين مع أعضاء قيادته في منزل محدد ومكان محدد، أطلق أربعون صاروخاً من صواريخنا الكروز على ذلك المنزل فدمرته تدميراً كاملاً، ماسحة عن وجه الأرض كل من كان فيه وعلى رأسهم ذلك الطاغية المستبد، الجزار، السفاح الذي يهدد أمننا وأمن العالم.‏

وأجفلت، أكاد لا أصدق أذني....‏

-أتسمعين يما؟ سألت... هكذا بلمحة عين يذهب صدام حسين؟ تباد قيادة العراق...!؟‏

-لا... لا تصدقهم... هناك في السوق يتحدثون عن شيء آخر...‏

-ماذا؟ قولي يما...‏

-وما أدراني أنا همام!؟ حرب إ... إ.. إعلام... د.. دعاية..!.. لا أدري ما هي.. لكن، كلهم يقولون إنه كذب.. تضليل...‏

-لكنها إذاعة البي بي سي... أتكذب هذه الإذاعة الرصينة الرزينة؟‏

-لا أدري.. أنا أقول لك ما سمعته في السوق... بعضهم سمع إذاعة بغداد وإذاعة بغداد كذبت الخبر... أذاعت بياناً صادراً عن القيادة!! عن صدام بالذات.‏

-أوه، الحمد لله!! خاب فألهم إذن!! أرادوا قتله لتكون الضربة القاضية فتنتهي الحرب قبل أن تبدأ، ويستسلم العراق قبل أن يتسنى لـه القتال....‏

-أجل.. هذا ما يتحدثون عنه بالسوق...‏

وبقدر ما شعرت بالأسى على العراق الذي انقضت عليه الوحوش تفترسه، شعرت بالفرح لأن خنجر الغدر الذي سدده الأنكلو أمريكان إلى صدر العراق انزلق بعيداً فلم يصب مقتلاً...‏

كانت البي بي سي، صوت أمريكا، إذاعة الكويت... وبعض إذاعات الخليج واثقة من أخبارها لكن الإذاعات الأخرى لم تكن كذلك. دمشق، عمان، القاهرة... وبعض الإذاعات العربية كانت تشكك بصحة الخبر، وحين استطعت التقاط بغداد، أيقنت أن حرب غوبلز عادت تشن من جديد... فتنفست الصعداء. الرأس ما يزال موجوداً، إذن ما يزال ثمة أمل.... إن دخل الأمريكان العراق، سيقاتل بالتأكيد وكل ما أريده أن يقاتل العراق، عل أمتنا تثبت أنها ما تزال أمة حية لا جثة ميتة، بلا ناب ولا ظفر...‏

-ألا تشرب القهوة؟ سألتني خالتي وهي تأتي بالفنجانين المعتادين، لكن بدلاً من أن نجلس في فسحة الدار تحت الأشجار، جلسنا في غرفة القعود، حيث كانت أصابعي لا تفتأ تحرك إبرة المذياع من أخبار إلى أخبار...‏

-سلمت يداك!! قلت وأنا أرشف رشفتي الأولى، أنا بأمس الحاجة لمثل هذا الفنجان... ثلاث لفائف من الدخان دخنت...‏

-إذن.. ثمة من أزعجك!؟ أيقظك.. فمن هو؟‏

-أوه!! صحيح!! هتفت وأنا أضرب جبيني براحة كفي... كدت أنسى.. مازن اتصل..‏

-مازن!! صاحت فاتحة عينيها على سعتهما كإوزة أحست با لخطر.‏

-إذن هناك طارئ، خبر سوء أزعجك.. فما هو؟‏

ماذا قال؟‏

نقلت لها الرسالة حرفاً بحرف فبهتت لحظة لا تتكلم ثم انطلقت –أذهب إلى دمشق... واليوم؟ إذن... هي في خطر... ليست مريضة وحسب، بل هي في خطر...‏

وحملتني كلماتها إلى الماضي... قبل سنة، سنتين، لم أعد أدري بالضبط... جاءني خبر فانتفضت، أنا الذي انتفضت يومذاك وليست هي... هي كانت تعلم... الشيء الوحيد الذي أخفته عني، ربما، هو ذلك الخبر... ديمة كانت قد رجتها متوسلة متضرعة ألا تخبرني به.... لكن الأخبار تأبى إلا أن تخرج برؤوسها. احبسها في قمقم تشق القمقم وتخرج؟.. أغلق عليها بسدادة من فولاذ تحطم سدادة الفولاذ وتنبق برؤوسها. وهكذا سمعت.. جئت إليها "صحيح.. يما... ديمة تزوجت!".‏

"من قال لك؟" سألتني بتعثر وتلعثم... "ليس المهم من قال لي.. المهم.. الخبر صحيح أم لا؟".‏

ولم يكن باستطاعتها أن تنفي الحقيقة، فمن أخبرني كان لديه الإثباتات الدامغة التي لا تترك مجالاً لشك أو كذب، فاعترفت "أجل.. همام.. ولا تؤاخذني.. لم أستطع أن أخبرك..".‏

"لكن كيف توافقين؟ كيف يوافق عمي؟ ألا يشكل الزواج خطراً عليها؟".‏

"لا.. الحمد لله.. هي شفيت، مرضها زال بالعلاج.. لم يعد هناك خطر.‏

"كيف وبالأمس فقط، كانت تقول: الزواج هو الموت الزؤام، الحمل والولادة هما الهلاك الأكيد؟..". وحكت لي القصة كاملة ثم ختمتها بالقول.‏

"كان لابد من أن نوافق... فقد عالجت نفسها.. والتقارير الطبية كلها كانت تؤكد شفاءها، كلها تؤكد أن لا خطر أبداً"، "يا إلهي!!" هتفت ملء صوتي:‏

"إذن لم لم تزوجوني إياها؟ أنا ابن عمها الذي يحبها.. أنا خطيبها الذي ينتظرها مذ كنا صغيرين.. ألم تكوني أنت نفسك تقولين ديمة لهمام وهمام لديمة؟".‏

"أجل.. همام.. كنت أقول.. لكنها فرضت علينا الأمر فرضاً... أنت كنت قد نسيت الأمر كله. لم تعد تأتي على ذكر ديمة، وهي تكره زواج الأقارب... أنت تعلم بني؟.."‏

وزاد كلامها الطين بلة، ملقياً إياي في متاهة الشرود. إذن خدعتني ديمة. ربما هي منذ البداية لا تشكو من مرض ولا قصور قلب... افتعلت القصة كلها كي تتخلص مني.. أجل... هي تكره زواج الأقارب... قالت أكثر من مرة إن مثل هذا الزواج خطر على مجتمعها. بغيض على قلبها، بل أكثر من مرة قالت لي: أنت أخي... أشعر بك بديلاً لأخي الذي حرمت منه، فكيف تتزوج الأخت أخاها؟ هذه الكلمة أكرهها، أخ أكرهها... فأي حظ تعس؟ الفتاة الوحيدة التي أذوب حباً فيها، أحبها حب العبادة. لا ترى في إلا الأخ، لا تستطيع معاملتي إلا كأخ... هي تثق بي، تحبني، تعتمد علي... لكن كل ذلك كأخ وليس كشيء آخر... أنا أريد الشيء الآخر، أنا الذي يحبها، أنا من يرى فيها الهواء الذي يتنفسه، الماء الذي يشربه، والنسغ الذي يستمد منه الحياة، فكيف أتنازل عنه أو أدعه ينقطع؟‏

هي الحلم الذي عشت به وله ومن أجله، كيف أتخلى عن ذلك الحلم؟ وبأية حجة.؟ أننا أخوة ربينا معاً، شربنا معاً نمنا معاً وربما رضعنا معاً، من ثدي أم واحدة؟ لكن لا، أكثر من مرة سألت أمها أمامي.. "أمي حين جاؤوا به إليك، ألم ترضعيه؟" وأكثر من مرة، أجابتها الأم:‏

"لا، ديمة، كنت أنت على صدري، فقلت حرام أرضعه فيصير أخاك، أنا التي لا تريد ابن خالتك أن يكون أخاك.. كل عمري أعتبر هذا حراماً، أحرص على ألا أفعله"، وكان ذلك يسرني فيما يغيظها، هي التي كانت منذ البدء تتمنى، وعلى الدوام تتمنى لو كنا أخوين لا يحل واحدنا للآخر فترتاح... لكن أنى لي أنا أن أرتاح؟ سمعت بنبأ زواجها من غيري فجن جنوني، ودون أن أخبر أحداً، لبست دشداشتي وعباءتي وتأبطت خنجري ثم مضيت... في ذهني شيء واحد: أن أنتقم من غادرة خانتني ولعبت بي، خدعتني حتى أبعدتني عن الطريق ثم تزوجت بآخر، ربما لا يساوي قلامة ظفري..." هكذا تفعلين يا ديمة؟" سأسألها... وبعد أن أقصدها في مكان عملها عامداً متعمداً... سأذهب إلى مدرستها... منزلها لا أعرفه... وبدوي يسأل عن منزل في دمشق قد يثير الشكوك فيحصل مالا يحمد عقباه...!! "إذن... اذهب إلى مدرسة القبالة مباشرة يا همام... هناك تطبق عليها إطباقة الفخ". وذهبت". قلت لهم أنا ابن عمها، معي زوجتي مريضة وأريدها أن تدخلها المستشفى، فلم تتوان الآذنة لحظة واحدة... ثوان ثم عادت إلي تقودني إلى مكتبها... هي التي كنت مذ سماعي بنبأ زواجها أخطط للانتقام منها". تريد أن تسعد مع سواي، خسئت.. حياتها ملكي، سعادتها معي فلماذا هذا التفرد والأنانية؟ لماذا تفكر بنفسها فقط؟" لكن خلال صعودي الدرج كنت قد ترددت:‏

"أهجم عليها في الحال، أغرس في صدرها الخنجر، أم أناقشها، آخذ وأعطي معها؟" أصعد درجة وأنا على هذا الرأي.. لكن على الدرجة الأخرى أنقلب لذلك، ولم أستطع البت حتى أدخلتني الآذنة الممر. ثمة ممرضات، طالبات، أطباء، طبيبات والحابل مختلط بالنابل.‏

"اضرب ضربتك همام.." كان آخر ما فكرت به وأنا أسير في الممر حيث الحابل مختلط بالنابل.‏

"الطاسة ضائعة.. بحجة السلام انقض على فمها، أطبق يدك عليه واغرس خنجرك في القلب.. خلجة أو خلجتان وينتهي الأمر، ثم تطلق ساقيك للريح فلا يعرفون بالأمر إلا وقد صرت خارج دمشق".‏

الخطة جاهزة، لكن ما إن دخلت مكتبك ووقعت عيناك علي حتى شعرت بقراري يطير مع الريح، بترددي يعاودني من جديد. إنه السحر نفسه ذاك الذي كانتا تمارسانه علي طوال حياتي.. السحر الذي جعلني دائماً أنقاد لك، رغم أنك أنت الأصغر، أنت الأضعف كنت تقودينني، تأمرينني فألبي، خادماً مطيعاً... أتذكرين يابنة عمي ومهجة روحي؟ تقولين لي تعال أجيء، اذهب، أذهب... كنت واثقة دائماً من وقع سحرك علي فتفعلين بي ما تشائين. هذا الصبي عاكسني، اضربه، أضربه. تلك الفتاة لا أحبها، فلا تكلمها. لا أكلمها. أنا متعبة اكتب عني الوظيفة، أكتبها... أنا العبد المطيع الذي لا يعصى لك أمراً.‏

"يا هلا ومرحبا.. يا هلا.. يا هلا.. بابن عمي"، استقبلتني، وأنت وراء طاولتك بابتسامتك المعهودة فزدتني تردداً وبلبلة، ثم أضفت "وأخي" فشعرت بالخنجر ينغرس في ظهري من جديد. لكنني تماسكت متقدماً باتجاهك تسحرني ابتسامتك، يسحرني وجهك، يسحرني صوتك، فأغدو حالماً مجنحاً يحلق طائراً إليك، أنسى الخنجر الذي تأبطته، والخطة التي رسمتها والهدف الذي جئت من أجله، وأمضي إليك... تخرجين من وراء الطاولة، تقتربين مني... شجاعة واثقة من نفسك، تمسكين بيدي.. أتذكرين؟ حنان الأرض كله، حب الأرض كله، دفؤها كله يسري عبر مسامات جسدي فأغدو مجرد قدمين متسمرتين وعينين عالقتين بشباك سحرك يابنة عمي ومهجة روحي!! يدي الممدودة ما تزال بين يديك، ورغم أنها الأقوى والأكبر أشعر أنها بينهما تتحول إلى عصفور ضعيف صغير يبحث عن الأمان بينهما، تريد أن تظل العمر كله فلا تتركهما أبداً...‏

لكن يديك تتركانها، لسانك يلقي أمراً للآذنة بأن تأتي بالقهوة، إصبعك تشير إلي أن اجلس فهل أملك إلا أن أجلس؟ وتبدئين طفلة بريئة محبة تسأل عن الأهل؛ فهل أملك إلا أن أجيبك؟! ثم أنتفض... أريد الإمساك بزمام الأمر قبل أن يفلت كلياً، وأسألك ذلك السؤال الذي كاد يفقدني صوابي وتجيبين.. بشجاعة تجيبين. كنت تعلمين أنني ما جئت إلا لشر، فعيناي كانتا تقدحان شرراً. رأيت ارتعاشتك الأولى حين رأيتهما، لكنك تماسكت.. بسرعة تماسكت، اتخذت وضع الواثقة من نفسها، العارفة بسحرها الطاغي، بموقعها في قلبي... أنت يا حلمي الجميل الذي ضاع، فضيع قدرتي على المبادرة... زعزع ثقتي بنفسي فعدت للخيار الآخر الذي طالما تصارع مع الأول... "أناقشها".‏

همست لنفسي، "أسمع وجهة نظرها، لعل هناك فعلاً ما يبرر سلوكها، فلا أقتلها، هي ابنة عمي، وحبيبتي، هي كل ما لي في هذه الحياة". وكان نقاشاً حامياً، كنت أريدك فيه متهمة في قفص أكيل لك الضربات الساحقة واحدة تلو الأخرى لكن عبثاً... كنت محامية دفاع ماهرة تقارعين الحجة بالحجة إلى أن أفقدتني أعصابي فرفعت يدي بالخنجر أريد غرسه في صدرك، لكن جفناً واضحاً لك لم يرف، لم تصرخي! طلباً للنجدة، لم تقعي على ركبتيك متضرعة متوسلة. عنقك مددته لي... "اذبحني... إن شئت" قلت بكل رباطة جأش.. "هذا عنقي أمامك فاذبحني..." لم يخفك الخنجر!!‏

لم يجعلك ترتعدين...! أعرفته يا ترى؟ لا شك أنك عرفته. إنه الخنجر نفسه الذي أهديتني إياه... أنت بيدك أهديتني إياه يوم خط شارباي وبلغت مبلغ الرجال.. كنت فرحة أنني بلغت مبلغ الرجال... أنا الذي لم تريني يوماً إلا أخاً وظهراً وسنداً لكن كيف تراني أمد يدي إلى ذلك العنق الجميل إلا ملاطفاً مداعباً لاثماً مقبلاً؟ ثم جاءت ضربتك القاضية وأنت تقولين "لكن تذكر أنك لا تذبح ابنة عمك وحسب، بل أختك التي عاشت معك العمر كله لا ترى فيك إلا أخاً غالياً... ظهراً لها وسنداً". في تلك اللحظة شعرت أن مفاصلي تتفكك، قواي تنهار ويدي تعيد الخنجر إلى غمده. في الحال أخذتني بيديك تجلسينني على الكرسي، تحنين علي أختاً ولا أروع... ثم تتابعين ضرباتك الأخرى"، ألم تقل لي اذهبي حرة طليقة كشعاع الشمس؟".‏

قلت حجتك الأخيرة وكلك ثقة أنك ستنهين المعركة. وتذكرت، أجل... ذلك ما قلته لك... لكن ما كان قصدي أن أحررك من التزامك بي... لكنك أكدت أن هذا ما فهمته... حرة طليقة.. يعني قيودي كلها فككتها عنك... لم تعودي ملزمة تجاهي بأي التزام... أنا يائس من شفائك، مرضك لا يتيح لنا الزواج فلماذا لا أحررك من عبء مسؤوليتي؟ وحررتك.. أجل فعلت ذلك بملء إرادتي... لكن لم تتزوجين سواي؟ وأجبت بطريقة مفحمة أيضاً...." شفيت يا بن عمي وأخي.... بعد علاج طويل شفيت. خلال ذلك كنت قد وقعت في الحب.. أنت تعرف الحب؟" قلت لي، وبكل جرأة وذكاء تابعت "وهل يملك المرء نفسه مع الحب؟ هكذا أنا، مثلي مثل كل من يحب، رأيتني أحبه... أعبده... فهلا عفوت عني، غفرت لي، سامحتني!! هكذا طلبت مني العفو والغفران... أشعرت أني مغلوب مهزوم... لا يستطيع انتقاماً ولا ضرب خنجر فهاجمتني؟.. أنت تعلمين أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، فعمدت إلى مهاجمتي باعترافك لي بالخطأ.... خطأ أن تحبي سواي ومن وراء ظهري أم أن تشفي وتصبحي قادرة على الزواج؟ أنت بريئة، شكلك، سيماؤك، نبرة صوتك كلها تدل على أنك لا تشعرين بذنب ولا يؤنبك ضمير... أنا المسكين الجالس أمامك، الذي جرد من كل حب للثأر أو ميل للانتقام والذي أفحمته بحججك حولته من مهاجم إلى مدافع، ألم تشفقي عليه؟ ألم تشعري لحظة واحدة أنك غدرت بي؟ لا أدري. ما أدريه أني غدوت بلا عزيمة. أن قلبي امتلأ شفقة وعطفاً وأنا أسمعك تطلبين مني، بنبرة الأخت التي عرفتها كثيراً مستنجدة مستغيثة.‏

"إذن.. اعف عني.. اغفر لي سامحني يا بن عمي وأخي" وشعرت بقهر شديد يملأ نفسي، بغيظ شديد يملأ صدري ودون إرادة مني صرخت وأنا أكاد أنهار في الوقت ذاته. "أعفو عنك.. أجل.. لكن أغفر لك..؟ أسامحك...؟ لا وألف لا...‏

ومضيت خارجاً... لكن أتعلمين ما كان يعتمل في نفسي وأنا خارج من عندك؟ أتعلمين ما كنت أردد وأنا أغادر المستشفى.. منخلع القلب، خائر العزيمة؟‏

لا.. أنت لا تعلمين يابنة عمي، يا حبي الأول والأخير، الواحد والوحيد... كانت شفتاي تتمتمان بدعاء واحد رفعت رأسي معه إلى السماء". "اللهم ابعد عنها كل خطر، اللهم اجعل شفاءها دائماً ولا تعد لها قصور القلب أبداً".‏

- - -‏

-بني، همام، سمعت صوت خالتي يقطع حبل شرودي وهي تقترب مني محركة يدها أمام عيني خائفة... أين ذهبت عني؟ أين شردت؟‏

-لا.. لا مكان يما... أنا معك هنا.‏

-ابنة عمك في خطر شديد، لا شك أنه مرضها نفسه... عاودها من جديد، فهلم معي نذهب إليها همام.‏

-أنا أذهب إليها؟ كيف يما؟‏

-توصلني، ترافقني.. أنا لا أعرف دمشق..‏

-وأنا أكره دمشق... لا.. يما... أرجوك... خذي عمي... أنت تعلمين. يصعب علي كثيراً أن أرى بيتها، زوجها....‏

وكان أكره ما أكره حينذاك أن أضطر لرؤية ذلك الرجل الذي أزعجني صوته منذ الصباح، فكيف بوجهه وشكله؟ كيف باضطراري لأن أمد يدي إلى يده؟ أصافحه؟ أسأل عن صحته؟ هو الذي تجسد لي ذات يوم إبليساً رجيماً بودي لو أمسك به فآكل تفاحة آدمه.. منافسي البغيض أذهب إليه بنفسي؟ غريمي الذي سلبني حبي وحياتي تكون بيننا صلات رحم ومودة؟ لا.. لا... وجهه الشيطاني ذاك لا أريد أن أراه.. لولاه، ربما كانت ديمة لي.. شفاؤها كان سيتيح لنا أن نتزوج، لكن هو، ذلك الإبليس الرجيم، ظهر بغتة فحال بيني وبينها، نصب الحواجز فلم تعد تراني قط... لم تعد تفكر بي، بل ربما هو من أنساها إياي كلية.‏

-أنا أكرهه... أكرهه.. لم أمنع نفسي من رفع صوتي. لا أريد أن أراه أبداً.‏

-إذن، اذهب فابعث لي عمك.. قالت وهي تتأملني قليلاً فاهمة بالتأكيد ما كان يعتمل في نفسي، يجب أن نذهب إليها في الحال.‏

ومضيت إلى عمي... كان حوله بضعة رجال وكانوا جميعاً مشدودي الأعين والآذان إلى تلفاز المحل الصغير ينقل لهم الأخبار أولاً بأول.‏

كانت الشوارع خالية أو تكاد، وكانت نظرات المارة ملأى بالحيرة والخوف، أعينهم تنظر من حين لآخر إلى السماء وكأنها تتوقع صواريخ عابرة أو طائرات قادمة. وكان الكل وكأن على رؤوسهم الطير. فالتلفاز كان ينقل بالصوت والصورة غارة جوية على بغداد.. عشرات الطائرات تنقض على مدينة الرشيد تمطرها بشآبيب من قذائف لا تلبث أن تنفجر هنا وهناك محدثة دوياً هائلاً مهدمة منازل، مدارس، مستشفيات، جسوراً، مشعلة حرائق، دخانها سحاب كانوني أسود كثيف. لم يلتفت أحد إلي ولم يعط بالاً... القصف الشديد كان قد أخذ بلبهم، بعيونهم وآذانهم ليطلقوا الحسرات على العراق وهم يرونه يحترق....‏

-الأنذال.. السفلة... يريدون أن يدمروا كل شيء، صاح أحدهم فتبعه الثاني...‏

-هي ذي المرة الثالثة، فكم هم حاقدون على العراق!!‏

-ليحمك الله منهم يا عراق!!‏

-أواه... يا أهلنا هناك!! ماذا سيحل بكم؟‏

وبدا الكل متشائماً، مهموماً، متحسراً إلى درجة وجدت نفسي أنخرط في همهم المشترك دون أن أجد شجاعة أو فرصة للبوح لعمي بما جئت إليه به.‏

كان الدخان الأسود، سحاب كانون الكثيف، يغطي سماء بغداد كما البصرة، الموصل... المدن العراقية الأخرى كلها، وكان التلفاز يتنقل بين هذه وتلك وقد بث مراسليه في مدن العراق جميعاً، حتى أم قصر البلدة الصغيرة، آخر امتداد للعراق وصلة وصله مع الكويت كان التلفاز يغطيها بأخباره، وكانت مدفعية البوارج والقوات الأنكلو أمريكية في البر والبحر والجو تقصفها قصفاً شديداً...‏

-لكن لماذا؟ سأل أحدهم محنقاً يأكل الغيظ صدره... هذا الميناء الصغير لماذا يريدون تدميره؟‏

ولم يجب أحد، كأنما السؤال عصي على الجميع... "صحيح" فكرت أنا "هم يقولون يريدون بغداد وإسقاط نظام الحكم، حكم صدام الدكتاتور المستبد، فما شأنهم بأم قصر؟".‏

وعادوا يؤكدون خبرهم الأول من جديد: القصف الأول الذي استهدف صدام حسين قضى على صدام حسين... المعلومات كلها تؤكد أن الرجل صار هباء... ذهب تحت الأنقاض...‏

-خسئتم!! صاح أحدهم وكان يحب صداماً حب العبادة، صدام لا يزال موجوداً... هو حي لا يموت.. فرد عليه الثاني:‏

-لا.. لا تتحمس كثيراً معجون، أقمارهم الصناعية تكشف كل شيء وهم لا يكذبون.‏

-لا، لا، مؤكد أنه مات.. بل إحدى الوكالات قالت إنهم لو لم يحددوا موقع صدام ويقصفوه لما بدأت الحرب اليوم... لقد بدأوا الحرب بقتله...‏

-أذنهم أطول من يدهم... صدام باق كي يتصدى لهم.. فإن مات كما يحلمون انتهى كل شيء.‏

وبدأ جدال بين الرجال، كبار السن، أصحاب عمي، حيث لم يكن لي مكان ولا دور للمشاركة فيه. فجأة، جاء خبر أوقف الجدال، صار الناس كلهم آذاناً صاغية لـه.. كان خبراً عن قصف جديد، لكن هذه المرة بالصواريخ الآتية من بوارج في البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي... فبهت الجميع... من هناك يقصفون العراق! كان السؤال في أعينهم. من بعد آلاف الكيلومترات يرسلون الصواريخ فتصيب أهدافها بدقة مخيفة؟ كم هي متطورة التكنولوجيا لديهم!؟ كم بيننا وبينهم من مسافات شاسعة!؟ يتقدمون ونحن نراوح في مكاننا.. التكنولوجيا... هذا التنين المرعب.. ينفث النار والدخان على العراق، ترى ألن يحيله إلى رماد؟.‏

وساد صمت الرهبة على الوجوه صفرة، وفي العيون حزن... إنه الموت... نار حارقة تلتهم أخوتك وأنت تتفرج، لا حول ولا طول... ما تستطيع فعله فقط هو أن تطلق الآهات...‏

مع الآهات الحزينة تذكرت خالتي والرسالة التي أرسلتني بها، فهي أيضاً كانت تتحسر وتطلق الآهات... لكن لسبب آخر ولا شك... وماذا في ذلك؟ تعددت الأسباب والآه واحد... شعرت للتو بالذنب فاقتربت من عمي منحنياً عليه.. أوشوشه في أذنه فيما بدأ الرجال بالانسحاب وكأنهم يريدون إتاحة الفرصة لنا كي نتكلم.‏

-خالتي تريدك في المنزل..‏

-تريدني؟ خيرٌ؟ هل من طارئ؟ أجابني مفاجأً، سائلاً بصوت عالٍ وقد خرج آخر رجل.‏

-اتصلوا من الشام، أشرت مشيراً بيدي إلى البعيد والوراء، ديمة بحاجة إليها.‏

-هي مريضة؟‏

-أجل... هززت رأسي أكثر مما تكلمت. وهي تريدها أن تذهب إليها اليوم..‏

-اذهب، فخذها إذن..‏

-أنا، عمي؟‏

-أنت.. أجل... وماذا في ذلك؟.‏

-فيه الكثير... لا عمي... أرجوك اذهب أنت معها... وأنا أبقى هنا.‏

أطرق عمي قليلاً مفكراً ثم نهض مستجيباً لرجائي لكن قبل أن يغادر عتبة المحل وأنا في أعقابه التفت إلي بابتسامة ذات معان ومعان "لكن علمي أنك كنت تحب الشام؟ تحلم بالذهاب إليها". "أجل.. عمي... كنت... أتذكر؟" لكن عمي كان قد غادر مسرعاً...‏

فعدت إلى طاولتي شارداً مع ذكرياتي.‏

كانت ديمة قد تخرجت، وكنت أبني أحلامي كلها على تخرجها، لكنها ضربت تلك الأحلام عرض الحائط... إذ بدلاً من تعيينها في بلدها، عينت في دمشق.. معركة حامية خضناها يومذاك، أنا وعمي وخالتي في جانب وهي وحدها في الجانب الآخر... حججاً واهية قدمت يومذاك... أنا لم أقتنع بواحدة منها، أمها لم تقتنع بواحدة منها. لكن عمي وحده تراخى، قال: "لا بأس... القانون يقضي بذلك.. ليكن ما يريده القانون"، لكنني كنت أشعر أن وراء الأكمة ما وراءها، أن مشاكل جديدة وهموماً جديدة سيجرها علينا ذلك التعيين... قلت لـه يومذاك "عمي... هذا العرق نذير شؤم، اقطعه وسيّح دمه.. هي تستريح ونحن نستريح". لكنه لم يقطع العرق ولم يسيّح دمه... ترك لها فرصة جديدة، هو، أبو القلب الطيب، العطوف الرحيم... وعادت إلى دمشق قابلة قانونية تدّرس في المدرسة التي تخرجت منها...‏

شعرت يومذاك أنها أفلتت من قبضتي... سراباً لا أكاد أمسك به حتى يولي الأدبار... ألحق به... أمضي وراءه وكلي أمل أن أمسك به مرة ثانية... لكنه يفلت مني... أنا ظامئ.... يكاد يقتلني العطش، وهي الماء... أراه بعيني... أعمل جهدي للوصول إليه فأنهل منه وأرتوي ، لكن عبثاً... كل مرة يتحول الماء إلى سراب ثم يبتعد السراب وينأى كلما اقتربت منه...‏

"آه يابنة عمي ومهجة روحي، كم أضناني بعدك، وكم عذبني جفاك!! أقضي الليالي مسهداً أرقاً، في عيني صورتك، وفي رأسي خيالك، وفي قلبي حب جياش محوره أنت؟ فلم لم تشعري بي؟ هذا الحب الجارف لم لم يجد صدى لديك؟ أخ!؟ تقولين أنت أخي... لا.. لا... أنا القلب الذي يمور هوى بك، أنا الروح التي تشتعل عشقاً وغراماً؟ فكيف تتجاهلين هذا كله وتريدينني مجرد أخ؟ لا.. يا بنة عمي ومهجة روحي!! لقد ظلمتني أيما ظلم!! حرمتني أمتع متع الحياة؛ الحب الذي لم أعرفه ولن أعرفه بعدك... لقد استقطبت عواطفي مذ كنا صغيرين نلعب معاً، نأكل معاً نذهب إلى المدرسة معاً.. أتذكرين؟ لم تكوني تفارقينني البتة... تلجئين إلي إذا ادلهم الجو، وتلوذين بي إذا أرعدت وأبرقت... وإن أمطرت أكون لك المظلة التي تقيك حبات المطر والبرد... اللقمة الطيبة أحرمها نفسي وأقدمها لك، الشربة العذبة أوثرك بها على نفسي، الدفتر، القلم، الهدية، المصروف... نفسي ذاتها أقدمها لك ولا أتردد..‏

عمرنا قضيناه معاً... حبنا صنعناه معاً.. الله كم كنت متعلقة بي!! كم كنت تحبينني!! فكيف تحول ذلك كله إلى حب أخ ؟ لماذا أردتنا أن نكون أخاً وأختاً فحسب؟ لكن لا يابنة عمي ومهجة روحي، ما كل لحم الطيور يؤكل وأنا ابن عمك الذي تعرفين... قذفتني السيارة، وأنا طفل صغير، ثلاثين متراً عالياً في السماء لأسقط على الأرض ولم يكسر لي عظم أو أصب بجرح. مات أهلي جميعاً لأعيش وحيداً يتيماً، بنيتي القوية هذه جعلتني رياضياً من الطراز الأول. وقعت كثيراً، تعثرت كثيراً، لكن شيئاً لم يؤثر علي ولم يجعلني أستسلم فهل أستسلم لحججك ومراوغتك!؟ الحرب معلنة بيننا والمعركة دائرة... معي حتى أمك ووالدك.. وأنت ليس معك أحد فكيف تنتصرين وأنهزم!...؟‏

قلت لعمي بعد أن اتفقت مع أمك، وقد مضت أشهر على تعيينك في دمشق: "عمي، أنا خائف كثيراً على ديمة... بقاؤها وحدها في الغربة سيعرضها ويعرضنا للمشاكل". "بيدك حق.. أنا أيضاً خائف عليها" قال فقلت أتابع الضغط" هي فتاة صغيرة السن... لا ندري من يلعب بعقلها... فتجلب على نفسها وعلينا العار". "معقول؟ أتفعلها ديمة؟". "وما أدرانا عمي..؟ هي غريبة لديها راتب ومطموع بها، فما الضمانة ألا يكيد لها كائد أو يتآمر عليها متآمر فتضيع منا ديمة؟". "تضيع؟ أجل.. هذا ما أخشاه كثيراً". "وإذا ضاعت ضعنا جميعاً عمي... سنخسر ديمة إلى الأبد ونخسر أنفسنا سيما إن كان هناك عار وشنار، ثأر وانتقام". "أعوذ بالله همام!! ما هذا الذي تقول؟" "إنه هاجسي عمي، فلنقطع الطريق على كل احتمال كهذا ولنعدها إلى بلدها هنا، تكون في حمايتنا ورعايتنا ونضمن شرفنا وكرامتنا".. "فماذا ترى؟". "نذهب إلى دمشق ولا نعود إلا بها... ننقلها، نكتب كتابي عليها.. المهم نربطها برباط لا فكاك لها منه". "وهو كذلك". قال، ثم شددنا الرحال إليك، أتذكرين؟ ذهبنا وفي ذهننا خطة وفي نفسنا تصميم... كان الحب قد أضواني يابنة عمي ومهجة روحي، وكان أرق الليالي قد أوشك أن يجعلني جلداً على عظم، وكانت الماما، خالتي وأمك، قد لاحظت كل ذلك وأشفقت علي... هي التي لا تريد شيئاً من الدنيا قدر زواجي بك.... فنصبح لديها لحمة وسداة لنسيج واحد حاكته هي بنفسها طوال ليالي عمرنا معاً، سألتني ذات يوم عن سبب ذبولي وهزالي فاعترفت.... أجل... اعترفت لها بكل شيء... "سأموت إن لم تكن لي ابنة عمي... ديمة مقابل حياتي.... أنا أموت بها عشقاً يما... فساعديني... لم أعد أحتمل فراقها... لم أعد أطيق هذه المماطلة والإرجاء... يجب أن نتزوج يما". وأطرقت قليلاً ثم أشارت علي أن أفاتح عمي بالأمر بل لقنتني ما علي أن أقول لـه واعدة إياي بأن تمارس الضغط بدورها عليه... بأن تزيل من نفسه كل تردد أو تهاون معك... وحين طرقت حديد عمي كان حامياً فالتوى في الحال وطاع ليتخذ قرار السفر إليك.‏

"آه كم كنت سعيداً حينذاك!! كم رقصت في سري وهزجت وأنا أسير بهما إلى الحافلة الماضية إلى دمشق، كنت أحمل عنهما كل شيء، أقضي لهما كل حاجة، أجيء لهما بالماء، بالشراب، بالشطائر، "لا تزعج نفسك عمي... لا تتحركي يمّا... أنا أخدمكما بعيني"... وفوجئت أنت... أجل... رأيت المفاجأة في عينيك.. على قسمات وجهك بل حتى لسانك تلجلج وتلكأ وأنت ترحبين بي... هكذا دون سابق إنذار أجيئك... وأنت لا علم، لا خبر..." كانت قد مضت أشهر لا تزوريننا فيها لكأنك نسيت أهلك وبلدك... وكان الخوف يعشش في حنايا أضلعي كلها... ماذا لو نسيتنا ديمة؟ ماذا لو وجدت فارس أحلامها هناك في دمشق؟ ألن تطير معه على فرسه البيضاء؟".‏

أسئلة كثيرة كانت تتوارد إلى ذهني، يشعلها الحب ويؤججها الشوق لكنني لم أعترف لك بشوقي.. أبوك، أمك، اعترفا... لكنني أنا لم أعترف... وكان ذلك جزءاً من الخطة...! الماما علمتني... "همام، بني، المرأة كالظل إن لحقت به هرب منك، وإن هربت منه لحق بك، فلا تلحق بديمة... أو على الأقل لا تشعرها أنك ملهوف عليها ملوع مشتاق فتهرب منك..." وسمعت منها. تظاهرت باللامبالاة، كنت أموت شوقاً إليك، أدفع حياتي لقاء ضمة منك، نظرة إليك، مع ذلك لم أرمِ نفسي عليك، لم أتكلم كلمة واحدة تدل على لهفتي لرؤيتك.‏

ألاحظت ذلك يابنة عمي ومهجة روحي؟ لا أدري... ما أدريه أن الماما باركت سلوكي... بدت معجبة بالتزامي، بل بدا عليها أنها راضية عن مسار الخطة كلها... وما الخطة؟ الحصار والضغط، الحصار والضغط، إلى أن تجدي نفسك ولا مفر أمامك سوى الاستسلام. وكنت مضيافة، كريمة، معطاءة، بل كنت قمة في النبل والشهامة.. الصفات التي أحبها فيك... ظهرت كلها معاً... ونحن لديك في دمشق... أنت يا من لم تعرفي الخبث يوماً.. لم تعرفي الكيد والتآمر، لكأنك لست من عرق النساء.. لم تدعي مكاناً يزار في دمشق إلا وزورتنا إياه، لم توفري أكلة شهية إلا وأطعمتنا... المتنزهات، المتاحف، المساجد الشهيرة، الأماكن الأثرية... كلها أخذتنا إليها... أنت يا من كنت تقطرين نبلاً... تذوبين رقة وصفاء!! آه!! لكأني كنت بحاجة لما يزيدني حباً لك!! لكأني كان ينقصني وله بك وهيام!! فرحت تزيدينني ولهاً وهياماً... كل ذلك وأنا لا أجرؤ على البوح لك بما في نفسي... الخطة تقضي بكتمان كل شيء، بجعل ظاهري غير باطني فأبدو قوياً متماسكاً أمامك بل أهرب منك علك تلحقين بي ذات يوم أنا الذي كان يلحق بك كل يوم. بريئة كنت ونحن متآمرون، طيبة كنت ونحن كائدون، صافية رقراقة ونحن عكرون... وبالوالدين إحساناً، أليست هذه تعليمات سماوية نشأت عليها وترعرت...؟ وهما والداك فكيف لا تحسنين ضيافتهما، تحسنين معاملتهما... وأنا... من أنا؟ ألا تقولين إنني بمثابة أخيك..؟ إذن، كيف، لا تكونين لطيفة حسنة المعشر، حسنة الضيافة مع أخيك؟.. مع أمك وأبيك!؟‏

وبسبب لطفك وحسن ضيافتك، لم تشعري بما كنا قد خططنا لـه... لم تدركي أن حصاراً محكماً ضربناه عليك، وأننا نضيق الحصار شيئاً فشيئاً، قاطعين عنك الإمدادات، الغذاء، الماء حتى تصبحي ولا حول لك أو طول. المدرسة قطعناك عنها، الزميلات، الأصدقاء، الزملاء كلهم ألقيناهم في سلة المهملات، لنعود نحن عالمك الوحيد، حبل السرة الذي تأخذين منه غذاءك وشرابك. ثم شيئاً فشيئاً طرحنا ما جئنا من أجله.. أمك مهدت... أبوك تحدث... أنا ضغطت. هي ذي الخطة.. وقد نفذناها بدقة وإحكام.‏

"لابد من كتب الكتاب... الآن... وهنا" كان هدف الخطة وكان علينا أن نصل إلى الهدف.. بأي شكل كنت أريد أن يكتب الكتاب فتصبحي زوجتي ويغدو لزاماً عليك طاعتي... قلنا ونحن في طريقنا إليك "سنجردها من كل سلاح... سنجعلها ترفع يديها استسلاماً" وكدت فعلاً تستسلمين... كان الحصار يضيق حولك وكانت الأنشوطة تنشد حول عنقك، وكنت بحاجة للأنفاس، لكن من أين تأتيك الأنفاس وأهلك أنفسهم، أبوك، أمك، أخوك كلهم حاكوا لك مؤامرة لا منفذ منها ولا مهرب؟ الفخ منصوب وعليك أن تقعي فيه... نحن نحشرك خطوة خطوة باتجاه الفخ... فهلمي نكتب الكتاب عند القاضي الشرعي في مكان إقامتك.. أما الدخلة والزواج فبالإمكان تأجيلهما... قلنا لك... لا يهم... دخلة... زفاف... لا يهم! المهم الكتاب الذي يحدد ارتباطك ويجعلك تفي بوعدك كأية حرة وعدت وعليها أن تفي... وكدت ترضخين... في لحظة من اللحظات وأنا أنظر إلى عينيك رأيتك على وشك الرضوخ... لكن فجأة لمعت عيناك كالبرق ثم خرجت لنا بفكرة... ".. لا كتب كتاب في دمشق.." ثم رحت تشرحين وتفسرين "ماذا سيقول الناس عنا هناك في عروس الفرات؟". "أليس عاراً ألا يحضر أقربائي، أهلي وعشيرتي كتب كتابي؟ أليس من المعيب أن أذهب إلى المحكمة هنا كأية لقيطة... مشردة؟" حججاً كثيرة أوردت... أقنعت أباك ثم أمك لكنها لم تقنعني... فقد كان يراودني شعور بأن ذلك كله ليس سوى ذريعة للهرب من جديد أيها السراب...‏

مع ذلك لم تستطيعي الإفلات. قلت "نكتب الكتاب في البلد... دمشق لا..". "حسن... لنذهب إلى البلد".. "ليس الآن". "بل الآن" أبوك أصر كما أصرت أمك وأنا أتوسل إليهما ألا يجعلاك تخرقين الحصار، فإن خرقته هذه المرة نجوت إلى الأبد. ذلك كان شعوري... لقد كنت أعلم مقدار عنادك... تقولين شيئاً، إذن يجب أن ينفذ ذلك الشيء. كلمتك لا تصير اثنتين، ألست وحيدة أمك وأبيك وبالتالي المغنجة المدللة التي لا يرفض لها طلب ولا ترد لها كلمة.؟ في قرارة نفسك كنت تدركين أنك تخوضين معركتك الحاسمة، إما نصر وإما هزيمة. وكنت أرى في عينيك تململك وحيرتك... تريدين أن تفعلي شيئاً لكنك لا تستطيعين... الأنشوطة تضيق وأنت تريدين فكها عن عنقك بأية وسيلة.. الوسيلة الأولى أجدت نفعاً، لكن إصرارنا على الذهاب إلى البلد شدد الحصار من جديد، وضاقت الأنشوطة من جديد إلى أن صرخت موافقة... فكدنا كلنا نطير فرحاً... بل أنا طرت يومذاك فعلاً، خرجت إلى الشارع، بحجة شراء دخان، وهناك مضيت إلى أقرب حديقة أقفز فيها وأتواثب، بعضهم كان ينظر إلي نظرتهم إلى مجنون، بعضهم كان يرى فرحي وابتسامي، فيبتسم تعاطفاً ربما أو إشفاقاً. "لقد حسمت المعركة، هزمت حبيبتك، فافرح يا همام... ستقطف ثمار النصر... بيدك هذه ستقطفها فقد غدت دانية القطاف.. أيام فقط وتغدو زوجتك على سنة الله ورسوله.. فافرح يا همام... ستطوعها حينذاك.. ستفعل بها ما تشاء ولن يستطيع أحد أن يلومك، أو يتدخل بينك وبينها أو يفصلك عنها.. ستقول لها، "هيا، لا وظيفة..." ستحتج وتعترض، فترغي أنت وتزبد" إذن.. قدمي طلب انتقال". "لا.. لا أستطيع". "أنا إذن أستطيع" وأذهب بنفسي إلى مدير الصحة أصرخ في وجهه صرخة هرقل "أنا زوجها ومن حقي لم الشمل... أم ترضى أن تكون أنت في دمشق وزوجتك في حلب؟". فلا يملك إلا أن يرضخ وأسوقك أمامي إلى عروس الفرات طائعة خاضعة لتغدي ملكي الذي لا يشاركني فيه أحد ولا يلومني حتى على تعذيبه أحد...‏

"سأعذبها، بقدر ما عذبتني سأعذبها، بقدر ما لوعتني سألوعها" أجل هكذا قررت.. أعترف لك الآن أنني هكذا قررت، بل خطر ببالي في إحدى اللحظات أنني سآتي بسوط، أجلدك به كل ليلة قبل أن أمارس معك الحب فألتذ بألمك وأفرح لوجعك.. وأجعل منك عظة لنساء الأرض جميعهن فلا تشيل واحدة برأسها على رجل ولا تذيقه مر العذاب... أليس الرجال قوامين على النساء؟ إذن سأكون همام القوام، الجبار القهار... وأقتص لليالي أرقي وأيام عذابي...‏

لكن... رغم الحصار ورغم الطوق المحكم حاولت أن تفلتي... خرجت بحجة الإجازة... أردت أن تذهبي وحدك ومرة ثانية استنفرنا كلنا.. غلطة واحدة ونخسر كل شيء، هذا ما كنا واثقين منه فأبقينا الحصار بل شددناه.. أرسلنا أمك معك... أمك قالت إنك أكثر من مرة حاولت الخلاص.. تعتذرين منها هنا، تهربين منها هناك وكأنك لا تريدينهم أن يعطوك إجازة... لكن أمك، بذكائها، بإصرارها، بتمسكها الشديد بالخطة، أفشلت خطتك... بل حتى الهاتف حرمتك التحدث به... رجلها على رجلك ظلت، أليس كذلك؟ كنت حائصة. هكذا أخبرتنا، كأنك تريدين أن تكلمي أحداً، أو تري أحداً.. لكنها لم تدع لك مجالاً... هن هكذا النساء، كيدهن عظيم... أنت يابنة عمي ومهجة روحي... أيتها البريئة الطيبة، الصافية الرقراقة التي لم تعرف تآمراً أو كيداً.‏

في الحافلة وجدت نفسك... مرغمة لا تملك من أمرها شيئاً. أجل وجدت نفسك تساقين سوقاً، ألم تشعري بذلك؟ بلى أنا نفسي رأيت ذلك الشعور في عينيك... شاة تساق إلى المذبح، لكن لا تتصوري كم كنت سعيداً.‏

"أخيراً تنتصر يا همام... تحسم المعركة لصالحك... وها هي زنوبياك أسيرة مكبلة اليدين تسير طوع بنانك إلى حيث أعددت لها النطع والسيف... لا... لا... ليس النطع والسيف، بل فراش الحب الوثير الدافئ، فقد بدا حبي المنتصر يمتلئ إشفاقاً عليك يابنة عمي، ومهجة روحي".‏

بعد ذلك سارت الأمور على خير ما يرام... بالنسبة إليك كانت على شر ما يرام، أليست الأمور نسبية؟ أليست مصائب قوم عند قوم فوائد؟ كنت صامتة طوال الطريق.. مطرقة... كئيبة... وكان ذلك كل ما حلمت به من قبل... أن أرى الانكسار مرة واحدة في عينيك... ورأيته... حاولت أن أجلس إلى جانبك، أتشفى، أشمت بك أنا المسرور، أنا الغالب وأنت المغلوبة. لكنك لذت بأمك.. جلست إلى جانبها كي تفوتي علي تلك الفرصة. لكن لابأس قلت في سري وأنا أكاد أطير فرحاً... فالحلم بدأ يتحول إلى واقع...‏

"الله!! ما كان أجملك، وأنت، حلمي، تتحولين إلى حقيقة واقعة، أمسكها بيدي، أساعدها في الصعود إلى الحافلة، أساعدها في النزول منها، في الذهاب إلى المنزل، في فرش الدروب كلها لها، سجاداً ونثرها وروداً وأزهاراً. أنت هينة لينة، تسيرين بلا مقاومة، مطواعة لا تبدين أي اعتراض، ثم غدا يوم الجمعة موعداً لكتب كتابنا فلا تنبسين ببنت شفة راضية بهزيمتك مستسلمة لقدرك الذي كان قد خط، مذ انقلبت تلك السيارة بمن فيها فلم ينج منها سوى طفل صغير هو ابن عمك.‏

لكن مرة ثانية سارع الحظ لنجدتك... أنت يا صاحبة الحظ الذهبي.. لعب لعبته فجعل عرس ابنة عمتنا ليلة الخميس... قبل أربع وعشرين ساعة فقط من كتب كتابنا، حيث كانت العشيرة ستجتمع، فيعقد قراننا وتوزع الحلويات وتغدين ولا أمل بالخلاص: وذهبت إلى العرس، طلبوا إليك أن ترقصي "يا إلهي!! لماذا طلبوا إليك أن ترقصي؟، قمت، بخطوات حيية بدأت، هم أخبروني.. كل تفصيل يتعلق بك سألت عنه وأخبروني به.‏

لكن ما إن درت دورتين أو ثلاثاً حتى امتلأت نشاطاً، اشتعلت حيوية ثم بدأت، رقصاً عنيفاً بدأت... رأسك يطوح في الهواء يمنة ويسرة بشعرك الأسود الجميل كراقصات الخليج، يداك تفتلان، تبرمان، تهزان، تلوحان، ورجلاك لولبان متحركان لا يهدأان.. هم أخبروني، كنت شعلة متأججة من نار... أكنت تهربين من قدرك؟ أكنت تبحثين عن ماء يصيب النار بالانطفاء؟ لا أدري ما الذي كان يدور في ذهنك لكنني أدري أنك فعلت ما لم تفعليه في حياتك، أنت الهادئة الساكنة التي كانت تميل دائماً للدعة والكسل، تبتعد عن كل ما فيه عجيج وضجيج، مؤثرة الكتاب والسكينة على ألعاب الصبيان والفتيات... فكيف تركت نفسك لرقص عنيف ألقاك أرضاً وقد أغمي عليك!.؟ لا.. لا أدري ما الذي دفعك لذلك.. لكنني أدري أنهم ما إن أخبروني حتى صرخت "كارثة.. كارثة.. قد ضاع كل شيء".‏

- - -‏

-كارثة!! كارثة همام!! كان صديقي نور الدين يردد وهو يدخل المحل. ظننت، وقد قطع علي شرودي مع كارثة أخرى، أنه أصيب بمصاب ما، فهببت واقفاً:‏

-خير!! لا سمح الله، ما الكارثة؟‏

-ما يجري في العراق، ألم تسمع الأخبار؟ قال وهو يزفر ويتأوه يوشك أن يلطم خديه وصدره، شأن نساء كربلاء في يوم عاشوراء.‏

-سمعت... ومن لم يسمع؟ أجبت وأنا أنظر إلى التلفاز الذي أغلقته بعد أن ذهب عمي وافرنقع صحبه.‏

-يا إلهي!! يقولون إنهم احتلوا أم قصر... قال نور الدين وهو يسرع إلى التلفاز يشغله من جديد.‏

-إذن، بدؤوا الهجوم البري؟‏

-بري، بحري، جوي... هذه المرة لن يدعوا حجراً على حجر في العراق. سيحرقون الأخضر واليابس... قال نور الدين وهو ينفخ نفخات حارقة كأنها صادرة عن موقد نار، فنور الدين يتقد حماسة دائماً... في حرب الخليج، كنا ما نزال يافعين... في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة وكنا نسمع الأخبار فينط نور الدين ولا يحط "المجرمون... يذبحون العراق كله من أجل حاكم... السفاحون... يبيدون شعباً بكامله من أجل فرد؟" ولم تهدأ لـه ثائرة طوال الحرب. في القصف الجوي الذي شنته أمريكا مرة ثانية أربعة أيام بلياليها على العراق، كان أيضاً يسب ويشتم، يرغي ويزبد، مهدداً متوعداً، هو الذي كان نصف أهله في العراق ونصفهم في سورية شأن الكثيرين ممن يقطنون الفرات... ذلك أن بيرسي كوكس وتشرشل، سايكس وبيكو، حين قسموا الهلال الخصيب لم يأخذوا في اعتبارهم أن الهلال الخصيب عشائر تنتنشر في البوادي والقفار دون أن يحدها حد أو يقيدها قيد. العشيرة التي تكون اليوم في شرقي الأردن تغدو غداً غربيه، والقبيلة التي تنتشر في بادية السماوة اليوم تنتشر في بادية الشام غداً، وهكذا وجدت عشيرة نور الدين نفسها وقد شطرت شطرين إثر اتفاق سايكس بيكو وتقسيمها البلاد التي عاملها المستعمرون وكأنها ملك أبيهم، هي التي لا يملك أبوهم منها شيئاً.‏

-انظر!! انظر!! قال وقد امتلأت شاشة التلفاز حرائق نار ودخان... وانطلقت صفارات الإنذار مدوية لا تملأ فضاء بغداد وحسب، بل فضاء العالم كله.‏

-يا الله!! هتفت شبه صارخ وصوتي كله ارتعاش، أية همجية!! أية وحشية!! انظر، القنابل سلسلة متواصلة من الانفجارات... لن تبقى بناية في بغداد.. لن يبقى مسكن في العراق!!‏

-وهو ما يهدفون إليه.. ألم تسمع ما صرح به وولفويتز: سنعيد العراق إلى أيام العصر الحجري!!‏

-يفعلها الوغد الخنزير!! قلت وأنا أتنهد، قطاع طرق بلا وازع من ضمير، ما الذي لا يفعلونه يا ترى؟ إيه، مسكين... أنت يا عراق!! ضعيف وقعت تحت رحمة عتاة جبارين، ما الذي سيحل بك؟‏

وكان ذلك سؤالاً يتردد على كل شفة ولسان... منذ زمن طويل كان يتردد، فنية أمريكا على العراق كانت واضحة، كذلك نية بريطانيا، بل هما لم تبذلا أي جهد في إخفائها... نحن نريد نفط العراق فعل العراق ما فعل... نريد احتلال العراق... وليبلط العالم البحر... سنين طويلة دارت معركة السياسة والأخذ والرد... حصاراً شديداً ضرب الأنكلو أمريكان على العراق.. الغذاء منعوه، الدواء حرموه، الصلات مع العالم قطعوا، الحظر الجوي، البحري، البري فرضوا وكأنهم يريدون العراق أن يموت كمداً لمداً لا يدري به أحد.. لكن حين أبى العراق أن يموت اخترعوا وسائل أخرى لإماتته... هم مخترعون مهرة، باستطاعتهم كل يوم أن يجدوا حيلة جديدة، اختراعاً جديداً يوصلهم إلى بغيتهم، "أسلحة الدمار الشامل!!!" هتفت أبواق الأنكلو أمريكان في طول العالم وعرضه!! إنها الخطر القاتل الذي يمثله العراق.. هو يملك أسلحة دمار شامل وعلينا أن ننزعها منه قبل أن يفتك بالعالم، "وأرسل مجلس الأمن، الأطوع لأمريكا من بنان أمريكا، لجان تفتيش على أسلحة الدمار الشامل، حارثة البر والبحر، عسى أن تجد شيئاً تعاقب بحجته العراق، لكن عبثاً... أكويو، بتلر، متلر، كلهم عادوا بخفي حنين... "لا أثر لأسلحة الدمار الشامل". وانطلقت الأبواق من جديد... "صدام يخفي الأسلحة الجرثومية والكيماوية في أمكنة لا يمكننا الوصول إليها... هو يعرقل عمل لجان التفتيش اقصفوه إذن... الخطر يتفاقم، تفادوه سريعاً قبل أن يهدد الإمبراطورية الأمريكية في عقر دارها...".‏

وصدرت أوامر كلينتون من واشنطن، فانصبت حمم البراكين على العراق ملتهمة بنارها كل شيء.... أربعة أيام بلياليها ظلت حمم كلينتون تنصب إلى أن امتلأ العالم كله صراخاً واحتجاجاً... جاءت الأوامر بالكف وقد كف العراق الجريح الذبيح عن أن يهدد الإمبراطورية العالمية، لكن الإمبراطورية هددت وعلى أيدي أناس آخرين وبلدان أخرى غير العراق وغير صدام.. طائرات تغزو أمريكا في عقر دارها فتفجر مركز التجارة العالمي، رمز السيطرة الأمريكية على اقتصاد العالم، تهاجم البنتاغون، رمز السيطرة الأمريكية على عسكر العالم... ويهيج الثور شاخراً ناخراً مقسماً بسيده العظيم إبليس الرجيم، رب الحقد والشر، اللهب والنار أن لا يبقي ولا يذر. الحرب على الإرهاب... كان الشعار الذي أطلقته أمريكا للذر في العيون، فغايتها ليست محاربة الإرهاب، هي التي صنعت الإرهاب وهي التي أوجدت أساطينه، بل السيطرة على نفط العالم، ثروات العالم وكل ما في العالم، سيدة مطلقة الهيمنة لا منافس لها ولا شريك.‏

في البداية كان الأفغان حيث القاعدة وطالبان... بن لادن الذي زرعت هي بزرته.. في التراب زرعتها، سقتها وغذتها، اعتنت بها ورعتها إلى أن نمت وقوي عودها، فأرسلتها أمريكا إلى أفغانستان تجاهد في سبيل الإسلام تحارب بالوكالة عنها الاتحاد السوفييتي إلى أن انهزم الاتحاد السوفييتي وانهار.... وشق بن لادن عصا الطاعة على سيده، وقد رأى جوره وبطشه، فانقض عليه يغزوه في عقر داره، وجن الثور الأمريكي.. "صنيعتي ترتد علي، عملائي يضربونني!!" وانهالت القذائف على بن لادن وطالبان.. تمسحهما الإمبراطورية الأمريكية عن وجه الأرض... وها قد جاء دور العراق فما الذي سيحل بالعراق؟‏

-الدمار الشامل، رد نور الدين ملء عينيه القهر والغيظ... بل هم يقولون إذا قاوم العراق حتى النهاية ستمسحه أمريكا بالقنابل الذرية... ويكون الدمار الشامل حقاً...‏

-اللعنة... والعرب ماذا يفعلون؟ ثلاثمائة مليون عربي أين هم؟‏

-وماذا يفعل جسم رأسه لعدوه... رؤوسنا لأعدائنا همام... إنهم كأبناء يعقوب.. يرون أخاهم في الجب مهدداً بالموت فيتركونه ويمضون، ساخرين ضاحكين يمضون... شامتين مسرورين يمضون، وكأنهم لا يرون شيئاً ولا يسمعون.‏

-والعمل؟‏

-القتال.. على الشعب العربي كله أن يهب. من المحيط إلى الخليج يهب، فالثور الهائج لا يوقفه إلا الدم.. اغرز حراباً في عينيه... في عنقه، في صدره. دع الدم يسيل دافقاً منه... ساعتئذ فقط يقف...‏

-وماذا باستطاعة الشعب أن يفعل؟‏

-الشعب يفعل المعجزات... صدقني... إن تحرك الشعب العربي كله هزم أمريكا... لا مظاهرات واحتجاجاً... بل مقاتلين وفدائيين...‏

-ما رأيك إذن نبدأ بأنفسنا؟‏

-لأجل هذا جئت إليك.‏

-حقاً؟‏

-حقاً وصدقاً!!. رفاقنا كلهم هذا رأيهم... فلنمض إلى العراق، ندافع عن بلدنا الذبيح قبل أن يجهزوا عليه....‏

-دون تردد، قلت وأنا أتوهج حماسة... أين اللقاء؟‏

-في الساحة بعد ساعة... قال نور الدين وهو يسرع خارجاً من المحل، فرحاً سعيداً وقد أنجز مهمته.‏

أغلقت المحل ثم أسرعت بدوري خارجاً. كان علي أن أعد بعض الحاجات، أودع الأهل وأمضي.. لكن ما إن وصلت ورأيتهم على أهبة السفر حتى أزمعت أمراً؛ كانوا قد هيأوا المتاع الصغير الذي سيأخذونه إلى الشام، وكانت خالتي قد لبست، وعمي قد غدا جاهزاً للانطلاق... رأيتهما فشعرت بغصة... أودعهما وداع الذاهب إلى القتال؟ لماذا..؟ سيجن جنونهما إن عرفا بقراري الجديد. لن يسمحا لي بالذهاب، بل ربما أرغماني على المضي معهما إلى دمشق. "إذن اسكت يا همام... لا تخبرهما، بل لا تخبر أحداً بالأمر.. أسلم رأساً وأكثر راحة...". وحملت متاعهما إلى مرآب الانطلاق، لوحت لهما بيدي على عجل ومضيت إلى جذع شجرة في الشارع أختبئ وراءه بانتظار انطلاق الحافلة... لقد خفت أن يلحظا شيئاً، أن يريا أحد الرفاق الذاهبين فيشي بأمري، وتنقلب الدنيا رأساً على عقب.‏

"لا.. لن أودعكما يا أغلى الناس على قلبي... يا أبي وأمي... أنتما اللذان ربيتماني.. تعبتما علي.. لن ترضيا أن أمضي إلى معركة تعلمان أنها غير متكافئة... معركة قد أموت فيها فتخسران كل شيء، لا... لن أودعكما...‏

وربَّتما شفيت غليل نفسي * * * * * بسهم أوقناة أو حسام‏

وفارقـت الحبيب بلا وداع * * * * * وودعت البلاد بلا سلام‏

فامضيا يا أغلى الناس على قلبي... أنا مثلكما ماضٍ... لكن أنتما إلى الغرب وأنا إلى الشرق.. أنتما إلى دمشق وأنا إلى بغداد... الأختين التوءمين اللتين لا تلتقيان. مذ زرع الاستعمار حدوده ونصب حواجزه صارتا بعيدتين نائيتين كأن واحدتهما في شرقي الأرض والأخرى في غربيها، لا تلتقيان كأنهما غريبتان لا تمت واحدتهما للأخرى بنسب ولا حسب. لكن خالتي ودعتني... قبلتني ودموعها تنهمر مدراراً، "أشعرت بأنه فراق لا لقاء بعده؟ أأحسست "يما" أن في نفسي شيئاً لا أفصح عنه... أخافك فبكيت... يقولون لدى المرأة حدس تقرأ به الغيب، تستشرف المستقبل، فهل قرأت الغيب يما؟ هل استشرفت المستقبل؟ في الطريق، أوصاني عمي بالمحل خيراً "لن أطيل الغياب... يومين أو ثلاثة وأعود... ظل في المحل.. لا تتركه.." قال لي فهززت رأسي مؤمّناً، ولماذا أفجعه هو الآخر؟ سيتمزق قلبه إن عرف بنيتي... لن يسمح لي بفعل كهذا..!! "تذهب إلى القتال؟... إن كانت الجيوش المعدة الجاهزة لا تذهب، فلماذا أنت؟" هكذا سيقول لي، أنا أعلم كيف يفكر، أعلم ماذا سيكون رده... "لا.. عمي.. لا تلق بنفسك إلى التهلكة... الجيوش العرمرمة لا تجرؤ على مواجهة أمريكا... فكيف تواجهونها أنتم؟ بضعة فدائيين بلاعيط، ماذا ستفعلون؟" سيقول لي، أنا أعرفه، ثم يمنعني من الذهاب... بهذه الطريقة، بتلك سيمنعني... إذن.. دعه على نياته... اكذب عليه... ادع البراءة... فالكذب ينجي أحياناً، والصدق شر أحياناً أخرى... يلقيك في الكرب العظام كما قال شاعر لا أدري ما اسمه. "اذهبا رافقتكما السلامة"، رحت أخاطبهما في سري، والحافلة تنطلق ملوحاً لهما بيدي وأنا أعلم أنهما لن يرياني بعد... "سلما لي على ديمة.. قبلاها عني... قولا لها إني أدعو لها... من صميم قلبي أدعو لها بالخلاص.. فلا يكون المرض قد عاد إليها، ولا يكون الخطر محيقاً بها... رغم ما فعلته بي... لا أريدها أن تموت... هي ابنة عمي ومهجة روحي لا أريد لها إلا الخير... سلما لي عليها.. وقبلاها عني... إن القلب الذي يعمره الحب لا يمكن أن يدخله الكره والحقد... وإذا عدتما يا من أنتما بمثابة أبي وأمي لا تحزنا.. إن لم تجداني لا تحزنا... فابنكما الذي ربيتماه على الشجاعة والإقدام لا يمكنه إلا أن يكون شجاعاً مقداماً، ابنكما الذي ربيتماه على النخوة والشهامة لا يمكنه إلا أن يلبي نداء النخوة والشهامة يطلقه عالياً أخوته في العراق".‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244